FANDOM


تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة (اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تفسير روح البيان المؤلف : إسماعيل حقى مصدر الكتاب : موقع التفاسير http://www.altafsir.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

{ بسم الله الرحمن الرحيم } الاصح المقبول عند متأخرى الحنفية ان البسملة آية فذة ليست جزأ من سورة انزلت للفصل والتبرك بالابتداء كما بذكرها في كل أمر ذى بال وهى مفتاح القرآن واول ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ واول ما نزل على آدم عليه السلام وحكمة تأخرها واول ما جرى به القلم فى اللوح المحفوظ واول ما نزل على آدم عليه السلام وحكمة تأخرها عن الاستعاذة تقدم التخلية بالمعجمة على التحلية والاعراض عما سوى الله على الاقبال والتوجه اليه { بسم الله } كانت الكفار يبدؤون باسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات والعزى فوجب ان يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل فلذلك قدر المحذوف متأخرا اى باسم الله اقرأ او اتلو أو غير ذلك مما جعلت التسمية مبدأ له قالوا واودع جميع العلوم في الباء اى بى كان ما كان وبى يكون ما يكون فوجد العوالم بى وليس لغيرى وجود حقيقى الا بالاسم والمجاز وهو معنى قولهم ما نظرت شياً الا ورأيت الله فيه او قبله ومعنى قوله عليه السلام « لا تسبوا الدهر فان الدهر هو الله » فان قلت ما الحكمة في افتتاح الله بالباء عشرة معان . احدها ان فى الالف ترفعا وتكبرا وتطاولا وفى الباء انكسارا وتواضعا وتساقطا فمن تواضع لله رفعه الله . وثانيها ان الباء مخصوصة بالالصاق بخلاف اكثر الحروف خصوصا الالف من حروف القطع وجدت شرف العندية من الله تعالى كما قال الله تعالى « انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى » ورابعها ان فى الباء تساقطا وتكسرا فى الظاهر ولكن رفعة درجة وعلوهمة فى الحقيقة وهى من صفات الصديقين وفى الالف ضدها اما رفعة درجتها فبانها اعطيت نقطة وليست للالف هذه الدرجة واما علو الهمة فانه لما عرضت عليها النقط ما قبلت الا واحدة ليكون حالها كحال محب لا يقبل الا محبوبا واحدا . وخامسها ان فى الباء صدقا فى طلب قربة الحق لانها لما وجدت درجة حصول النقطة وضعتها تحت قدمها وما تفاخرت بها ولا يناقضه الجيم والياء لان نقطهما فى وضع الحروف ليست تحتهما بل فى وسطهما وانما موضع النقط تحتهما عند اتصالهما مفردة أو متصلة بحرف آخر . وسادسها ان الالف حرف علة بخلاف الباء . وسابعها ان الباء حرف تام متبوع فى المعنى وان كان تابعا صورة من حيث ان موضعه بعد الالف فى وضع الحروف وذلك لان الالف فى لفظ الباء يتبعه بخلاف لفظ الالف فان الباء لا يتبعه والمتبوع فى المعنى اقوى وثامنها ان الباء حرف عامل ومتصرف فى غيره فظهر لها من هذا كامل فى صفات نفسه بانه للالصاق والاستعانة والاضافة مكمل لغيره بان يخفض الاسم التابع له اشارة اليه سيدنا على رضى الله عنه بقوله [ ان النقطة تحت الباء ] فالباء له مرتبة الارشاد والدلالة على التوحيد وعاشرها ان الباء حرف شفوى تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية ولذلك كان اول انفتاح فم الذرة الانسانية فى عهد الست بربكم بالباء فى جواب بلى فلما كان الباء اول حرف نطق به الانسان وفتح به فمه وكان مخصوصا بهذه المعانى اقتضت الحكمة الالهية اختياره من سائر الحروف فاختارها ورفع قدرها واظهر برهانها وجعلها مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وخطا به تعالى وتقدس كذا فى التأويلات النجمية .

(1/1)

واسم الله ما يصح ان يطلق عليه بالنظر الى ذاته او باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس او الثبوتية كالعليم او باعتبار فعل من افعاله كالخالق ولكنها توقيفية عند بعض العلماء كما فى الشرح المشارق لابن الملك ثم المختار ان كلمة الله هو الاسم الاعظم فان سأل سائل وقد قلنا ان للدعاء آدابا وشرائط لا يستجاب الدعاء الا بها كما ان للصلاة كذلك فاول شرائطه اصلاح الباطن باللقمة الحلال وقد قيل « الدعاء مفتاح السماء واسنانه لقمة الحلال » وآخر شرائطه الاخلاص وحضور القلب كما قال الله تعالى { فادعوا الله مخلصين له الدين } فان حركة الانسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولولة الواقف على الباب وصوت الحارث على السطح اما اذا كان حاضرا فالقلب الحاضر فى الحضرة شفيع له . قال الشيخ مؤيد الدين الجندى قدس سره ان للاسم الاعظم الذى اشتهر ذكره وطاب خبره ووجر طيه وحرم نشره من عالم الحقائق والمعانى حقيقة ومعنى ومن عالم الصورة والالفاظ صورة ولفظا اما حقيقته فهى احدية جمع جميع الحقائق الجمعية الكمالية كلها واما معناه فهو الانسان الكامل فى كل عصر وهو قطب الاقطاب حامل الامانة الالهية خليفة الله واما صورته فهى صورة كامل ذلك العصر وعلمه كان محرما على سائر الامم لما لم تكن الحقيقة فحسب فلما وجد معنى الاسم الاعظم وصورته بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم اباح الله العلم به كرامة له { الرحمن } الرحمة فى اللغة رقة القلب والانعطاف ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها والمراد بها ههنا هو التفضل والاحسان او ارادتهما بطريقة اطلاق اسم السبب بالنسبة الينا على مسببه البعيد او القريب فان اسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التى هي افعال دون المبادى التي هى انفعالات فالمعنى العاطف على خلقه بالرزق لهم ودفع الآفات عنهم لا يزيد فى رزق المتقى لقبل تقواه ولا ينقص من رزق الفاجر لقبل فجوره بل يرزق الكل بما يشاء { الرحيم } المترحم اذا سئل اعطى واذا لم يسأل غضب وبنى آدم حين يسأل يغضب والعم ان الرحمة من صفات الذات وهو ارادته ايصال الخير ودفع الشر والارادة صفة الذات لان الله تعالى لو لم يكن موصوفا بهذه الصفة لما خلق الموجودات فلما خلق الخلق علمنا ان رحمته صفة ذاتية لان الخلق ايصال خير الوجود الى المخلوق ودفع شر العدم عنهم فان الوجود خير كله قال الشيخ القيصرى اعلم ان الرحمة صفة من الصفات الالهية وهى حقيقة واحدة لكنها تنقسم بالذاتية والصفاتية اى تقتضيها اسماء الذات واسماء الصفات وكل منهما عامة وخاصة فصارت اربعا ويتفرع منها الى ان يصير المجموع مائة رحمة واليها اشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله

(1/2)

« ان لله مائة رحمة اعطى واحدة منها لاهل الدنيا كلها وادخر تسعا وتسعين الى الآخرة يرحم بها عباده » فالرحمة العامة والخاصة الذاتيتان ما جاء فى البسملة من الرحمن الرحيم والرحمة الرحمانية عامة لشمول الذات جميع الاشياء علما وعينا والرحيمية خاصة لانها تفصيل تلك الرحمة العامة الموجب لتعيين كل من الأعيان بالاستعداد الخاص بالفيض الاقدس والصفاتية ما ذكره فى الفاتحة من الرحمن الرحيم الاولى عامة الحكم لترتبها على ما افاض الوجود العام العلمى من الرحمة العامة الذاتية والثانية خاصة وتخصيصها بحسب استعداد الاصلى الذى لكل عين من الاعيان وهما نتيجتان للرحمتين الذاتيتين العامة والخاصة انتهى كلامه قالوا لله تعالى ثلاثة آلاف اسم الف عرفها الملائكة لا غير والف عرفها الانبياء لا يغر وثلاثمائة فى التوراة وثلاثمائة فى الانجيل وثلاثمائة فى الزبور وتسعة وتسعون في القرآن وواحد استأثر الله به ثم معنى هذه الثلاثة آلاف فى هذه الاسماء الثلاثة فمن علمها وقالها فكأنما ذكر الله تعالى بكل اسمائه وفى الخبر ان النبى عليه السلام قال « ليلة اسرى بى الى السماء عرض على جميع الجنان فرأيت فيها اربعة انهار نهرا من ماء ونهرا من لبن ونهرا نم خمر ونهرا من عسل فقلت يا جبريل من اين تجيئ هذه الانهار والى اين تذهب قال تذهب الى حوض الكوثر ولا ادرى من اين تجئ فادع الله تعالى ليعلمك او يريك فدعا ربه فجاء ملك فسلم على النبى عليه السلام ثم قال يا محمد غمض عينيك قال فغمضت عينى ثم قال افتح عينيك ففتحت فاذا انا عند شجرة ورأيت قبة من درة بيضاء ولها باب من ذهب احمر وقفل لو أن جميع ما فى الدنيا من الجن والانس وضعوا على تلك القمة لكانوا مثل طائر جالس على جبل فرأيت هذه الانهار الاربعة تخرج من تحت هذه القبة فلما اردت ان ارجع قال لى ذلك الملك لم لا تدخل القبة قلت كيف ادخل وعلى بابها قفل لا مفتاح له عندى قال مفتاحه بسم الله الرحمن الرحيم فلما دنوت من القفل وقلت بسم الله الرحمن الرحيم انفتح القفل فدخلت فى القبة فرأيت هذه الانهار تجرى من اربعة اركان القبة ورأيت مكتوبا على اربعة اركان القبة بسم الله الرحمن الرحيم ورأيت نهر الماء يخرج من ميم بسم الله ورأيت نهر اللبن يخرج من هاء الله ونهر الخمر يخرج من ميم الرحمن ونهر العسل من ميم الرحيم فعلمت ان اصل هذه الانهار الاربعة من البسملة فقال الله عز وجل يا محمد من ذكرنى بهذه الاسماء من امتك بقلب خالص من رياء وقال بسم الله الرحمن الرحيم سقيته من هذه الانهار »

(1/3)

وفى الحديث « لا يرد دعاء اوله بسم الله الرحمن الرحيم » وفي الحديث ايضا « من رفع قرطاسا من الارض مكتوبا عليه بسم الله الرحمن الرحيم اجلالا له ولاسمه عن ان يدنس كان عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وان كانا مشركين » وذكر الشيخ احمد البونى فى لطائف الاشارات ان شجرة الوجود تفرعت عن بسم الله الرحمن الرحيم وان العالم كله قائم بها جملة وتفصيلات فلذلك من اكثر من ذكرها رزق الهيبة عند العالم العلوى والسفلى . وكتبت قيصر ملك الروح الى عمررضى الله عنه قلنسوة فكان اذا وضعها على رأسه سكن صداعه واذا رفعها عن رأسه عاد صداعه فتعجب منه ففتش فى القلنسوة فاذا فيها كاعد مكتوب عليه بسم الله الرحمن الرحيم . قال الشيخ الاكبر في الفتوحات اذا قرأت فاتحة الكتاب فصل جبريل عليه السلام حالفا عن ميكائيل عليه السلام حالفا عن اسرافيل عليه السلام قال الله تعالى « يا اسرافيل بعزتي وجلالى وجودى وكرمى من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم متصلة بفاتحة الكتاب مرة واحدة فاشهدوا على انى قد غفرت له وقبلت منه الحسنات وتجاوزت له عن السيآت ولا احرق لسانه بالنار واجيره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب يوم القيامة والفزع الاكبر وتلقانى قبل الانبياء والاولياء اجميعن » وجه التسمية بفاتحة الكتاب اما لافتتاح المصاحف والتعليم وقراءة القرآن والصلاة بها واما لان الحمد فاتحة كل كلام واما لانها اول سورة نزلت واما لانها اول ما كتب في اللوح المحفوظ واما لانها فاتحة ابواب المقاصد فى الدنيا وابواب الجنان فى العقبى واما لان انفتاح ابواب خزائن اسرار الكتاب بها لانها مفتاح كنوز لطائف الخطاب بانجلائها ينكشف جميع القرآن لاهل البيان لان من عرف معانيها يفتح بها اقفال المتشابهات ويتقبس بسناها انوار الآيات . وسميت بام القرآن وما الشئ اصله لان المقصود من كل القرآن تقرير امور اربعة اقرار بالالوهية والنبوة واثبات القضاء { اياك نعبد واياك نستعين } على نفى الجبر والقدر وعلى اثبات ان الكل بقضاء الله تعالى وسميت بالسبع المثانى لانها سبع آيات او لان كل آية منها تقوم مقام سبع من القرآن فمن قرأها اعطى ثواب اعطى ثواب قراءة الكل او لان من فتح فاه بقراءة آياتها السبع غلقت عنه ابواب النيرات السبعة هذه وجوه التسمية بالسبع واما بالمثانى فلانها تثنى فى كل صلاة او فى كل ركعة بالنسبة الى الاخرى او المراد تشفع فى كل ركعة سورة حقيقية او حكما او لان نزولها مرتين مرة فى مكة ومرة فى المدينة .

(1/4)

وسميت بسورة الصلاة وسورة الشفاء والشافية واساس القرآن والكافية والوافية وسورة الحمد وسورة السؤال وسورة الشكر وسورة الدعاء لاشتمالها عليها وسورة الكنز لما يروى ان الله تعالى قال « فاتحة الكتاب كنز من كنوز عرشى »

(1/5)

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)

{ الحمد لله } لامه للعهد اى الحمد الكامل وهو حمد الله لله أو حمد الرسل او كمل اهل الولاء او للعموم والاستغراق اى جميع المحامد والاثنية للمحمود اصلا والممدوح عدلا والمعبود حقا عينية كانت تلك المحامد او عرضية من الملك او من المبشر او من غيرهما كما قال تعالى { وان من شئ الا يسبح بحمده } والحمد عنه الصوفية اظهار كمال المحمود وكماله تعالى صفاته وافعاله وآثاره . قال الشيخ داود القيصرى الحمد قولى وفعلى وحالى اما القولى فحمد اللسان وثناؤه عليه بما اثنى به الحق على نفسه على لسان انبيائه عليهم السلام واما الفعلى فهو الاتيان بالاعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله تعالى وتوجها الى جنابه الكريم لان الحمد كما يجب على الانسان باللسان كذلك يجب عليه كل عضو بل على كل عضو كالشكر وعند كل حال من الاحوال كما قال النبى عليه السلام « الحمد لله على كل حال » وذلك لا يمكن الا باستعمال كل عضو فيما خلق لاجله على الوجه المشروع عبادة للحق تعالى وانقيادا لامره لا طلبا لحظوظ النفس ومرضاتها واما الحالى فهو الذي يكون بحسب الروح والقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والخلق بالاخلاق الالهية لان الناس مأمورون بالتخلق باخلاق الله تعالى بلسان الانبياء عليهم السلام لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم وفى الحقيقة هذا حمد الحق ايضا نفسه فى مقامه التفصيلي المسمى بالمظاهر من حيث عدم مغايرتها له واما حمده ذاته فى مقامه الجمعى الالهى قولا فهو ما نطق به فى كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصفات الكمالية وفعلا فهو اظهار كمالاته الجمالية والجلالية من غيبه الى شهادته ومن باطنه الى ظاهره ومن علمه الى عينه فى مجالى صفاته ومحال ولاية اسمائه وحال فهو تجاليتاه فى ذاته بالفيض القدس الاولى وظهور النور الازلى فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا كما قيل لقد كنت دهرا قبل ان يشكف الغطا ... اخالك انى ذاكر لك شاكر فلما اضاء الليل اصبحت شاهدا ... بانك مذكور وذكر وذاكر وكل حامد بالحمد القولى يعرف محموده باسناد صفات الكمال اليه فهو يستلزم التعريف انتهى كلامه والحمد شامل للثناء والشكر والمدح ولذلك صدر كتابه بان حمد نفسه بالثناء فى لله والشكر فى رب العالمين والمدح فى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ثم ليس للعبد ان يحمده بهذه الوجوه الثلاثة حقيقة بل تقليدا ومجازا اما الاول فلان الثناء والمدح بوجه يليق بذاته او بصفاته فرع معرفة كنههما وقد قال الله تعالى { لا يحيطون به علما . وما قدر الله حق قدره } واما الثانى فكما ان النبي عليه السلام لما خوطب ليلة المعراج بان أثن على قال

(1/6)

« لا احصى ثناء عليك » وعلم ان لا بد من امتثال الامر واظهار العبودية فقال « انت كما اثنيت على نفسك » فهو ثناء بالتقليد وقد امرنا ايضا ان نحمد بالتقليد بقوله { قل الحمد لله } كما قال { فاتقوا الله ما استطعتم } كذا فى التأويلات النجمية : قال السعدى قدس سره عطا ييست هر موى ازو برتنم ... جه كونه بهر موى شكرى وذكر الشيخ الامام حجة الاسلام الغزالى رحمه الله فى منهاج العادبين ان الحمد والشكر آخر العقبات السبع التى لا بد للسالك من عبورها ليظفر بمبتغاه فاول ما يتحرك العبد لسلوك طريق العبادة يكون بخطرة سماوية وتوفيق خاص الهى وهو الذى اشار اليه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم بقوله « ان النور اذا دخل قلب العبد انفتح وانشرح » فقيل يا رسول الله هل لذلك من علامة يعرف بها فقال « التجافى عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله » فاذا خطر بقلب العبد اول كل شئ ان له منعما بضروب من النعم وقال انه يطالبنى بشركه وخدمته فلعله ان غفلت يزيل نعمته ويذيقنى نقمته وقد بعث الى رسولا بالمعجزات واخبرنى بان لى ربا عالما قادرا على ان يثيبت بطاعته ويعاقب بمعصيته وقد امر ونهى فيخاف على نفسه عنده فلم يجد فى طريق الخلاص من هذا النزاع سبيلا سوى الاستدلال بالصنعة على الصانع فيحصل له اليقين بوجود ربه الموصوف بما ذكر فهذه عقبة العلم والمعرفة استقبله فى اول الطريق ليكون فى قطعها على بصيرة بالتعلم والسؤال من علماء الآخرة فاذا حصل له اليقين بوجود ربه بعثته المعرفة على التشمر للخدمة ولكنه لا يدرى كيف يعبده فيتعلم ما يلزمه من الفرائض الشرعية ظاهرا وباطنا فلما استكمل العلم والمعرفة بالفرائض انبعث للعبادة فنظر فاذا هو صاحب ذنوب كما هو حال اكثر الناس فيقول كيف اقبل على الطاعة وانا مصر متلطخ بالمعاصى فيجب ان اتوب اليه ليخلصنى من اسرها واتطهر من اقذارها فاصلح للخدمة فيستقبله ههنا عقبة التوبة فلما حصلت له اقامة التوبة الصادقة بحقوقها وشرائطها نظر للسلوك فاذا حوله عوائق من العبادة محدقة به فتأمل فاذا هى اربع الدنيا والخلق والشيطان والنفس فاستقبلته عقبة العوائق فيحتاج الى قطعها باربعة امور التجرد عن الدنيا والتفرد عن الخلق والمحاربة مع الشيطان والنفس وهى اشدها اذ لا يمكنه التجرد عنها ولا ان يقهرها بمرة كالشيطان اذهى المطية والآلة ولا مطمع ايضا فى مواقتها على الاقبال على العبادة اذهى مجبولة على ضد الخير كالهوى واتباعها له . نمى تازد اين نفس سركش جنان ... كه عقلش نواندكرفتن عنان كه بانفس وشيطان برآيد بزور ... مصاف بلنكان نيايد زمور فاحتاج الى ان يلجمها بلجام التقوى لتنقاد فيستعملها فى المراشد ويمنعها عن المفاسد فلما فرع من قطعها وجدعوا ارض تعترضه وتشغله عن الاقبال على العبادة فنظر فاذا هى اربعة رزق تطلبه النفس ولا بد واخطار من كل شئ يخافه او يرجعوه او يريده او يكرهه ولا يدرى اصلاحه فى ذلك ام فساده والثالث الشدائد والمصائب تنصب عليه من كل جانب لا سيما وقد انتصب لمخالفة الخلق ومحاربة الشيطان ومضارة النفس والرابع انواع القضاء فاستقبله ههنا عقبة العوارض الأربعة فاحتاج الى قطعها باربعة بالتوكل على الله فى الرزق والتفويض اليه فى موضع الخطر لخير كما يحق وينبغى وانما ميلها الى غفلة ودعة وبطالة بل الى سرف وفضول فاحتاج الى سائق يسوقها الى الطاعة بهذين المذكورين فلما فرغ منها لم ير عائقا ولا شاغلا ووجد باعثا وداعيا فعائق العبادة بلزام الشوق فنظر فاذا تبدو بعد كل ذلك آفتان عظيمتان هما الرياء والعجب فتارة يرائى بطاعته الناس وتارة يستعظم ذلك ويكرم نفسه فاستقبلته ههنا عقبة القوادح فاحتاج الى قطعها بالاخلاص وذكر المنة فاذا قطعها بحسن عصمة الجبار وتأييده حصلت العبادة له كما يحق وينبغى ولكنه نظر فاذا هو غريق فى بحور نعم الله من امداد التوفيق والعصمة فخاف ان يكون منه افغال للشكر فيقع فى الكفران وينحط عن تلك المرتبة الرفيعة التى هى مرتبة اغذية الخالصين فاستقبلته ههنا عقبة الحمد والشكر فقطعها بتكثيرهما فلما فرغ منها فاذا هو بمقصوده ومبتغاه فيتنعم فى طيب هذه الحالة بقية عمره بشخص فى الدنيا وقلب فى العقبى ينتظر البريد يوما ويستقذر الدنيا فاستكمل الشوق الى الملأ الاعلى فاذا هو برسول رب العالمين يبشره بالرضوان من عند رب غير غضبان فينتقلو به فى طيبة النفس وتمام البشر والانس من هذه الدنيا الفانية الى الخضرة الالهية ومستقر رياض الجنة فيرى لنفسه الفقير لعيما وملكا عظيما : قال الشيخ سعدى قدس سره .

(1/7)

عروسى يود نوبت ما تمت ... كرت نيك روزى بودخاتمت قال خسرو عند وفاته زدنيا ميرود خسر وبزيرلب همى كويد ... دلم بكرقت ازغربت تمناى وطن دارم { رب العالمين } لما نبه على استحقاقه الذاتى بجميع المحامد بمقابلة الحمد باسم الذات اردفه باسماء الصفات جمعا بين الاستحاققين وهو أى رب العالمين كالبرهان على استحقاقه جميع المحامد الذاتى والصفاتي والدنيوى والخروى . والرب بمعنى التربية والاصلاح اما في حق العالمين فيربيهم باغذيتهم وسائر اسباب بقاء وجودهم وفى حق الانسان فيربى الظواهر بالنعمة وهى النفس ويربى البواطن بالرحمة وهى القلوب ويربى نفوس العابدين باحكام الشريعة ويربى قلوب المشتاقين بآداب الطريقة ويربى اسرار المحبين بانوار الحقيقة ويربى الانسان تارة باطواره وفيض قوى انواره فى اعضائه فسبحان من اسمع بعظم وبصر بشحم وانطق بلحم واخرى بترتيب غذائه فى النبات بحبوبه وثماره وفى الحيوان بلحومه وشحومه وفى الاراضى باشجاره وانهاره وفى الافلاك بكواكبه وانواره وفى الزمان بسكونك وتسكين الحشرات والحركات المؤذية فى الليالى وحفظك وتمكينك من ابتغاء فضله بالنهار فيا هذا يربيك كانه ليس له عبد سواك وانت لا تخدمه او تخدمه كأن لك ربا غير .

(1/8)

والعالمين جمع عالم والالم جمع لا واحد له من لفظه . قال وهب لله ثمانية عشر الف عالم الدنيا عالم منها وما للعمران في الخراب الا كفسطاط فى صحراء . وقال الضحاك ثلاثمائة وستون ثلاثمائة منهم حفاة عرافة لا يعرفون خالقهم وهم حشو جهنم وستون عالما يلبسون الثياب مر بهم ذو القرنين وكلمهم وقال كعب الاحبار لا يحصى لقوله تعالى { وما يعلم جنود ربك الا هو } وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان الله تعالى خلق الخلق اربعة اصناف الملائكة والشياطين والجن والانس ثم جعل هؤلاء عشرة اجزاء تسعة منهم الملائكة وواحد الثلاثة الباقي ثم جعل هذه الثلاثة عشرة اجزاء تسعة منهم الشياطين وجزء واحد الجن والانس ثم جعلهما عشرة اجزاء فتسعة منهم الجن وواحد الانس ثم جعل الانس مائة وخمسة وعشرين جزأ فجعل مائة جزء فى بلاد الهند منهم ساطوح وهم اناس رؤسهم مثل رؤس الكلاب ومالوخ وهم اناس اعينهم على صدورهم وماسوخ وهم اناس آذانهم كآذان الفيلة ومالوف وهم اناس لا يطاوعهم ارجعلهم يسمون ذوال ياى ومصير كلهم الى النار وجعل اثنى عشر جزأ منهم فى بلاد الروم النسطورية والملكانية والاسرائيلية كل من الثلاث اربع طوائف ومصيرهم الى النار جميعا وجعل ستة اجزاء منهم فى المشرق يأجوج ومأجوج وترك وخاقان وترك حد خلخ وترك خزر وترك جرجير وجعل ستة اجزاء فى المغرب الزنج والزط والحبشة والنوبة وبربر وسائر كفار العرب ومصيرهم الى النار وبقى من الانس من اهل التوحيد جزء واحد فجز أهم ثلاثا وسبعين فرقة اثنتان وسبعون على خطر وهم أهل البدع والضلالات وفرقة ناجية وهم اهل اسنة والجماعة وحسابهم على الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفى الحديث « ان بنى اسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة وتفرق امتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم فى النار الا فرقة واحدة » قالوا من هى يا رسول الله قال « من هم على ما انا عليه واصحابى » يعنى ما انا عليه واصحابى من الاعتقاد والفعل والقول فهو حق وطريق موصل الى الجنة والفوز والفلاح وما عداه باطل وطريق الى النار ان كانوا اباحيين فهم خلود والا فلا .

(1/9)

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)

{ الرحمن الرحيم } فى التكرار وجوه احدها ما سبق من ان رحمتى البسملة ذاتيتان ورحمتى الفاتحة صفاتيتان كماليتان والثانى ليعلم ان التسمية ليست من الفاتحة ولو كانت منها لما اعادهما لخلوا عن الفائدة والثالث انه ندب العباد الى كثرة الذكر فان من علامة حب الله حب ذكر الله وفى الحديث « من احب شيئا اكثر ذكره » والرابع انه ذكر رب العالمين فبين ان رب العالمين هو الرحمن الذى يرزقهم فى الدنيا الرحيم ، الذى يغفر لهم فى العقبى ولذلك ذكر بعده مالك يوم الدين يعنى ان الربوبية اما بالرحمانية وهى رزق الدنيا وما بالرحيمية وهى المغفرة فى المغفرة فى العقبى والخامس انه ذكر الحمد وبالحمد تنال الرحمة فان اول من حمد الله تعالى من البشر آدم عطس فقال الحمد لله واجيب للحال يرحمك ربك ولذلك خلقك فعلم خلقه الحمد وبين انهم ينالون رحمته بالحمد . والسادس ان التكرار للتعليل لان ترتيب الحمد على هذه الأوصاف امارة عليه مأخذها فالرحمانية والرحيمية من جملتها لدلالتهما على انه مختار في الاحسان لا موجب وفى ذلك استيفاء اسباب استحقاق الحمد من فيض الذات برب العالمين وفيض الكمالات بالرحمن الرحيم ولا خارج عنهما فى الدنيا وفيض الاثوبة لطفا والجزية عدلا فى الآخرة ومن هذا يفهم وجه ترتيب الاوصاف الثلاثة . والفرق بين الرحمن والرحيم اما باختصاص الحق بالاول او بعمومه او بجلائل النعم فعلى الاول هو الرحمن بما لا يصدر جنسه من العباد والرحيم بما يتصور صدوره منهم فذا كما روى عن ذى النون قدس سره وقعت ولولة فى قلبى فخرجت الى شط النيل فرأيت عقربا يعدو فتبعته فوصل الى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا الى شاب نائم واذا افعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم - ويحكى - ان ولد الغراب اذا خرج من القشر يكون كلحم احمر ويفر الغراب منه فيجتمع عليه البعوض فليتقمه الى ان ينبت ريشه فعند ذلك تعود الام اليه ولهذا قيلا يا رازق النعاب فى عشه واما على ان الرحمن عام فقيل كيف ذلك وقلما يخلو أحد بل حالة له عن نوى بلوى قلنا الحوادث منها ما يظن انه رحمة ويكون نقمة وبالعكس قال الله تعالى { فعسى ان تكرهوا شيئاً } الآية فالاول كما قال ان الشاب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أى مفسده وكل منها فى الظاهر نعمة والثانى كحبس الولد فى المكتب وحمله على التعليم بالضرب وكقطع اليد المتأكلة فالايله يعتبر بالظواهر والعاقل ينظر الى السرائر فما من بلية ومحنة الا وتحتها رحمة ومنحة وترك الخير الكثير للشر القليل شر كبير فالتكاليف فتطهير الارواح عن العلائق الجسدانية وخلق النار لصرف الاشرار الى اعمال الابرار وخلق الشيطان لتميز المخلصين من العباد فشأن المحقق ان يبنى على الحقائق كالخضر عليه السلام فى قصة موسى عليه السلام معه فكل ما يكره الطبع فتحته اسرار خفية وحكمة بالغة فلولا الرحمة وسبقها للغضب لم يكن وجود الكون ولما ظهر للاسم المنعم عين وإما على ان الرحمن لجلائل النعم فانما اتبعه بالرحيم لدفع توهم ان يكون طلب العبد التشئ اليسير سواء ادب كما قيل لبعضهم جئتك لحاجة يسيرة قال اطلب لها رجلا يسيرا فكأن الله يقول لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت ولكنى رحيم فاطلب منى حتى شراك نعلك وملح قدرك : قال الشيخ السعدى قدس سره العزيز

(1/10)

محالست اكر سربرين درنهى ... كه باز آيدت سدت حاجت تهى قال اهل الحقيقة الحضرات الكلية المختصة بالرحمن صلاة حضرة الظهور وحضرة البطون وحضرة الجمع وكل موجود فله هذه المراتب ولا يخلو عن حكمها وعلى هذه المراتب تنقسم احكام الرحمة فى السعداء والاشقياء والمتنعمين بنفوسهم دون ابدانهم كالارواح المجردة وبالعكس والجامعين بين الامرين وكذا من اهل الجنة منهم سعداء من حيث نفوسهم بعلومهم دون صورهم لكونهم لم يقدموا فى الجنة الاعمال ما يستوجبون به النعيم الصورى وان كان فنزر يسير بالنسبة الى من سواهم وعكس ذلك كالزهاد والعباد الذين لا علم لهم فان ارواحهم قليلة الحظ من النعيم الروحانى لعدم المناسب بينهم وبين الحضرات العلمية الالهية ولهذا لم تتعلق هممهم زمان العمل بما وراء العمل بل ظنوه الغاية فوقفوا عنده واقتصروا عليه رغبة فيما وعدوا به ورهبة مما حذروا منه واما الجامعون بين النعيمين تمام فهم الفائزون بالحظ الكامل فى العلم والعمل كالرسل عليهم السلام ومن كملت وراثته منهم اعنى الكمل من الاولياء : قال المولى جلال الدين قدس سره . هركبوتر مى برد در مذهبى ... وين كبوتر جانب بى جانبى

(1/11)

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

{ مالك يوم الدين } اليوم فى العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان وفى الشرع عما بين طلوع الفجر الثانى وغروب الشمس والمراد ههنا مطلق الوقت لعدم الشمس ثم اى مالك الامر كله فى يوم الجزاء فاضافة اليوم الى الدين لادنى ملابسة كاضافة سائر الظروف الى ما وقع فيها من الحوادث كيوم الاحزاب ويوم الفتح وتخصيصه اما تخصيصه اما لتعظيمه وتهويله او لبيان تفرده باجراء الامر فيه وانقطاع العلائق بين الملاك والاملاك حينئذ بالكلية ففى ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره واصل الملك والملك الربط والشد والقوة فالله فى الحقيقة القوة الكاملة والولاية النافذة والحكم الجارى والتصرف الماضى وهو للعباد مجاز اذلملكهم بداوية ونهاية وعلى البعض لا الكل وعلى الجسم لا العرض وعلى النفس لا النفس وعلى الظاهر لا الباطن وعلى الحى لا الميت بخلاف المعبود الحق اذ ليس لملكه زوال ولا لملكه انتقال وقراءة مالك بالالف اكثر ثوابا من ملك لزيادة حرف فيه - يحكى - عن ابى عبد الله محمد بن شجاع الثلجى رحمه الله تعالى انه قال كان من عادتى قراءة مالك فسمعت من بعض الادباء ان ملك ابلغ فتركت عادتي وقراءة مالك فسمعت من بعض الادباء ان ملك ابلغ فتركت عادتى وقرأت ملك فرأيت فى المنام قائلا يقول لم قنصت من حسناتك عشرا اما سمعت قول النبى صلى الله عليه وسلم « من قرأ القرآن كتب له بكل حرف عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيآت ورفعت له عشر درجات » فانتهبت فلم اترك عادتى حتى رأيت ثانيا فى المنام انه قيل لى لم لا تترك هذه العادة اما سمعت قول النبيى صلى الله عليه وسلم « اقرأوا القرآن فخما مفخما » اى عظيما معظما فاتيت قطربا وكان اماما فى اللغة فسألته ما بين المالك والملك فقال بينهما فرق كثير اما المالك فهو الذى ملك شيأ من الدنيا واما الملك فهو الذى يملك الملوك . قال فى تفسير الارشاد قرأ أهل الحرمين المحترمين التصرف الكلى فى امور العامة بالامر والنهى وهو الانسب بمقام الاضافة الى يوم الدين انتهى ولكل وجوه ترجيح ذكرت فى التفاسير فلتطالع ثمة . والوجه فى سرد الصفات الخمس كانه يقول خلقتك فانا ثم ربيتك بالنعم فانا رب ثم عصيت فسترت عليك فانا رحمن ثم تبت فغفرت فانا رحيم ثم لا بد من الجزاء فانا مالك يوم الدين . وفي التأويلات النجمية الاشارة فى { مالك يوم الدين } ان الدين في الحقيقة الاسلامية يدل عليه قوله تعالى « ان الدين عند الاسلام » والاسلام على نوعين اسلام بالظاهر واسلام بالباطن فاسلام الظاهر باقرار اللسان وعمل الاركان فهذا الاسلام جسدانى والجسدانى ظلمانى ويعبر عن الليل بالظلمة واما اسلام فبانشراح القلب والصدر بنور الله تعالى فهذا الاسلام الروحانى نورانى ويعبر عن اليوم بالنور فالاسلام الجسدانى يقتضى اسلام الجسد لاوامر الله ونواهيه والاسلام الروحانى يقتضى استسلام القلوب والروح لاحكام الازلى وقضائه وقدره فمن كان موقوفا عند الاسلام الجسدانى ولم يبلغ مرتبة الاسلام الروحانى وهو بعد فى سير ليلة الدين متردد ومتحير فيرى ملوكا وملاكا كثيرة كما كان حال الخليل عليه السلام الروحانى من وراء جبل نفسه من مشرق القلب فهو على نور من ربه واضح فى كشف يوم الدين فيكون ورد وقته اصبحنا واصبح الملك فيشاهد بعين اليقين بل يكاشف حق اليقين ان الملك لله ولا مالك يوم الدين فاذا تجلى له النهار وكشف بالمالك جهارا يخاطبه وجاها ويناجيه شفاها

(1/12)

{ اياك نعبد واياك نستعين } ومن لطائفة مالك يوم الدين ان مخالفة الملك تأويل الى خراب العالم وفناء الخلق فكيف مخالفة ملك الملوك كما قال الله تعالى فى سورة مريم { تكاد السموات يتفطرن منه } والطاعة سبب لمصالح كما قال تعالى { نحن نرزقك والعاقبة للتقوى } فعلى الرعية مطاوعة الملوك وعلى الملوك مطاوعة ملك الملوك لينتظم مصالح العالم . ومن لطائفه ايضا ان مالك يوم الدين يبين ان كمال ملكه بعد له حيث قال { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا نظلم نفس شيأ } فالملك المجازى ان كان عادلا كان حقا فدرت الضروع ونمت الزروع وان كان جائرا كان باطلا فارتفع الخير - يحكى - ان انوشر وان انقطع في الصيد عن القوم فانتهى الى بستان فقال لصبى فيه اعطنى رمانة فاعطاه فاستخرج من حبها ماء كثيرا سكن به عطشه فاعجبه واضمر اخذا البستان من مالكه فسأله اخرى فكانت عفصة قليلة الماء فسأل الصبى عنه فقال لعل الملك عزم على الظلم فتاب قلبه وسأله اخرى فوجدها اطيب من الاولى فقال الصبى لعل الملك تاب فتنبه انوشروان وتاب بالكلية عن الظلم فبقى اسمه مخلدا بالعدل حتى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه تفاخر فقال « ولدت فى زمن الملك العادل » لا اصل له ولا صحة وان صح فاطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يدعى به لا الوصفية بالعدل والشهادة له بذلك او وصفه بذلك على اعتقاد المعتقدين فيه انه كان عادلا كما قال الله تعالى { فما اغنت عنهم آلهتهم } اى ما كان عندهم آلهة ولا يجوز ان يسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحكم بغير حكم الله عدلا انتهى كلام المقاصد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يجاء بالوالى يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجة لا يبقى منه فصل الازال عن مكانه فان كان مطيعا لله فى عمله مضى فيه وان كان عاصيا لله انخرق به الجسر فيهوى فى جهنم مقدار خمسين عاما » كذا فى تذكرة الموتى للامام القرطبى قال السعدى قدس سره مهازور مندى مكن برجهان ... كه بريك نمط مى نماندجهان نماند ستمكار بد روز كار ... بماند برو لعنت بايدار

(1/13)

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

{ اياك نعبد واياك نستعين } بنى الله سبحانه اول الكلام على ما هو مبادى حال العارف من الذكر والفكر والتأمل فى اسمائه والنظر فى آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شانه وتأثير سلطانه ثم قفى بما هو منتهى امره وهوان يخوض لجة الوصول ويصير من اهل المشاهدة فيراه عيانا ويناجيه شفاها اللهم اجعلنا من الواصلين الى العين دون السامعين للاثر . وفيه اشارة ايضا الى ان العابد ينبغى ان يكون نظره الى المعبود اولا وبالذات ومنه الى العبادة لا من حيث انها عبادة صدرت منه بل من حيث انها نسبة شريفة ووصلة بينه وبين الحق فان العارف انما يحق وصوله اذا استغرف فى ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه حتى انه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من احوالها الا من حيث انها ملاحظة له ومنتسب اليه ولذلك فضل ما حكى عن حبيبه حين قال { لا تحزن ان الله معنا } على ما حكاه عن كليمه حيث قال { ان معى ربى سيهدين } وتقديم المفعول لقصد الاختصاص اى تخصك بالعبادة لا نعبد غيرك والعبادة غاية الخضوع والتذلل . وعن عكرمة جميع ما ذكر فى القرآن من العبادة التوحيد ومن التسبيح الصلاة ومن القنوت الطاعة . وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان جبريل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم قل يا محمد { اياك نعبد } اى اياك نؤمل ونرجوا لا غيرك والضمير المستكن فى { نعبد } وكذا فى { نستعين } للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضرى صلاة الجماعة او له ولسائر الموحدين ادرج عبادته فى تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها وتجاب ولهذا شرعت الجماعة قال الشيخ الاكبر والمسك الاذفر قد سنا الله بسره الاطهر فى كتاب العظمة اذا كنى العبد عن نفسه بنون نفعل فليست بنون التعظيم واذا كنى عن الحق تعالى بضمير الافراد فان ذلك لغلبه سلطان التوحيد فى قلب هذا العبد وتحققه به حتى سرى فى كليته فظهر ذلك فى نطقه لفظا كما كان عقدا وعلما ومشاهدة وعيعنا وهذه النون نون الجمع فان العبد وان كان فرد انى اللطيفة وحدانى الحقيقة فانه غير وحدانى ولا فرد انى من حيث لطيفته ومركبها وهيكلها وقالبها وما من جزء فى الانسان الا والحق تعالى قد طالب الحقيقة الربانية التى فيه ان تلقى على هذه الجزاء ما يليق بها من العبادات وهى فى الجملة وان كانت المدبرة فلها تكاليف يخصها ويناسب ذاتها فلهذه الجميعة يقول العبد لله تعالى نصلى ونسجد واليك نسعى ونحفد واياك نعبد وامثال هذا الخطاب ولقد سألنى سائل من علماء الرسوم عن هذه المسئلة وكان قد حار فيها فاجبته باجوبة منها هذا فشفى غليله والحمد لله انتهى كلام الشيخ قدس سره وانما خصص العبادة به تعالى لان العبادة نهاية التعظيم فلا تليق الا بالمنعم فى الغاية وهو المنعم بخلق المنتفع وباعطاء الحياة الممكنة من الانتفاع كما قال تعالى

(1/14)

{ وكنتم امواتا فاحياكم } الآية { وخلق لكم ما فى الارض جميعا } ولان احوال العبد ماض وحاضر ومستقبل ففى الماضى نقله من العدم والموت والعجز و الجهل الى الوجود والحياة والقدرة والعلم بقدرته الازلية وفى الحاضر انفتحت عليه ابواب الحاجات ولزمته اسباب الضروريات فهو رب الرحمن الرحيم وفى المستقبل مالك يوم الدين يجازيه باعماله فمصالحه فى الاحوال الثلاثة لا تستتب الا بالله فلا مستحق للعبادة الا الله تعالى . ثم قوله { نعبد } يحتمل ان يكون من العبادة ومن العبودة والعبادة هى العابدية والعبودة هى العبدية . فمن العبادة الصلاة بلا غفلة والصوم بلا غيبة والصدقة بلا منة والحج بلا اراءة والغزو بلا سمعة والعتق بلا اذية والذكر بلا ملالة وسائر الطاعات بلات آفة . ومن العبودة الرضى بلا خصومة والصبر بلا شكاية واليقين بلا شبهة والشهود بلا غيبة والاقبال بلا رجعة والايصال بلا قطيعة . واقسام العبادة على ما ذكره حجة الاسلام فى كتابه المسمى بالاربعين عشرة كما ن الاعتقاد التى قبلها عشرة فالمعتقدات الذات الازلية الابدية المنعوتة بصفات الجلال والاكرام الذى هو الاول والآخر والظاهر والباطن اى الاول بوجوده والآخر بصفاته وافعاله والظاهر بشهادته ومكوناته والباطن بغيبه ومعلوماته ثم التقديس عما لا يليق بكماله او يشين بجماله من النقائص والرذائل ثم القدرة الشاملة للممكنات ثم العلم المحيط بجميع المعلومات حتى بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء وما هو اخفى منه كهواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر ثم الارادة بجميع الكائنات ثم السمع والبصر لا يحجب سمعه بعد ولا رؤيته ظلام فيسمع من غير اصمخة وآذان ويبصر من غير حدقة واجفان . ثم الكلام الازلى القائم بذاته لا بصوت ككلام الخلق وان القرآن مقروء ومكتوب ومحفوظ ومع ذلك من غير شكل ولا لون . ثم الافعال الموصوفة بالعدل المحضن فلا موجود الا وهو حادث بفعله وفائض من عدله اذا لا يضاف لغيره ملكيا ليكون تصرفه فيه ظلما فلا يتصور منه ظلم ولا يجب عليه فعل فكل نعمة من فضله وكل نقمه من عدله . ثم اليوم الآخر . والعاشر النبوة المشتملة على الرسال الملائكة وانزال الكتب * واما العبادات العشرة فالصلاة والزكاة والصوم والحج وقراءة القرآن وذكر الله فى كل حال وطلب الحلال والقيام بحقوق المسلمين وحقوق الصحبة والتاسع الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والعاشر اتباع السنة وهو مفتاح السعادة وامارة محبة الله كما قال تعالى « قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله » قال المولى الجامى قدس سره

(1/15)

يا نبى الله السلام عليك ... انما الفوز والفلاح لديك كرنرفتم طريق سنت تو ... هستم از عاصيان امت توو ما نده ام زير بار عصيان بست ... افتم ازابى اكرنكيرى دست وجاء فى بيان مراتب العباد المتوجهين إلى الله ان الانسان اذا فعل برا ان قصد به امرا ما غير الحق كان من الاحرار لا من العبيد وان لم يقصد امرا بعينه بل يفعله لكونه خيرا فقط ولكونه مأمورا به لا مطلقا بل من حيث الحضور منه مع الآخر فهو الرجل فان ارتقى بحيث لا يقصد بعمله غير الحق كان تماما في الرجولية فان كان بحيث لا يفعل شيأ الا بالحق كما ورد فى قرب النوافل صار تاما فى المعرفة والرجولية وان انضم الى ما سبق حضوره مع الحق فى فعله بحيث يشهده بعين الحق لا بنفسه من حيث اضافة الشهود الى الله والفعل والاضافة اليه الا الى نفسه فهو العبد المخلص عمله فان ظهرت عليه غلبة احكام هذه المقام والذي قبله وهو مقام فبى يسمع غير متقيد بشئ منها ولا بمجموعها مع سريان حكم شهوده الاحدى فى كل مرتبة ونسبة دون الثبات على امر بعينه بل ثابتا فى سعته وقبوله كل وصف وحكم عن علم صحيح منه بما اتصف به وما انسلخ عنه فى كل وقت وحال دون غفلة وحجاب فهو الكامل فى العبودية والخلافة والاحاطة والاطلاق كذا فى تفسير الفاتحة للصدر القنوى قدس سره قال فى التأويلات النجمية فى قوله { اياك نعبد } رجع الى الخطاب من الغيبة لانه ليس بين الملوك ومالكه الاحجاب ملك نفس المملوك فاذا عبر من حجاب ملك النفس وصل الى مشاهدة مالك النفس كما قال ابو يزيد فى بعض مكاشفاته الهى كيف السبيل اليك قال له ربه دع نفسك وتعالى فللنفس اربع صفات امارة ولوامة وملهمة ومطمئنة فامر العبد المملوك بان يذكر مالكه باربع صفات بالصفة والالهية والربوبية والرحمانية والرحيمية فيعبر بعد مدح الالهية وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية بقوة جذبات هذه الصفات الاربع من حجاب ممالك الصفات الاربع للنفس فيتخلص من ظلمات ليلة رين نفسه بطلوع صبح صادق مالك يوم الدين فيبقى العبد عبدا مملوكا لا يقدر على شئ فيرحمه مالكه ويذكره بلسان كرمه على قضية وعده { فاذكرونى اذكركم } ويناديه ويخاطب نفسه { يا ايتها النفس المطمئنة } ثم يجذبه من غيبة نفسه الى شهود مالكية ربه بجذبة { ارجعى إلى ربك } فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز كما قرأ بعضهم مالك يوم الدين نصبا على نداء اياك نعبد . واعلم ان النفس دنيوية تعبدو هواها الدنيوى لقوله تعالى { أفرأيت من اتخذ الهه هواه } والقلب اخروى يعبد الجنة لقوله تعالى { ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هى المأوى } والروح قربى يعبد القربة والعندية لقوله تعالى

(1/16)

{ فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } والسر حضرتى يعبد الحق تبارك لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام « الاخلاص سر بينى وبين عبدى لا يسعه فيه مل كمقرب ولا نبى مرسل » فلما انعم الله على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده كما قال تعالى على لسان نبيه عليه السلام « قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل » فتقرب العبد بنفصفه الى حضرة كماله بالحمد وةالثناء والشكر على صفات جماله وجلاله وتقرب الرب على مقتضى كرمه وانعامه كما قال « من تقرب الى الله شبرا تقربت اليه ذراعا » بنصفه الى خلاص عبده من رق عبودية الاغيار باخراجه من ظلمات بعضها فوق بعض من هوى الناس وسموات القلب وعرش الروح وكرسى السر بنور ربها فآمنوا كلهم اجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم وكفروا بطواغيتهم التى يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى وجعلوا كلهم واحدا وقالوا { ايك نعبد واياك نستعين } كرر اياك للتنصيص على اختصاصه تعالى بالاستعانة ايضا والاستعانة طلب العون ويعدى بالباء وبنفسه اى نطلب العون على عبادتك اون على ما لا طاقة لنابه او على مالا طاقة لنا به او على محاربة الشيطان المانع من عبادتك او فى امورنا بما يصلحنا فى دنيانا وديننا والجامع للاقاويل نسألك ان تعيننا على اداء الحق واقامة الفروض وتحمل المكاره وطلب المصالح وتقديم العبادة على الاستعانة ليوافق رؤوس الآيى وليعلم منه ان تقديم الوسيلة على طلب الحاجة ادعى الى الاجابة واياك نعبد لما ورثه العجب اردف اياك نستعين ازالة له وافناء للنخوة . ففى الجمع بينهما افتخار وافتقار فالافتخار بك اذ فيه اثبات الفعل من العبد والتوفيق من الله كالخلق ففيه رد الجبرية النافين للفعل نما لعبد بقوله اياك نعبد ورد المعتزلة النافين للتوفيق والخلق من الله بقوله اياك نستعين ثم تحقيقهما من العبد ان لا يخدم غير الله ولا يسأل الامن الله - حكى - عن سفيان الثورى رحمه الله انه ام قوما فى صلاة المغرب فلما قال { اياك نعبد واياك نستعين } خر مغشيا عليه فلما افاق قيل له فى ذلك فقال خفت ان يقال فلم تذهب الى ابواب الاطباء والسلاطين . وفى تخصيص الاستانة بالتقديم اقتداء بالخليل عليه السلام فى قدي النمرود حيث قال له جبريل عليه السلام هل لك من حاجة فقال اما اليك فلا فقال سله قال حسبى من سؤالى علمه بحالى بل زدت عليه فان الخليل قيد رجلاه ويداه لا غير فاما انا فقيدت الرجلين فلا اسير واليدين فلا احركهما وعينى فلا انظر بهما واذنى فلا اسمع بهما ولسانى فلا اتكلم به وانا مشرف على نار جهنم فكما لم يرض الخليل بغيرك معينا لا اريد الاعونك فاياك نستعين وكانه تعالى يقول فنحن ايضا نزيد حيث قلنا ثمة يا نار كونى بردا وسلاما على ابراهيم واما انت فقد نجيناك من النار واوصلناك الى الجنة زدنا سماع الكلام القديم وامرنا نار جهنم تقول لك جزيا مؤمن فقد اطفأ نورك لهبى : قال المولى جلال الدين قدس سره زآتش مؤمن ازين رو اى صفى ... ميشود دوزخ ضعيف ومنطفى كويدش بكذر سبك اى محتشم ... ورنه زآتشهاى تو مرد آتشم

(1/17)

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

{ اهدنا الصراط المستقيم } بيان المعونة المطلوبة كانه قيل كيف اعينك فقالوا اهدنا الصراط المستقيم وايضا ان التعقيب بالدعاء بعد تمام العبادة قاعدة شرعية . قال فى التيسير { اياك نعبد } اظهار التوحيد { واياك نستعين } طلب العون عليه وقوله { اهدنا } لسؤال الثبات على دينه وهو تحقيق عبادته واستعانته وذلك لان الثبات على الهداية اهم الحاجات اذ هو الذى سأله الانبياء والاولياء كما قال يوسف عليه السلام توفنى مسلما وسحره فرعون توفنا مسلمين والصحابة وتوفنا مع الابرار وذلك لانه لا ينبغى ان يعتمد على ظاهر الحال فقد يتغير فى المآل كما لابليس وبرصيصا وبلعم بن باعورا : قالوا المولى جلال الدين قدس سره صد هزار ابليس وبلعم درجهان ... همجنين بودست بيدا ونهان اين دورا مشهور كردانداله ... تاكه باشند اين دوبرباقى كواه اين دور درزد آويخت بردا بلند ... ورنه اندر قهر بس درزدان بدند وفى تفسر القاضى اذا قاله العارف الواصل الى الله عنى به ارشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات احوالنا وتميط غواشى ابداننا لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك . قال المولى الفنارى ومبناه ان السير فى الله غير مثناه كما قال قطب المحققين ولا نهاية للمعلومات والمقدورات فما دام معلوم او مقدور فالشوق للعبد لا يسكن ولا يزول واصل الهداية ان يعدى باللام الاولى فعومل معاملة اختار فى قوله تعالى { واختار موسى قومه } والصراط المستقيم استعارة عن ملة الاسلام والدين الحق تشبيها لوسيلة المقصود بوسيلة المقصد او المقصد او لمحل التوجه الروحانى بمحل التوجه الجسمانى وانما سمى الدين صراطا لان الله سبحانه وان كان متعاليا عن الامكنة لكن العبد الطالب لا بد له من قطع المسافات ومس الآفات وتحمل المجافاة ليكرم لوصول والموافاة . ثم فى قوله { اهدنا الصراط المستقيم } مع انه مهتد وجوه الاول ان لا بد بعد معرفة الله تعالى والاهتداء بها من معرفة الخط المتوسط بين الافراط والتفريط فى الاعمال الشهوية والغضبية وانفاق المال والمطلوب ان يهديه الى الوسط والثانى انه وان عرف الله بدليل فهناك ادلة اخرى فمعنى اهدنا عرفنا ما فى كل شئ من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وافعالك . والثالث ان معنا بموجب قوله تعالى { وان هذا صراطي مستقيما } طلب الاعراض عما سوى الله وان كان نفسه والاقبال بالكلية عليه حتى لو امر بذلبح ولده كابراهيم عليه السلام او بان يتلمذ مع بلوغه اعلى درجات الغايات كموسى فعل وهذا مقام هائل الا ان فى قوله { صراط الذين انعمت عليهم } دون ان يقول صراط الذين ضربوا وقتلوا تيسيرا ما وترغيبا الى مقام الانبياء والاولياء من حيث انعامهم ثم الاستقامة الاعتدالية ثم الثبات عليها امر صعب ولذا قال النبى صلى الله عليه وسلم

(1/18)

« شيبتنى هود وا اخواتها » حيث ورد فيها فاستقم كما امرت فان الانسان من حيث نشأته وقواه الظاهرة والباطنة مشتمل على صفات واخلاق طبيعية وروحانية ولكل منها طرفا افراط وتفريط والواجب معرفة الوسط من كل ذلك والبقاء عليه وبذلك وردت الاوامر ونطقت الآيات كقوله تعالى { ولا تجعل يدك مغلولة } الآية حرضة على الوسط بين البخل والاسراف وكقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله مستشيرا فى الترهيب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره اياه « ان لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا فصم وافطر وقم ونم » وهكذا فى الاحوال كلها نحو قوله تعالى { ولا تجهر بصلوتك ولا تخافت بها } ولم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما . { وما زاغ البصر وما طغى } ولما رأى صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه يقرأ رافعا صوته سأله فقال اوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام « اخفض من صوتك قليلا » واتى اباك بكر رضى الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد اسمعت من ناجيت فقال عليه السلام « ارفع من صوتك قليلا » وهكذا الامر فى باقى الاخلاق فان الشجاعة صفة متوسطة بين الهور والجبن والبلابغة بين الايجاز المجحف والطناب المفرط وشريعتنا قد تكلفت بيان ميزان الاعتدال فى كل ترغيب وترهيب وحال وحكم وصفة وخلق حتى عينت للمذمومة مصارف اذا استعملت فيها كانت محمودة كالمنع لله والبغض لله . والمستقيم على اقسام منها مستقيم بقوله وفعله وقلبه ومستقيم بقلبه وفعله دون قوله اى لم يعلم احدا ولهذين الفوز والاول اعلى ومستقيم بفعله وقوله دون قلبه وهذا يرجى له النفع بغيره ومنها مستقيم بقوله وقلبه دون فعله ومستقيم بقوله دون فعله وقلبه ومستقيم بقلبه دون قوله وفعله ومستقيم بفعله دون قوله وقلبه وهؤلاء الاربعة عليهم لا لهم وان كان بعضهم فوق بعض ولبس المراد بالاستقامة بالقول ترك الغيبة والنميمة وشبههما فان الفعل يشتمل ذلك . انما المراد بها ارشاد لغير الى الصراط المستقيم وقد يكون عريا مما يرشد اليه مثال اجتماعها رجل تفقه فى امر صلاته وحققها ثم علمها غيره فهذا مستقيم فى قوله ثم حضر قوتها فاداها على ما علمها محافظا على اركانها الظاهرة فهذا مستقيم فى فعله ثم علم ان مراد الله منه من تلك الصلاة حضور قلبه معه فاحضره فهذا مسقتيم بقلبه وقس على ذلك بقية الاقسام . وفى التأويلات النجمية ان اقسام الهداية ثلاثة . الاولى هداية العامة الحيوانات الى جلب منافعها وسل بمضارها واليه اشار بقوله تعالى { اعطى كل شئ خلقه ثم هدى } وقوله { وهديناه النجدين } والثانية هداية الخاصة اى للمؤمنين الى الجنة واليه الاشارة بقوله تعالى { يهديهم ربهم بايمانهم } الآية . والثالثة هداية الاخص وهى هداية الحقيقة الى الله بالله واليله الاشارة بقوله تعالى

(1/19)

{ قل ان هذى الله هو الهدى } قووله { انى ذاهب الى ربى سيهدين } وقوله { الله يجتبى اليه من يشاء ويهدى اليه من ينيب } وقوله { ووجدك ضالا فهدى } اى كنت ضالا فى تيه وجودك فطلبتك بجودى ووجدتك بفضلى ولطفى وهديتك بجذبات عنايتى ونور هدايتى الى وجعلتك نورا فاهدى بك الى من اشاء من عبادى فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات الوجود البشرى الى نور الوجود الروحانى ونهديهم الى صراط مستقيم كما قال تعالى { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله } والصراط المستقيم هو الدين القويم وهو ما يدل عليه القرآن العظيم وهو خلق سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فيما قال تعالى { وانك لعلى خلق عظيم } ثم هو اما الى الجنة وذلك لاصحاب اليمين كما قال تعالى { والله يدعوا الى دار السلام } الآية واما الى الله تعالى وهذا اللسابقين المتقربين كما قال تعالى { الى صراط مستقيم صراط الله } وكل ما يكون لاصحاب اليمين يحصل للسابقين وهم سابقون على اصحاب اليمين بمالهم من شهود الجمال وكشف الجلا وهذا خاصة لسيد المرسلين ومتابيعه كما قال تعالى { قل هذه سبيلى ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعنى } قال الشيخ سعدى قدس سره اكر جز بحق مى رود جاده ات ... در آتش فشانند سجاده ات

(1/20)

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

{ صراط الذين انعمت عليهم } بدل من الاول بدل الكل والانعام ايصال النعمة وهى فى الاصل الحالة التى يستلذها الانسان فاطلقت على ما يستلذه من نعمة الدين الحق . قال ابو العباس ابن عطاء هؤلاء المنعم عليهم هم طبقات فالعارفون انعم الله عليهم بالمعرفة والاولياء انعم الله عليهم بالصدق والرضى واليقين والصفوة والابرار انعم الله عليهم بالحلم والرأفة والمريدون انعم الله عليهم بحلاوة الطاعة والمؤمنون انعم الله عليهم بالاستقامة . وقيل هم الانبياء والصديقون والشهداء والصالحون كما قال تعالى { فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } واضيف الصراط هنا الى العباد وفى قوله { وان هذا صراطى مستقيما } الى ذاته تعالى كما اضيف الدين والهدى تارة الى الله تعالى نحو { أفغير دين الله } { وان الهدى هدى الله } وتارة الى العباد نحو { اليوم اكملت لكم دينكم } { وبهداهم اقتده } وسره من وجوه . الاول بيان ان ذلك كله له شرعا ولنا نفعا كما قال تعالى { شرع لكم من الدين } والثانى انه له ارتضاء واختيارا ولنا سلوكا وائتمارا . والثالث انه اضافه الى نفسه قطعا لعجب العبد والى العبد تسلية لقلبه . والرابع انه اضافه الى العبد تشريفا له وتقريبا والى نفسه قطعا لطمع ابليس عنه كما قيل لما نزل قوله تعالى { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } قال الشيطان ان لم اقدر على سلب عزة الله ورسوله اسلب عزة المؤمنين فقال الله تعالى { فلله العزة جميعا } فقطع طمعه كذا فى التيسير . وتكرار الصراط اشارة الى ان الصراط الحقيقى صراطان من العبد الى الرب ومن الرب الى العبد فالذى من العبد الى الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطع به الرواحل ونادى منادى العزة لاهل العزة الطلب رد والسبيل سد وقاطع الطريق يقطع على هذا الفريق { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } الآية والذى من الرب الى العبد طريق آمن وبالامان كائن قد سلم فيه القوافل وبالنعم محفوف المنازل يسير فيه سيراته ويقاد بالدلائل قادته { مع الذين انعم الله عليهم من النبيين } الآية اى انعم الله على اسرارهم بانوار العناية وعلى ارواحهم باسرار الهداية وعلى قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم فى قمع الهوى وقهر الطبع وحفظ الشرع بالتوفيق والرعاية وفى مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاية . والنعم اما ظاهرة كارسال الرسل وانزال الكتب وتوفيق قبول دعوة الرسل واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس للاوامر وانواهى والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية . واما باطنة وهى ما انعم على ارواحهم فى بداية الفطرة باصابة رشاش نوره كما قال عليه السلام « ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل » فكان فتح باب صراط الله الى العبد من رشاش ذلك النور واول الغيث رش ثم ينسكب فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش الى مشاهدة المغيث وينتظرون الغيث ويستعينون { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم } بجذبات الطافك وفتحت عليهم ابواب فضلك ليهتدوا بك اليك فأصابوا بما اصابهم بك منك كذا فى التأويلات النجمية .

(1/21)

قال الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره فى الفكوك فى تأويل الحديث المذكور لا شك ان الوجود المحض يتعقل فى مقابلته العدم المضاد له فان للعدم تعينا فى التعقيل لا محالة وله الظلمة كما ان الوجود له النورانية ولهذا يوصف الممكن بالظلمة فانه يتنور بالوجود فيظهر فظلمته من احد وجهيه الذى يلى العدم وكل نقص يلحق الممكن ويوصف به انما ذلك من احكام النسبة العدمية واليه الاشارة بقوله النبى صلى الله عليه وسلم « ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليه من نوره فظهر » وخلق ههنا بمعنى التقدير فان التقدير سابق على الايجاد ورش النور كناية عن افاضة الوجود على الممكنات فاعلم ذلك انتهى كلام الشيخ { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } بدل من الذين على معنى ان المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال . وكلمة غير على ثلاثة اوجه الاول بمعنى المغايرة وفارسيته « جز » قال الله تعالى { لتفترى علينا غيره } والثانى بمعنى لا وفارسيته « ن » قال تعالى { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } والثالث بمعنى الا وفارسيته « مكر » قال تعالى { فما وجدنا فيها غير بيت من المسليمن } وصرفها ههنا على هذه الوجوه محتمل غير ان معنى الاستثناء مخصوص بقراءة النصب . والغضب ثوران النفس عند ارادة الانتقام يعنى انه حالة نفسانية عند غليان النفس ودم القلب لشهوة الانتقام وهنا نقيض الرضى او ارادة الانتقام او تحقيق الوعيد او الاخذ الاليم او الطبش الشديد او هتك الاستار والتعذيب بالنار لان القاعدة التفسيرية ان الافعال التى لها اوائل بدايات واواخر غايات اذا لم يمكن اسنادها الى الله باعتبار البدايات يراد بها حين الاسناد غاياتها كالغضب والحياء والتكبر والاستهزاء والغم والفرح والضحك والبشاشة وغيرها والضلال والعدو عن الطريق السوى عمدا او خطأ . والمراد بالمغضوب عليهم العصاة وبالضالين الجاهلون بالله لان المنعم عليهم هم الجامعون بين العلم والعمل فكان المقابل لهم من اختل احدى قوتيه العاقلة والعاملة والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى فى القاتل عمدا { وغضب الله عليه ولعنه } والمخل بالعلم جاهل ضال كقوله تعالى { فماذا بعد الحق الا الضلال } والمغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى فى حقهم { من لعنه الله وغضب عليه } والضالون النصارى لقوله تعالى فى حقهم { قد ضلوا من قبل واضلوا كثيرا } وليس المراد تخصيص نسبة الغضب باليهود ونسبة الضلال بالنصارى لان الغضب قد نسب ايضا الى النصارى وكذا الضلال قد نسب الى اليهود فى القرآن بل المراد انهما اذا تقابلا فالتعبير بالغضب الذى هو ارادة الانتقام لا محالة باليهود فى القرآن بل المراد انهما اذا تقابلا فالتعبير الذي هو ارادة الانتقام لا محالة باليهود أليق لغاية تمردهم فى كفرهم من اعتدائهم وقتلهم الانبياء وقولهم

(1/22)

{ ان الله فقير ونحن اغيناء } وغير ذلك . فان قلت من المعلوم ان المنعم عليهم غير الفريقين فما الفائدة فى ذكرهما بعدهم قلت فائدته وصف ايمانهم بكمال الخوف من حال الطائفتين بعد وصفه بكمال الرجاء في قوله { الذين انعمت عليهم } قال عليه السلام « لو وزن خوف الؤمن ورجاؤه لاعتدالا » واعلم ان حكم الغضب الالهى تكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه المقدستين يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى فالارض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه فليد الواحدة المضاف اليها عموم السعداء الرحمة والحنان وللاخرى القهر والغضب ولوازمهما فسر حكم الغضب هو التكميل المشار اليه فى الجمع بين حكم اليدين والوقاية ولصاحب الاكلة اذا ظهرت فى عضو واحد وقدر أن يكون الطبيب والده او صديقه او شقيقه فانه مع فرط محبته يبادر لقطع العضو المعتل لما لم يكن فيه قابلية الصلاح والسر الثالث التطهير كالذهب الممزوج بالرصاص والنحاس اذا قصد تمييزه لا بد وان يجعل فى النار الشديدة والضلال هو الحيرة فمنها ما هى مذومة ومناه ما هى محمدة ولها ثلاثة مراتب حيرة اهل البدايات وحيرة المتوسطين من اهل الكشف والحجاب وحيرة اكبار المحققين واول مزيل للحيرة الاولى تعين المطلب المرجح كرضى الله والتقرب اليه والشهود الذاتي ثم معرفة الطريق الموصل كملازمة شريعة الكمل ثم السبب المحصل كالمرشد ثم ما يمكن الاستعانة به فى تحصيل الغرض من الذكر والفكر وغيرهما ثم معرفة العوائق وكيفية ازالتها كالنفس والشيطان فاذا تعينت هذه الامور الخمسة حينئذ تزول هذه الحيرة وحيرة الاكابر محمودة لا تظن ان هذه الحيرة سببها قصور فى الادراك ونقص مانع من كمال الجلاء هنا والاستجلاء لما هناك بل هذه حيرة يظهر حكمها بعد كمال التحقق بالمعرفة والشهود ومعاينة سر كل وجود والاطلاع التام على احدية الوجود وفى تفسير النجم { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } هم الذين اخطأهم ذلك النور فضلوا فى تيه هوى النفس وتاهوا فى ظلمات الطبع والتقليد فغضب الله عليهم مثل اليهود ولعنهم بالطرد والتبعيد حتى لم يهتدوا الى الشرع القويم ووقعوا عن الصراط المستقيم اى عن المرتبة الانسانية التى خلق فيها الانسان فى احسن تقويم ومسخوا قردة وخنازير صورة أو معنى او لما وقعوا عن الصراط المستقيم فى سد البشرية نسوا ألطاف الربوبية وضلوا عن صراط التوحيد فاخذهم الشيطان بشرك الشرك كالنصارى فاتخذوا الهوى الها والدنيا الها وقالوا { ثالث ثلاثة } { نسوا الله فنسيهم } هذا بحسب اول الحال وفيه وجه آخر معتبر فيه عارض المآل وهوان يراد غير المغضوب عليهم بالغيبة بعد الحضور والمحنة بعد السرور والظلمة غب النور نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى من الرجوع الى النقصان بعد الزيادة ولا الضالين بغلبة الفسق والفجور وانقلاب السرورة بالشرور ووجه ثالث يعبر فى السلوك الى ملك الملوك وهو غير المغضوب عليهم بالاحتباس فى المنازل والانقطاع عن القوافل ولا الضالين بالصدود عن المقصود

(1/23)

{ آمين } اسم فعل بمعنى استجب معناه يا الله استجب دعاءنا او افعل يا رب بنى على الفتح كأين وكيف لالتقاء الساكنين وليست من القرآن اتفاقا لانها لم تكتب فى الامام ولم ينقل احد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضى الله تعالى عنهم قرآن لكن يسن ان يقول القارئ بعد الفاتحة آمين مفصولة عنها لقوله عليه السلام « علمنى جبريل آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة وقال انه كالختم على الكتاب » وزاده على رضى الله عنه توضيحا فقال [ آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عبده ] فسره ان الخاتم كما يمنع عن المختوم الاطلاع عليه والتصرف فيه يمنع آمين عن دعاء العبد الخيبة . وقال وهب يخلق بكل حرف منه ملك يقول اللهم اغفر لمن قال آمين وفى الحديث « الداعى والمؤمن شريكان » يعنى به قوله تعالى { قد اجيبت دعوتكما } قال عليه السلام « اذا قال الامام ولا الضالين فقولوا آمين فان الملائكة تقولها فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » وسره ما مر فى كلام وهب اما الموافقة فقيل فى الزمان وقيل فى الاخلاص والتوجه الاحدى واختلف فى هؤلاء الملائكة قيل هم الحفظة وقيل غيرهم ويعضده ما روى انه عليه السلام قال « فان من وافق قوله قول اهل السماء » ويمكن ان يجمع بين القولين بان يقولها الحفظة واهل السماء ايضا . قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة ان الفاتحة نسخة الكمال لمن اخرج للاستكمال من ظلمة العدم والاستهلاك فى نور القدم الى انوار الروحانية ثم بواسطة النفخ الى عالم الجسمانية ليكمل مرتبة الانسانية التى لجمعيتها مظنة الانانية فاحتاج الى طلب الهداية الى منهاج العناية التى منها جاء ليرجع من الوجود الى العدم بل من الحدوث الى القدم فيفقد الموجود فقدانا لا يجده ليجد المفقود وجدانا لا يفقده ولما حصل لهم رتبة الكمال بقبول هذا السؤال كما قال ولعبدى ما سأل فاضافه الى نفسه بلام التمليك ثم ختم اكرم الا كرمين نسخة حالهم بخاتم آمين اشارة الى ان عباده المخلصين ليس لاحد من العالمين ان يتصرف فيهم بان يفك خاتم رب العالمين ولهذا ايس ابليس فقال { الا عبادك منهم المخلصين } وعدد آيات سورة الفاتحة سبع فى قول الجمهور على ان احداها ما آخرها انعمت عليهم لا التسمية او بالعكس وعدد كلماتها ، ففى لتيسير انها خمس وعشرون وحروفها مائة وثلاثة وعشرون .

(1/24)

وفى عين المعانى كلماتها سبع وعشرون وحروفها مائة واثنان واربعون وسبب الاختلاف بعد عدم العتبار البسملة اعتبار الكلمات المنفصلة كتابة او المستقلة تلفظا واعتبار الحروف الملفوظة او المكتوبة او غيرهما . وسئل عطاء أى وقت انزلت فاتحة الكتاب قال انزلت بمكة يوم الجمعة كرامة اكرم الله بها محمد عليه السلام وكان معها سبعة آلاف ملك حين نزل بها جبريل على محمد عليهما السلام . روى ان عيرا قدمت من الشام لابى جهل بمال عظيم وهى سبع فرق ورسول الله واصحابه ينظرون اليها واكثر الصحابة بهم جوع وعرى فخطر ببال النبى صلى الله عليه وسلم شئ لحاجة اصحابه فنزل قوله تعالى { ولقد آتيناك سبعا من المثانى } اى مكان سبع قوافل لابى جهل لا ينظر الى ما اعطيناك مع جلالة هذه العطية فلم تنظر الى ما اعطيته من متاع الدنيا الدنية ولما علم الله ان تمنيه لم يكن لنفسه بل لاصحابه قال { ولا تحزن عليهم } وامره بما يزيد نفعه على نفع المال فقال { واخفض جناحك للمؤمنين } فان تواضعك اطيب لقلوبهم من ظفرهم بمحبوبهم ومن فضائلها ايضا قوله عليه السلام « لو كانت فى التوراة لما تهود قوم موسى ولو كانت فى الانجيل لما تنصر قوم عيسى ولو كانت فى الزبور لما مسخ قوم داود عليهم السلام وأيما مسلم قرأها اعطاه الله من الاجر كانما قرأ القرآن كله وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة » ومن فضائلها ايضا ان الحروف المعجمة فيها اثنان وعشرون واعوان النبى صلى الله عليه وسلم بعد الوحى اثنان وعشرون وان ليست فيها سبعة احرف ثاء الثبور وجيم الجحيم وخاء الخوف وزاى الزقوم وشين الشقاوة وظاء الظلمة وفاء الفراق فمعتقد هذه السورة وقارئها على التعظيم والحرمة آمن من هذه الاشياء السبعة . وعن حذيفة رضى الله عنه انه عليه السلام قال « ان القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبى من صبيانهم فى المكتب الحمد لله رب العالمين فيسمعه ويرفع عنهم بسببه العذاب اربعين سنة » وقد مر ما روى من ايداع علوم جميع الكتب فى القرآن ثم فى الفاتحة فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكل ومن قرأها فكأنما قرأ الكل . قال تفسير الكبير والسبب ان المقصود من جميع الكتب علم الاصول والفروع والمكاشفات وقد علم اشتمالها عليها . قال الفنارى وذلك لما علم ان اولها الى قوله تعالى { مالك يوم الدين } اشارة الى العقائد المبدئية المتعلقة بالهيات ذاتا وصفة وفعلا لان حصر الحمد يقتضى حصر الكمالات الذاتية والوصفية والفعلية ثم بالنبوات والولايات لانهما اجلاء النعم او اخصاؤها ثم الى العقائد المعادية لكونه مالكا للامر كله يوم المعاد واوسطها من قوله { اياك نعبد واياك نستعين } الى اقسام الاحكام الرابطة بين الحق والعبد من العبادات وذلك ظاهر من المعاملات والمزاجر لان الاستعانة الشرعية اما لجلب المنافع او لدفع المضار وآخرها الى طلب المؤمن وجوه الهداية المرتبة على الايمان المشار اليه فى القسم الاول والاسلام المشار اليه فى القسم الثانى وهى وجوه الاحسان اعنى المراتب الثلاث من الالخلاق الروحانية المحمودة ثم المراقبات المعهودة فى قوله عليه السلام

(1/25)

« ان تعبد الله كأنك تراه » ثم الكمالات المشهودة عند الاستغراق فى مطالع الجلال الرافع لكاف التشبيه الذى فى ذلك الخبر والدافع لغضب تنزيه الجبر وضلال نسبة القدر وهذه هى المسماة بعلوم المكاشفات والله اعلم باسرار كلية المبطنات .

(1/26)

الم (1)

{ آلم } ان قلت ما الحكمة فى ابتداء البقرة بالم والفاتحة بالحرف الظاهر المحكم الجواب قال السيوطى رحمه الله فى الاتقان اقول فى مناسبة ابتداء البقرة بالم انه لام ابتدئت الفاتحة بالحرف المحكم الظاهر لكل احد بحيث لا يعذر فى فهمه ابتدئت البقرة بمقابلة وهو الحرف المتشابه البعيد التأويل ليعلم مراتبه للعقلاء والحكماء ليعجزهم بذلك ليعتبروا ويدبروا آياته كذا فى خواتم الحكم وحل الرموز وكشف الكنوز للعارف بالله الشيخ المعروف بعلى دده واعلم انهم تكلموا فى شأن هذه الفواتح الكريمة وما اريد بها فقيل انها من العلوم المستورة والاسرار المجحوبة اى من المشتابه الذى استأثر الله بعلمه وهى سر القرآن فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها الى الله تعالى وفائدة ذكرها طلب الايمان بها والالف الله واللام لطيف والميم مجيد اى انا الله اللطيف المجيد كما ان قوله تعالى { الر } انا الله ارى و { كهيعص } انا الله الكريم الهادى الحكيم العلمي الصادق وكذا قوله تعالى { ق } اشارة الى انه القادر القاهر و { ن } اشارة الى انه النور الناصر فهى حروف مقطعة كل منها مأخوذ من اسم من اسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود فى العربية كما قال الشاعر قلت لها قفى فقالت ق ... اي وقفت وقيل ان هذه الحروف ذكرت فى اوائل بعض السور لتدل على ان القرآن مؤلف من الحروف اتى هى « ا ب ت ث » فجاء بعضها مقطعا وبعضها مؤلفا ليكون ايقاظا لما تحدى بالقرآن وتنبيها لهم على انهم منتظم من عين ما ينظمون منه كلامهم فلولا انه خارج عن طوق البشر نازل من عند خلاق القوى والقدر لأتوا بمثله هذا ما جنح اليه اهل التحقيق ولكن فيه نظر لانه يفهم من هذا القول ان لا يكون لتلك الحروف معان واسرار والنبى عليه السلام اوتى علم الاولين والآخرين فيحتمل ان يكون الم وسائر الحروف المقطعة من قبيل الموضعات المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهما وقد واضعها الله تعالى مع نبيه عليه السلام فى وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام باسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل ولا غيره يدل على هذا ما روى فى الاخبار ان جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى { كهيعص } فلما قال « كاف » قال النبى عليه السلام « علمت » فقال « ها » فقال « علمت » فقال « ياء » فقال « علمت » فقال « عين » فقال « علمت » فقال « صاد » فقال « علمت } فقال جبريل عليه السلام كيف علمت ما لم اعلم .

(1/27)

وقال الشيخ الاكبر قدس سره فى اول تفسيره { الم ذلك الكتاب } واما الحروف المجهولة التى انزلها الله تعالى فى اوائل السورة فسبب ذلك من أجلها لغو العرب عند نزول القرآن فانزلها سبحانه حكمة منه حتى تتوفر دواعيهم لما انزل الله اذا سمعوا مثل هذا الذى ما عهدوه والنفوس من طبعها ان تميل الى كل امر غريب غير معتاد فينفستون عن اللغو ويقبلون عليها ويصغون اليها فيحصل المقصود فيما يسمعونه مما يأتى بعد هذه الحروف النازلة من عند الله تعالى وتتوفر دواعيهم للنظر فى الامر المناسب بين حروف الهجاء التى جاء بها مقطعة وبين ما يجاورها من الكلم وابهم الامر عليهم من عدم اطلاعهم عليها فرد الله بذلك شرا كبيرا من عنادهم وعتوهم ولغوهم كان يظهر منهم فذاك رحمة للؤمنين وحكمة منه سبحانه انتهى كلامه . قال بعض العارفين كل ما قيل فى شرحها بطريقة النظر والاعتبار فتخمين النظر من قائله لا حقيقة الا لمن كشف الله له عن قصده تعالى بها يقول الفقير جامع هذه المعارف واللطائف شكر الله مساعيه وبسط اليه من عنده اياديه قال شيخى الاكمل فى هامش كتاب اللائحات البرقيات له بعد ما ذكر بعض خواص الم على طريق الحقيقة زلق فى امثال هذا المتشابه اقدام الزائغين عن العلم وتحير عقول الراسخين فى العلم وبعضهم توقف تأدبا مع الله تعالى ولم يتعرض بل قالوا آمنا به كل من عند ربنا وبعضهم تأولوا لكن بوجوه بعيدة عن المرام بعدا بعيدا الا انها مستحسنة شرعا مقبولة دينا وعقلا وما يذكر اى بالمقصود والمرام على ما هو عليه فى نفسه فى الواقع الا اولوا الباب لكن بتذكير الله تعالى والهامه واطلاعه تخصيصا لهم وتمييزا لهم عما عداهم اختصاصا اليها ازليا لهم من عند الله لا بتفكر انفسهم ونظر عقولهم بل بمحض فيض الله والهامه انتهى كلامه الشريف قدس سره اللطيف . وقال عبد الرحمن البسطامى قدس سره مؤلف الفوائح المسكية فى بحر الوقوف ثم ان بعض الانبياء علموا اسرار الحروف بالوحى الربانى والالقاء الصمدانى وبعض الاولياء بالكشف الجلى النورانى والفيض العلى الروحانى وبعض العلماء بالنقل الصحيح والعقل الرجيح وكل منهم اخبر اصحابه ببعض اسرارها بطريق الكشف والشهود او بطريق الرسم والحدود والصحيح ان الله تعالى طوى علم اسرار الحروف عن اكثر هذه الامة لما فيها من الحكم الالهية والمصالح الربانية ولم يأذن للاكابر ان يعرفوا منه الا بعض اسراره التى يشتمل عليها تركيبها الخاص المنتج انواع التسخيرات والتأثيرات فى العوالم العلويات والسفليات الى غير ذلك انتهى كلام بحجر الوقوف وفى التأويلات النجمية هيئة الصلاة التى ذكرت فى القرآن ثلاثة القيام لقوله تعالى { وقوموا لله قانتين } والركوع لقوله تعالى « واركعوا اشارة الى الركوع والميم اشارة الى السجود يعنى من قرأ سورة الفاتحة التى هى مناجاة العبد مع الله فى الصلاة التى هى معراج المؤمنين يجيبه الله تعالى بالهداية التى طلبها منه بقوله اهدنا . ثم اعلم ان المتشابه كالمحكم من جهة اجر التلاوة لما ورد عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر امثالها لا اقول الم حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف « ففى الم تسع حسنات .

(1/28)

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

{ ذلك الكتاب } الم مبتدأ على انه اسم القرآن على احد الوجوه وذلك خبره اشارة الى الكتاب فيكون الكتاب صفة والمراد به الكتاب الكامل الموعود انزاله فى الكتب المتقدمة وانما اشار بذلك الى ما ليس ببعيد لان الكتاب من حيث كونه موعودا فى حكم البعيد قالوا لما انزل الله تعالى على موسى التوراة وهى الف سورة كل سورة الف آية قال موسى عليه السلام يا رب قال على خاتم النبيين قال وكيف تقرؤه امته ولهم اعمار قصيرة قال انى ايسره عليهم حتى يقرؤه صبيانهم قال يا رب وكيف تفعل قال وعشرين على ابراهيم والتوراة عليك والزبور على داود والانجيل على عيسى وذكرت الكائنات فى هذه الكتب فأذكر جميع معانى هذه الكتب فى كتاب محمد واجمع ذلك كله فى مائة واربع عشرة سورة واجعل هذه السور فى ثلاثين جزأ والجزاء فى سبعة اسباع ومعنى هذه الاسباع فى سبع آيات الفاتحة ثم معانها فى سبعة احرف وهى بسم الله ثم ذلك كله فى الألف من الم ثم افتتح سورة البقرة فاقول الم ولما وعد الله ذلك فى التوراة وانزله على محمد عليه السلام جحدت اليهود لعنهم الله ان يكون هذ ذلك فقال تعالى ذلك الكتاب كما فى تفسير التيسير ولهذه الآية وجوه اخر من الاعراب ذكرت فى التفاسير فلتطلب ثمة { لا ريب } كائن { فيه } فقوله ريب اسم لا وفيه خبرها وهو فى الاصل من رابنى الشئ اذا حصل فيك الريبة وهى قلق النفس واضطرابها سمى به الشك لانه يقلق النفس ويزيل الطمأنينية وفى الحديث « دع ما يريبك الى ما لا يريبك » فان الشك ريبة والصدق طمأنينة ومنه ريب الزمان لنوائبه * وفى التفسير المسمى بالتيسير الريب شك فيه خوف وهو اخص من الشك فكل ريب شك وليس كل شك ريبا والشك هو التردد بين النقيضين لا ترجيح لاحدهما على الآخر عند الشاك ولم يقدم الظرف على الريب لئلا يذهب الفهم الى ان كتابا آخر فيه الريب لا فيه . فان قلت الكفار شكوا فيه فلم يقروا بكتاب الله تعالى والمبتدعون من اهل القبلة شكوا فى معانى متشابهه فاجروها على ظاهرها وضلوا بها والعلماء شكوا فى وجوهه فلم يقطعوا القول على وجه منها والعوام شكوا فيه فلم يفهموا معانيه فما معنى نفى الريب عنه فالجواب ان هذا نفى الريب عن الكتاب لاعن الناس والكتاب موصوف بانه لا يتمكن فيه ريب فهو حق صدق معلوم ومفهوم شك فيه الناس او لم يكشوا كالصدق صدق فى نفسه وان وصفه الناس بالكذب والكذب كذب وان وصفه الناس بالصدق فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب او يتمكن فيه عيب ويجوز ان يكون خبرا فى معنى الامر ومعناه لا ترتابوا كقوله تعالى

(1/29)

{ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج } المعنى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا كما فى الوسيط والعيون { هدى } اى هو رشيد وبيان { للمتقين } اى للضالين المشارفين التقوى الصائرين اليها ومثله حديث « من قتل قتيلا فله سلبه » وفى تفسير الارشاداى المتصفين بالتقوى حالا او مآلا وتخصيص الهدى بهم لما انهم المقتبسون من انواره المنتفعون بآثاره وان كان ذلك شاملا لكل ناظر من مؤمن وكافر وبذلك الاعتبار قال تعالى { هدى للناس } اى كلهم بيانا وهدى للمتقين على الخصوص ارشادا * قال فى التيسير وكذلك يقال فى كل من انتفع بشئ دون غيره انه لك على الخصوص اى انت المنتفع به وحدك وليس فى كون بعض الناس لم يهتدوا ما يخرجه من ان يكون هدى فالشمس شمس وان لم يرها الضرير والعسل عسل وان لم يجد طعمه المرور والمسك مسك وان لم يدرك طيبه المأنوف فالخيبة كل الخيبة لمن عطش والبحر زاخر وبقى فى الظلمة والبدر زاهر وخبث والطيب حاضر وذوى والروض ناظر والحسرة كل الحسرة لمن عصى وفسق والقرآن ناه آمر وفارق الرغبة والرهبة والوعد متواتر والوعيد متظاهر ولذلك قال تعالى { وانه لحسرة على الكافرين } والمتقى اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية وهى فرط الصيانة قال البغوى هو مأخوذ من الاتقاء واضله الحاجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه اى جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده وفى الحديث كنا اذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم اى اذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو فكان المتقى يجعل امتثال امر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب . والتقوى فى عرف الشرع عبارة عن كمال التوقى عما يضره فى الآخرة وله ثلاث مراتب الاولى التوقى عن العذاب المخلد بالتبرى من الكفر وعليه قوله تعالى { والزمهم كلمة التقوى } والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل او ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى فى الشرع وهو المعنى بقوله تعالى { ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا } والثالثة ان يتنزه عما يشغل سره عن الحق عز وجل ويتبتل اليه بكليته وهو التقوى الحقيقة المأمور بها فى قوله تعالى { يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } واقصى مراتب هذا النوع من التقوى ما انتهى اليه همم الانبياء عليهم السلام حيث جمعوا رياستى النبوة والولاية وما عاقهم التعلق بعالم الاشباح عن العروج الى عالم الارواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق فى شؤن الحق لكمال استعداد نفسوهم الزكية المؤبدة بالقوة القدسية . وهداية الكتاب المبين شاملة لا رباب هذه المراتب اجمعين فهداية العام بالاسلام وهداية الخاص بالايقان والاحسان وهداية الاخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان .

(1/30)

وفى التأويلات النجمية المتقون هم الذين اوفوا بعهد الله من بعد ميثاقه ووصلوا به ما امر الله ان يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرا وباطنا يدل على هذا قوله تعالى { واوفوا بعهدى اوف بعهدكم } الى قوله { واياى فاتقون } اى اذا انتم اقررتم بربوبيتى بقولكم بلى يوم الميثاق اوفوا بعهدى الذى عاهدتمونى عليه وهوالهداية الى . وفى الرسالة القشيرية والمتقى مثل ابن سيرين كان له اربعون حبسمنا فاخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أى حب اخرجتها فقال لا ادرى فصبها كلها . ومثل ابى يزيد البسطامى اشترى بهمذان جانبا من حب القرطم فلما رجع الى بسطام رأى فيه نملتين فرجع الى همذان ووضع النملتين - وحكى - ان ابا حنيفة رحمه الله كان لا يجلس فى ظل شجرة غريمه ويقول فى الخبر « كل قرض جر نفعها فهو ربا » وقيل ان ابا يزيد غسل ثوبه فى الصحراء مع صاحب له فقال له نعلق الثوب فى جدار الكروم فقال لا نضرب الوتد فى جدار الناس فقال نعلقه فى الشجر فقال انه يكسر الاغصان فقال نبسطه على الارض فقال انه علف الدواب لا نستره عنها فولى ظهره حتى جف جانب ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر .

(1/31)

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

{ الذين يؤمنون بالغيب } الجملة صفة مقيدة للمتقين ان فسر التقوى بترك ما لا ينبغى مترتبة عليه ترتب التحلية على التخلية والتصوير على التصقيل وموضحة ان فسر بما يعم فعل الطاعة وترك المعصية لاشتماله على ما هو اصل الاعمال واساس الحسنات من الايمان والصلاة والصدقة فانها امهات الاعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصى غالبا ألا يرى قوله تعالى { ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } وقوله عليه السلام « الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الاسلام » والايمان هو التصديق بالقلب لان المصدق يؤمن المصدق يؤمن المصدق يؤمن المصدق اى يجعله آمنا بفضله واستعماله بالباء ههنا لتضمنه معنى الاعتراف وقد يطلق على الوثوق فان الواثق يسير ذا امن وطمانينة . قال فى الكواشى الايمان فى الشريعة هو الاعتقاد بالقلب والاقرار باللسان والعمل بالاركان والاسلام الخضوع والانقياد فكل ايمان اسلام وليس كل اسلام ايمانا اذا لم يكن معه تصديق فقد يكون الرجل مسلما ظاهرا غير مصدق باطنا ولا يكون مصدقا باطنا غير منقاد ظاهرا . قال المولى ابو السعود رحمه الله فى تفسيره هو فى الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما علم ضرورة انه من دين نبينا صلى الله عليه وسلم كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها وهل هو كاف فى ذلك او لا بد من انضمام الاقرار اليه للتمكن منه الاول رأى الشيخ الاشعرى ومن تابعه والثانى مذهب ابى حنيفة رحمه الله ومن تابعه وهو الحق فانه جعلهما جزئين له خلا ان الاقرار ركن محتمل للسقوط كما عند الاكراه وهو مجموع ثلاثة امور اعتقاد الحق والاقرار به والعمل بموجبه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج فمن اخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ومن اخل بالقرار فهو كافر ومن اخل بالعمل فهو فاسق اتفاقا عندنا وكافر عند الخوارج وخارج عن الايمان غير داخل فى الكفر عند المعتزلة . والغيب مصدر سمى به الغائب توسعا كقولهم للزآئر زور وهو ما غاب عن الحسن والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو الذي اريد بقوله سبحانه { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو } وقسم نصب عليه دليل كالصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها من الاحكام والشرائع واليوم الآخر واحواله من البعث والنشور والحساب والجاء وهو المراد ههنا . فالباء صلة الايمان اما بتمينه معنى الاعتراف او بجعله مجازا عن الوثوق وهو واقع موقع المفعول به وان جعلت الغيب مصدرا على حاله كالغيبة فالباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل اى يؤمنون ملتبسين بالغيبة اما عن المؤمن به اى غائبين عن النبى صلى الله عليه وسلم غير مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة ويدل عليه انه قال حارث بن نغير لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه نحن نحتسب لكم يا اصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته فقال عبد الله ونحن نحتسب لكم ايمانكم به ولم تروه وان افضل الايمان ايمان بالغيب ثم قرأ عبد الله { الذين يؤمنون بالغيب } كذا فى تفسير ابى الليث واما عن الناس اى غائبين عن المؤممنين لا كالمنافقين الذين

(1/32)

{ واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم } وقيل المراد بالغيب القلب لانه مستور والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بافواههم ما ليس فى قلوبهم فالباء حينئذ للآلة . وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه احد منا فاقبل حتى جلس بين يدى رسول الله الله صلى الله عليه وسلم « ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا » فقال صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه ثم قال فما الايمان قال « ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره » فقال صدقت ثم قال فما الاحسان قال « ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك » قال صدقت ثم قال فاخبرنى عن الساعة فقال « ما المسئول عنها بأعلم من السائل » قال صدقت قال فاخبرنى عن اماراتها قال « ان تلد الامة ربتها وان ترى العراة الحفاة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان » قال صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا عمر هل تدرى من الرجل » قلت الله ورسوله اعلم قال « ذاك جبريل اتاكم يعلمكم امر دينكم وما اتانى فى صورة الا عرفته فيها الا فى صورته هذه » وفى التأويلات النجمية { يؤمنون بالغيب } اى بنور عيبى من اله فى قلوبهم نظروا فى قول محمد صلى الله عليه وسلم فشاهدوا صدق قوله فآمنوا به كما قال عليه السلام « المؤمن ينظر بنور الله » واعلم ان الغيب غيبان غيب غاب عنك وغيب غبت عنه فالذى غاب عنك عالم الارواح فانه قد كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك فى عهد الست بربكم واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعارف الارواح من الانبياء والاولياء وغيرهم فغاب عنك اذ تعلقت بالقالب ونظرت بالحواس الخمس اى بالمحسوسات من عالم الاجسام واما الغيب الذي غبت عنه فغيب الغيب وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود وما غاب عنك بالوجود وما غاب عنك بالوجود وهو معكم اينما كنتم انت بعيد منه وهو قريب منك كما قال

(1/33)

{ ونحن اقرب اليه من حبل الوريد } انتهى كلام الشيخ نجم الدين قدس سره قال الشيخ سعدى دوست نزديكتر ازمن بمنست ... وين عجبرتركه من ازوى ذورم جه كنم باكه توان كفت كه او ... در كنار من ومن مهجورم { ويقيمون الصلاة } الصلاة اسم للدعاء فى قوله تعالى { وصل عليهم } اى ادع لهم والثناء كما فى قوله تعالى { ان الله وملائكته يصلون } والقراءة كما فى قوله تعالى { ولا تجهر بصلوتك } اى بقراءتك والرحمة كما فى قوله تعالى { اولئك عليهم صلوات من ربهم } والصلاة المشروعة المخصوصة بافعال واذ كار سميت بها لما فى قيامها من القراءة وفى قعودها من الثناء والدعاء ولفاعلها من الرحمة . والصلاة فى هذه الآية اسم جنس اريد بها الصلوات الخمس . واقامتها عبارة عن المواظبة عليها من قامت السوق اذا نفقت او عن التشمر لادائها منغير فتور ولاتوان من قولهم قام بالامر واقامه اذا جد فيه وتجلد وضده قعد عن الامر وتقاعد او عن ادائها فان قول المؤذن قد قامت الصلاة معناه اخذوا فى ادائها عبر عن ادائها بالاقامة لاشتمالها على القيام كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح او عن تعديل اركانها وحفظها من ان يقع فى شئ من فرائضها وسننها وادائها زيغ من اقام العود اذا قومهوعدله وهو الاظهر لانه اشهر والى الحقيقة اقرب وافيد لتضمنه التنبيه على ان الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنين وحقوقها الباطنه من الخشوع ولاقبال بقلبه على الله تعالى لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون . قال ابراهيم النخعى اذا رأيت رجلا يخفف الركوع ولاسجود فترحم على عياله يعنى سن ضيق المعيشة . وذكر ان حاتما الزاهد دخل على عاصم بن يوسف فقال له عاصم يا حاتم هل تحسن ان تصلى فقال نعم قال كيف تصلى قال اذا تقارب وقت الصلاة اسبغ الوضوء ثم استوى فى الموضع الذى اصلى فيه حتى يستقر كل عضو منى وارى الكعبة بين حاجبى والمقام بحيال صدرى والله فوقى يعلم ما فى قلبى وكأن قدمى على الصراط والجنة عن يمينى والنار عن شمالى وملك الموت خلفى واظن انها آخر الصلاة ثم اكبر تكبيرا باحسان واقرأ قراءة بتفكر واركع ركوعا بالتواضع والسجد سجودا بالتضرع ثم اجلس على التمام والتشهد على الرجاء واسلم على السنة ثم اسلمها للاخلاص واقوم بين الخوف والرجاء ثم العاهد على الصبر قال عاصم يا حاتم أهكذا صلاتك قال كذا صلاتى منذ ثلاثين سنة فبكى عاصم وقال ما صليت من صلاتى مثل هذا قط كذا فى تنبيه الغافلين : قال السمدى

(1/34)

كه داند جو دربند حق نيستى ... اكربى وضو درنماز ايستى قال فى تفسيره التيسير المذكور فى الآية اقامة الصلاة والله تعالى امر فى الصلاة بالشياء باقامتها بقوله { واقيموا الصلاة } وبالمحافظة عليها وادامتها بقوله { الذين هم على صلواتهم دائمون } وبادائها فى اوقاتها بقوله { كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } وبادائها فى جماعة بقوله { واركعوا مع الراكعين } وبالخشوع فيها بقوله { الذين هم فى صلواتهم خاشعون } وبعد هذه الاوامر صارت الناس على طبقات . طبقة لم يقبلوها ورأسلهم ابو جهل لعنه الله قال الله تعالى فى حقه { فلا صدق ولا صلى } وذكر مصيرهم فقال { ما سلككم فى صقر قالوا لم نكن من المصلين } الى قوله { وكنا نكذب بيوم الدين } وطبقة قبلوها ولم يؤدوها وهم اهل الكتاب قال الله تعالى { وخلف من بعد خلف } وهم اهل الكتاب { اضاعوا الصلاة } وذكر مصيرهم فقال { فسوف يلقون غيا } وهى دركة فى جهنم هى اهيب موضع فيها تستغيث الناس منها كل يوم كذا وكذا مرة ثم قال الله { ولا من تاب } اى من اليهودية والنصرانية { وآمن } اى بمحمد { وعمل صالحا } اى حافظ على الصلاة . وطبقة ادوا بعضا ولم يؤدا بعضا متكاسلين وهم المنافقون قال الله تعالى { ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى } وذكران مصيرهم ويل وهو واد فى جهنم لو جعلت فيه جبال الدنيا لماعت اى سالت قال النبى صلى الله عليه وسلم « من ترك صلاة حتى مضى وقتها عذب فى النار حقبا » والحقب ثمانون سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم الف سنة مما تعدون . قالوا وتأخير الصلاة عن وقتها كبيرة واصغر الكبيرة ما قيل انه يكون كانه زنا بامه سبعين مرة كما فى روضة العلماء . وطبقة قبلوها وهم يراعونها فى مواقيتها بشرائطها ورأسهم المصطفى صلى الله عليه وسلم قال تعالى { ان ربك يعلم انك تقوم ادنى من ثلثى الليل } وقال تعالى { قل ان صلوتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين } الآية واصحابه كذلك فذكرهم الله تعالى بقوله { قد افلح المؤمنون الذين هم فى صلواتهم خاشعون } وذكر مصيرهم فقال { اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس } وهو ارفع مواضع فى الجنة وابهاه ينال المؤمن فيه مناه وينظر الى مولاه . قال الحكماء كن نجما فان لم تستطع فكن قمرا فان لم تستطع فكن شمسا اى مصليا جميع الليل كالنجم يشرق جميع الليل او كالقمر يضيء بعض الليل او كالشمس تضيء بالنهار معناه عامة العلماء حتى اذا صلى وحده جاز وان فاته فضل الجماعة . وقال احمد بن حنبل ان الجماعة فرض وليست بنافلة حتى اذا صلى وحده لم تجز صلاته غير انها وان لم تكن فريضة عندنا فالواجب على المسلم ان يتعاهدها ويحفظها قال تعالى { يا قومنا اجيبوا داعى الله } قال بعضهم المراد من الداعى المؤذنون الذين يدعون الى الجماعة فى الصلوات الخمس وتارك الجماعة شر من شار بالخمر وقاتل النفس بغير حق ومن القتات ومن العاق لوالديه ومن الكاهن والساحر ومن المغتاب وهو ملعون فى التوراة والانجيل والزبور والفرقان وهو ملعون على لسان الملائكة لا يعاد اذا مرض ولا تشهد جنازته اذا مات قال النبى صلىلله عليه الصلاة والسلام

(1/35)

« تارك الجماعة ليس منى ولا انا منه ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا » اى نافلة وفريضة فان ماتوا على حالهم فالنار اولى بهم كذا فى روضة العلماء . وقال فى نصاب الاحتساب قال عليه السلام « لقد هممت ان آمر رجلا يصلى بالناس وانظر الى اقوام يتخلفون عن الجماعة فاحرق بيوتهم » وهذا يدل على جواز احراق بيت الذى يتخلف عن الجماعة لان ألهم بالمعصية لا يجوز من الرسول عليه السلام لانه معصية فاذا علم جواز احراق البيت على ترك السنة المؤكدة فما ظنك فى احراق البيت على ترك الواجب والفرض وما ظنك فى احراق آلات المعصية انتهى كلام النصاب هذا . وعن ابن عباس رضى الله عنهما بعث الله نبيه عليه السلام بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم اكمل لهم الدين . قال مقاتل بالصوات الخمس كما فى روضة الاخيار . وانما فرضت الصلاة ليلة المعراج لان المعراج افضل الاوقات واشرف الحالات واعز المناجات والصلاة بعد الايمان افضل الطاعات وفى التعبد احسن الهيآت ففرض افضل العبادات فى افضل الاوقات وهو وصول العبد الى ربه وقربه منه . واما الحكمة فى فرضيتها فلانه صلى الله عليه وسلم لما اسرى به شاهد ملكوت السموات باسرها وعبادات سكانها من الملائكة فابتثرها عليه السلام غبطة وطلب ذلك لامته فجمع الله له فى الصلوات الخمس عبادات الملائكة كلها لان منهم من هو قائم ومنهم من هو راكع ومنهم من هو ساجد وحامد ومسبح الى غير ذلك فاعطى الله تعالى اجور عبادات اهل السموات لامته اذا قاموا الصلوات الخمس . واما الحكمة فى ان جعلها الله تعالى مثنى وثلاث ورباع فلانه عليه السلام شاهد هياكل الملائكة تلك الليلة اى ليلة الاسراء اولى اجنحة مثنى وثلاث ورباع فجمع الله ذلك فى ضور انوار الصلوات عند عروج ملائكة الاعمال بارواح العبادات لان كل عبادة تتمثل فى الهيا كل النورانية وصورها كما وردت الاشارات فى ذلك بل يخلق الملائكة من الاعمال الصالحة كما ورد فى الاحاديث الصحيحة وكذلك جعل الله اجنحة الملائكة على الحكمة فى كونها خمس صلوات فلانه عليه السلام بعد سؤاله التخفيف ومراجعته قال له الله تعالى « يا محمد انهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر حسنات فتلك خمسون صلاة وكانت خمسين على من قبلنا »

(1/36)

فحطت ليلة المعراج الى خمس تخفيفا وثبت جزاء الخمسين تضعيفا . وحكمة اخرى فى كونها خمس صلوات انها كانت متفرقة فى الامم السالفة فجمعها سبحانه لنبيه وامته لانه عليه السلام مجمع الفضائل كلها دنيا وآخره وامته بين الامم كذلك فاول من صلى الفجر آدم والظهر ابراهيم والعصر يونس والمغرب عيسى والعشاء موسى عليهم السلام فهذا سر القرار على خمس صلوات وقيل صلى آدم عليه السلام الصلوات الخمس كلها ثم تفرقت بعده بين الانبياء عليهم السلام مجمع الفضائل كلها دنيا وآخرة وامته بين الامم كذلك فاول من صلى الفجر آدم والظهر ابراهيم والعصر يونس والمغرب عيسى والعشاء موسى عليهم السلام فهذا سر القرار على خمس صلوات وقيل صلى آدم عليه السلام الصلوات الخمس كلها ثم تفرقت بعده بين الانبياء عليهم السلام واول من صلى الوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لذلك قال « زادنى ربى صلاة » اى الوتر على الخمس او صلاة الليل فافهم اول من بادر الى السجود جبريل عليه السلام ولذلك صار رفيق الانبياء وخادمهم واول من قال سبحان الله جبريل والحمد لله آدم ولا اله الا الله نوح والله اكبر ابراهيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم رسول الله الله صل الله تعالى عليه وسلم كل ذلك فى كشف الكنوز وحل الرموز . وذكر فى الحكم الشاذلية وشرحها انه لما علم الحق منك وجود الملل القاطع عن بلوغ الامل فحجرها عليك فى الاوقات اذ جعل فى اليوم خمسا وفى السنة شهرا وفى المائتين خمسة وفى العمر زورة ولكل واحدة فى تفاصيلها وقت لا تصح فى غيره كل ذلك رحمة بك وتيسيرا للعبودية عليك وقد قيد الله الطاعات باعيان الاوقات كيلا ينفك عنها وجود التوسيف ووسع الوقت عليك كى تبقى صفة الاختيار : قالوا المولى جلال الدين قدس سره كرنباشد فعل خلق اندرميان ... بس مكوكس راجرا كردى جنان يك مثال ايى دل بى فرقى بيار ... تابدانى جبررا از اختيار دست كان لرزان بود ازار تعاش ... وانكه دستى را تولرزانى زجاش هردوجنبش آفريده حق شناس ... ليك نتوان كرد اين با آن قياس وفى التأويلات النجمية بدارية الصلاة اقامة ثم ادامة فاقامتها بالمحافظة عليها بمواقيتها واتمام ركوعها وسجودها وحدودها ظاهرا وباطنا وادامتها بدوام المراقبة وجمع الهمة فى التعرض النفحات الطاف الربوبية التى هى مودعة فيها لقوله عليه السلام « ان الله فى ايام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها » فصورة الصلاة صورة التعرض والامر بها صورة جذبة الحق بان يجذب صورتك عن الاستعمال لغير العبودية وسر الصلاة حقيقه التعرض ففى كل شرط من شرائط صورتها وركن من اركانها وسنة من سننها وأدب من آدابها وهيسئة من هيآتها سر يشير الى طهارة يستعد بها لاقامة الصلاة ففى غسل اليدين اشارة الى تطهير نفسك عن تلوث المعاصى وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والتبعية والشيطانية كما قال تعالى لحبيبه عليه السلام

(1/37)

{ وثيابك فطهر } جاء فى التفسير اى قلبك فطهر وغسل الوجه اشارة الى طهارة وجه همتك من دنس ظلمة حب الدنيا فانه رأسُ كل خطيئة . ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة وفيه اشارة الى الاعراض عما سوى طلب الحق والتوجه الى حضرة الربوبية لطلب القرية والمناجاة ورفع اليدين اشارة الى رفع يدالهمة عن الدنيا والآخرة والتكبير تعظيم الحق بانه اعظم من كل شيء فى قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة ومقارنة النية مع التكبير اشارة الى ان صدق النفية فى فى الطلب ينبغى ان يكون مقرونا بتكبير وعظم ذلك المطلوب لا الله تعالى فلا تجوز صلاته حقيقة كما لا تجوز صلاته صورة الا بتكبير الله فان قال الدنيا اكبر او العقبى على الصدر اشارة الى اقامة رسم العبودية بين يدى مالكه وحفظ القلب عن محبة ما سواه وفى افتتاح القراءة بوجهت اشارة الى توجهه للحق خالصا عن شرك طلبه غير الحق وفى وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها اشارة الى حقيقة تعرض العبد فى الطلب لنفحات الطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين وطلب الهداية وهى الجذبات الالهية التى توازى كل جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقسومة بين العبد والرب نصفين والقيام والركوع والسجود اشارة الى رجوعه الى عالم الارواح ومسكن الغيب كما جاء منه فاول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم بالحيوانية ثم بالانسانية فالقيام من خصائص الانسان والركوع من خصائص الحيوان والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى { والنجم والشجر يسجدان } فللعبد فى كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران والحكمة فى تعلق الروح العلوى والنورانى بالجسد السفلى الظلمانى كان هذا الربح لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام « خلقت الخلق ليربحوا على لا لأربح عليهم » ليربح الروح فى كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد فى مراتب العلويات وان كان قد ابتلى اولا ببلاء الخسران كما قال تعالى { والعصر ان الانسان لفى خسر الا الذين آمنوا } لآية فبنور الايمان والعمل الصالح يتخلص العبد من بلاه خسران المراتب السفلية ويفوز بربحها فبالقيام فى الصلاة بالتذلل وتواضع العبودية يتخلص من خسران التكبر والتجبر الذى من خاصته ان يتكامل فى الانسان ويظهر منه انا ربكم الاعلى ويفوز بربح علو الهمة الانسانية التى اذا كملت فى الانسان لا يلتفت الى الكون فى طلب المكون كما كان حال النبى عليه السلام { اذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاع البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى }

(1/38)

فاذا تخلص من التكبر الانسانى يرجع من القيام الحيوانية ويفوز بربح تحمل الاذى والحلم ثم يرجع من الركوع الحيوانى الى السجود النباتى فبالسجود يتخلص من خسران الذلة النباتية والدناءة السفلية ويفوز بربح الخشوع الذى يتضمن الفلاح الابدى والفوز العظيم السرمدى كما قال تعالى { قد افلح المؤمنون الذين هم فى صلوتهم خاشعون } فالخشوع اكمل آلات العروج فى العبودية وقد حصل فى تعلقه بالجسد النيرانى وليس لاحد من العالمين هذا الخشوع وبهذا السرابت الملائكة وغيرهم ان يحملن الامانة فاشفقن منها لان الاباء ضد الخشوع وحملها الانسان باستعداد الخشوع وكمل خشوعه بالسجود اذ هو غاية التذلل فى صورة الانسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلى وعروجه الى العالم الروحانى العلوى برجوعه من مراتب الانسانية والحيوانية والنباتية وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وانفاق الموجود من انانية الوجود الذى هو من شرط المصلين كقوله تعالى { ويقيمون الصلاة } { ومما رزقناهم ينفقون } الرزق فى اللغة العطاء . وفى العرف ما ينتفع به الحيوان وهو تناول الحلال والحرام عند اهل السنة والقرينة تخصصه ههنا بالحلال لان المقام مقام المدح وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤوس الآى وادخال من التبعيضية عليه للكف عن الاسراف المنهى عنه وصيغة الجمع فى رزقنا مع انه تعالى واحد لا شريك له لانه خطاب الملوك والله تعالى مالك الملك وملك الملوك والمعهود من كلام الملوك اربعة اوجه الاخبار على لفظ الواحد نحو فعلت كذا وعلى لفظ الجمع فعلنا كذا وعلى ما لم يسم فاعله رسم لكم كذا واضافة الفعل الى اسمه على وجه المغايبة امركم سلطانكم بكذا والقرآن نزل بلغة العرب فجمع الله فيه هذه الوجوه كلها فيما اخبر به عن نفسه فقال تعالى { ذرنى ومن خلقت وحيدا } على صيغة الواحد وقال تعالى { إنا انزلناه فى ليلة القدر } على صيغة الجمع وقال فيما لم يسم فاعله { كتب عليكم الصيام } وامثاله وقال فى المغايبة { والله الذى خلقكم } وامثاله كذا فى التيسير . ويقول الفقير جامع هذه اللطائف سمعت من شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة ان الافراد بالنظر الى الذات والجمع بالنظر الى الاسماء والصفات ولا ينافى كثرة الاسماء والصفات وحدة الذات اذ كل منها راجع اليها والانفاق والانفاد اخوان خلا ان فى الثانى معنى الاذهاب بالكلية دون الاول والمراد بهذا الانفاق الصرف الى سيبل الخير فرضا كان او نفلا ومن فسره بالزكاة ذكر افضل انواعه والاصل فيه او خصصه بها لاقترانه بما هى شقيقتها واختها وهى الصلاة وقد جوز ان يراد به الانفاق من جميع المعادن التى منحهم الله اياها من النعم الظاهرة والباطنة ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم « ان علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه »

(1/39)

واليه ذهب من قال فى تفسير الآية ومما خصصناهم من انوار المعرفة يفيضون والاظهر ان يقال المراد من النفقة هى الزكاة وزكاة كل شئ من جنسه كما روى عن انس بن مالك ( زكاة الدار ان يتخذ فيها بيت للضيافة ) كما فى الرسالة القشيرية . قالوا انفاق اهل الشريعة من حيث الاموال وانفاق ارباب الحقيقة من حيث الاحوال : قال المولى جلال الدين قدس سره . آن درم دادن سخى را لايق است ... جان سبردن خود سخاى عاشق است وانفاق الاغنياء من اموالهم لا يدخرونها عن اهل الحاجة وانفاق الابدين من نفوسهم لا يدخرونها عن وظائف الخدمة وانفاق العارفين من قلوبهم لا يدخرونها عن حقائق المراقبة وانفاق المحبين من ارواحهم لا يدخرونها عن مجارى الاقضية . والاقصر ان يقال انفاق الاغنياء اخراج المال من الجيب وانفاق الفقراء اخراج الاغيار من القلب ثم ذكر فى الآية الايمان وهو بالقلب ثم الصلاة وهى بالبدن ثم الانفاق وهو بالمال وهو مجموع كل العبادات ففى الايمان النجاة وفى الصلاة المناجاة وفى الانفاق الدردجات وفى الايمان البشارة وفى الصلاة الكفارة وفى الانفاق الطهارة وفى الايمان العزة وف الصلاة القربة وفى الانفاق الزيادة . وقيل ذكر فى هذه الآية اربعة اشياء التقوى والايمان بالغيب واقامة الصلاة والانفاق وهى صفة الخلفاء الراشدين الاربعة ففى الآية بيان فضلهم التقوى لابى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى { فاما من اعطى واتقى وصدق بالحسنى } والايمان بالغيب لعمر الفاروق رضى الله عنه قال الله تعالى { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } واقامة الصلاة لعثمان ذى النورين رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى { أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقاسما } الآية والانفاق لعلى المرتضى رضى الله تعالى عنه قال الله تعالى { الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار } الآية . وعند اقوم اى الصوفية السخاء هو الرتبة الاولى ثم الجود بعده ثم الايثار فمن اعطى البعض وابقى البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الاكثر وابقى لنفسه شيأ فهو صاحب جود والذي قاسى الضرورة وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب ايثار وبالجملة فى الانفاق فضائل كثيرة . وروى عن ابى عبد الله الحارث الرازى انه قال اوحى الله الى بعض انبيائه « انى قضيت عمر فلان نصفه بالفقر ونصفه بالغنى فخيره حتى اقدم له أيهما شاء » فدعا نبى الله عليه السلام الرجل واخبره فقال حتى اشاور زوجتى فقالت زوجته اختر الننى حتى يكون هو الاول فقال لها ان الفقر بعد الغنى صعب شديد والغنى بعد الفقر طيب لذيذ فقالت لا بل اطعنى فى هذا فرجعع الى النبى عليه السلام فقال اختار نصف عمرى الذى قضى لى فيه بالغنى ان يقدم فوسع الله عليه الدنيا وفتح عليه باب الغنى فقالت له امرأته ان اردت ان تبقى هذه النعمة فاستعمل السخاء مع خلق ربك فكان اذا اتخذ لنفسه ثوابا اتخذا لفقير ثوبا مثله فلما تم نصف عمره الذى قضى له فيه بالغنى اوحى الله تعالى الى نبى ذلك الزمان

(1/40)

« انى كنت قضيت نصف عمره بالفقر ونصفه بالغنى لكنى وجدته شاكرا لنعمائى والشكر يستوجب المزيد فبشرة انى قضيت باقى عمره بالغنى » قال المولى جلال الدين قدس سره . هركه كارد كردد انبارش تهى ... ليكش اندر مزرعه باشد بهى وانكه در انبار ماند وصرفه كرد ... ابش وموش حوادثهاش خورد قال الحافظ احوال كنج قارون كايام درد برباد ... باغنجه باز كوييد تازر نهان ندارد وفى التأويلات النجمية { ومما رزقناهم ينفقون } اى من اوصاف الوجود يبذلون بحق النصف المقسوم من الصلاة بين العبد والرب فاذا بلغ السبيل زباه والتعرض منهاه ادركته العناية الازلية بنفحات ألطاف وهداه الى درجات قرباته فكما جذبة الحق للنبي عليه السلام فى صورة خطاب ( أدن ) فجذبة الحق للمؤمن تكون فى صورة خطاب { واسجد واقترب } ففى التشهد بعدا السجود اشارة الى الخلاص من حجب الانانية والوصول الى شهود جمال الحق بجذبات الربانية ثم بالتحيات يراقب رسوم العباد فى الرجوع الى حضرة الملوك بمراسم تحفة الثناء والتحنن الى اللقاء وفى التسليم عن اليميين وعن الشمال اشارة الى السلام على الدارين وعلى كل داع جاهل يدعوه عن اليمين الى نعيم الجنات او عن الشمال الى اللذات والشهوات وهو فى مقامات الاجابات والمناجاة ودرجات القربات مستغرق فى بحر الكرامات مقيد بقيد الجذبات كما قال تعالى { واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } فاهل الصورة بالسلام يخرجون من اقامة الصلاة واهل الحقيقة بالسلام يدخلون فى ادامة الصلاة كقوله { والذين هم على صلواتهم دائمون } فقوم يقيمون الصلاة والصلاة تحفظهم كما قال تعالى { ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } بمالهم فى الغيب معد بقوله « اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » فعلموا ان ماهو المعد لهم لا تدركه الابصار ولا الآذان ولا القلوب التى رزقهم الله وليس بينهم وبين ما هو المع لهم حجاب الا وجودهم فاشتاقوا الى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم فآنسوا من جانب طور صلاتهم نار لان صلاتهم بمثابة لاطور لهم للمناجاة فلما اتاها نودى ان بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين فجعلوا ما رزقهم الله من اوصاف الوجود حطب نار الصلاة ينفقونه عليها ويقيمون الصلاة حتى نودوا انكم وما تعدبون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون ومن لم يكن له نار تحرق فى نار جهنم الصلاة حطب وجوده ووجود كل من يعبد من دون الله فلا بدله من الحرقة بنار جهنم الآخرة فالفرق بين النارين ان نار الصلاة تحرق لب وجودهم الذى هم به محجوبون عن الله تعالى ويبقى جلد وجودهم وهو الصورة والحجاب من لب الوجود لا من جلده وهذا سر عظيم لا يطلع عليه الا اولوا الالباب المحترقة ونار جهنم تحرق جلودهم ويبقى لب وجودهم لا جرم لا ترفع الحجب عنهم كلا انهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون لان اللب باق والجلد وان احترق بقى اللب كما قال تعالى

(1/41)

{ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } فمن انفق لب الوجود وما تبدى منه له الوجود من المال والجاه فى سبيل نار الصلاة والقربة الى الله فينفق الله عليه وجود نار الصلاة كما قال لحبيبه عليه السلام « انفق عليك » فبقى بنار الصلاة بلا انانية الوجود فتكون صلاته دائمة بنور نار الصلاة يؤمن بما انزل على الانبياء عليهم الصلاة والسلام .

(1/42)

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

{ والذين يؤمنون } نزلت فى مؤمنى اهل الكتاب وما قبله الى قوله تعالى { ومما رزقناهم ينفقون } نزلت فى مؤمنى العرب { بما انزل اليك } هو القرآن باسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن انزاله بالماضى مع كون بعضه مترقبا حينئذ لتغليب المحقق على المقدر او التنزيل ما فى شرف الوقوع لتحققه منزلة الواقع كما فى قوله تعالى { انا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى } مع ان الجن ما كانوا سمعوا الاكتاب جميعا ولا كان الجمع اذ ذاك نازلا . وفى الكواشى لان القرآن شئ واحد فى الحكم ولان المؤمن ببعضه مؤمن بكله انتهى ثم معنى ما انزل اليك هو القرآن الذى يتلى والوحى الذى لا يتلى فالمتلو هو هذه الصور والآيات وغير المتلو ما بين النبى عليه السلام من اعداد الركعات ونصب الزكوات وحدود الجنايات قال تعالى { وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى } ولانزال فى هذا الآية بمعنى الوحى ويكون بمعنى الاعلاء وهو النقل من الاسفل الى الاعلى وان حمل الانزال الذى هو من العلو الى الاسفل فمعناه انزال جبريل لتبليغه كما قال تعالى { نزل به الروح الامين } يعنى ان الانزال نقل الشئ من اعلى الى اسفل وهو انما يلحق المعانى بتوسط لحقوقه الذوات الحاملة لها فنزول ما عدا الصحف من الكتب الآلهية الى الرسل عليهم السلام والله اعلم بان يتلقاها الملك من جنابه عز وجل تلقيا روحانيا او يحفظها من اللوح المحفوظ فينزل بها الى الرسل فيلقيها عليهم { وما انزل من قبل } التوراة والانجيل وسائر الكتب السالفة والايمان بالكل جملة فرض عين وبالقرآن تفصيلا من حيث انا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية فان فى وجودبه على الكل عينا حرجا بينا واخلالا بامر المعاش . قال فى التيسير الايمان بكل الكتب مع تنافى احكامها على وجهين احدهما التصديق ان كلها من عند الله والثانى الايمان بما لم ينسخ من احكامها { وبالاخرة } تأنيث الآخر الذي يقابل الاول وهو فى المعدوداتع اسم للفرد اللاحق وهى صفة الدار بدليل قوله تعالى { تلك الدار الآخرة } وهى من الصفات الغالبة وكذا الدنيا والآخرة بفتح الخاء الذى يلى الاول وسميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا { هم يوقنون } الايقان اتقان العلم بالشئ بنفى الشك والشبه عند نظرا واستدلالا ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا وكذا العلوم الضرورية اى يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان اهل الكتاب عليه من الشكوك والاوهام التى من جملتها زعمهم ان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى وان النار لم تمسهم الا اياما معدودات واختلافهم فى ان نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا اولا وهل هو دائم اولا فقال فرقة منهم يجرى حالهم فى التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها فى الدنيا وقال آخرون ان ذلك انما احتيج اليه فى هذه الدار من اجل نماء الاجسام ولمكان التوالد والتناسل واهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون الا بالنسيم والراواح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور وبناء يوقنون على الضمير تعريض بمن عداهم من اهل الكتاب وبما كانوا عليه من اثبات امر الآخرة على خلاف حقيقته فان اعتقادهم فى امور الآخرة بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول الى مرتبة اليقين فدل التقديم على التخصيص بان ايقان من آمن بما انزل اليك وما انزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز الى ما اثبته الكفار بالاقرار من اهل الكتاب * قال ابو الليث رحمه الله فى تفسيره اليقين على ثلاثة اوجه يقين عيان ويقين خبر ويقين دلالة فاما يقين العيان فهو انه اذا رأى شيأ زال الشك عنه فى ذلك الشئ واما يقين الدلالة فهو ان يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين ان هناك نارا وان لم يرها واما يقين الخبر فهو ان الرجل يعلم باليقين ان فى الدنيا مدينة يقال لها بغداد وان لم ينته اليها فههنا يقين خبر ويقين دلالة لان الآخرة حق ولان الخبر يصير معاينة عند الرؤية انتهى كلامه .

(1/43)

ويقال علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الاخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها والعلم اليقين هو العلم الحاصل بالادراك الباطنى بالفكر الصائب والاستدلال وهذا للعلماء الذين يوقنون بالغيب ولا تزيد هذه المرتبة العلمية الا بمناسبة الارواح القدسية فاذا يكون العلم عينا ولامر نبة للعين الا اليقين الحاصل من مشاهدة المعلوم ولا تزيد هذه المرتبة الا بزوال حجاب الاثينية فاذا يكون العين حقا وزيادة هذه المرتبه اى حق اليقين عدم ورود المحاجب بعده وعينه للاولياء وحقه للانبياء وهذه الدرجات والمراتب لا تحصل الا بالمجاهدة مثل دوام الوضوء وقلة الا كل والذكر او السكوت بالفكر فى ملكوت السموات والارض وباداء السنن والفرائض وترك ما سوى الحق والغرض وتقليل المنام والعرض واكل الحلال وصدق المقال والمراقبة بقلبه الى الله تعالى فهذه مفاتيح المعاينة والمشاهدة كذا فى شرح النصوص المسمى باسرار السرور بالوصول الى عين النور . ثم ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها فقد قيل عشرة من المغرورين من ايقن ان الله خالقه ولا يعبده ومن ايقن ان الله رازقه ولا يطمئن به ومن ايقن ان الدنيا زائلة ويعتمد عليها ومن ايقن ان الورثة اعداؤه ويجمع لهم توباخود ببرتوشة خويشتن ... كه شفقت نيايد زفرزندوزن ومن ايقن ان الموت آت فلا يستعد له ومن ايقن ان القبر منزله فلا يعمره ومن ايقن ان الديان الفجار فلا يصحح حجته ومن ايقن ان الصراط ممره فلا يخفف ثقله ومن ايقن ان النار دار الفجار فلا يهرب منها ومن ايقن ان الجنة دار الابرار فلا يعمل لها كما فى التيسير .

(1/44)

قال ذو النون المصرى اليقين داع الى قصر الامل وقصر الامل يدعو الى الزهد والزهد يورث الحكمة والحكمة تورث النظر فى العواقب . قال ابو على الدقاق رحمه الله فى قول النبى عليه السلام فى عيسى ابن مريم عليهما السلام « لو لم يزدد يقينا ما مشى فى الهواء » اشار بهذا الحديث الى حال نفسه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لان فى لطائف المعراج انه قال رأيت البراق قد بقى ومشيت * وقال ابو تراب رأيت غلاما فى البادية يمشى بلا زاد فقلت ان لم يكن معه يقين فقد هلك فقلت يا غلام أيمشى فى مثل هذا الموضع بلا زاد فقال يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله تعالى فقلت الآن فاذهب حيث شئت . قال ابراهيم الخواص طلب الماشى لاكل الحلال فاصطدمت السمك فيوما وقع فى الشبكة سمك فاخرجتها وطرحت الشبكة فى الماء فوقعت اخرى فيها ثم عدت فهتف بى هاتف لم تجد معاشا الا ان تأتى الى من يذكر الله فتقتلهم فكسرت لاقصبة وتركت كذا فى الرسالة القشيرية وذكر فى التأويلات النجمية ان من تخلص من ذل الحجاب الوجودى يجد عزة الايقان بالامور الاخروية وكان مؤمنا بها من وراء الحجاب فصار موقنا بها بعد رفع الحجاب كما قال امير المؤمنين على كرم الله وجه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا لان من كشف عنه غطاء الوجود لا يحجبه غطاء المحسوسات الدنيوية عن الامور الاخروية فبكشف الحجب يتخلصون من مرتبة الايمان الى مرتبة الايقان كما قال تعالى { وبالآخرة هم يوقنون } ولكن هذا خاص اى يوقنون بالآخرة دون ما انزل على الانبياء من الكتب فانهم لا يتخلصون من مرتبة الايمان بالله وكتبه ابدا وهذا سر عظيم وما رأيت احدا فرق بين هاتين المرتبتين وذلك لانه لا يمكن للانسان ان يشاهد الامور الاخروية كلها بطريق الكشف فى الدنيا واما بطريق المشاهدة فى العقبى فيصير موقنا بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى { فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } فاما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته فلا مكن لاحد ان يشاهده بالكلية لانه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدة وان فازوا بشهادة شهود صفات جماله وجلاله عين اليقين بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا من مرتبة الايمان بما لم يشاهدوا بعد ولا يحيطون به علما الى ابدا لآباد بل ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء .

(1/45)

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

{ اولئك } الجملة فى محل الرفع ان جعل احد الموصلين مفصولا عن المتقين خبر له وكأنه لما قيل هدى للمتقين قيل ما بالهم خصوا بذلك اجيب بقوله الذين يؤمنون الى آخر الآيات والا فاستئناف لا محل لها فكأنه نتيجة الاحكام السابقة والصفات المتقدمة . واو لاء جمع لا واحد له من لفظه بنى على الكسر وكافه للخطاب كالكاف فى ذلك اى المذكورون قبله وهم المتقون الموصوفون بالايمان بالغيب وسائر الاوصاف المذكورة بعده وفيه دلالة على انهم متميزون بذلك اكمل تميز منتظمون بسببه فى سلك الامور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للاشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم فى الفضل وهو مبتدأ وقوله عز وجل { على هدى } خبره وما فيه من الابهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمة كأنه قيل على هدى أى هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره كما تقول لو ابصرت فلانا لابصرت رجلا وايراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل حالهم فى ملابستهم بالهدى بحال من يقبل الشئ ويستولى عليه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد وذلك انما يحصل باستفراغ الفكر وادامة النظر فيما نصف من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس فى العمل يعنى اكرمهم الله فى الدنيا حيث هداهم وبين لهم طريق الفلاح قبل الموت { من ربهم } متعلق بمحذوف وقع صفة له مبينة لفخامته الاضافية اثر بيان فخامته الذاتية مؤكدة لها اى على هدى كائن من عنده تعالى وهو شامل لجميع انواع هدايته تعالى وفنون توفيقه والتعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة الى ضميرهم لغاية تفخيم الموصوف والمضاف اليهم وتشريفهما . ثم هذه الآية ذكر الهدى للموصوفين بكل هذه الصفات وفى قوله { قولوا آمنا بالله وما انزل الينا } الى قوله تعالى { فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } ذكر لهم الهداية بالاقرار والاعتقاد بدون سائر الطاعات بيانا لشرف الايمان وجلال قدره وعلو امره فانه اذا قوى لم يبطله نفس المخالفات بل هو الذى يغلب فيرد الى التوبة بعد التمادى فى البطالات وكما هدى اليوم الى يهدى غدا الى الجنان فقد قال تعالى { ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم } وذلك ان المطيعين يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم وهم على مراكب طاعاتهم والملائكة تتلقاهم قال تعالى { يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا } وتتلقاهم الملائكة وتبقى العصاة منفردين منقطعين فى متاهات القيامة ليس لهم نور الطاعات ولافى حقهم استقبال الملائكة فلا يهتدون السبيل ولا يهديهم دليل فيقول الله لهم { عبادى ان اصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون } ان اهل الجنة من حسن الثواب لا يتفرغون لكم واهل النار من شدة العقاب لا يرحمونكم معاشر المساكين سلام عليكم كيف انتم ان كان اشكالكم سبقوكم ولم يهدوكم فانا هاديكم ان عاملتكم بما تستوجبون فاين الكرم كذا فى التيسير : قال السعدى

(1/46)

نه يوسف كه جندان بلاديد وبند ... جوحكمش روان كشت وقدرش بلند كنه عفو كرد آل يعقوبرا ... كه معنى بود صورت خوبرا بكردار بد شان مقيد نكرد ... بضاعات مزجاتشان ردنكرد زلطفت همى جشم داريم نيز ... برين بى بضاعت ببخش اى عزيز بضاعت نياوردم الا اميد ... خدايا زعفوم مكن ن اميد { واولئك هم المفلحون } تكرير اولئك للدلالة على ان كل واحد من الحكمين مستبد فى تميزهم به عن غيرهم فكيف بهما وتوسط العطف بينهما تنبيه على تغايرهما فى الحقيقة وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر الدلالة على ان ما بعده خبر لا صفة وان المسند ثابت للمسند اليه دون غيره فصفة الفلاح مقصورة عليهم لا تتجاوز الى من عداهم من اليهود والنصارى ولا يلزم من هذا ان لا يكون للمتقين صفة اخرى غير الفلاح فالقصر قصر الصفة على الموصوف لا العكس حتى يلزم ذلك والمفلح الفائز بالبغية كانه الذى انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه والتركيب دال على معنى الشق والفتح والقطع ومنه سمى الزارع فلاحا لانه يشق الارض وفى المثل احديد بالحديد يفلح اى يقطع والمعنى هم الفائزون بالجنة والناجون من النار يوم القيامة والمقطوع لهم بالخير فى الدنيا والآخرة . وحاصل الفلاح يرجع الى ثلاثة اشياء . احدها الظفر على النفس فلم يتابعوا هواها والدنيا فلم يطغوا بزخارفها والشيطان فلم يفتنوا بوساوسه وقرناء السوء فلم يبتلوا بمكروهاتهم . والثانى النجاة من الكفر والضلالة والبدعة والجهالة وغرور النفس ووسوسة الشيطان وزوال الايمان وفقد الامان ووحشة القبور واهوال النشور وزالة الصراط وتسليط الزبانية الشداد الغلاظ وحرمان الجنان ونداء القطيعة والهجران . والثالث البقاء فى الملك الابدى والنعيم السرمدى ووجدان ملك لا زوال له ونعيم لا انتقال له وسرور لا حزن معه وشباب لا هرم معه وراحة لا شدة معها وصحة لا علة معها ونيل نعيم لا حساب معه ولقاء لا حجاب له كذا فى تفسير التيسير . وقد تشبثت الوعيدية بالآية فى خلود الفساق من اهل القبلة فى العذاب ورد بان المراد بالمفلحين الكاملون فى الفلاح ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم لا عدم الفلاح لهم رأسا كما فى تفسير البضاوى قال الشيخ نجم الدين داية قدس سره ذكر هدى بالنكرة اى على كشف من كشوف ربهم ونور من انواره وسر من اسراره ولطف من ألطافه وحقيقة من حقائقه فان جميع ما انعم الله به على انبيائه واوليائه بالنسبة الى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وانعامه واحسانه قطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق ابدا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم « يمين الله ملأ لا ينقصها نفقة سخاء الليل والنهار » وفيه اشارة لطيفة وهى انهم بذلك الهدى آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون واولئك هم المفلحون الذين تخلصوا من حجب الوجود بنور نار الصلاة وشاهدوا الآخرة وجذبتهم العناية بالهداية الى مقامات القربة وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه وما حطوا رحالهم الا بفنائه فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى ونالوا الدرجة العلبا وحققوا قول الحق { وان الى ربك الرجعى } نتهى كلام الشخ فى تأويلاته : قال المولى جلال الدين قدس سره كرهمى خواهى كه بفروزى جوروز ... هتئ همجون شب خودرا بسور هستيت درهست آن هستى نواز ... همجومس در كيميا اندر كداز

(1/47)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

{ ان الذين كفروا } لما ذكر خاصة عباده وخالصة اوليائه بصفاتهم التى اهلتهم للهدى والفلاح عقبهم اضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا يغنى عنهم الآيات والنذر وتعريف الموصول اما للعهد والمراد به ناس باعيانهم كابى لهب وابى جهل والوليد ابن المغيرة واحبار اليهود او للجنس مناولا كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم فخص منهم غير المصرين بما اسند اليه . والكفر لغة الستر والتغطية وفى الشريعة انكار ما علم بالضرورة مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم به وانما عد لباس الغيار وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرها كفرا لدلالته على التكذيب فان من صدق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لا يكاد يجترئ على امثال ذلك اذ لا داعى اليه كالزنى وشرب الخمر لا لانه كفر فى نفسه . والكافر فى القرآن على اربعة اوجه . احدها نقيض المؤمن قال الله تعالى { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } والثانى الجاحد قال تعالى { ومن كفر فان الله غنى عن العالمين } اى جحد وجوب الحج . والثالث نقيض الشاكر قال تعالى { واشكروا لى ولا تكفرون } والرابع المتبرى قال تعالى { ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } اى يتبرأ بعضكم من بعض كذا فى التيسير . وقال فى البغوى الكفر على اربعة اوجه كفر الانكار وهوان لا يعرف الله اصلا ولا يعترف به وكفر الجحود وهو ان يرفع الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر ابليس قال الله تعالى { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } وكفر العناد وهو ان يعرف بقلبه ولا يعترف بلسانه ولا يدين به ككفر ابى طالب حيث يقول . ولقد علمت بان دين محمد ... من خير اديان البرية دينا لولا الملامة او حذرا مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك مبينا وكفر النفاق وهو ان يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجميع هذه الانواع سواء فى ان من لقى الله بواحد منها لا يغفر له انتهى كلام البغوى لكن الكلام فى ابى طالب سيجئ عند قوله تعالى { ولا تسئل عن اصحاب الجحيم } { سواء عليهم } اى عندهم وهو اسم بمعنى الاستواء نعت به كما ينعت بالمصادر مبالغة قال الله تعالى { تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم } وارتفاعه على انه خبر لان وقوله تعالى { ءانذرتهم } يا محمد { أم لم تنذرهم } مرتفع على الفاعلية لان الهمزة وما مجردتان عن معنى الاسفتهام لتحقيق معنى الاستواء بين مدخوليهما كما جرد الامر والنهى لذلك عن معنييهما فى قوله عز وجل { استغفر لهم او لا تستغفر لهم } وحرف النداء فى قولك اللهم اغفر لنا ايتها لاعصابة وعن معنى الطلب لمجرد التخصيص كانه قيل ان الذين كفروا مستو عليهم انذارك وعدمه كقولك ان زيدا مختصم اخوه وابن عمه .

(1/48)

واصل الانذار الاعلام بامر مخوف وكل منذر تعلم وليس كل معلم منذرا كما فى تفسير ابى الليث والمراد ههنا التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصى وانما اقتصر عليه لما انهم ليسوا باهل للبشارة اصلا ولا الانذار اوقع فى القلوب واشد تأثيرا فى النفوس فان دفع المضار أهم من جلب المنافع فحيث لم يتأثروا به فلأن لا يرفعوا للبشارة رأسا اولى . وانما لم يقل سواء عليك كما قال لعبدة الاصنام { سواء عليكم ادعوتموهم ام انتم صامتون } لان انذارك وترك انذارك ليسا سواء فى حقك لانك تثابك على الانذار وان لم يؤمنوا فما فى حقهم فهما سواء لانهم لا يؤمنون فى الحالين وهو نظير الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فانه يثاب به الآمر وان لم يعمل به المأمور وكان هؤلاء القوم كقوم هود الذين قالوا لهود عليه السلام { سواء علينا أوعظت ام لم تكن من الواعظين } وقال تعالى فى حق هؤلاء { سواء عليهم } الخ ويقال لهم فى القيامة { اصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم انما تجزون ما كنتم تعملون } واخبر عنهم انهم يقولون { سواء علينا اجزعنا ام صبرنا ما لنا من محيص } فلما كان الوعظ وتركه سواء كان صبرهم فى النار وتركه سواء وجزعهم فيها وتركه سواء وانت اذا كان عصيانك فى الشباب والشيب سواء وتماديك فى الصحة والمرض سواء واعراضك فى النعمة والمحنة سواء وقسوتك على القريب والبعيد سواء وزيغك فى السر والعلانية سواء اما تخشى ان تكون توبتك عند الموت واصرارك عند النزع وسكوتك سواء وزيارة الصالحين لك وامتناعهم سواء وقيام الشفعاء بامرك وتركهم سواء كذا فى تفسير التيسير { لا يؤمنون } جملة مستقلة مؤكدة لما قبلها مبينة لما فيه من اجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الاعراب ثم هذا تخفيف للنبى عليه السلام وتفريغ لقلبه حيث اخبره عن هؤلاء بما اخبر به نوحا صلوات الله عليه وعلى سائر الانبياء فى الانتهاء فانه قال تعالى لنوح عليه السلام بعد طول الزمان ومقاساة الشدائد والاحزان { إنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن } فدعا بهلاكهم بعد ذلك وكذلك سائر الانبياء . فى الآية الكريمة اخبار بالغيب على ما هو به ان اريد بالموصول اشخاص باعيانهم فهى من المعجزات الباهرة وفى الآية اثبات فعل العباد فانه قال لا يؤمنون فيه اثبات فعل العباد فانه قال لا يؤمنون وفيه اثبات الاختبار ونفى الاكراه والاجبار فانه لم يقل لا يستطيعون بل قال لا يؤمنون . فان قلت لما علم الله انهم لا يؤمنون فلم امر النبى عليه السلام بدعائهم . قلت فائدة الانذار بعد العلم بانه لا ينجع الزام الحجة كما ان الله تعالى بعث موسى الى فرعون ليدعوه الى السلام وعلم انه لا يؤمن قال الله تعالى

(1/49)

{ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال { ولو انا اهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك } فان قلت لما اخبر الله رسوله انهم لا يؤمنون فهلا الهكهم كما اهلك قوم نوع بعدما اخبرانهم لا يؤمنون . قلت لما اخبر الله رسوله انهم لا يؤمنون فهلا اهلكهم كما اهلك قوم نوح بعدما اخبرانهم لا يؤمنون . قلت لان النبى عليه السلام كان رحمة للعالمين كما ورد به الكتاب وقد قال الله تعالى { وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ثم ان الاخبار بوقوع الشئ او عدمه لا ينفى القدرة عليه كاخباره تعالى عما يفعله هو او العبد باختياره فلا يلزم جواز تكليف ما لا يطاق . قال الامام القشيرى من كان فى غطاء صفته محجوبا عن شهود حقه فسيان عنده قول من دله على الحق وقول من اعانه على استجلاب الحظ بل هو لى داعى الغفلة اميل وفى الاصغاء اليه ارغب وكما ان الكافر لا يرعوى عن ضلالته لما سبق من شقاوته فكذلك المربوط باغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده . وقال ايضا ان الذى بقى فى ظلمات دعاويه سواء عنده نصح الراشدين وتسويلات المبطلين لان الله تعالى نزع من احواله . بركات الانفصاف فلا يصغى الى داعى الرشاد كما قيل وعلى النصوح نصيحتى ... وعلى عصيان النصوح وفى التأويلات النجمية { ان الذين كفروا } اى جحدوا ربوبيتى بعد اقرارهم فى عهد الست بربكم باجابة بلى وستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من اعمالهم الطيبعية النفسانية وافسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التى فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية كما قال تعالى { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } وذلك بان ارواحهم النفسية لما نظروا برزونة الحواس الخمس الى عالم الصورة الخسيسة حجبت عن مألوفاتها ومحابها ثم ابتليت بصحبة النفوس الحيوانية واستأنست بها ولهذا يسمى الانسان انسانا لانه انيس فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا فاستحسن ما استحسنت النفسص واستلذ به ما استلذ به النفس واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطع عند الاغذية الروحانية ونسى حظائر القدس وجوار الحق فى رياض الانس ولهذا سمى الناس ناسا لانه ناس فتاه فى اودية الخسران واستهوته الشياطين فى الارض حيران ولما نسوا الله بالكفران نسيهم بالخذلان حتى غلب إيهم الهوى واوقعهم فى مهالك الردى فاصبحوا بنفوس احياء وقلوب موتى { سواء عليهم ءانذرتهم } بالوعد والوعيد وخوفتهم بالعذاب الشديد { ام لم تنذرهم لا يؤمنون } بما اخبرتهم ودعوتهم اليه وانذرتهم عليه لان روزنة قلوبهم الى عالم الغيب منسدة بقساوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مقفول عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى { أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها } فما تنسموا روائح الانس من رياض القدس بل هب عليهم صرصر الشقاوة من مهب حكم السابقة وادركهم بالختم على أقفا لها كما قال تعالى { ختم الله } الآية انتهى ما فى التأويلات . ومن امثال الانجيل قلوبكم كالحصاة لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الريح : قال السعدى جون بو داصل جوهرى قابل ... تربيت را دراواثر باشد هيج صيقل نكو نداند كرد ... آهنى راكه بد كهر باشد

(1/50)

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

{ ختم الله على قلوبهم } لما ذكر هؤلاء الكفار بصفاتهم وحالاتهم الحق به ذكر عقوباتهم فهو تعليل للحكم السابق وبيان ما يقتضيه . والختم الكتم سمى به الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم عليه لانه كتم له وبلوغ آخره ومنه ختم القرآن نظرا الى انه آخر فعل يفعل فى احرازه ولا ختم على الحقيقة وانما المراد به ان يحدث فى نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصى واستقباح الايمان والطاعات بسبب غيهم وانهماكهم فى التقليد واعراضهم عن النظر الصحيح فتجعل قلوبهم بحيث لا يؤثر فيها الانذار ولا ينفذ فيها الحق اصلا وسمى هذه الهيئة على الاستعارة ختما وقد عبر عن احداث هذه الهيئة بالطبع فى قوله تعالى { اولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وابصارهم } وبالاغفال فى قوله { ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا } وبالاقساء فى قوله وجعلنا قلوبهم قاسية وهى من حيث ان الممكنات باسرها مسندة الى الله تعالى واقعة بقدرته اسندت اليه تعالى ومن حيث انها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى { بل طبع الله عليها بكفرهم } وقوله ذلك { بانهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم } وردت الآية الكريمة ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم فالختم مجازاة لكفرهم والله تعالى قد يسر عليهم السبل فلو جاهدوا لوفقهم فسقط الاعتراض بانه اذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة . قال الشيخ فى تفسيره واسناد الختم الى الله للتنبيه على ان اباءهم عن قبول الحق كالشئ الخلق غير العرضى انتهى . وقال فى التيسير حاصل الختم عند اهل عقوبة من الله تعالى لا تمنع العبد من الايمان جبرا ولا تحمله على الكفر كرها بل هى زيادة عقوبة له على سوء اختياره وتماديه فى الكفر واصراره يحرم بها من اللطف الذي سهل به فعل الايمان وترك العصيان بدل عليه انهم بقوا مخاطبين بالايمان بقوله تعالى { آمنوا بالله ورسوله } وملومين على الامتناع عنه لقوله تعالى { فما لهم لا يؤمنون } ولو صاروا مجبورين وعن الايمان عاجزين لزال الخطاب وسقط اللوم والعتاب كما فى الختم على الافواه يوم الحساب لما عجزوا به حقيقة عن الكلام لم يبق الخطاب بالكلام وتحقيق المذهب اثبات فعل العبد وتخليق الله تعالى . والقلوب جمع قلب وهو الفؤاد سمى قلبا لتقلبه فى الامور ولتصرفه فى الاعضاء . وفى تفسير الشيخ القلب قطعة لحمم مشكل بالشكل الصنوبرى معلق بالوتين مقلوبا والوتين عرق فى القلب الذى انقطع مات صاحبه ويقال له الابهر وفى تفسير الكواشى القلب قطعة سوداء فى الفؤاد وزعم بعضهم انه الشكل الصنوبرى المعلق بالوتين مقلوبا * وفى تعريفات السيد القلب لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسمانى الصنوبرى الشكل المودع فى الجانب الايسر من الصدر تعلق وتلك اللطيفة هى حقيقة الانسان : قال المولى الجامى

(1/51)

نسيت اين بيكر مخروطى دل ... بلكه اين قفص طوطى دل كرتو طوطى زقفس نشناسى ... بخدا ناس نه نشناسى والمراد بالقلب فى الآية محل القوة العاقلة من الفؤاد وقد يطلق ويراد به المعرفة والعقل كما قال { ان فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب } { و } ختم الله { على سمعهم } اى على آذانهم فجعلها بحث تعاف استماع الحق ولا تصفى الى خير ولا تعيه ولا تقبله كأنها مستوثق منها بالختم عقوبة لهم على سوء اختيارهم وميلهم الى الباطل وايثارهم . والسمع هو ادراك القوة وهو المختوم عليه اصالة . وفى توحيد السمع وجوده . احدها انه فى الاصل مصدر والمصادر لا تجمع لصلاحيتها للواحد والاثنين والجماعة قال تعالى { انهم يكيدون كيدا واكيد كيدا } فان قالوا فلم جمع الابصار والواحد بصر وهو كالسمع قلنا انه اسم للعين فكان اسما لا مصدرا فجمع لذلك . والثانى ان فيه اضمارا اى على مواضع سمعهم وحواسه كما فى قوله تعالى { واسئل القرية } اى اهلها وثبت هذا الاضمار دلالة ان السمع فعل ولا يختم على الفعل وانما يختم على محله . والثالث انه اراد سمع كل واحد منهم والاضافة الى الجماعة تغنى عن الجماعة وفى التوحيد امن اللبس كما فى قوله كلو فى بعض بطنكم اى بطونكم اذا لبطن لا يشترك فيه . والرابع قول سيبويه دل على الانوار ذكر الظلمات وتقديم ختم قلوبهمللايذان بانها الاصل فى عدم الايمان وتقديم حال السمع على حال ابصارهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم فى تلك الحال . قالوا السمع افضل من البصر لانه تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ولان السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث الله تعالى رسولا اصم ولان السمع وسيلة الى استكمال العقل بالمعارف التى تتلقف من اصحابها { وعلى ابصارهم } جمع بصر وهو ادراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضوين وهو المراد ههنا لانه اشد مناسبة للتغطية { غشاوة } اى غطاء ولا تغشية على الحقيقة وانما المراد بها احداث حاله تجعل ابصارهم بسبب كفرهم لا تجتلى الآيات المنصوبة فى الانفس والآفاق كما تجتليها اعين المستبصرين وتصير كأنها غطى عليها وحيل بينها وبين الابصار ومعنى التنكير ان على ابصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس وهى غشاوة التعامى عن الآيات . قوله غشاوة مبتدأ مؤخر خبره المقدم قوله وعلى ابصارهم ولما اشترك السمع والقلب فى الادراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذى يمنع من جميع الجهات وادراك الابصار مما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة . قال فى التيسير انما ذكر فى الآية القلوب والسمع والابصار لان الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة فى الحق كما قال تعالى

(1/52)

{ أفلا تعقلون أفلا تبصرون أفلا تسمعون } { ولهم عذاب عظيم } اى عقوبة شديدة القوة ومنه العظم والعذاب كالنكال بناء ومعنى يقال اعذب عن الشئ اذا امسك عنه وسمى العذاب عذابا لانه يمنع عن الجناية اذا تأمل فيها العاقل ومنه الماء العذب لما انه يقمعالعطش ويردعه بخلاف الملح فانه يزيده ويدل عليه تسميتهم اياه نفاخا لانه ينقخ العطش اى يكسره وفراتا لانه يرفته على القلب يعنى الفرات وهو الماء العذب مأخوذ من الوفت وهو قلبه وقيل انما سمى به لانه جزاء ما استعذ به المرؤ بطبعه اى استطابه ولذلك قالوا فذوقوا عذابى وانما يذاق الطيب على معنى انه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه فى الدنيا * والعظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكان العظيم فوق الكبير كما ان الحقير دون الصغير . قال فى التيسير عظيم اى كبير او كثير او دائم وهو التعذيب بالنار ابدا ثم عظمه باهواله وبشدة احواله وكثرة سلاسله واغلاله فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقونه فى الآخرة وقيل هو القتل والاسر فى الدنيا والتحريق بالنار فى العقبى ومعنى التوصيف بالعظيم انه اذا قيس سائر ما يجانسه قصر عنه جميعه ومعنى التنكير ان لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه الا الله عز وجل . فعلى العاقل ان يجتنب عما يؤدى الى العذاب الاليم والعقاب العظيم وهو الاصرار على الذنوب والاكباب على اقتراف الخطيأت والعيوب . قيل فى سبب الحفظ من هذه العقوبة التى هى الختم على الكيس فلا يمنعه عن حق ووضع الختم على اللسان فلا يطلق فى باطل قال السعدى بكمراه كفتن نكو ميروى ... كناه بزركست وجور قوى مكو شهدشيرين شكر فايقست ... كسى كه سقمونيا لا يقست قال النبى صلى الله عليه وسلم « ان هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد » قيل وما جلاؤها قال « تلاوة القرآن وكثرة ذكر الله وكثرة ذكر الموت » وامهات الخطايا ثلاث الحرص والحسد والكبر فحصل من هؤلاء ست فصارت تسعا الشبع والنوم والراحة وحب المال وحب الجاه وحب الرياسة فحب المال والرياسة من اعظم ما يجر صاحبه الى الكفر والهلاك - حكى - ان ملكا شابا قال انى لا اجد فى الملك لذة فلا ادرى أكذلك يجدة الناس ام انا اجده فقالوا له كذلك يجده الناس قال فماذا يقيمه قالوا يقيمه لك ان تطيع الله فلا عصيه فدعا من كان فى بلده من العلماء والصلحاء فقال لهم كونوا بحضرتى ومجلسى فما رأيتم من طاعة الله فاثمرونى وما رأيتم من المعصية فازجرونى عنها ففعل ذلك فاستقام له الملك اربعمائة سنة ثم ان ابليس اتاه يوما على صورة رجل وقال له من انت قال الملك رجل من بنى آدم قال لوكانت من بنى آدم لمنت كما تموت بنوا آدم ولكنك اله فادع الناس الى عبادتك .

(1/53)

دخل فى قلبه شئ ثم صعد المنبر فقال ايها الناس انى اخفيت عليكم امرا حان اظهار وهو انى ملككم منذ كذا سنة ولو كنت من بنى آدم لمت ولكنى اله فاعبدونى فاوحى الله الى نبى زمانه وقال اخبره انى استقمت له ما استقام لى فتحول من طاعتى الى معصيتى فبعزتى وجلالى لاسلطن عليه بخت نصر ولم يتحول عن ذلك فسلطه عليه فضرب عنقه وأوقر من خزينته سبعين سفينة من ذهب : قال المولى جلال الدين قدس سره جز عنايت كه كشايد جثم را ... جز محبت كه نشاند خشم را جهد بى توفيق خود كس را مباد ... در جهان والله اعلم بالرشاد وفى التأويلات النجمية فى الختم اشارة الى بداية سوابق احكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والارادة الازلية للخليقة كما قال تعالى { فمنهم شقى وسعيد } مع حسن استعداد جميعهم بقبول الايمان والكفر ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب الست بربكم قالوا بلى جميعا ثم اودع الله الذرات ف القلوب والقلوب فى الاجساد والاجساد فى الدنيا فى ظلمات ثلاث وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة الى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التى سمعت خطاب الحق وشاهدت كمال الحق الى وقت ولادة كل انسان كما قال عليه السلام « كل مولود يولد على فطرة الاسلام فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » وفيه اشارة الى ان الله يكل الاشقياء الى تربية الوالدين فى معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما الفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم كما قال تعالى { انتم وآباؤكم فى ضلال مبين } فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة فى ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج الى القلوب فيقسيها ويسودها ويغطيها ويسد روزنتها الى الذرات فيعميها وبصمها حتى لا يبصر اهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما كانوا يبصرون ولا يسمع يسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون فينكرون على الانبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم اليه فيختم الله شقاوتهم بكفرهم هذا ويطبع به على قلوبهم كقوله تعالى { بل طبع الله عليها بكفرهم } فسر القدر مستور لا يطلع عيله احد الا الله فيظهر آثار السعادة باقرار السعداء ويظهر آثار الشفاؤة بانكار الاشقياء وكفرهم من القدر كالبذر فى الارض مستور فتظهر الشجرة منه وهو فى الشجرة مستور فيخرج مع الاغصان من الشجرة وهو فى الاغصان مستور حتى يخرج مع الاغصان من الشجرة وهو فى الاغصان مستور حتى يخرج مع الثمرة من الاغصان وهو فى الثمرة مستور حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر بالثمرة فكذلك سر القدر وهو بذر السعادة او الشقاوة مستور فى علم الله تعالى فتظهر شجرة وجود الانسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج مع اغصان الاخلاق وهى مستورة فيها فتخرج مع ثمرة الاعمال وهى الاقرار والنكار والايمان والكفر فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة او الشقاوة بثمرة الايمان او الكفر فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة او الشقاوة فالذين { ختم الله على قلوبهم } انما ختم بخاتم كفرهم وان كان نقش خاتمهم هو الاحكام الازلية وسر القدر حتى حرموا من دولة الوصال وبه ختم { على سمعهم } حتى لم يسمعوا خطاب الملك ذى الجلال { وعلى ابصارهم غشاوة } من العمى والضلال فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ولهم عذاب عظيم } لانهم منعوا من مرادهم وهو العلى العظيم فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه انتهى ما فى التأويلات .

(1/54)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

{ من الناس } لما افتتح سبحانه وتعالى كتابه بشرح حاله وساق لبيانه ذكر الذين اخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم وثنى باضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين وهم الذين آمنوا بافواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم وهم اى المنافقون اخبث الكفرة وابغضهم الى الله لانهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعا واستهزاء ولذلك طول فى بيان خبثهم . قال القاشانى الاقتصار فى وصف الكفار المصرين المطبوع على قلوبهم على آيتين والاطناب فى وصف المنافقين فى ثلاث عشرة آية للاضراب عن اولئك صفحا اذ لا ينجع فيهم الكلام ولا يجدى عليهم الخطاب واما المنافقون فقد ينجع فيهم التوبيخ والتعبير وعسى ان يرتدعوا بالتشنيع عليهم وتفظيع شأنهم وسيرتهم وتهجير عادتهم وخبث نيتهم وسريرتهم وينتهوا بقبيح صورة حالهم وتفضيحهم بالتمثيل بهم وبطريقتهم فتلين قلوبهم وتنقاد نفوسهم وتزكى بواطنهم وتمضحل رذائلهم فيرجعون عما هم عليه ويصيرون من المستثنى فى قوله تعالى { الا الذين تابوا واصلحوا واعتصموا بالله واخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين وسوف يؤت لله المؤمنين اجرا عظيما } والناس اسم جمع للانسان سمى به لانه عهد اليه فنسى قال تعالى { ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما } ولذلك جاء فى تفسير قوله تعالى { ان الانسان لربه لكنود } اى نساء للنعم ذكار للمحن وقيل لظهوره من آنس اى ابصر لانهم ظاهرون مبصرون ولذلك سموا بشرا كما سمى الجن جنا لاجتنانهم اى استتارهم عن اعين الناس وقيل هو من الانس الذى هو ضد الوحشة لانهم يستأنسون بامثالهم او يستأنس ارواحهم بابدانهم وابدانهم بارواحهم واللام فيه للجنس ومن فى قوله { من يقول } موصوفة اذ لا عهد فكأنه قال ومن الناس ناس يقولون اى يقرون باللسان والقول هو التلفظ بما يفيد ويقال بمعنى المقول وللمعنى المتصور فى النفس المعبرعنه باللفظ وللرأى وللمذهب مجازا ووحد الضمير فى يقول باعتبار لفظ من وجمعه فى قوله { آمنا } وقوله { وما هم } باعتبار معناها لان كلمة من تصلح للواحد والجمع او اللام فيه للعهد والمعهود هم الذين كفروا ومن موصولة مراد بها عبد الله بن ابى بن سلول واصحابه ونظراؤه من المنافقين حيث اظهروا كلمة الاسلام ليسلموا من النى عليه السلام واصحابه واعتقدوا خلافها واكثرهم من اليهود فانهم من حيث انهم صمموا على النفاق دخلوا فى عداد الكفار المختوم على قلوبهم واختصاصهم زيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس فان الاجناس انما تتنوع بزيادات يختلف فيها ابعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيما للقسم الثانى { آمنا بالله } اى صدقنا بالله { وباليوم الآخر } والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر الى ما لا ينتاهى اى الوقت الدائم الذى هو آخر الاوقات المنقضية والمراد به البعث او الى ان يدخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار لانه آخر الايام المحدودة اذ لا حد وراءه وسمى بالآخر لتأخره عن الدنيا وتخصيصهم للايمان بهما بالذكر له ادعاء انهم قد حازوا الايمان من قطريه واحاطوا به من طرفيه وايذان بانهم منافقون فيما يظنون فيه فكيف بما يقصدون به النفاق لان القوم كانوا يهودا وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر ايمانا كلا ايمان لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد وان الجنة لا يدخلها غيرهم وان النار لن تمسهم الاياما معدودة وغيرها ويرونه المؤمنين انهم آمنوا مثل ايمانهم وحكاية عبارتهم لبيان كما خبثهم فان ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن ذلك ايمانا فكيف وهم يقولونه تمويها على المسلمين واستهزاء بهم فكان خبثا الى خبث وكفرا الى كفر { وما هم بمؤمنين } ما نائبة عن ليس ولهذا عقب بالباء اى ليسوا بمصدقين لانهم يضمرون خلاف ما يظهرون بل هم منافقون وفى الحكم عليهم بانهم ليسوا بمؤمنين نفى ما ادعوه على سبيل البت والقطع لانه نفى اصل الايمان منهم بادخال الباء فى خبر ما ولذا لم يقل وما هم من المؤمنين فان الاول ابلغ من الثانى .

(1/55)

دلت الآية على ان الدعوى مردودة اذا لم يقم عليها دلائل الصحة قال قائلهم من تحلى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدعيه فان من مدح نفسه ذم ومن ذم نفسه مدح قالوا فرعون عليه لعنات الله { وانا من المسلمين } فقيل وكنت من المفسدين وقال يونس عليه السلام { انى كنت من الظالمين } فقيل له { فلولا انه من المسبحين } قال الحافظ قدس سره . خوش بود كر محك تجربه آيد بميان ... تاسيه روى شود هركه دروغش باشد - حكى - ان شيخا كان له تلميذ يدعى انه امين والشيخ يعلم منه خلاف ذلك وهو يرد على الشيخ فى ذلك ويدعى الامانة ويطلب منه ان يكشف له سرا من اسرار الله تعالى فاخذ الشيه يوما تلميذا من اصحابه وخبأه فى بيت وعمد الى كبش فذبحه والقاه فى عدل ودخل ذلك التلميذ المدعى فرأى الشيخ ملطخا بالدماء والعدل امامه والسكين فى يده فقال له يا سيدى ما شأنك فقال له غاظنى فلان يعنى ذلك التلميذ فقتلته يعنى التلميذ يعنى بقتله مخالفة هواه حتى لا يكذب الشيخ فتخيل التلميذ انه فى العدل فقال الشيخ هذه امانة فاستر على وادفن معى هذا المذبوح الذى هى هذا العدل فدفنه معه فى الدار وقصد الشيخ نكاية ذلك التلميذ وان يفعل معه ما يخرجه وجاء ابو ذلك المخبوء يطلب ابنه فقال له الشيخ هو عندى فمضى الرجل فلما كبر على الرجل نكاية الشيخ مشى الى والد ذلك المخبوء وابخره ان الشيخ قتله ودفنه معه ورفع ذلك الى السلطان فوقف السلطان فى ذلك الامر لما يعرفه نم جلالة الشيخ وبعث اليه بالقاضى والفقهاء واخذ ذلك التلميذ يسب الشيخ ووقف الشهود حتى حضروا الى العدل فعاينوا الكبش وخرج التلميذ المبخوء وافتضح وندم حيث لا ينفعه الندم كذا فى الرسالة المسماة بالامر المحكم المربوط فيما يلزم اهل طريق الله من الشروط للشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فظهر من هذا ان الاسرار لا توهب الا للامناء والانوار لا تفيض الا على الادباء : قال الحافظ قدس سره .

(1/56)

-حديث دوست نكويم مكر بحضرت دوست ... كه آشنا سخن آشنانكه دارد - وفى التأويلات النجمية { ومن الناس } هم الذين نسوا الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم { من يقول آمنا بالله } يقولون بافواهمهم ما ليس فى قلوبهم فان الايمان الحقيقى ما يكون من نورا لله الذى يقذفه الله فى قلوب خواصه { وباليوم الآخر } اى بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به فمن لم ينظر بنور الله فلا يكون مشاهدا لعالم الغيب فلا يعلم الغيب فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر ولهذا قال { وما هم بمؤمنين } اى بالذين يؤمنون من نور الله تعالى وفيه معنى آخر وما هم بمستعدين للهداية الى الايمان الحقيقى لانهم فى غاية الغفلة والخذلان انتهى .

(1/57)

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

{ يخادعون الله } بيان ليقول فى الآية السابقة وتوبيخ لما هو غرضهم مما يقولون او استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق اليه الذهن كانه قيل مالهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين فقيل يخادعون الخ اى يخدعون وانما اخرج فى زنة فاعل للمبالغة وخداعهم مع الله سبحانه ليس على ظاهره لانه لا تخفى عليه خافية ولانهم لم يقصدوا خديعته بل المراد ما مخادعة رسوله على حذف المضاف او على ان معاملة الرسول معاملة الله من حيث انه خليفته فى ارضه والناطق عنه باوامره ونواهيه مع عباده ففيه رفع درجة النبى صلى الله عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه واما ان صورة صنعهم مع الله من اظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم من اجراء احكام المسلمين عليهم وهم عنده تعالى اخبث الكفار واهل الدرك الاسفل من النار استدراجا لهم وامتثال الرسول والمؤمنين امر الله تعالى فى اخفاء حالهم واجراء حكم الاسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين فتكون المخادعة بين الاثنين والخدع ان يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب او يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر بذلك فينجو منه لسهولة من قولهم ضب خادع وخدع وهو الذى اذا امر الحارش يده على باب حجره يوهمه الاقبال عليه فيخرج من بابه الآخر وكلا المعنين مناسب للمقام فانهم كانوا يريدون بما صنعوا ان يطلعوا على اسرار المؤمنين فييعوها الى منابذيهم اى يشيعوها الى مخالفيهم واعدائهم وان يدفعوا عن انفسهم ما يصيب سائر الكفرة من القتل والنهب والاسر وان ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الاعطاء { والذين آمنوا } اى يخادعون المؤمنين بقولهم اذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين وهو عطف على الاول ويجوز حمله على الحقيقة فى حقهم فانه وسعهم كذا فى التيسير { وما يخدعون الا انفسهم } النفس ذات الشئ حقيقته وقد يقال للروح لان النفس الحى به وللقلب لانه محل الروح او متعلقة وللدم لان قوامها به وللماء ايضا لشدة حاجتها اليه والمراد هنا هو المعنى الاول لان المقصود بيان ان ضرر مخادعتهم راجع اليهم لا يتخطاهم الى غيرهم اى يفعلون ما يفعلون والحال انهم ما يضرون بذلك الا انفسم فان دائرة فعلهم مقصورة عليهم ومن حافظ على الصيغة قال وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين الا انفسهم لان ضررها لا يحقيق الا بهم ووبال خداعهم راجع اليهم لان الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفضحون فى الدنيا ويستوجبون العقاب فى العقبى : قال المولى جلال الدين قدس سره .

(1/58)

بازئ خود ديدى اى شطرنج باز ... بازئ خصمت ببين دور ودراز وقيل يعاملهم على وفق ما عاملوا وذلك فيما جاء انهم اذا القوا فى النيران وعذبوا فيها طويلا من الزمان استغاثوا بالرحمن قيل لهم هذا الابواب قد فتحت فاخرجوا فيتبادرون الى الابواب فاذا انتهوا اليها اغلقت دونهم واعيدوا الى الآبار والتوابيت مع الشياطين والطواغيت قال تعالى { انهم يكيدون كيدا واكيد كيدا } وفى الحديث « يؤمر بنفر من الناس يوم القيامة الى الجنة حتى اذا دنوا منها واستنشقوا رايحتها ونظروا الى قصورها والى ما اعد الله تعالى لاهلها نودوا ان اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الاولون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربنا لو ادخلتنا النار قبل ان ترينا ما اريتنا من ثواب ما اعددت لاوليائك فيقول ذلك اردت بكم كنتم اذا خلوتم بى بارزتمونى بالعظائم فاذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤن الناس وتظهرون خلاف ما تنطوى قلوبكم عليه هبتم الدنيا ولم تهابنى اجللتم الناس ولم تجلونى وتركتم للناس ولم تتركوا لى » يعنى لاجل الناس فاليوم اذ يقكم أليم عذابى مع ما حرمتكم يعنى من جزيل ثوابى كذا فى روضة العلماء وتنبيه الغافلين { وما يشعرون } حال من ضمير ما يخدعون اى يقتصرون على خدع انفسهم والحال انهم ما يسحون بذلك لتماديهم فى الغفلة والغواية جعل طوق وبال الخداع ورجوع ضرره اليهم فى الظهور كالمحسوس الذى لا يخفى الا على مؤوف الحواس وهذا تنزيل لهم منزله الجمادات وحط من مرتبة البهائم حيث سلب منهم لاحس الحيوانى فهم ممن قيل فى حقهم بل هم اضل فلا يشعرون ابلغ وانسب من لا يعلمون . والشعور الاحساس اى علم الشئ علم حس ومشاعر الانسان حواسه سميت به لكون كل حاسة محلا للشعور والعظة فيه ان المنافق عمل ما عمل وهو لا يعلم بوبال ما عمل والمؤمن يعلم به فما عذره عند ربه ثم فى هذه الآية نفى العلم عنهم وفى قوله { وتكتمون الحق وانتم تعلمون } اثبات العلم لهم والتوفيق بينهما انهم علموا به حقيقة ولكن لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا وهو كقوله عز وجل { صم بكم عمى } فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة لكن لم ينتفعوا بذلك فكانوا كأنهم صم بكم عمى فذولآلة اذا لم ينتفع بها فهو وعادم اللآلة سواء والعالم الذى لا يعمل بعلمه فهو والجاهل سواء والغنى الذى لا ينتفع بماله فهو والفقير سواء فاثبات العلم للكفار الزام الحجة وذكر الجهل ثابت المنقضة بخلاف المؤمنين فان اثبات العلم لهم اثبات الكرامة وذكر الجهل تلقين عذر المعصية كذا فى التيسير . فعلى المؤمن ان يتحلى بالعلم والعمل ويجتنب عن الخطأ والزلل ويطيع ربه خالصا لوجهه الكريم ويعبده بقلب سليم وفى الحديث

(1/59)

« ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر » قالوا وما الشرك الاصغر يا رسول الله قال « الرياء يقول الله تعالى يوم يجازى العباد باعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراؤن لهم فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا » وانما يقال لهم ذلك لان عملهم فى الدنيا كان على وجه الخداع فيعاملون فى الآخرة على وجه الخداع كذا فى تنبي الغافلين : قال السعدى جه قدر آورد بنده نزد رئيس ... كه زير قبا دارد اندام بيس وفى التأويلات النجمية الاشارة ان الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة فى الازل اثمر بذر سر القدر المستور فى اعماله ثمرة مخادعة الله فى الظاهر ولا يشعر ان المخادعة نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا فى نظره وحب شهواتها فى قلبه كما قال تعالى { زين للناس حب الشهوات } الآية فانخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله وطلب السعادة الاخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور كما قال تعالى { يخادعون الله وهو خادعهم } فعلى هذا { وما يخدعون الا انفسهم } حقيقة فى صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا لانهم كانوا قبل مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع امكان ظهور الايمان منهم فلما شرعوا فى اظهار النفاق بطريقة المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الاسفل من النار فابطلوا استعداد قبول الايمان وامكانه عن انفسهم فكانت مفسدة خداعهم ومكرهم راجعة الى انفسهم { وما يشعرون } اى ليس لهم الشعور بسر القدر الازلى وان معاملتهم فى المكر والخداع من نتايجه لان فى قلوبهم مرضا ومرض القلب ما يفهم من شعور سر القدر .

(1/60)

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

{ فى قلوبهم مرض فزادهم الله } زاد يجيئ متعدي كما فى هذه الآية ولازما كما فى قوله تعالى { فارسلناه الى مائة الف او يزيدون } والمرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال اللائق به ويوجب الخلل فى افاعليه ويؤدىلى الموت ومجاز فى الاعراض النفسانية التى تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصى وغير ذلك من فنون الكفر المؤدى الى الهلاك الروحانى لانها مانعة عن نيل الفضائل او مؤدية الى زوال الحياة الابدية والآية الكريمة تحتملها فان قلوبهم كانت متألمة تحرفا على مافات عنهم من الرياسة وحسدا على ما يرون من ثبات الرسول عليه السلام واستعلاء شأنه يوما فيوما فزاد الله غمهم بما زاد فى اعلاء امره ورفع قدره وان نفوسهم كانت مؤوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبيى عليه السلام ونحوها فزاد الله ذلك بان طبع على قلوبهم لعلمه تعالى بانه لا يؤثر فيها التذكير والانذار وبازدياد التكاليف الشرعية وتكرير الوحى وتضاعف النصر لانهم كلما ازداد التكاليف بنزول الوحى يزدادون كفرا وقد كان يشق عليهم التكلم بالشهادة فكيف وقد لحقتهم الزيادات وهى وظائف الطاعات ثم العقوبة على الجنايات فازدادوا بذلك اضطرابا على اضطراب وارتيابا على ارتياب ويزدادون بذلك فى الآخرة عذابا على عذاب قال تعالى { زدناهم عذابا فوق العذاب } والمؤمنون لهم فى الدنيا ما قال { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } وفى العقبى ما قال { ويزيدهم من فضله } . قال القطب العلامة امراض القلب اما متعلقة بالدين وهو سوء الاعتقاد والكفر او بالاخلاق وهى اما رذائل فعلية كالغل والحسد واما رذائل انفعالية كالضعف والجبن فحمل المرض اولا على الكفر ثم على الهيآت الفعلية ثم على الهيآت الانفعالية ويحتمل ان يكون قوله تعالى { فزادهم الله } دعاء عليهم * فان قلت فكيف يحمل على الدعاء والدعاء للعاجز عرفا والله تعالى منزه عن العجز قلت هذا تعليم من الله عباده انه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لانهم شر خلق الله لانه اعد لهم يوم القيامة الدرك الاسفل من النار وهذا كقوله تعالى { قاتلهم الله } { ولعنهم الله } { ولهم } فى الآخرة { عذاب اليم } يصل المه الى القلوب وهو بمعنى المؤلم بفتح اللام على انه اسم مفعول من الايلام وصف به العذاب للمبالغة وهو فى الحقيقة صفة المعذب بفتح الذال المعجمة كما ان الجد للجاد فى قولهم جدجده وجه المبالغة افادة ان الالم بلغ الغاية حتى سرى المعذب الى العذاب المتعلق به { بما كانوا يكذبون } الباء للسببية او للمقابلة وما مصدرية داخلة فى الحقيقة على يكذبون وكلمة كانوا مقحمة لافادة دوام كذبهم وتجدده اى بسب بكذبهم المتجدد المستمر الذى هو قولهم آمنا الخ وفيه رمز الى قبح الكذب وسماجته وتخييل ان العذاب الاليم لاحق بهم من اجل كذبهم نظرا الى ظاهر العبارة المتخيلة لانفراده بالسببية مع احاطة علم السامع بان لحوق العذاب بهم من جهات شتى وان الاقتصار عليه للاشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه .

(1/61)

والكذب الاخبار بالشئ على خلاف ما هو به وهو قبيح كله . واما ما روى ان ابراهيم عليه السلام ( كذب ثلاث كذبات ) فالمراد به التعريض لكن لما شابه الكذب فى صورته سمى به واحدى الكذبات . قوله { انى سقيم } اى ذاهب الى السقم او الى الموت او سيسقم لما يجد من الغيظ فى اتخاذهم النجوم آلهة قاله ليتركوه منالذهاب معهم الى عيد لهم حتى يخلوا سبيله فيكسر اصنامهم . والثانية قوله { بل فعله كبيرهم } هذا على الفرض والتقدير على سبيل الالزام كانه قال لوكان الها معبودا وجب ان يكون قادرا على ان يفعله فاذا لم يكن قادرا عليه يكون عاجزا والعاجز بمعزل عن الالوهية واستحقاق العبادة فكيف حالكم فى العكوف عليه فهذا القول تهكم بعقولهم . وثالثها قوله فى حق زوجته سارة رضى الله عنها { هذه اختى } والمراد منه الاخوة فى الدين وغرضه منه تخليصها من يد الظالم لان من دين ذلك الملك الذى يتدين به فى الاحكام المتعلقة بالسياسة لا يتعرض الا لذوات الازواج لان من دينه ان المرأة اذا اختارت الزوج فالسلطان احق بها من زوجها واما اللاتى لا ازواج لهن فلا سبيل عليهن الا اذا ارضين . واما قوله { هذا ربى } فهو من باب الاستدراج وهو ارخاء العنان مع الخصم وهو نوع من التعريض لان الغرض منه حكاية قولهم كذا فى حواشى ابن تميجيد . واعلم ان الكذب من قبايح الذنوب وفواحش العيوب ورأس كل معصية بها يتكدر القلوب وابغض الاخلاق انه مجانب للايمان يعنى الايمان فى جانب والكذب فى جانب والكذب فى جانب آخر مقابل له وهذا كناية عن كمال البعد بينهما وفى الحديث « مالى اراكم تتهافتون فى الكذب تهافت الفراش فى النار كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة الا ان يكذب الرجل فى الحرب فان الحرب خدعة او يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما او يحدث امرأته ليرضيها » مثل ان يقول لا احد احب الى منك وكذا من جانب المرأة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفى معناها ما أداها اذا ارتبط بمقصود صحيح له او لغيره كما قيل بالفارسية . دروغ مصلحت آميز به ازراست فتنه انكيز ... لكن هذا فى حق الغير واما فى حق نفسه فالصدق اولى وان لزم الضرر : كما قال السعدى دانى كه سخن عين صوابست ... ايد بكفتن دهن ازهم نكشايى كرراست سخن كويى ودربندبمانى ... به زانكه دروغت دهد ازبند رهايى المراد بالكذب فى الحقيقة الكذب فى العبودية والقيام بحقوق الربوبية كما للمنافقين ومن يحذو حذوهم ولا يصح الاقتداء بارباب الكذب مطلقا ولا يعتمد عليهم فانهم يجرون الى الهلاك والفراق عن مالك الاملاك : قال فى المثنوى

(1/62)

ب كاروا انهارا زدهاست ... كه ببوى روز بيروى آمده است صبح كاذب خلق را رهبر مباد ... و دهد بس كاروانها را بباد شانى فى تأويل الآية فى قلوبهم حجاب من حجب الرذائل النفسانية الشيطانية والصفات البشرية عن تجليات الصفات الحقانية وفى التأويلات النجمية { فى قلوبهم مرض } وهو التفات الى غير الله { فزادهم الله مرضا } اى زاد مرض الالتفات على مرض خداعهم فحرموا من الوصول والوصال { ولهم عذاب اليم } من حرمان الوصول الى الله تعالى { بما كانوا يكذبون } بقولهم انا آمنا بالله فانهم ليسوا بمؤمنين حقيقة والايمان الحقيقى نور اذا دخل القلب يظهر على المؤمن حقيقته كما كان لجارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم « كيف اصبحت يا حارثة » قال اصبحت مؤمنا حقا قال « يا حارثة ان لكل حق حقيقة فما حقيقة ايمانك » قال اعرضت نفسى عن الدنيا اى زهدت وانصرفت فاظمأ نهارها واسهر ليلها واستوى عندى حجرها وذهبها وكأنى انظر الى اهل الجنة يتزاورون والى اهل النار ينصاعون وكأنى انظر الى عرش ربى بارزا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اصبت فالزم » قال فى المثنوى اهل صيقل رسته اند ازبوورنك ... هر دمى بينند خوبى بى درنك نقش وقشر علم را بكذا شتند ... رايت عين اليقين افرا شتند بر ترنداز عرش وكرسى وخلا ... ساكنان مقعد صدق خدا علم كان نبود زهو بى واسطه ... آن نبايد همجورنك ما شطه

(1/63)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

{ واذا قيل لهم } اى قال المسلمون لهؤلاء المنافقين { لا تفسدوا فى الارض } اسناد قيل الى لا تفسدوا اسناد له الى لفظه كانه قيل واذا قيل لهم هذا القول كقولك الف ضرب من ثلاثة احرف . والفساد خروج الشئ عن الاعتدال والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع والفساد فى الارض تهيج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن احوال العباد واختلال امر المعاش والمعاد والمراد بما نهوا عنه ما يؤدى الى ذلك من افشاء اسرار المؤمنين الى الكفار واغرائهم عليه وغير ذلك من فنون الشرور فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لا تفسدوا كما يقول الرجل لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك فى النار اذا اقدم على ما هذه عاقبته وكانت الارض قبل البعثة يعلن فيها بالمعاصى فلما بعث الله النبى صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الارض فاذا اعلنوا بالمعاصى فقد افسدوا فى الارض بعد اصلاحها كما فى تفسير ابى الليث { قالوا انما نحن مصلحون } جواب لاذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى انه لا يصلح مخاطبتنا بذلك فان شاننا ليس الا الاصلاح وان حالنا متمحضة عن شوائب الفساد وانما قالوا ذلك الفهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما فى قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } فانكروا كون ذلك فسادا وادعوا كونه اصلاحا محضا وهو من قصر الموصوف على الصفة مثل انما زيد منطلق . قال ابن التمجيد ان المسلمين لما قالوا لهم لا تفسدوا توهموا ان المسلمين ارادوا بذلك انهم يخلطون الافساد بالاصلاح فاجابوا بانهم مقصورون على الاصلاح لا يتجاوزون منه الى صفة الافساد فيلزم منه عدم الخلط فهو من باب قصر الافراد حيث توهموا ان المؤمنين اعتقدوا الشركة فاجابهم الله تعالى بعد ذلك بما يدل على القصر القلبى وهو قوله تعالى . { ألا } ايها المؤمنون اعلموا { انهم هم المفسدون } فانهم لما اثبتوا لانفسهم احدى الصفتين ونفوا الاخرى واعتقدوا ذلك قلب الله اعتقادهم هذا بان اثبت لهم ما نفوه ونفى عنهم ما اثبتوا والمعنى هم مقصورون على افساد انفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الايمان لا يتخطون منه الى صفة الاصلاح من باب قصر الشئ على الحكم فهم لا يعدون صفة الفساد والافساد ولا يلزم منه ان لا يكون غيرهم مفسدين ثم استدرك بقوله تعالى { ولكن لا يشعرون } انهم مفسدون للايذان بان كونهم مفسدين من الامور المحسوسة لكن لا حس لهم حتى يدركوه . قال الشيخ فى تفسيره ذكر الشعور بازاء الفساد اوفق لانه كالمحسوس عادة ثم فيه بيان شرف المؤمنين حيث تولى الله جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين كما كان فى حق المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فان الوليد بن المغيرة قال له انه مجنون فنفاه الله عنه بقوله

(1/64)

{ ما انت بنعمة ربك بمجنون } ثم قال فى ذم ذلك اللعين { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير متعد اثيم عتل بعد ذلك زنيم } اى حلاف حقير عياب يمشى بين الناس بالنميمة بخيل للمال ظالم فاجر غليظ القلب جاف ومع ذلك الوصف المذكور هو ولد الزانى وذلك لانه صلى الله عليه وسلم اتخذ ربه وكيلا على اموره بمقتضى قوله { فاتخذوه وكيلا } فهو تعالى يكفى مؤونته كما قال اهل الحائق ان خوارق العادات قلما تصدر من الاقطاب والخلفاء بل من وزرائهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلى فلا يتصرفون لانفسهم فى شئ ومن جملة كمالات الاقطاب ومنن الله عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الادباء الامناء يحملون عنهم اثقالهم وينفذون احكامهم واقوالهم وذلك كما كان الكامل آصف بن برخيا وزير سليمان عليه الصلاة والسلام الذى كان قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر منه ما ظهر من اتيان عرش بلقيس كما حكاه الله تعالى فى القرآن . وفى التأويلات النجمية> ألا } ايها المؤمنون اعلموا { انهم هم المفسدون } فانهم لما اثبتوا لانفسهم احدى الصفتين ونفوا الاخرى واعتقدوا ذلك قلب الله اعتقادهم هذا بان اثبت لهم ما نفوه ونفى عنهم ما اثبتوا والمعنى هم مقصورون على افساد انفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الايمان لا يتخطون منه الى صفة الاصلاح من باب قصر الشئ على الحكم فهم لا يعدون صفة الفساد والافساد ولا يلزم منه ان لا يكون غيرهم مفسدين ثم استدرك بقوله تعالى { ولكن لا يشعرون } انهم مفسدون للايذان بان كونهم مفسدين من الامور المحسوسة لكن لا حس لهم حتى يدركوه . قال الشيخ فى تفسيره ذكر الشعور بازاء الفساد اوفق لانه كالمحسوس عادة ثم فيه بيان شرف المؤمنين حيث تولى الله جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين كما كان فى حق المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فان الوليد بن المغيرة قال له انه مجنون فنفاه الله عنه بقوله { ما انت بنعمة ربك بمجنون } ثم قال فى ذم ذلك اللعين { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير متعد اثيم عتل بعد ذلك زنيم } اى حلاف حقير عياب يمشى بين الناس بالنميمة بخيل للمال ظالم فاجر غليظ القلب جاف ومع ذلك الوصف المذكور هو ولد الزانى وذلك لانه صلى الله عليه وسلم اتخذ ربه وكيلا على اموره بمقتضى قوله { فاتخذوه وكيلا } فهو تعالى يكفى مؤونته كما قال اهل الحائق ان خوارق العادات قلما تصدر من الاقطاب والخلفاء بل من وزرائهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلى فلا يتصرفون لانفسهم فى شئ ومن جملة كمالات الاقطاب ومنن الله عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الادباء الامناء يحملون عنهم اثقالهم وينفذون احكامهم واقوالهم وذلك كما كان الكامل آصف بن برخيا وزير سليمان عليه الصلاة والسلام الذى كان قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر منه ما ظهر من اتيان عرش بلقيس كما حكاه الله تعالى فى القرآن .

(1/65)

وفى التأويلات النجمية . { واذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض } الاشارة فى تحقيق الآيتين ان الانسان وان خلق متسعدا لخلافة الارض ولكنه فى بداية الخلقة مغلوب الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا الى الفساد كما اخبرت عنه الملائكة وقالوا { أتجعل فيها من يفسد فيها } الآية فبأوامر الشريعة ونواهيها يتخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الانسان فاهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون من الدين ويتبعون الهوى واذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض اى لاتسعوا فى افساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة فى الارض باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا انما نحن مصلحون } لا يقبلون النصيحة غافلين عن حقيقتها : كما قال السعدى كسى را كه بند ار در سربود ... مندار هركزكه حق بشنود زعمش ملال آيد ازوعظ ننك ... شقايق بباران نرويد زسنك فكذهبم الله تعالى تعالى بقوله { ألا انهم هم المفسدون } يفسدون صلاح آخرتهم باصلاح دنياهم { ولكن لا يشعرون } اى لا شعور لهم بافسد حالهم وسوء اعمالهم وعظم وبالهم من خسار حسن صنيعهم وادعائهم بالصلاح على انفسهم كما قال الله تعالى { قل هل بنبئكم بالاخسرين اعمالا } آية : قال المولى جلا الدين قدس سره اى كه خودرا شر يزدان خوانده ... سالها شد باسكى درماندة جون كند آن سك برى توشكار ... جون شكار سك شدستى آشكار

(1/66)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

{ واذا قيل لهم } من طرف المؤمنين بطريق الامر بالمعروف اثر نهيهم عن المنكر اتمام للنصح واكمالا للارشاد فان كمال الايمان بمجموع الامرين الاعراض عما لا ينبغى وهو المقصود بقوله تعالى { لا تفسدوا فى الارض } والاتيان بما ينبغى وهو المطلوب بقوله تعالى { آمنوا } حذف المؤمن به لظهوره اى آمنوا بالله وباليوم الآخر او اريد افعلوا الايمان { كما آمن السفهاء } الكاف فى محل النصب على انه نعت لمصدر مؤكد محذوف اى آمنوا ايمانا مماثلا لايمانهم فما مصدرية او كافة اى حققوا ايمانكم كما تحقق ايمانهم . واللام فى الناس للجنس والمراد به الكاملون فى الانسانية العاملون بقضية العقل او للعهد والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه او من آمن من اهل بلدتهم اى من اهل ضيعتهم كابن سلام واصحابه والمعنى آمنوا ايمانا مقرونا بالاخلاص متمحضا من شوائب النفاق مماثلا لايمانهم { قَالُوا } مقابلين للامر بالمعروف بالانكار المنكر واصفين للمراجيح الرزان بضد اوصافهم الحسان { انؤمن كما آمن السفهاء } الهمزة فيه للانكار واللام مشار بها الى الناس الكاملين او المعهودين او الى الجنس باسره وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد والسفه خفة عقل وسخافة رأى يورثهما قصور العقل ويقابله الحلم والاناه وانما نسبوهم اليه مع انهم فى الغاية القاصية من الرشد والرزانة والوقار لكمال انهماك انفسهم فى السفاهة وتماديهم فى الغواية وكونهم ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فمن حسب الضلال هدى يسمى الهدى لا محالة ضلالا او لتحقير شأنهم فان كثير من المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالى كصهيب وبلال او للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على تقدير كون المراد بالناس عبد الله بن سلام وامثاله فان قيل كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقوله { أنؤمن كما آمن السفهاء } قلنا فيه اقوال * الاول ان المنافقين لعنهم الله كانوا يتكلمون بهذا الكلام فى انفسهم دون ان ينطقوا به بألسنتهم لكن هتك الله تعالى استارهم واظهر اسرارهم عقوبة على عداوتهم وهذا كما ظهر ما اضمره اهل الاخلاص من الكلام الحسن وان لم يتكلموا به بالألسن تحقيقا لولا يتهم قال الله تعالى { يوفون بالنذر } الى ان قال { انما نطعمكم لوجه الله } وكان هذا فى قلوبهم فاظهره الله تعالى تشريفا لهم وتشهيرا لحالهم هذا قول صاحب التيسير . والثانى ان المنافقين كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فاخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك هذا قول البغوى . والثالث قول ابى السعود فى الارشاد حيث قال هذا القول وان صدر عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا عن نصيحتهم لكن لا يقتضى كونهم مجاهرين لا منافقين فانه ضرب من الكفر أنيق وفن فى النفاق عريق لانه محتمل للشر كما ذكر فى تفسيره وللخير بان يحمل على ادعاء الايمان كأيمان الناس وانكار ما اهتموا به من النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بايمانهم لو آمنوا ولا نؤمن كايمان الناس حتى تأمرون بذلك قد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم مرائين لارادة المعنى الاخير وهم يقولون على الاول فرد عليهم ذلك بقوله عز وجل { الا انهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } انهم هم السفهاء ولا يحيطون بما عليهم من داء السفه والمؤمنون بايمانهم واخلاصهم هربوا من السفه وغبوا فى العلم والحق وهم العلماء على الحقيقة والمستقيمون على الطريقة وهذا رد ومبالغة فى تجهيلهم فان الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع اعظم ضلالة واتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله فانه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر .

(1/67)

واعلم ان قوله تعالى { وما يشعرون } فى الآية الاولى نقى الاحساس عنهم وفى الثانية نفى الفطنة لان معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة وفى الآية الثالثة نفى العلم وفى نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق وذلك انه بين فى الاول ان فى استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحس وفى الثانى انهم لا يفطنون تنبيها على ان ذلك لازم لهم لان من لا حس له لا فطنة له وفى الثالث انهم لا يعلمون تنبيها على ان ذلك ايضا لازم لهم لان من لا فطنة له لا علم له فان العلم تابع للعقل - كما حكى - ان الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام اتى اليه جبرائيل بثلاث تحف العلم والحياء والعقل فقال يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد فاختار العقل فاشار جبريل الى العلم والحياء بالرجوع الى مقرهما فقالا انا كنا فى عالم الارواح مجتمعين فلا نرضى ان يفترق بعضنا عن بعض فى فى الاشباح ايضا فنتبع العقل حيث كان فقال جبريل عليه السلام استقرا فاستقر العقل فى الدماغ والعلم فى القلب والحياء فى العين : قال المولى جلال الدين قدس سره . جمله حيوانرا بى انسان بكش ... جمله انسانرا بكش ازبهر هش هش جه باشد عقل كل اى هو شمند ... عقل جز وى هش بود امانزند لطف او عاقل كند مرنيل را ... قهر او ابله كند قابيل را فليسارع العاقل الى تحصيل العلم والمعرفة حتى يصل الى توحيد الفعل والصفة . قال الامام القشيرى رحمه الله للعقل نجوم وهى للشيطان رجوم وللعلوم اقمار هى للقلوب انوار واستبصار وللمعارف شموس ولها على اسرار الارفين طلوع والعلم اللدنى هو الذى ينفتح فى بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج وللقلب بابان باب الى الخارج يأخذ العلم من الحواس وباب الى الداخل يأخذ العلم بالالهام فمثل القلب كمثل الحوض الذى يجرى فيه انهار خمسة فلا يخلو ماؤه عن كدرة ما دام يحصل ماؤه من الانهار الخمسة بخلاف ما اذا خرج ماؤه من قعره حيث يكون ماؤه اصفى واجلى فكذا القلب اذا حصل له العلم من طريق الحواس الخمس الظاهرة لا يخلو عن كدرة وشك وشبهة بخلاف ما اذا ظهر من صميم القلب بطريقة الفيض فانه اصفى واولى .

(1/68)

وقال الشيخ زين الدين الحافى رحمه الله والعجب ممن دخل فى هذه الطريقة واراد ان يصل الى الحقيقة وقد حصل من الاصطلاحات ما يستخرج بها المعانى من كتاب الله واحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ثم لا يشتغل بذكر الله وبمراقبته والاعراض عما سواه لتنصب الى قلبه العلوم اللدنية التى لو عاش الف سنة فى تدريس الاصطلاحات وتصنيفها لا يشم منها رائحة ولا يشاهد من آثارها وانوارها لمعة فالعلم بلا عم لعقيم والعمل بلا علم سقيم والعمل بالعمل صراط مستقيم : قال فى المثنوى . آنكه بى همت جه با همت شده ... وآنكه باهمت جه با نعمت شده وفى التأويلات النجمية { واذا قيل لهم } اى لاهل الغفلة والنسيان { آمنوا كما آمن الناس } اى بعض الناسين منكم الذين تفكروا فى آلاء الله تعالى وتدبروا آياته بعد نسيان عهد ألست بربكم ومعاهدة الله تعالى على التوحيد والعبودية فتذكروا تلك العهود والمواثيق فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } اى اهل الشقاوة منهم { أنؤمن كما آمن السفهاء } فكذلك احوال اصحاب الغفلات مدعى الاسلام اذا دعوا عن الايمان التقليدى الذى وجدوه بالميراث الى الايمان الحقيقى المكتسب بصدق الطلب وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع الى الخق والتمادى فى الباطل ينسبون ارباب القلوب واصحاب الكرامات العالية الى السفه والجنون وينظرون اليهم بنظر العجز والذلة والقلة والمسكنة ويقولون انترك الدنيا ورغبوا عن مراتب اهل التقى ومشارب اهل النهى كما قال الله تعالى { ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه } فانه ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) ومن عرف ربه ترك غيره وعرف اهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم ولا يسبهم الى السفه وينظر اليهم بالعزة فان الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الاطمار ووجوههم المصفرة عند الله كالشموس والاقمار ولكن تحت قباب العزة مستورون وعن نظر الاغيار محجوبون : قال فى المثنوى . مهر با كان درميان جان نشان ... دل مده الا بمهر دلخوشان كرتوسنك سخره ومرمر شوى ... جون بصاحب دل رسى جوهر شوى انهم تحت قبابى كامنون ... جزكه يزدانشان نداند زآزمون

(1/69)

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

{ واذا لقوا الذين آمنوا } بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير اى هؤلاء المنافقون اذا عاينوا وصادفوا واستقبلوا الذين آمنوا وهم المهاجرون والانصار { قَالوا } كذبا { آمنا } كأيمانكم وتصديقكم روى ان عبد الله بن ابى المنافق واصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة رضى الله عنهم فقال ابن ابى انظروا كيف ارد هذه السفهاء عنكم فلما دنوا منهم اخذ بيد ابى بكر رضى الله عنه فقال مرحبا بالصديق سيد بنى تميم وشيخ الاسلام وثانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد عمر رضى الله عنه فقال مرحبا بسيد بنى عدى الفاروق القوى فى دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد على رضى الله عنه فقال مرحبا بابن عم رسول الله وخنته وسيد بنى هاشم ما خلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له على رضى الله عنه يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فان المنافقين شر خلق الله فقال له مهلا يا ابا الحسن أنى تقول هذا والله ان ايماننا كأيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن ابى لاصحابه كيف رأيتمونى فعلت فاذا رأيتموهم فافعلوا ما فعلت فأثنوا عليه خيرا وقالوا ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبروه بذلك فنزلت الآية { واذا خلوا } اى مضوا أو اجتمعوا على الخلوة والى بمعنى مع او انفر دونا والى بمعنى الباء او مع تقول خلوت بفلان واليه اذا انفردت معه { الى شياطينهم } اصحابهم المماثلين للشيطان فى التمرد والعناد المظهرين لكفرهم واضافتهم اليه للمشاركة فى الكفر او كبار المنافقين والقائلون صغارهم وكل عات متمرد فهو شيطان . وقال الضحاك المراد بشياطينهم كهنتهم وهم فى بنى قريظة كعب بن الاشرف وفى بنى اسلم ابو بردة وفى جهينة عبد الدار وفى بنى اسد عوف بن عامر وفى الشام عبد الله بن سوداء وكانت العرب تعتقد فيهم انهم مطلعون على الغيب ويعرفون الاسرار ويداوون المرضى وليس من كاهن الا وعند العرب ان معه شيطانا يلقى اليه كهانته وسموا شياطين لبعدهم عن الحق فان الشطون هو البعد كذا فى التيسير { قالوا انا معكم } انا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم واعتقادكم لا نفارقكم فى حال من الاحوال وكأنه قيل لهم عند قوله { انا معكم } فما بالكم توافقون المؤمنين فى الاتيان بكلمة الشهادة وتشهدون مشاهدهم وتدخلون مساجدهم وتحجون وتغزون معهم فقالوا { انما نحن } اى فى اظهار الايمان عند المؤمنين { مستهزءون } بهم من غير ان يخطر ببالنا الايمان حقيقة فنريهم انا نوافقهم على دينهم ظاهرا وباطنا وانما نكون معهم ظاهرا لنشاركهم فى غنائمهم وننكح بناتهم ونطلع على اسرارهم ونحفظ اموالنا واولادنا ونساءنا من ايديهم والاستهزاء التجهيل والخسرية والاستخفاف والمعنى انا نجهل محمد واصحابه ونسخر بهم باظهارنا الاسلام فرد الله عليهم بقوله { الله يستهزئ بهم } اى يجازيهم على استهزائهم او يرجع وبال ألا ستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم او ينزل بهم الحقارة والهوان الذى هو لازم الاستهزاء والغرض منه او يعاملهم معاملة المستهزئ بهم اما فى الدنيا فباجراء احكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالامهال والزيادة فى النعمة على التمادى فى الطغيان واما فى الآخرة فما يروى انه يفتح لهم باب الى الجنة وهم فى جهنم فيسرعون نحوه فاذا وصلوا اليه سند عليهم الباب وردوا الى جهنم والمؤمنون على الارائك فى الجنة ينظرو اليهم فيضحكون منهم كما ضحكوا من المؤمنين فى الدنيا فذلك بمقابلة هذا ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرة { ويمدهم } اى يزيدهم ويقويهم من مد الجيش وأمده اذا زاده وقواه لا من المد فى العمر فانه يعدى باللام كأملى لهم ويدل عليه قراءة ابن كثير ويمدهم { فى طغيانهم } متعلق بيمدهم والطغيان مجاوزة الحد فى كل امر والمراد افراطهم فى العتو وغلوهم فى الكفر وفى اضافته اليهم ايذان باختصاصه بهم وتأييد لما اشير اليه من ترتب المد على سوء اختيارهم { يعمهون } اى يترددون فى الضلالة متحيرين عقوبة لهم فى الدنيا لاستهزائهم وهو حال من الضمير المنصوب او المجرور لكنون المضاف مصدرا فهو مرفوع حكما .

(1/70)

والعمه فى البصيرة كالعمى فى البصر وهو التحير والتردد بحيث لا يدرى اين يتوجه وفى الآيتين اشارات . الاولى فى قوله تعالى { انا معكم } وهى ان من رام ان يجمع بين طريق الارادة وما عليه اهل العادة لا يلتئم له ذلك والضدان لا يجتمعان ومن كان له من كل ناحية خليط ومن كل زاوية من قلبه ربيط كان نهبا للطوارق ومنقسما بين العلائق فهذا حال المنافق يذبذب بين ذلك وذلك يعنى ان المنافقين لما ارادوا ان يجمعوا بين غبرة الكفار وصحبة المسلمين وان يجمعوا بين مفاسد الكفر ومصالح الايمان وكان الجمع بين الضدين غير جائز فبقوا بين الباب والدار كقوله تعالى { مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء } وكذلك حال المتمنين الذي يدعون الارادة ولا يخرجون عن العادة ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين يتمنون اعلى مراتب الدين ويرتعون فى اسفل مراتع الدنيا فلا يلتئم لهم ذلك قال عليه السلام « ليس الدين بالتمنى » وقال « بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات » وقال « الدنيا والآخرة ضرتان فمن يدع الجمع بينهما فممكور ومغرور »

(1/71)

فمن رام مع متابعة الهوى البلوغ الى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق فكم فىهذا البحر من امثاله غريق فالله تعالى يمهلهم فى طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوزوا فى طلبها حد الاحتياج اليها ويمنح ابواب المقاصد الدنيوية عليهم ليستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم كما قال الله تعالى { ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى } فكان جزاء سيئة تلونهم فى الطلب الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والامهال الى ان طغوا وجزاء سيئة المؤمنين ومنزلتهم عند الله حيث ان الله هو الذى يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين الى ان يعارضوهم باستهزاء مثله فناب الله عنهم واستهزأ بهم الا بلغ الذى ليس استهزاؤهم عنده من باب الاستهزاء حيث ينزل بهم من النكال ويحل عليهم من الذل والهوان مالا يوصف به . ودلت الآية على قبح الاستهزاء بالناس وقد قال { لا يسخر قوم من قوم } وقال فى قصة موسى عليه السلام { قالوا أتتخذنا هوزوا قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين } فاخبر انه فعل الجاهلين واذا كان الاستهزاء بالناس قبيحا فما جزاء الاستهزاء بالله وهو فيما قال النبى صلى الله عليه وسلم « المستغفر من الذنب وهو مصر كالمستهزئ بربه » والاشارة الثالثة فى قوله تعالى { ويمدهم فى طغيانهم يعمهون } وهى ان العبد ينبغى له ان لا يغتر بطول العمر وامتداده ولا بكثربة امواله واولاده والله تعالى يقول فى اعدائه فى حق المعمر ويمدهم وفى حق المال والبنين يحسبون انما نمدهم به من مال وبنين وكان طول العمر لهم خذلانا وكثرة الاموال والاولاد لهم حرمانا ولهم فى مقابلة هذا المدمد قال الله تعالى { ونمد له من العذاب مدا } وقد جعل الله لعدوه فى الدنيا مالا ممدودا ولوليه فى الآخرة ظلا ممدودا وقال الله جل جلاله لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج « ان من نعمتى على امتك انى قصرت اعمارهم كيلا تكثر ذنوبهم واقللت اموالهم كيلا يشتد فى القيامة حسابهم واخرت زمانهم كيلا يطول فى القبور حبسهم » وروى ان الله تعالى قال لحبيبه ليلة المعراج « يا احمد لا تتزين بلبن اللباس وطيب الطعام ولين الوطاء فان النفس مأوى كل شرو وهى رفيق سوء كلما تجرها الى طاعة تجرك الى معصية وتخالفك فى الطاعة وتطيع لك فى المعصية وتطغى اذا شبعت وتتكبر اذا استغنت وتنسى اذا ذكرت وتغفل اذا امنت وهى قرينة للشيطان » كذا فى مشكاة الانوار .

(1/72)

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

{ اولئك } المنافقون المتصفون بما ذكر من الصفات الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم اكمل تمييز بحيث صاروا كأنهم حضار مشاهدون على ما هم عيله وما فيه من معنى البعد للايذان ببعد منزلتهم فى الشر وسوء الحال ومحله الرفع على الابتداء وخبره قوله { الذين اشتروا الضلالة بالهدى } اصل الاشتراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الاشياء ثم استعير للاعراض عما فى يده محصلا به غيره ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشئ طمعا فى غيره وهو ههنا عبارة عن معاملتهم السابقة المحكية واشتروا الضلالة وهى الكفر والعدول عن الحق والصواب بالهدى وهو الايمان والسلوك فى الطريق المستقيم والاستقامة عليه مستعار لاخذها بدل منه اخذا متصفا بالرغبة فيها والاعراض عنه اى اختاروها عليه واستبدولها به واخذوها مكانه وجعل الهدى كأنه فى ايديهم لتمكنهم منه وهو الاستعداد به فبميلهم الى الضلالة عطلوه وتركوه . والباء تصحب المتورك فى باب المعاوضة وهذا دليل على ان الحكم يثبت بالتعاطى من غير تكلم بالايجاب والقبول فان هؤلاء سموا مشترين بترك الهدى واخذ الضلال من غير التكلم بهذه المبادلة كما فى التيسير { فما ربحت تجارتهم } ترشيح للمجاز اى ما ربحوا فيها فان الربح مسند الى ارباب التجارة فى الحقيقة فاسناده الى التجارة نفسها على الاتساع لتلبسها بالفاعل او لمشابهتها اياه من حيث انها سبب الربح والخسران ودخلت الفاء لتضمن الكلام معنى الشرط تقديره واذا اشتروا فما ربحوا كما فى الكواشى والتجارة صناعة التجار وهو التصدى بالبيع والشراء لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال { وما كانوا مهتدين } اى الى طريق التجارة فان المقصد منها سلامة رأس المال مع حصول الربح ولئن فات الربح فى صفقة فربما يتدارك فى صفقة اخرى لبقاء الاصل واما اتلاف الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعا وهؤلاء قد اضاعوا الطلبتين لان رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوسلون به الى درك الحق ونيل الكمال فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين الاصل نائين عن طريق التجارة بالف منزل . واعلم ان المهتدى هو الذى ترك الدنيا والعادة ثم اشتغل بوظائف الطاعة والعباداة لا من اتبع كل ما يهواه وخلط هواه بهداه - حكى - انه كان للشيخ الاستاذ ابى على الدقاق رضى الله عنه مريد تاجر متمول فمرض يوما فعاده الشيخ وسأل منه سبب علته فقال التاجر قمت هذه الليلة لمصلحة التهجد فلما اردت الوضوء بدالى من ظهرى حرارة فاشتد امرى حتى صرت محموما فقال الشيخ لا تفعل فلا فضوليا ولا ينفك التهجد ما دمت لم تهجر دنياك وتخرج محبتها من قلبك فاللائق لك اولا هوذا ثم الاشتغال بوظائف انوافل فمن كان به اذى من رأسه من صداع لا يسكن ألمه باطلاء على الرجل ومن تنجست يده لا يجد الطهارة بغسل ذيله وكمه .

(1/73)

قال بعض المشايخ من علامة اتباع الهوى المسارعة الى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بحقوق الواجبات وهذا غالب فى الخلق الا من عصمه الله ترى الواحد منهم يقوم بالاوراد الكثيرة والنوافل العديدة الثقيلة ولا يقوم بغرض واحد على وجهه * فعلى العاقل تحصيل رأس المال ثم تحصيل الربح المترتب عليه وذلك بالاختيار لا بالاضطرار وقد اوجب الله على العباد وجود طاعته لما علم من قلة نهوضهم الى معاملته اذ ليس لهم ما يردهم اليه بلا علة وهذا حال اكثر الخلق بخلاف اهل المروءة والصفاء . قال فى المثنوى اختيار آمد عبادت رانمك ... ورنه ميكردد بناخواه اين فلك كردس اورا نه اجرونه عقاب ... كاختيار آمد هنر وقت حساب ائتيا كرها مهار عاقلان ... ائتيا طوعا مهار بيدلان اين محب دايه ليك از بهر شير ... وان دكر دل داده بهر آن ستر فاوجب الله عليك وجود طاعته وما اوجب عليك بالحقيقة الا دخول جنته اذا لامر فى كل دنى وحقير فاعلم ان من استغرب ان ينقذه الله من شهوته التى اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التى شملته فى جميع الحالات فقد استعجز القدرة الالهية وقد قال الله تعالى { وكان الله على كل شيء مقتدرا } فابان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شئ وهذا من الاشياء وان اردت الاستعانة على تقوية رجائك فى ذلك فانظر لحال من كان مثلك ثم انقذه الله وخصه بعنايته كابراهيم بن ادهم وفضيل بن عياض وابن المبارك وذى النون المصرى ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية كذا فى شرح الحكم العطائية : قال الحافظ قدس سره . عاشق كه شد كه يار بحالش نظرنكرد ... اى خواجه درد نسيت وكرنه طبيب هست قال القاشانى فى تأويل الآية الهدى النور الثانى فى قوله تعالى { نور على نور } وهو النور النشأة الحاجبة له بسلوك طريق المطالب الطبيعية الفاسدة والمقاصد الهيولانية الفاسقة بهوى النفس وتتبع خطوات الشيطان والربح هو النور الاول المقدس الكمالى المكتسب بالتوجه الى الحق والاتصال بعالم القصد والانقطاع والتبتل الى الله من الغير والتبرى بحوله وقوته من كل حول وقوة حتى يخلص روح المشاهدة من اعباء المكابدة بطولع الوجه الباقى واحراق سبحانه كل ما فى بقعة الامكان من الرسم الفانى وخسرانهم باضاعة الامرين هو الحجاب الكلى عن الحق بالرين كما قال تعالى { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } وفى التأويلات النجميةالاشارة فى الآية ان من نتيجة طغيانهم وعمههم ان رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا فى قلوبهم الضلالة وتمكنت فكانت هذه الحال من نتيجة معاملتهم فلهذا اضاف الفعل اليهم وقال { اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } وانما قال بلفظ الاشتراء لانهم اخرجوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم وتصرفهم فلا يملكون الرجوع اليه { فما ربحت تجارتهم } لان خسران من رضى بالدنيا من العقبى ظاهر ومن أثر الدنيا والعقبى على المولى فهو اشد خسرانا واعظم حرمانا فاذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار الجحيم فما ظنك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت منه الاوقات وبقى فى أسر الشهوات لا الى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من الحبيب اليه وفود ولا لسره معه شهود فهذا هو المصاب الحقيقى { وما كانوا مهتدين } لابطالهم حسن استعداد قبول الهداية .

(1/74)

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

{ مثلهم } المثل فى الاصل بمعنى النظير ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده اى المضروب كما ورد من غير تغيير ولا يضرب الا بما فيه غرابة ولذلك حوفظ عليه من التغيير ثم استعير لكل حال او قصة او صفة لها شأن عجيب وفيها غرابة كقوله تعالى { مثل الجنة التى وعد المتقون } وقوله تعالى { ولله المثل الاعلى } اى الوصف الذى له شأن من العظمة والجلال ولما جاء الله بحقيقة حال المنافقين عقبها بضر المثل زيادة فى التوضيح والتقرير فان التمثيل ألطف ذريعة الى تسخير الوهم للعقل واقوى وسيلة الى تفهم الجاهل الغبى وقمع سورة الجامح الابى كيف لا يلطف وهو ابداء للمنكر فى صورة المعروف واظهار للوحشى فى هيئة المألوف واراءة للخيل محققا والمحقول محسوسا وتصير للمعانى بصورة الاشخاص ومن ثمة كان الغرض من المثل تشبيه الخفى بالجلى والغائب بالشاهد ولامر ما اكثر الله فى كتبه الامثال وفى الانجيل سورة تسمى سورة الامثال وفى القرآن الف آية من الامثال والعبر وهى فى كلام الانبياء عليهم السلام والعلماء والحكماء كثيرة لا تحصى ذكر السيوطى فى الاتقان من اعظم علم القرآن امثاله والناس فى غفلة عنه والمعنى حالهم العجيبة الشان { كثمل الذى } اى كحال الذين من باب وضع واحد الموصول موضع الجمع منه تخفيفا لكونه مستطالا بصلته كقوله { وخضتم كالذى خاضوا } والقرينة ما قبله وما بعده خلا انه وحد الضمير فى قوله تعالى { استوقد نارا } نظرا الى الصورة وجمع فى الافعال الآتية نظرا الى المعنى . والاستيقاه طلب الوقود والسعى فى تحصيله وهو سطوع النار وارتفاع لهبها . والنار جوهر لطيف مضئ محرق حار والنور ضوءها وضوء كل نير وهو نقيض الظلمة اى او قد فى مفازة فى ليلة مظلمة نار عظيمة خوفا من السباع وغيرها { فلما اضاءت } الاضاءة فرط الانارة كما يعرب عنه قوله تعالى { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا } اى انارت النار { ما حوله } اى ما حول المستوقد من الاماكن والاشياء على ان ما مفعول اضاءت ان جعلته { متعديا وحول نصب على الظرفية وان جعلته لازما مسند الى ما والتأنيث لان ما حوله اشياء واماكن واصل الحول الدوران ومنه الحول للعالم لانه يدور وجواب لما قوله تعالى { ذهب الل بنوره } اى اذهبه بالكلية واطفأ نارهم التى هى مدار نورهم وانما علق الاذهاب النور دون نفس النار لانه المقصود بالاستيقاد واسناد الاذهاب الى الله تعالى اما لان الكل بخلقه تعالى واما لان الانطفاء حصل بسبب خفى اوامر سماوى كريح او مطر واما للمبالغة كما يؤذن به تعدية الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والامساك يقال ذهب السلطان بماله اذا اخذه وما اخذه الله تعلى فامسكه فلا مرسل له من بعده ولذلك عدل عن الضوء الذى هو مقتضى الظاهر الى النور لان ذهاب الضوء قد يجامع بقاء النور فى الجملة لعدم استلزام عدم القوى لعدم الضعيف والمراد ازالته بالكلية كما يفصح عنه قوله تعالى { وتركهم فى ظلمات لا يبصرون } فان الظلمة هى عدم النور والطامسة بالمرة لا سيما اذا كانت متضاعفة متراكمة متراكبا بعضها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمى وما بعده من قوله { لا يبصرون } لا يتحقق الا بعد ان لا يبقى من النور عين ولا اثر وترك فى الاصل بمعنى طرح وخلى وله مفعول واحد فضمن معنى التصيير فجرى مجرى افعال القلوب اى صيرهم { فى ظلمات لا يبصرون } ما حولهم فعلى هذا يكون قوله { فى ظلمات } وقوله { لا يبصرون } مفعولين لصير بعد المفعول الاول على سنن الاخبار المتتابعة للمخبر عنه الواحد وان حمل معناه على الاصل يكونان حالين من المفعول مترادفين او متداخلين والمعنى ان حالهم العجيبة التى هى اشتراؤهم الضلالة التى هى عبارة عن ظلمتى الكفر والنفاق المستتبعين لظلمة سخط الله تعالى وظلمة يوم القيامة { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم } وظلمة العقاب السرمدى بالهدى الذى هو الفطرى النورى المؤيد بما شاهدوه من دلائل الحق كحال من استوقد نارا عظيمة حتى كاد ينتفع بها فاطفأها الله تعالى وتركه فى ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الابصار * وفى التيسير والعيون ان المنافقين اظهروا كلمة الايمان فاستتاروا بنورها واستعزوا بعزها وأمنوا بسببها فناحكوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمنوا على اموالهم واولادهم فاذا بلغوا الى آخر العمر كل لسانهم عنها وبقوا فى ظلمة كفرهم ابدا لا بد وعادوا الى الخوف والظلمة

(1/75)

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

{ صم } اى هم صم عن الحق لا يقبلونه واذا لم يقبلوا فكانهم لم يسمعوا والصم انسداد خروق المسامع بحيث لا يكاد يصل اليها هواء يحصل الصوت بتموجه { بكم } خرس عن الحق لا يقولونه لما ابطنوا خلاف ما اظهروا فكانهم لم ينطقوا وهو آفة فى اللسان لا يتمكن بها ان يعتمد مواضع الحروف { عمى } اى فاقدون الابصار عن النظر الموصل الى العبرة التى تؤديهم الى الهدى وفاقدوا البصيرة ايضا لان من لا بصيرة له كمن لا بصر له فالعمى مستعمل ههنا فى عدم البصر والبصيرة جميعا وهذه صفاتهم فى الدنيا ولذلك عوقبوا فى الآخرة بجنسها قال تعالى { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } فلا يسمعون سلام الله ولا يخاطبون الله ولا يرونه والمسلمون كانوا سامعين للحق قائلين بالحق ناظرين الى الحق فيكرمون يوم القيامة ولقائه وسلامه { فهم لا يرجعون } اى هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون عن الضلالة الى الهدى الذى تركوه والآية فذلك التمثيل ونتيجته وافادت انهم كانوا يستطيعون الرجوع باستطاعة سلامة الآلات حيث استحقوا لاذم بتركه وان قوله تعالى { صم بكم عمى } ليس بنفى الآلات بل هو نفى تركهم استعمالها : قال السعدى قدس سره . زبان آمد ازبهر شكر وسباس ... بغيبت نكرد اندش حق شناس كذركاه قرآن وبندست كوش ... به بهتان باطل شنيدن مكوش دوجشم از بى صنع بارى نكوست ... زعيب بر دار فرو كير ودوست ثم ان الله تعالى ندب الخلق الى الرجوع بالائتمار بامره والانتهاء بنهيه بقوله تعالى { وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون } فمن لم يرجع اليه اختيار رجعوا اليه بالموت والبعث كما قال تعالى { كل نفس ذائقة الموت ثم الينا ترجعون } ومن رجع اليه فى الدنيا بفعله وحقق ذلك بقوله { انا لله وانا اليه راجعون } كان رجوعه اليه بالكرامة ويخاطب بقوله { يا ايتها النفس المطمئة ارجعى الى ربك راضية مرضية } - حكى - ان جبارا عاتيا فى الزمن الاول بنى قصرا وشيده وزخرفه ثم آلى بيمنه ان لا يدنو من قصره هذا احد فمن وقع بصره عليه قتله فكان يفعل ذلك ويقتل حتى جاءه رجل من اهل قريته فوعظه فى ذلك فلم يلتفت الى تحذيره ولم يعبأ بقوله فخرج ذلك الرجل الصالح من قريته وبنى كوخا وهو بيت من قصب بلا كوة وجعل يعبد الله فيه فبينما هذا الجبال فى قصره واصحابه قيام بين يديه اذ تمثل له ملك الموت على صورة رجل شاب حسن الهيئة فجعل يطوف حول هذا القصر ويرفع رأسه اليه فقال بعض ندمائه ايها الملك انا نرى رجلا يطوف حول القصر وينظر اليه فتعالى الملك على منظر له فابصره فقال هذا مجنون او غريب عابر سبيل ولكن انزل اليه فأرحه من نفسه فنزل اليه الرجل فلما اراد ان يرفع اليه السيف قبض روحه فخر ميتا فقيل للملك ان هذا قد قتل صاحبك فقال للآخر انزل اليه فاقتله فلما نزل واراد ان يقتله قبض روحه فخر ميتا فرفع ذلك الى الملك فامتلأ غضا وأخذ السيف ونزل اليه بنفسه فقال من انت اما رضيت ان دنوت من قصرى حتى قتلت رجلين من اصحابى فقال أو ما تعرفنى انا ملك الموت فارتعد الملك من هيبته حتى سقط السيف من يده قال فعرفتك الآن وأراد ان ينصرف فقال له ملك الموت الى اين انى امرت بقبض روحك فقال حتى اوصى اهلى واودعهم فقال له لم لم تفعل فى طول عمرك قبل هذا فقبض روحه فخر الملك ميتا ثم جاملك الموت الى ذلك الرجل الصالح فى كوخه فقال له ايها الرجل الصالح ابشر فانى ملك الموت وقد قبضت روح الملك الجبار فاعلم ذلك واراد ان يرجع فاوحى الله تعالى الى ملك الموت ان اقبض روح الرجل الصالح فقال له ملك الموت انى امرت بقبض روحك قال فهل لك يا ملك الموت ان ادخل القرية فاحدث باهلى عهدا واودعهم فاوحى الله تعالى اليه ان امهله يا ملك الموت فقال ان شئت فرفع الرجل الصالح قدميه ليدخل القرية فتفكر ثم ندم فقال يا ملك الموت انى اخاف ان رأيت اهلى ان يتغير قلبى فاقبض روحى فالله خير لهم منى فقبض روحه على المكان .

(1/76)

قال بعض العارفين والعجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه وهو مولاه الذى من عليه بكل خير واولاه ويطلب مالا بقاء له معه وهو ما يوافق النفس من شهوته وهواه وآخرته ودنياه فانها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور . واسباب عمى البصيرة ثلاثة ارساله الجوارح فى معاصى الله والتصنع بطاعة الله والطمع فى خلق الله فعند عماها يتوجه العبد للخلق ويعرض عن الحق وفى التأويلات النجمية الاشارة فى تحقيق الآيتين ان مثل المريد الذى له بداية جميلة يسلك طريق الارادة مدة ويتعنى بمقاساة شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الارادة فاستوقد نار الطلب فاضاءت ما حوله فرأى اسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل الصحبة فلازم الخدمة والخلوة وعزفت نفسه عن الدنيا واقبل على قمع الهوى فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق وبرقت له من انوار الروح بوارق الذوق فامن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وازعجته الوساوس ثم رجع القهقرى الى ما اكن من حضيض الدنيا فغابت شمسه واظلمت نفسه وانقطع حبل وصاله قبل وصوله واخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمى سأمه وملاله عاد الى اسوأ حاله كما قال تعالى { وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون .

(1/77)

{ صم } يعنى بآذان قلوبهم التى سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق { بكم } بتلك الالسنة التى اجابوا ربهم بها بقولهم بلى { عمى } بالابصار التى شاهدوا بها جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا يرجعون } الى منازل حظائر القدس بل الى ما كانوا فيه من رياض الانس وذلك لانهم سدوا روزنة قلوبهم التى كانت مفتوحة الى عالم الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق فما هبت عليهم من جناب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الارواح فمرضت قلوبهم ثم ارسل اليهم الطبيب الذى انزل الداء فانزل معه الدواء كما قال تعالى { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } الذين يصدقون الاطباء ويقبلون الدواء فلم يصدقوهم ولم يقبلوا الدواء ظلما على انفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء كما قال تعالى { ولا يزيد الظالمين الا خسارا } فلما لم يكونوا اهل الرحمة ادركتهم اللعنة الموجبة للصمم والعمى لقوله تعالى { أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم واعمى ابصارهم } { او } مثل المنافقين { كصيب } اى كحال اصحاب صيب اى مطر يصوب اى ينزل ويقع من الصوب وهو النزول اصله صيوب والكاف مرفوع المحل عطف على الكاف فى قوله { كمثل الذى } وأو للتخيير والتساوى اى كيفية قصة المنافقين شبيهة بكيفية هاتين القصتين والقصتان سواء فى استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل فبأيتهما مثلتها فانت مصيب وان مثلتها بهما جميعا فذلك { من السماء } متعلق بصيب . والسماء سقف الدنيا وتعريفها للايذان بان انبعاث الصيب ليس من افق واحد فان كل افق من آفاقها اى كل ما يحيط به كل افق منها سماء على حدة والمعنى انه صيب عام نازل من غمام مطبق آخذ بآفاق السماء وفيه ان السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم انه يأخذه من البحر . قال الامام من الناس من قال المطر انما يتحصل من ارتفاع ابخرة رطبة من الارض الى الهواء فينعقد هناك من شدة برد الهواء ثم ينزل مرة اخرى وابطل الله ذلك المذهب هنا بان بين ان ذلك الصيب نزل من السماء . وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان تحت العرض بحرا ينزل منه ارزاق الحيوانات يوحى فيمطر ما شاء من سماء الى سماء حتى ينتهى الى سماء الدنا ويوحى الى السحاب ان غربله فيغربله فيغربله فليس من قطرة تقطر الا ومعها ملك يضعها موضعها ولا ينزل من السماء قطرة الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان من يوم الطوفان من ماء فانه نزل بلا كيل ولا وزن كذا فى تفسير التيسير { فيه } اى فى الصيب { ظلمات } انواع منها وهى ظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة اظلال ما يلزمه من الغمام المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل وليس فى الآية ما يدل على ظلمة الليل لكن يمكن ان يؤخذ ظلمة الليل من سياق الآية حيث قال تعالى بعد هذه الآية .

(1/78)

{ يكاد البرق يخطف ابصارهم } وبعده { واذا اظلم عليهم قاموا } فان خطف البرق البصر انما يكون غالبا فى ظلمة الليالى وكذا وقوف الماشى عن المشى انما يكون اذا اشتد ظلمة الليل بحيث يحجب الابصار عن ابصار ما هو امام الماشى من الطريق وغيره وظلمة سحمة السحاب وتكاثفه فى النهار لا يوجب وقوف الماشى عن المشى كذا فى حواشى ابن التمجيد . وجعل المطر محلا للظلمات مع ان بعضها لغيره كظلمة الغمام والليل لما انهما جعلتا من توابع ظلمته مبالغة فى شدته وتهويلا لامره وايذانا بانه من الشدة والهول بحيث تغمر ظلمته ظلمات الليل والغمام ورفع ظلمات بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف لان الجملة فى محل الجر صفة لصيب على وجه { ورعد } هو صوت فاصف يسمع من السحاب { وبرق } هو ما يلمع من السحاب اذا تحاكت اجزاؤه وكونهما فى الصيب مع ان مكانهما السحاب باعتبار كونها فى اعلاه ومنصبه وملتبسين فى الجملة به ووصول أثرهما اليه فهما فيه والمشهور بين الحكماء ان الرعد يحدث من اصطكاك اجرام السحاب بعضها ببعض او من اقلاع بعضها عن بعض عن اضطرابها بسوق الرياح اياها سوقا عنيفا . والصحيح الذى عليه التعويل ما روى عن الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنه تعالى عنهما قال اقبلت يهود الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا اخبرنا عن الرعد ما هو قال عليه السلام « ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه بها حيث شاء الله » فقالوا فما هذا الصور الذى يسمع قال « زجره حتى ينتهى الى حيث امر » فقالوا صدقت فالمراد بالرعد فى الآية صوت ذلك الملك لاعنيه كما فى بعض الروايات من « الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه الى حيث يؤمر وانه يجوز الماء فى نقرة ابهامه وانه يسبح الله فاذا سبح الله لا يبقى ملك فى السماء الارفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر » انتهى والمراد بالبرق ضربه السحاب بتلك المخاريق وهى جميع مخراق وهو فى الاصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا اريد انها آلة تزجر بها الملائكة السحاب . قال مرجع الطريقة الجلوتية بالجيم الشيخ الشهير بافتاده افندى البروسوى التوفيق بين قول الحكماء وبين قوله صلى الله عليه وسلم « ان الرعد صوت ملك على شكل النحل » هو انه يصيح من خارج هذ العالم ولكن يدخل فيه ويؤثر فى داخله فنحن نسمع من داخله كما ان واحدا اذا كل شيأ نفاخا يحصل فى داخله رياح ذات اصوات فمنشأها من الخارج وظهورها فى الداخل فكلام النبى صلى الله عليه وسلم ناظر الى مبدئها وكلام الحكماء ناظر الى مظهرها { يجعلون اصابعهم فى اذانهم } الضمائر للمضاف المحذوف لان التقدير او كاصحاب صيب كما سبق ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لانه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال كيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون اصابعهم فى آذانهم والمراد اناملهم وفيه من المبالغة ما ليس فى ذكر الانامل كأنهم يدخلون من شدة الحيرة اصابعهم كلها فى آذانهم لا اناملها فحسب كما هو المعتاد ويجوز ان يكون هذا ايماء الى كمال حيرتهم وفرط دهشتهم وبلوغهم الى حيث لا يهتدون الى استعمال الجوارح على النهج المعتاد وكذا الحال فى عدم تعيين الاصبع المعتاد اعنى السبابة وقيل لرعاية الادب لانها فعالة من السب فكان اجتنابها اولى بآداب القرآن الا ترى انهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والمهللة وغيرها ولم يذكر من امثال هذه الكنايات لانها الفاظ مستحثة لم يتارفها الناس فى ذلك العهد { من الصواعق } متعلق بيجعلون اى من اجل خوف الصواعق المقارنة للرعد وهى جمع صاعقة وهى قصفة رعد هائل تنقض معها شعلة نار لا تمر بشئ الا اتت عليه لكنها مع حدتها سريعة الخمود للطافتها - حكى - انها سقطت على نخلة فاحرقت نحو النصف ثم طفئت .

(1/79)

قالوا بين السماء وبين الكلة الرقيقة التى لا يرى اديم السماء الا من ورائها نار منها تكون الصواعق تخرج النار فتفتق الكلة ويكون الصوت منها كما فى روضة العلماء . وقيل تنقدح من السحاب اذا اصطكت اجرامه او جرم ثقيل مذاب مفرغ من الجزاء اللطيفة الارضية الصاعدة المسماة دخانا والمائية المسماة بخارا حار حاد فى غاية الحدة والحرارة لا يقع على شئ الاثقب واحرق ونفذ فى الارض حتى بلغ الماء فانطفأ ووقف . قالوا اذا اشرقت الشمس على ارض يابسة تحللت منها اجزاء نارية يخالطها اجزاء ارضية يسمى المركب منهما دخانا ويخلط بالبخار ويتصاعدان معا الى الطبقة الباردة فينعقد البخار سحابا وينحبس الدخان فيه ويطلب الصعود ان بقى على طبيعته والنزول ان ثقل وكيف كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث منه الرعد ثم قد يحث شدرة حركة ومحاكة فيحدث منه البرق ان كان لطيفا والصعاقة ان كان غليظا قال ابن عباس رضى الله عنهما من سمع صوت الرعد فقال { سبحان الذى يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شئ قدير } فان اصابته صاعقة فعلى ديته وكان صلىلله عليه وسلم يقول اذا سمع الرعد وصواعقه « اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك » كذا فى تفسير الشيخ وشرح الشرعة { حذر الموت } منصوب بيجعلون على العلة اى لاجل مخافة الهلاك والموت فساد بنية الحيوان { والله محيط } اصل الاحاطة الاحداق بالشئ من جميع جهاته وهو مجاز فى حقه تعالى اى محدق بعلمه وقدرته { بالكافرين } اى لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط حقيقة فيحشرهم يوم القيامة ويعذبهم والجملة اعتراضية منبهة على ان ما صنعوا من سدا لآذان بالاصابع لا يغنى عنهم شيأ فان القدر لا يدافعه الحذر والحيل لا ترد بأس الله عز وجل وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع الى اصحاب الصيب الايذان بان ما دهمهم من الامور الهائلة المحكية بسبب كفرهم .

(1/80)

{ يكاد البرق } اى يقرب استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدر كانه قيل فكيف حالهم مع ذلك البرق فقيل يكاد ذلك { يخطف ابصارهم } اى يختلسها ويستلبها بسرعة من شدة ضوئه { كلما اضاء لهم } كلما ظرف والعامل فبه جوابها وهو مشوا واضاء متعد اى انار البرق الطريق فى الليلة المظلمة وهو استئناف ثالث كانه قيل كيف يصنعون فى تارتى خفوق البرق وخفيته أيفعلون بابصارهم ما يفعلون بآذانهم ام لا فقيل كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا { مشوا فيه } اى فى ذلك المسلك اى فى مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف ان يخطف ابصارهم وايثار المشى على ما فوقه من السعى والعدو للاشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم { واذا ظلم عليهم } اى خفى البرق واستتر فصار الطريق مظلما { قاموا } اى وقفوا فى اماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لحظة اخرى عسى يتسنى لهم الوصول الى المقصد او الالتجاء الى ملجأ يعصهم { ولو شاء الله } مفعوله محذوف اى لو اراد ان يذهب الاسماع التى فى الرأس والابصار التى فى العين كما ذهب بسمع قلوبهم وابصارهم { لذهب بسمعهم وابصارهم } بصوت الرعد ونور البرق عقوبة لهم لانه لا يعجز عن ذلك { ان الله على كل شئ } اى على كل موجود بالامكان والله تعالى بالوجوب دون الامكان فلا يشك العاقل ان المراد من الشئ فى امثال هذا ما سواه تعالى فالله تعالى مستثنى فى الآية مما يتناوله لفظ الشئبدلالة العقل فالمعنى على كل شئ سواه قدير كما يقال فلان امين على معنى امين على من سواه من الناس ولا يدخل فيه نفسه وان كان من جملتهم كما فى حواشى ابن التمجيد { قَدِير } اى فاعل له على قدر ما تقتضيه حكمته لا ناقصا ولا زائدا ثم ان هذا التثيل كشف بعد كشف وايضاح بعد ايضاح ابلغ من الاول شبه الله حال المنافقين فى حيرتهم وما خبطوا فيه من الضلالة وشدة الامر عليهم وخزيهم وافتضاحهم بحال من اخذته السماء فى ليلة مظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والموت هذا اذا كان التمثيل مركبا وهو الذى يقتضيه جزالة التنزيل فانك تتصور فى المركب الهيئة الحاصلة من تفاوت تلك الصور وكيفاتها المتضامة فيحصل فى النفس منه ما لا يحصل من المفردات كما اذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر وصوت الرعد الهائل والبرق الخاطف والصاعقة المحرقة ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من تحذر الموت حصل لك منه امر عجيب وخطب هائل بخلاف ما اذا تكلفت لواحد واحد مشبها به يعنى ان حمل التمثيل على التشبيه المفرق فشبه القرآن وما فيه من العلوم والمعارف التى هى مدار الحياة الابدية بالصيب الذى هو سبب الحياة الارضية وما عرض لهم بنزوله من الغموم والاحزان وانكساف البال بالظمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وتصاممهم عما يقرع اسماعهم من الوعد بحال من يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد اذنه ولا خلاص له منها واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه او رفد يحرزونه بمشيهم فى مطرح ضوء البرق كل .

(1/81)

فعلى العاقل ان يتمسك بحبل الشرع القويم والصراط المستقيم كى يتخلص من الغوائل والقيود ومهالك الوجود وغاية الامر خفية لا يدرى بما يختتم . قال رجل للحسن البصرى كيف اصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن ثم قال لا تسأل عن حالى ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم فتلعق كل اناسن منهم بخشبة على أى حال هم قال الرجل على حال شديد قال الحسن حالى اشد من حالهم فالموت بحرى والحياة سفينتى والذنوب خشبتى فكيف يكون حال من وصفه هذا يا بنى فلا بد من ترك الذنوب والفرار الى علام الغيوب وفى الحديث « من كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه » تأمل كيف كان جزاء كل مؤمل ما امل واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكانه كلا وجود كما قيل . بر مرد هشياء دنيا خسست ... كه هر مدتى جاى ديكر كسست وانظر الى قوله عليه السلام « فهجرته الى ما هاجر اليه » وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر ذكر الدنيا والمرآ مع انها منها اذ يشعر بان المراد كل شئ فى الدنيا نم شهوة او مال واليه يرجع الاكوان وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شئ لله تعالى : قال الحافظ . غلام همت آنم كه زير جرخ كبود ... زهرجه رنك تعلق بذيرد آزادست يعنى عن كل شئ يقبل التعلق من المال والمنال والاولاد والعيال فلا بد من التعلق بمحبة الملك المتعال وفى التأويلات النجمية { او كصيب من السماء } الاشارة فى تحقيق الآيتين ان الله تعالى شبه حال متمنى هذا الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن فى البداية وتجلدهم فى الطلب وما يفتح لهم نم الغيب الى ان تظهر النفس املالة وتقع فى آفة الفترة والوقفة بحالة من يكون فى المفازة سائرا فى ظلمة الليل والمطر وشبه الذكر والقرآن بالمطر لانه ينبت الايمان والحكمة فى القلب كما ينبت الماء البقلة { فيه ظلمات } اى مشكلات ومتشابهات تطهر لسالك الذكر فى اثناء السلوم ومعان دقيقة لا يمكن حلها وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها الا لمن كان له عقل منور بنور الايمان مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى

(1/82)

{ الرحمن علم القرآن } فكما ان السير لا يمكن فى الظلمات الا بنور السراج كذلك لا يمكن السير فى حقائق القرآن ودقائقه ولا فى ظلمات البشرية الا بنور هداية الربوبية ولهذا قال تعالى { كلما اشاء لهم مشوا فيه } يعنى نور الهداية القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما قال تعالى { لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } هو تلألؤ انوار الذكر والقرآن يهتدى الى القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله فيظهر فيه حقيقة القرآن والدين فيعرفها القلوب لقوله تعالى { واذا سمعوا ما انزل الرسول } لآية ولما لاح لهم انوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الارادة لينالوا درجات الفائزين ولكن يجعلون اصابعهم اى اصابع آمالهم الفاسدة وامانيهم الباطلة { فى آذانهم } الواعية { من الصواعق } ودواعى الحق { حذر } من { الموت } موت النفس لان النفس سمكة حياتها بحر الدنيا وماء الهوى لو اخرجت لماتت فى الحال وهذا تحقيق قوله عليه السلام « موتوا من قبل ان تموتوا » { والله محيط بالكافرين } فيه اشارة الى ان الكافر الذى له حياة طبيعية حيوانية لو مات بالارادة من مألوفات الطبيعة لكان احياء الله تعالى بانوار الشريعة كما قال تعالى { أومن كان ميتا فاحييناه } فلما لم يمت بالارداة فالله محيط بالكافرين اى مهلكهم ومميتهم فى الدنيا بموت الصورة وموت القلب وفى الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى { يكاد البرق } اى نور الذكر والقرآن { يخطف ابصارهم } اى ابصار نفوسهم الامارة بالسوء { كلما اضاء لهم } نور الهدى { مشوا فيه } سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { واذا اظلم عليهم } ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى ومالوا الى الدنيا { قاموا } اى وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت اليهم الآفات واعرترتهم الفترات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم انفسهم الشهوات حتى وقعوا فى ورطة الهلاك { ولو شاء الله } اى لو كانت ارادته ان يهديهم { لذهب بسمعهم } اى بسمع نفوسم التى تصغى الى وساوس الشيطان وغروره { وابصارهم } اى ابصار نفوسهم التى بها تنظر الى زينة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } { ان الله على كل شئ قدير } اى قادر على سلب اسماعهم وابصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفاسنية ولا يبصروا المزخرفات الدنيوية والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبعوا الدين بالدنيا ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد انتهى .

(1/83)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

{ يا ايها الناس } الآية مسوقة لاثبات التوحيد وتحقيق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام اللذين هما اصل الايمان . والناس يصلح اسماء للمؤمنين والكافرين والمنافقين . والنداء تنبيه الغافلين او احضار الغائبين وتحريك الساكنين وتعريف الجاهلين وتفريغ المشغولين وتوجيه المعرضين وتهييج المحبين وتشويف المريدين . قال بعض العارفين اقبل عليهم بالخطاب جبرا فما فى العبادة من الكلفة بلذة الخطاب اى يا مؤنس لا تنس انسك بى قبل الولادة او يا ابن النسيان تنبيه ولا تنس حيث كنت نسايا منسيا ولم تك شيأ مذكورا فخلقتك وخمرتك طينا ثم نطفة ثم دما ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحوما وعروقا وجلودا واعصابا ثم جنبنا ثم طفلا ثم صبيا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا وانت فيما بين ذلك تتمرغ فى نعمتى وتسعى فى خدمة يرى تعبد النفس والهوى وتبيع الدين بالدنيا لا تنس من خلقك وجعلك من لا شئ شيأ مذكورا كريما مشكورا علمك وقواك واكرمك واعطاك ما اعطاك فهذا خطاب للنفس والبدن . قال فى التيسير واذا كان الانسان من النسيان ففيه عتاب وتلقين اما العتاب فكانه يقول ايها الناس قابلتم نعمنا بالكفران واوامرنا بالعصيان واما التلقين للعدل فكانه يقول ايها المخالف لنا ناسيا لا عامدا وساهيا لا قاصدا ذرناك لنسيانك وعفونا عنك لايمانك { اعبدوا ربكم } يقول للكفار وحدوا ربكم ويقول للعاصعين اطيعوا ربكم ويقول للمنافقين اخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ويقول للمطيعين اثبتوا على طاعة ربكم واللفظ يحتمل لهذا الوجوه كلها وهو من جوامع الكلم كما فى تفسير ابى الليث . والعبادة استفراغ الطاقة فى استكمال الطاعة واستشعار الخشية فى استبعاد المعصية { الذى خلقكم } صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه أطيعوا ربكم الذى خلقكم لخلقكم ولم تكونوا شيأ . والحلق اختراع الشئ على غير مثال سبق { و } خلق { الذين من قبلكم } اى من زمن قبل زمانكم من الامم فمن ابتدائية متعلقة بمحذوف وفى الوصف به ايماء الى سبب وجوب عبادته تعالى فان خلق اصولهم من موجبات العبادة كخلق انفسهم وفيه دلالة على شمول القدرة وتنبيه من سنة الغفلة اى انهم كانوا فمضوا وجاءوا وانقضوا فلا تنسوا مصيركم ولا تستجيزوا تقصيركم { لعلكم تتقون } حال من ضمير اعبدوا اى راجين ان تدخلوا فى سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله تعالى . ولعل للرجى والاطماع وهى من الله تعالى واجب لان الكريم لا يطمع الا فيما يفعل والاولون والآخرون مخاطبون بالامر بالتقوى وخص المخاطبين بالذكر تغليبا لهم على الغائبين كما فى الكواشى . وفيه تنبيه على ان التقوى وخص المخاطبين بالذكر تغليبا لهم على الغائبين كما فى الكواشى . وفيه تنبيه على ان التقوى منتهى درجة الساكلين وهو التبرى من كل شئ سوى الله تعالى وان العابد ينبغى ان لا يغتر بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء كما قال تعالى { يدعون ربهم خوفا وطمعا } { ويرجون رحمته } قال السعدى قدس سره . اكر مردى از مردئ خود مكوى ... نه هر شهسوارى بدر برد كوى يعنى ليس كل عابد يخلص ايمانه بسبب عبادته .

(1/84)

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

{ الذى جعل لكم الارض } صفة ثانية لربكم . قال اهل اللغة الارض بساط العالم وبسيطها من حيث يحيط بها البحر الذى هو البحر المحيط اربعة وعشرون الف فرسخ كل فرسخ ثلاثة اميال وهو اثنا عشر الف ذراع بالذرع المرسلة وكل ذراع ست وثلاثون اصبعا كل اصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها الى بعض فللسودان اثنا عشر الف فرسخ وللبيضان ثمانية وللفرس ثلاثة وللعرب الف كذا فى كتاب الملكوت وسمت وسط الارض المسكونة حضرة الكعبة واما وسط الارض كلها عامرها وخرابها فهو الموضع الذى يسمى قبة الارض وهو مكان يعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى الليل والنهار ابدا لا يزيد احدهما على الآخر كما فى الملكوت على كرم الله وجهه انه قال انما سميت الارض ارضا لانها تتأرض ما فى ما فيها وقال بعضهم لانها تتأرض بالحوافر والاقدام { فراشا } ومعنى جعلها فراشا جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاءطبعها الرسوب وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين صالحة للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا وهو الذى له طول وعرض فان كرية شكلها مع عظم جرمها مصححة لافتراشها { و } جعل { السماء } وهو ما علاك واظلك { بناء } قبة مضروبة عليكم وكل سماء مطبقة على الاخرى مثل القبة والسماء الدنيا ملتزقة اطرافها على الارض كما فى تفسير ابى الليث { وانزل من السماء ماء } اى مطرا ينحدر منها على السحاب ومنه على الارض وهو رد لزعم انه يأخذه من البحر { فاخرج به } اى انبت الله بسبب الماء الذى انزل من السماء { من الثمرات } هى ههنا المأكولات كلها من الحبوب والفواكه وغيرها مما يخرج من الارض والشجر كما فى التيسير { رزقا لكم } وذلك بان اودع فى الماء وقة فاعلية وفى الارض قوة منفعلة فتولد من تفاعلهما اصناف الثمار فبين المظلة والمقلة شبه عقد النكاح بانزال الماء منها عليها والاخراج به من بطنها اشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم ومن للبيان ورزقا اى طعاما وعلفا لكم ولدوابكم والمعنى ان الله تعالى انعم عليكم بذلك كله لتعرفوه بالخالقية والرازقية فتوحدوه { فلا تجعلوا لله اندادا } جمع ند وهو المثل اى امثالا تعبدونهم كعبادة الله يعنى لا تقولوا له شركاء تعبد معه . وعن ابن عباس رضى الله عنهما لا تقولوا لولا فلان لاصابنى كذا ولولا كلبنا يصيح على الباب لسرق متاعنا . وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال « اياكم ولو فانه من كلام المنافقين قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا » قال السعدى اكر عزو جاهست اكر ذل وقيد ... من ازحق شناسم نه از عمرو وزيد

(1/85)

{ وانتم تعلمون } ان الله هو الذى خلقكم ومن قبلكم وخلق السماء والارض وخلق الارزاق دون الاصنام فانها لا تضر ولا تنفع والوعظ الكلى انه قال فى الآية { جعل لكم } وقال { رزقا لكم } فلو قال لك فى القيامة فعلت كذا كله لكم فما فعلتم لى فما تقول . وعن الشبلى رحمه الله انه وعظ يوما الناس فابكاهم لما ذكر من القيامة واهوالها فمر بهم ابو الحسين النورى قال لا تفزعهم فان حساب يومئذ ليس بهذا الطول انما هو كلمتان « من ترا بودم تو كرا بودى » وافادت الآية انه ينبغى الاخلاص فى العبادة بترك ملاحظة الاغيار وبشهود خالق الليل والنهار : قال السعدى كرت بيخ اخلاص در بوم نسيت ... درين در كسى جون تو محروم نسيت وفى توصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ « يا معاذ انى محدثك بحديث ان انت حفظته تفعك وانت انت ضيعته انقطعت حجتك عند الله تعالى يا معاذ ان الله تبارك وتعالى خلق سبع املاك قبل ان يخلق السماوات والارض فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بوابا فيصعد عليه الحفظة بعمل العبد من حين اصبح الى حين امسى له نور كنور الشمس حتى اذا طلعت به الملائكة الى السماء الدنيا زكته وكثرته فيقول الملك الموكل للحفظة قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب الغيبة امرنى ربى ان لا ادع عمل من اغتاب الناس يتجاوزنى انه كان يغتاب الناس » . زبان آمد از بهر شكر وساس ... بغيبت نكرداندش حق شناس قال عليه السلام « م يأتى الحفظة بعمل صالح من اعمال العبد فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به الى السماء الثانية فيقول لهم الملك الموكل بالسماء الثانية قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الفخر انه اراد بعمله هذا عرض الدنيا امرنى ربى ان ادع عمله يتجاوز الى غيرى انه كان يفتخر على الناس فى مجالسهم » جه زنار مغ درميانت جه دلق ... كه در بوشى از بعهر بندار خلق قال عليه السلام « ويصعد الحفظة بعمل عبد يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد اعجب الحفظة فيتجاوزون به الى السماء الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الكبر امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان يتكبر على الناس فى مجالسهم » فروتن بود هوشمند كزين ... نهد شاخ برميوه سربر زمين قال عليه السلام « ويصعد الحفظة بعمل عبد يزهو كما يزهو الكوكب الدرى من صلاة وتسبيح وحج وعمرة حتى يجاوزون به الى الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب العجب امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان اذا عمل عملا ادخل العجب فيه »

(1/86)

جو رويى بخدمت نهى بر زمين ... خدارا ثنا كوى خودرا مبين قال عليه السلام « ويصعد الحفظة بعمل عبد حتى يجاوزون به الى السماء الخامسة كانه العروس المزفوفة الى اهلها فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الحسد انه كان يحسد من يتعلم العلم ويعمل الله وكل من يأخذ بنصيب من العبادة كان يحسدهم ويعيبهم امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى » عقبه زين صعبتر درراه نسيت ... اى خنك آنكس حسد همراه نسيت قال عليه السلام « ويصعد الحفظة بعمل عبد من صيام وصلاة وزكاة وحج وعمرة فيجاوزون به الى السماء السادسة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انه كان لا يرحم انسانا من عباد الله قط واذا أصابهم بلاء وضر كان يشمت فيهم انا ملك موكل بالرحمة امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى » اشك خواهى رحم كن براشك بار ... رحم خواهى بر ضعيفان رحم آر قال عليه السلام « ويصعد الحفظة الى السماء السابعة بعمل عبد من صلاة وصوم وفقه واجتهاد وورع لها دوىّ كدوىّ النحل وضوء كضوء الشمس معها ثلاثة آلاف ملك فيجاوزون بها الى السماء السابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واقفلوا على قلبه انا احجب عن ربى كل عمل لم يرد به ربى انه كان يعمل لغير الله ان اراد به رفعه عند الفقهاء وذكرا عند العلماء وصيتا فى المدائن امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى الى غيرى وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصا فهو رياء » بروى ريا خرقه سهلست دوخت ... كرش باخدا در توانى فروخت قال عليه السلام « ويصعد الحفظة بعمل عبد من زكاة وصوم وصلاة وحج وعمرة وخلق حسن وذكر لله ويشيعه ملائكة السموات حتى يقطعون الحجب كلها الى الله عز وجل فيقفون بين يديه ليشهدوا له بالعمل الصالح المخلص لله فيقول الله عز وجل انتم الحفظة على عمل عبدى وانا الرقيب على قلبه انه لم يردنى بهذا العمل واراد به غيرى فعليه لغنى فتقول الملائكة كلهم عليه لغنتك ولعنتنا فتلعنه السموات السبع ومن فيهن » قال معاذ قلت يا رسول الله كيف لى بالنجاة والخلوص قال « اقتد بى وعليك باليقين وان كان فى عملك تقصير وحافظ على لسانك من الوقيعة » اى الغيبة « فى اخوانك من حملة القرآن ولا تزك نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا بعمل الآخرة ولا تمزق الناس فيمزقك كلاب النار يوم القيامه فى النار ولا تراء بعملك الناس » قال السعدى اى هنرها نهاده بر كف دست ... عيبها بر كرفته زير بغل تاجه خواهى خريدن اى مغرور ... روز درماندكى بسيم دغل

(1/87)

وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره قال كابدت العبادة اى اتعبت نفسى فيها ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول يا ابا يزيد خزائنه مملوة بالعبادة ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والاحتقار والاخلاص فى العمل : قال ابو زيد قدس سره جارجيز آورده ام شاها كه در كنج تونيست ... نيستى وحاجت وجرم وكناه آورده ام قاله لما طلب منه الهدية حين طلع مبشرات الحقيقة فلما عرض تلك الهدية قيل ادخل جئت بهدية عظمى وحصل الاستحقاق للدخول وفى التأويلات النجمية { يا ايها الناس } الاشارة فى تحقيق الآيتين انه تعالى خاطب ناسى عهود يوم الميثاق والاقرار بربوبيته ومعاهدته ان لا تعبدوا الا ياه فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الاصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزل قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا فى ورطة الشرك والهلاك فبعث اليهم الرسول وكتب اليه الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم الى التوحيد والعبودية وقال { اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم } يعنى ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق واخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فاوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات واقامة الطاعات المأمورات { لعلكم تتقون } عن شرك عبادة غير الله فيوفى الله بعهد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنان والاكرام بالقربات والكرامات فى الآخرة كما اكرمكم فى الدنيا { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } فيه اشارة الى تعريفه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وفضيلتهم عنده على جميع المخلوقات اما تعريف نفسه بالقدرة الكاملة فقوله تعالى { الذى جعل } واما منته على عباده فقوله تعالى { لكم الارض فراشا والسماء بناء } اى خلق هذه الاشياء لكم خاصة واما فضيلتهم على جميع المخلوقات بان خلق السموات والارض وما فيهما لاجلهم وسخره لهم لقوله تعالى { وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض جميعا منه } فكان وجود السموات والارض تبعا لوجودهم وما كان وجوده تبعا لوجود شيئ لا يكون مقصودا وجوده لذاته ولهذا السر امر الله تعالى ملائكته بسجود آدم عليه السلام وحرم على آدم واولاده سجود غير الله ليظهر ان الملائكة وان كانوا قبل وجود آدم افضل الموجودات فلما خلق آدم وجعله مسجودا لهم كان هو افضل الملخوقات واكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شئ والكل تابع له { وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم } تحقيقه ان الماء هو القرآن وثمراته الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق اليقين والنجاة والرفعة والصلاح والفلاح والحكمة والحلم والعلم والآداب والاخلاق والعزة والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين وجماع كل خير وختام كل سعادة وزهوق باطل الوجود الانسانى عند مجيئ تجليات حقيقة الصفات الربانية كقوله تعالى

(1/88)

{ قل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا } فاخرج بماء القرآن هذه الثمرات من ارض قلوب عباده فكما ان الله تعالى من على عباده باخراج الثمرات رزقا لكم وكان للحيوانات فيها رزق ولكن بتبعية الانسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال { فلا تجعلوا لله اندادا } فيه ثلاثة معان . او لها ان هذا الذى جعلت لكم من خلق انفسكم وخلق السموات والارض وما فيها لكم ليس من شأن احد غيرى { وانتم تعلمون } فلا تجعلو لى اندادا فى العبودية وثانيها انى جعلت السموات والارض والشمس والقمر كلها واسطة ارزاقكم واسبابها وانا الرزاق فلا تجعلوا الوسائط اندادا لى فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر الآية . وثالثها انى خلقت الموجودات وجعلت لك شئ حظا فى شىء حظا فى شئ آخر وجعلت حظ الانسان فى محبتى ومعرفتى وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتى ومعرفتى بان تجعلوا لى اندادا تحبونهم كحبى فتهلكوا فى اودية الشرك يدل عليه قوله تعالى { ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله } فالانداد هى الاحباب غير الله ثم وصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالايمان وقال { والذين آمنوا اشد حبا لله } يعنى الذين اتخذوا من دون الله آلهة فى المحبة ما آمنوا حقيقة وان زعموا انا آمنا فافهم جدا ولا تغتر بالايمان التقليدى الموروث حتى يصح على هذا المحل .

(1/89)

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

{ وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا } اى فى ذك من القرآن الذى نزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم فى كونه وحيا منزلا من عند الله تعالى . والتنزيل النزول على سبيل التدريج وانزل القرآن جملة واحدة الى السماء الدنيا الى بيت العزة ثم منه على النبى صلى الله عليه وسلم مفرقا منجما فى ثلاث وعشرين سنة ليحفظ فانه عليه الصلاة والسلام كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه ليثبت عنده حفظه بخلاف غيره من الانبياء فانه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع من الكتاب ولذا قالوا ان سائر الكتب الآلهية انزلت جملة { فاتوا } جواب الشرط وهو امر تعجيز { بسورة } وحد السورة قطعة من القرآن معلومة الاول والآخر اقلها ثلاث آيات . وانما سميت سورة لكونها اقوى من الآية من سورة الاسد والشراب اى قوته هذا ان كانت واوها اصلية وان كانت منقلبة عن همزة فهى مأخوذة من السؤر الذى هى البقية من الشئ فالسورة قطعة من القرآن مفرزة باقية من غيرها { من مثله } اى سورة كائنة من مثل ما اتى هو ان كان الامر كما زعمتم من كونه كلام البشر اذا انتم وهو سواء فى الجوهر والخلقة واللسان وليس هو اولى بالاختلاق منكم ثم القرآن وان كان لامثل له لانه صفة الله وكلام الله ووحى الله ولا مثل لصفاته كما لا مثل لذاته لكن معناه من مثله على زعمكم فقد كانوا يقولون لو شئنا لقلنا مثل هذا كما فى التيسير { من دون الله } اما متعلقة بادعوا فالمعنى ادعوا متجاوزين الله من حضركم كائنا من كان للاستظهار فى معارضة القرآن او الحاضرين فى مشاهدكم ومحاضركم من رؤوسائكم واشرافكم الذين تفرزعون اليهم فى الملمات وتعولون عليهم فى المهمات او القائمين بشهادتكم الجارية فيما بينكم من امنائكم المتولين لاستخلص الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة او القائمين بنصركم حقيقة او زعما من الانس والجن ليعينوكم واما متعلقة بشهداءكم والمراد بهم الاصنام . ودون بمعنى التجاوز على انها ظرف مستقر وقع حالا من ضمير المخاطبين والعامل ما دل عليه شهداءكم اى ادعوا اصنامكم الذين اتخذتموهم آلهة وزعمتم انهم يشهدون لكم يوم القيامة انكم على الحق متجاوزين الله فى اتخاذها كذلك . ودلت الآية على ان الاستعانة بالخلق لا تغنى شيأ وما يغنى رجوع العاجز عن العاجز فلا ترفع حوائجك الا الى من لا يشق عليه قضاؤها ولا تسأل الا من لا تفنى خزائنه ولا تعتمد الا على من لا يعجز عن شئ ينصرك من غير معين ويحفظ من كل جانب ومن غير صاحب ويغنيك من غير مال فيقل اعداد الاعداء الكثيرة اذا حماك ويكثر عدد المال القليل اذا كفاك { ان كنتم صادقين } فى ان محمدا تقوله من تلقاء نفسه وان آلهتكم شهداؤكم وهو شرط جوابه محذوف تقديره فافعلوا اى فائتوا بسورة من مثله .

(1/90)

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

{ فان لم تفعلوا } اى ما امرتم من الاتيان بالمثل بعد ما بذلتم فى السعى غاية المجهود { ولن تفعلوا } فيما يستقبل ابدا وذلك لظهور اعجاز القرآن فانه معجزة النبى عليه السلام اعتراض بين الشرط وجوابه وهذه معجزة باهرة حيث اخبر بالغيب الخاص علمه به عز وجل وقد وَقع الامر كذلك كيف لا ولو عارضوه بشئ بداية فى الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف { فاتقوا النار } اى ولما عجزتم عن معارضة القرآن ومثله لزمتكم الحجة ان محمدا رسولى والقرآن كتابى ولزمكم تصديقه والايمان به ولما لم تؤمنوا صرتم من اهل النار فاتقوها . وفى الكشاف لصيق اتقاء النار وضميمه ترك العناد من حيث انه من نتائجه لان من اتقى النار ترك المعاندة فوضع فاتقوا النار موضع فارتكوا العناد { التى وقودها } اى حطبها وهو ما يوقد به النار { الناس } اى العصاة { والحجارة } اى حجارة الكبريت وانما جعل حطبها منها لسرعة وقودها اى التهابها وبطئ خمودها وشدة حرها وقبح رائحتها لوصوقها بالبدن او الحجارة هى الاصنام التى عبدوها وانما جعل التعذيب بها ليتحققوا انهم عذبوا بعبادتها وليروا ذلها ومهانتها بعد اعتقادهم عزها وعظمتها والكافر عبد الصنم واعتمده ورجاه فعذب به اظهارا لجهله وقطعا لامله كأتباع الكبراء خدموهم ورجوهم وفى النار يسحبون معهم ليكون اشق عليهم واقطع لرجائهم . فان قلت أنار الجحيم كلها توقد بالناس والحجارة ام هى نيران شتى منها نار بهذه الصفة * قلت بل هى نار شتى منها نار توقد بالناس والحجارة يدل على ذلك تنكيرها فى قوله تعالى { قوا انفسكم واهليكم نارا } { فانذرتكم نارا تلظى } ولعل لكفار الجن ولشياطينهم نارا وقودها الشياطين كما ان لكفرة الانس نارا وقودهاهم جزاء لكل جنس بما يشاء كله من العذاب { اعدت للكافرين } اى هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت عدة لعذابهم . وفيه دلالة على ان النار مخلوقة موجودة الآن خلافا للمعتزلة وفى الآية اشارة الى ان ثمرة الاخذ بالقرآن والاقرار به وبمحمد صلى الله عليه وسلم هو النجاة من النار التى وقودها الناس والحجارة وفيه زيادة فضل القرآن واهله * قال البغوى عند قوله تعالى { فائتوا بسورة } قيل السورة اسم للمنزلة الرفية وسميت سورة لان القرئ ينال بقراءتها منزلة رفيعه حتى يستكمل المنازل باستكمال سورة القرآن . وعن ابن مسعود رضى الله عنه انه قال يرجع أتباع بليس كل عشية الى سيدهم فيقول كل واحد منهم بين يديه فعلت كذا وغررت فلانا الزاهد حتى يقول اصغرهم انا منعت صبيا من الكتاب فيقوم ابليس بين يديه ويعقهد الى جنبه فرحا بما فعل وقالت الحكماء حق الولد على ابويه ثلاثة ان يسمياه باسم حسن عند الولادة وان يعلماه القرآن والادب والعلم وان يختناه ثم ان المقصد الاصلى هو العمل بالقرآن والتخلق بآدابه كما قيل « مراد ار نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست » * نه ترتيل سوره مكتوب « وللقرآن ظهر وبطن ولبطنه بطن الى سبعة ابطن قال فى المثنوى

(1/91)

تو ز قرآن اى بسر ظاهر مبين ... ديو آدم را نبيند جزكه طين ظاهر قران جو شخص آدميست ... كه نقوشش ظاهر وجانس خفيست قال الشيخ نجم دايه فظاهره يدل على ما فسره العلماء وباطنه يدل على ما حققه اهل التحقيق بشرط ان يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدا عليه بالحق فان كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهى الحاد وزندقة لقوله تعالى { ولا رطب ولا يابس الا فى كتاب مبين } وقال ايضا فى تأويل الآية { وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا } جعل الله اعراض المعرضين قباب غيرته لحبيبه المرسل لئلا يشاهدوا من الله حبيبه وجعل اعتراض المعترضين سرادقات عزته لئلا يطلعوا على الله وكتابه وسماه عليه السلام بالعبد المطلق ولم يسم غيره الا بالعبد المقيد باسمه كما قال { واذكر عبدنا ايوب } { واذكر عبدنا داود } وغيرهما وذلك لان كمال العبودية ما تهيأ لاحد من العالمين الا لحبيبه عليه السلام وكمال العبودية فى كمال الحرية عما سوى الله وهو مختص بهذه الكرامة كما اثنى عليه بقوله { ما زاغ البصر وما طغى } { فائتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله } اى الحاضرين معكم يوم الميثاق لانكم وانهم ومحمدا كنتم جميعا مستمعين خطاب ألست بربكم مجتمعين فى جواب بلى فلو كان محمد قادرا على اتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وانتم فى الاستعداد الانسانى الفطرى سواء فائتوا باللقرآن من تلقاء انفسكم ايضا { ان كنتم صادقين فان لم تفعلوا فاتقوا النار التى } هى القهر وصورة غضب الحق كما قال الله للنار « انما انت عذابى اعذب بك من اشاء من عبادى » { وقودها الناس } انانية الانسان التى نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } اى الذهب لانه به يحصل مرادات النفس وشهواتها وما يميل اليه الهوى فعبر عما يعبده انانية الانسان بالحجارة لان اكثر الاصنام كان من الحجارة وعن انانية الانسان بالناس لانها انما طلبت غير الله وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق ثم جعلها وقود النار لقوله تعالى { انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } { اعدت للكافرين } خاصة ولكن يطهر المذنوبن بها بتبعية الكافرين كما ان الجنة خلقت عليها بتبعية المتقين يدل عليه قول النبى صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى « خلقت الجنة وخلقت لها اهلها وبعمل اهل الجنة يعملون وخلقت النار وخلقت لها اهلها وبعمل اهل النار يعمُلون »

(1/92)

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

{ وبشر الذين آمنوا } البشارة الخبر السار الذى يظهر به اثر السرور فى البشرة اى فرح يا محمد قلوب الذين آمنوا بان القرآن منزل من عند الله تعالى فالخطاب للنبى عليه وقيل لك من يتأتى منه التبشير كما فى قوله عليه الصلاة والسلام « بشر المشائين الى المساجد فى ظلم الليالى بالنور التام يوم القيامة » فانه عليه السلام لم يأمر بذلك واحدا بعينه بل كل احد مما يتأتى منه ذلك { وعملوا الصالحات } اى فعلوا الفعلات الصالحات وهى كل ما كان لله تعالى وفى عطف العمل على الايمان دلالة على تغايرهما واشعار بان مدار استحقاق البشارة مجموع الامرين فان الايمان اساس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء باساس لابناء عليه وطلب الجنة بلا عمل حال السفهاء لان الله تعالى جعل العمل سببا لدخول الجنة والعبد وان كان يدخله الله الجنة بمجرد الايمان لكن العمل يزيد نور الايمان وبه يتنور قلب المؤمن وكم من عقبة كؤود تستقبل العبد الى ان يصل الى الجنة واول تلك العقابات عقبة الايمان انه هل يسلم من السلب ام لا فلز العمل لتسهيل العقبات { ان لهم } اى بان لهم { جنات } بساتين فيها اشجار مثمرة . والجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم كذا قال الفراء ولفط التفاف اغصان اشجارها وتسترها بالاشجار سميت جنة كانها سترة واحدة لان الجنة بناء مرة وانما سميت دار الثواب بها مع ان فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور لما انها مناط نعيمها ومعظم ملاذها . فان قلت ما معنى جمع الجنة وتنكيرها . قلت الجنة اسم لدار الثواب كلها وهى مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان . ثم الجنان ثمان دار الجلال كلها من نور مدائنها وقصورها وبيوتها واونيها وشرفها وابوابها ودرجها وغرفها واعاليها واسافلها وخيامها وحليها وكل ما فيها ودار القرار كلها من المرجان ودار السلام كلها من الياقوت الاحمر وجنة عدن من الزبرجد كلها وهى قصبة الجنة وهى مشرفة على الجنان كلها وباب جنة عدن مصراعان من زمرد وياقوت ما بين المصراعين كما بين المشرق والمغرب وجنة المأوى من الذهب الاحمر كلها وجنة الخلد من الفضلة كلها وجنة الفردوس من اللؤلؤ كلها وحيطانها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد وملاطها وما يجعل بين اللبنتين مكان الطين المسك وقصورها الياقوت وغرفها اللؤلؤ ومصاريعها الذهب وارضها الفضة وحصباؤها المرجان وترابها المسك ونباتها الزغفران والعنبر وجنة النعيم من الزمرد كلها وفى الخبر ( ان المؤمن اذا دخل الجنة رأى سبعين الف حديقة فى كل حديقة سبعون الف شجرة على كل شجرة سبعون الف ورقة وعلى كل ورقة لا اله الا الله محمد رسول الله امة مذنبة ورب غفور كل ورقة عرضها من مشرق الشمس الى مغربها ) { تجرى من تحتها الانهار } الجملة صفة لجنات والانهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كانيل نهر مصر والمراد بها ماؤها .

(1/93)

فان قلت كيف جرى الانهار من تحتها . قلت كما ترى الاشجار النابتة على شواطئ الانهار الجارية وعن مسروق ان انهار الجنة تجرى فى غير اخدود وهو الشق من الارض بالاستطالة وأنزه البساتين واكرمها منظرا ما كانت اشجاره مظللة والانهار فى خلالها مطردة ولولا ان الماء الجارى من النعمة العظمى وان الرياض وان كانت احسن شئ لا تجلب النشاط حتى يجرى فيها الماء والا كان السرور الاوفر مفقودا وكانت كتماثيل لا ارواح لها وصور لا حياة لها لما جاء الله يذكر الجنات البتة مشفوعا بذكر الانهار الجارية من تحتها والانهار هى الخمر واللبن والعسل والماء فاذا شربوا من نهر الماء يجدون حياة ثم انهم لا يموتون واذا شربوا من اللبن يحصل فى ابدانهم تربية ثم انهم لا ينقصون واذا شربوا من نهر العسل يجدون شفاء وصحة ثم انهم لا يسقمون واذا شربوا من نهر الخمر يجدون طربا وفرحا ثم انهم لا يحزنون : قال فى المثنوى آب صبرت جوى آب خلد شد ... جوى شير خلد مهر تست وود ذوق طاعت كشت جوى انكبين ... متسى وشوقى توجوى خمر بين اين سببها جون بفرمان تو بود ... جار جوهم مرترا فرمان نمود وروى انه كتب عرضا بسم الله الرحمن الرحيم على ساق العرش فعين الماء تنبع من ميم بسم وعين اللبن تنبع من هاء الله وعين الخمر تنبيع من ميم الرحمن وعين العسل تنبع من ميم الرحيم هذا منبعها واما مصبها فكلها تنصب فى الكوثر وهو حوض النبى عليه السلام وهو فى الجنة اليوم وينتقل يوم القيامة الى العرصات لسقى المؤمنين ثم ينقل الى الجنة ويسقى اهل الجنة ايضا من عين الكافور وعين الزنجبيل وعين السلسبيل وعين الرحيق ومزاجه من تسنيم بواسطة الملائكة ويسقيهم الله الشراب الطهور بلا واسطة كما قال تعالى { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } { كلما } او الرمانة الفذة وانما المراد نوع من انواع الثمار ومن الاولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لان الرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة { رزقا } مفعول رزقوا وهو ما ينتفع به الحيوان طعاما { قالوا هذا الذى رزقنا من قبل } اى هذا مثل الذى رزقنا من قبل هذا فى الدنيا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته وانما جعل ثمر الجنة كثمر الدنيا لتميل النفس اليه حين تراه فان الطباع مائلة الى المألوف متنفرة عن غير المعروف وليتبين لها مزية اذلو كان جنسا غر معهود لظن انه لا يكون الا كذلك وان كان فائقا فحين ابصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها فى الحجم وان الكبرى لا تفضل عن حدا البطيخة الصغيرة ثم يبصرون رمانة الجنة وهى تشبع السكن اى اهل الدار كان ذلك ابين للفضل واجلب للسرور وازيد فى التعجب من ان يفاجئوا ذلك الرمان من غير عهد سابق بجنسه وعموم كلما يدل على ترديهم هذه المقالة كل مرة رزقوا فيما عدا المرة الاولى يظهرون بذلك التبجح وفرط الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذه مع اتحادهما فى الشكل واللون كانهم قالوا هذا عين ما رزقناه فى الدنيا فمن اين له هذه الرتبة من اللذة والطيب ولا يقدح فيه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه ليس فى الجنة من اطعمة الدنيا الا الاسم فان ذلك لبيان كمال التفاوت بينهما من حيث اللذة والحسن والهيئة لا لبيان ان لا تشابه بينهما اصلا كيف لا واطلاق الاسماء منوط بالاتحاد النوعى قطعا { واتوا به } اى جيئوا بذلك الرزق او المرزوق فى الدنيا والآخرة جميعا فالضمير الى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا فى الدارين ونظيره قوله تعالى

(1/94)

{ ان يكن غنيا او فقير فالله اولى بهما } اى بجنيس الغنى والفقير { متشابها } فى اللون والجودة فاذا اكلوا وجدوا طعمه غير ذلك اجود وألذ يعنى لا يكون فيها رديئ . وعن مسروق نخل الجنة نضيد من اصلها الى فرعها اى منضود بعضها على بعض اى متراكب ومجتمع ليس كاشجار الدنيا متفرقة اغصانها وثمرتها امثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها اخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا ولو اجتمع الخلائق على عنقود لاشبعهم وجاء رجل من اهل الكتاب الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا ابا القاسم تزعم ان اهل الجنة يأكلون ويشربون فقال « نعم والذى نفس محمد بيده ان احدهم ليعطى قوة مائة رجل فى الاكل والشرب والجماع » قال فان الذى يأكل له حاجة والجنة طيبة ليس فيها اذى قال عليه السلام « حاجة احدهم عرق كريح المسك » { ولهم فيها } اى فى الجنة { ازواج } اى نساء وحور { مطهرة } مهذبة من الاحوال المستقذرة كالحيض والنفاس والبول والغائط والمنى والمخاط والبلغم والورم والدرن والصداع وسائر الاوجاع والولادة ودنس الطبع وسوء الخلق وميل الطبع الى غير الازواج وغير ذلك . ومطهرة ابلغ من طاهرة ومتطهرة للاشعار بان مطهرا طهرن وما هو الا الله سبحانه وتعالى * قال الحسن هن عجائزكم العمص العمش طهرن من قاذورات الدنيا وعن ابن عباس رضى الله عنهما خلق الحور العين من اصابع رجليها الى ركبتيها من الزعفران ومن ركبتيها الى ثدييها من المسك الاذفر ومن ثدييها الى عنقها من العنبر الاشهب اى الابيض ومن عنقها الى رأسها من الكافور اذا اقلبت يتلألأ نور وجهها كما يتلألأ نور الشمس لاهل الدنيا { وهم فيها خالدون } اى دائمون احياء لا يموتون ولا يخرجون منها .

(1/95)

قال عكرمة اهل الجمنة ولد ثلاث وثلاثين سنة رجالهم ونساؤهم وقامتهم ستون ذراعا على قامة ابيهم آدم شباب جرد مرد مكحلون عليهم سبعون حلة تتلون كل حلة فى كل ساعة سبعين لوا لا يترقون ولا يمتخطون وما كان فوق ذلك من الاذى فهو ابعد يزدادون كل يوم جمالا وحسنا كما يزداد اهل الدنيا هرما وضعفا لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم . واعلم ان معظم اللذات الحسية لما كان مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح حسبما يقضى به الاستقراء وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات اذ كل نعمة وان جلت حيث كانت فى شرف الزوال ومعرض الاضمحلال فانها منغصة غير صافية من شوائب الالم بشر المؤمنون بها وبدوا مهما تكميلا للبهجة والسرور وفى التأويلات النجمية { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } اى يحصل لهم جنات القربة معجلة من بذر الايمان الحقيقى واعمالهم القلبية الصالحة والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد من اشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والاخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوة والمجاهدة والمكابدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والارادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة والعلم والمعرفة والعزة والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية وغيرها من المقامات والاخلاق تجرى من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطفة والفضل { كلما رزقوا منها } من هذه الاشجار { من ثمرة } من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات { رزقا } اى عطفا وصحة وعطية { قالوا هذا الذى رزقنا من قبل } وذلك لان اصحاب المشاهدات يشاهدون احوالا شتى فى صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم فيظن بعضهم من المتوسطين ان هذا المشاهد هو الذى يشاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى هو حقيقة اخرى مثاله يشاهد السالك نورا فى صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية فى صورة نار كما قال انى آنتس نارا فتكون تارة تلك النار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام اذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا وتارة يشاهد النار وهى صفة الشيطنة وتارة تكون نار المحبة تقع فى محبوبات النفس فتحرقها وتارة تكون نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فالصورة لانارية المشاهدة متشابه بعضها ببعض كما قال تعالى { واتوا به متشابها } ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوقا وصفة اخرى { ولهم فيها ازواج } اى لارباب الشهود فى جنات القربات ازواج من ابكار الغيب { مطهرة } من ملابسة الاغيار { وهم فيها } فى افتضاضها { خالدون } كما قال عليه السلام

(1/96)

« ان من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها الا العلماء بالله فاذا نطقوا بها لا ينكرها الا اهل الغرة بالله » واعلم ان كل شئ يشاهد فى الشهادة كما ان له صورة فى الدنيا له معنى حقيقى فى الغيب ولهذا كان النبى عليه السلام يسأل الله تعالى بقوله « اللهم ارنا الاشياء كما هى » فيكون فى الآخرة صورة الاشياء وحقائقها حاصلة ولكن الحقائق والمعانى على الصور غالبة فيرى فى الآخرة صورة شئ يعنيه فيعرفه فيقول هذا الذى رزقنا من قبل فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها فى ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما ليس شئ فى الجنة مما فى الدنيا غير الاسماء وهذا كما قال رسول الله عليه السلام « كل كلمة يكلمها المسلم فى سبيل الله تكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت انفجرت دما اللون لون الدم والعرف عرف المسك » فالآن لون ذلك الدم حاصل فى الشهادة ولكن عرفه فى الغيب لا يشاهد ههنا ففى الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعانى الغيبية فافهم جدا واغتنم .

(1/97)

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)

{ ان الله لا يستحى ان يضرب مثلا ما بعوضة } عن الحسن وقتادة لما ذكر الله الذباب والعنكبوت فى كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله فانزل الله هذه الآية . والحياء تغير وانكسار يعترى الانسان من تخوف ما ياب به ويذم وهو جار على سبيل التمثيل لا يترك ضرب المئل بالبعوضة ترك من يستحيى ان يمثل بها لحقارتها فمحل ان يضرب اى يذكر النصب على المفعولية وما اسمية ابهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر ابهاما وشياعا كانه قيل مثلا ما من الامثال اى مثل كان فهى صفة لما قبلها وبعوضة بدل من مثلا والبعوضة صغار البق سميت بعوضة لانها كانها بعض البق { فما فوقها } اى فيذكر الذى هو ازيد منها كالذباب والعنكبوت او فما دونها فى الصغر قيل انه من الاضداد ويطلق على الاعلى والادنى وهو دابة يسرتها السكون ويظهرها التحرك يعنى لا تلوح للبصر الحاد الا بتحركها . فان قلت مثل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب فاين تمثيلها بالبعوضة فما دونها . قلت فى هذه الآية كأنه قال ان الله لا يستحيى ان يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها فما ظنكم بالعنكبوت والذباب . قال الربيع بن انس ضرب المثل بالبعوضة عبرة لاهل الدنيا فان البعوضة تحيى ما جاعت وتموت اذا شبعت فكذا صاحب الدنيا اذا استغنى طغى واحاط به الردى . وقال الامام ابو منصور الاعجوبة فى الدلالة على وحدانية الله تعالى فى الخلق الصغير الجثة والجسم اكثر منها فى الكبار العظام لان الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب وتركيب ما يحتاج من الفم والانف والعين والرجل واليدو المدخل والمخرج ما قدروا عليه ولعلهم يقدرون على تصوير العظام من الاجسام الكبار منها فالبعوضة اعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيه الفيل الكبير القوى . وفيه اشارة الى حال الانسان وكمال استعداده كما قال عليه السلام « ان الله خلق آم على صورته » اى على صفته فعلى قدر ضعف الانسان اعطاه الله تعالى من كل صفة من صفات جماله وجلاله نموذجا ليشاهد فى مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه كما قال « من عرف نفسه فقد عرف ربه » وليس لشئ من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالانسان كما قال تعالى { ولقد كرمنا بنى آدم } قال فى المثنوى ى زحق آموخت علم ... ابهفتم آسمان افروخت علم نام وناموس ملك را در شكست ... ورئ آنكس كه باحق درشكست قطره دلر يكى كوهر فتاد ... ان بكردونها ودرباها نداد جند صورت آخر اى صورت برست ... ان بى معنيت از صورت نرست كر بصورت آدمى انسان بدى ... وبو جهل خود يكسان بدى

(1/98)

قاب بعضهم ان الله تعالى قوى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الاجناس وعرف الخلق قدرته فى خلق الضعفاء على هيآت الاقوياء فان البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره وفى البعوض زيادة جناحين فلا يستبعد من كرمه ان يعطى على قليل العمل ما يعطى على كثير العمل من الخلق كما اعطى صغير الجثة مع اعطى كبير الجثة من الخلقة ومن العجيب ان هذا الصغير يؤذى هذا الكبير فلا يمتنع منه ومن لطف الله تعالى انه خلق الاسد بغاية القوة والبعوض والذباب بغاية الضعف ثم اعطى البعوض والذباب جراءة اظهرها فى طيرانهما فى وجوه الناس وتماديهما فى ذلك مع مبالغة الناس فى ذبهما بالمذبة وركب الجبن فى الاسد واظهر ذلك تتباعده عن مساكن الناس وطرقهم ولو تجاسر الاسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس فمن الله تعالى وجل فى الضعيف - وحكى - انه خطب المأمون فوقع ذباب على عينه فطرده فعاد مرارا حتى قطع عليه الخطبة فلما صلى احضر ابا هذيل شيخ البصريين فى الاعتزال فقال له لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبابرة قال صدقت واجازه بمال كذا فى روضة الاخيار ففى خلق مثل الذباب حكم ومصالح . قال وكيع لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا وفن الاعاجيب ان هذا الضعيف اذا طار فى وجهك ضاق به قلبك ونغص به عيشك وفسد عليك بستانك وكرمك واعجب منه جراءتك مع ضعفك على ما يورثك العار ويوردك النار فاذا كان جزعك هذا من العبوض فى الدنيا فكيف حالك اذا تسلطت عليك الحيات والعقارب فى لظى . قال القشيرى رحمه الله الخلق فى التحقيق بالاضافة الى قدرة الخالق اقل من ذرة من الهباء فى الهواء وسيان فى قدرته العشر والبعوضة فلا خلق العرش عليه اعسر ولا خلق البعوضة عليه ايسر سبحانه وتقدس عن لحوق العسر واليسر . واعلم انه يمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وان كان الممثل اعظم من كل عظيم كما مثل فى الانجيل غل الصدر بالنخالة قال لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك انتم تخرج الحكمة من افواهكم وتبقون الغل فى صدوركم ومثل مخاطبة السفهاء باثارة الزنابير قال لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم وقال فيه ايضا لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والارضة فتفسدها ولا فى البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص ويحرقها السموم ولكن ذخائركم عند الله تعالى . وجاء فى الانجيل ايضا مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع فى قريته حنطة جيدة نقية فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان وهو بفتح الزاى وضمها حب مر يخالط البر فقال عبيد الزراع يا سيدنا أليس حنطة جيدة زرعت فى قريتك قال بلى قالوا فمن اين هذا الزوان قال لعلكم ان ذهبتم لتلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطة دعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد فامر الحصادين ان يلقطوا الزوان من الحنطة وان يربطوه حزما ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة الى الجرين .

(1/99)

والتفسير الزراع ابو البشر والقرية العالم والحطنة الطاعة وزراع الزوان ابليس والزوان المعاصى والحصادون الملائكة يتوفون بنى آدم . وللعرب امثال مثل قولهم هو اجمع من ذرة يزعمون انها تدخر قوت سبع سنين واجرأ من الذباب لانه يقع على أنف الملك وجفن الاسد فاذا ذب اى منع آب اى رجع واسمع من قراد تزعم العرب ان القراد يسمع الهمس الخفى من من اسم الابل اى اخفافها على مسيرة سبع ليال او سبعة اميال وفلان اعمر من القراد وذلك انها تعيش سبعمائة سنة وقيل اعمر من حية لانها لا تموت الاقتلا ويقال اعمر من النسر لانه يعيش ثلاثمائة سنة وفلان أصرد من جرادة اى ابرد لانها لا تظهر فى الشتاء ابدا لقلة صبرها على البرد وأطيش من فراشة اى اخف منها وهى بالفارسية « بروانه » وأعز من مخ البعوض يقال لما لا يجود ويقال كلفتنى مخ البعوض فى تكليف ما لا يطاق وأضعف من بعوضة وآكل من السوس وهو القمل الذى يأكل الحنطة والشعير والدويبة التى تقع على الصوف والجوخ وغيرهما فتأكلها . وبالجملة ان الله تعالى يضرب الامثال للناس ولا يستحيى من الحق وله فى امثاله مطلقا حكم ومصالح وما يتذكر اولوا الالباب : قال المولى جلال الدين قدس سره بيت من بيت نسيت اقليمست ... هزل من هزل نيست تعليمست { فاما الذين آمنوا } بالقرآن محمد صلىلله عليه وسلم والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل فيضربه فاما الذين آمنوا { فيعلمون انه } اى المثل بالبعوضة والذباب { الحق } اى الثابت الذى لا يسوغ انكاره { من ربهم } حال من الضمير المستكن فى الحق او من الضمير العائد الى المثل اى كائنا منه تعالى فيتفكرون فى هذا المثل الحق ويوقنون ان الله هو خالق الكبير والصغير وكل ذلك فى قدرته سواء فيؤمنون به { واما الذين كفروا } وهم اليهود والمشركون { فيقولون ماذا } اى ما الذى او أى شئ { اراد الله بهذا } اى بالمثل الخسيس وفى كلمة هذا تحقير للمشار اليه واسترذال له { مثلا } اى بهذا المثل فلما حذف الالف واللام نصب على الحال أى ممثلا او على التمييز فاجابهم الله تعالى بقوله { يضل } اى يخذل بهذا المثل والاضلال هو الصرف عن الحق الى الباطل واسناد الاضلال اى خلق الضلال اليه سبحانه مبنى على ان جميع الاشياء مخلوقة له تعالى وان كانت افعال العباد من حيث الكسب مستندة اليهم { كثير } من الكفار وذلك انهم يكذبونه فيزدادون ضلالة { ويهدى به } اى يوفق بهذا المثل { كثير } من المؤمنين لتصديقهم به فيزدادون هداية يعنى يضل به من علم منهم انه يختار الضلالة ويهدى به من علم انه يختار الهدى .

(1/100)

فان قلت لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم . قلت اهل الهدى كثر فى انفسهم وحين يوصفون بالقلة انما يوصفون بها بالقياس الى اهل الضلال وايضا فان القليل من المهديين كثير فى الحقيقة وان قلوا فى الصورة لان هؤلاء على الحق وهم على الباطل . وعن ابن مسعود رضى الله عنه الواد الاعظم هو الواحد على الحق { وما يضل به } اى لا يخذل بالمثل وتكذيبه { الا الفاسقين } اى الكافرين بالله الخارجين عن امره . والفسق فى اللغة الخروج وفى الشريعة الخروج عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة التى من جملتها الاصرار على الصغير وله طبقات ثلاث الاولى التغابى وهو ارتكابها احيانا مستقبحا لها والثانية الانهماك فى تعاطيها والثالثة المثابرة عليها مع جحود قبحها وهذه الطبقة من مراتب الكفر فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذى عليه يدور الايمان . { الذين ينقضون عهد الله } اى يخالفون ويتركون امر الله تعالى . والنقض الفسخ وفك التركيب فان قلت من اين ساغ استعمال النقض فى ابطال العهد . قلت من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين قيل عهد الله ثلاثة الاول ما اخذه على ذرية آدم عليه السلام بان يقروا بربوبيته تعالى والثانى بان يبنوا الحق ولا يتكموه { من بعد ميثاقهم } اى بعد توثيق ذلك العهد وتوكيده بالقبول فالضمير للعهدا وبعد توثيق الله ذلك بانزال الكتب وارسال الرسل فالضمير الى الله فالمراد بالميثاق هنا نفس المصدر النفس العهد - يحكى - عن مالك بن دينار رحمه الله انه كان له ابن عم عامل سلطان فى زمانهم وكان ظالما جائرا فمرض ذلك الرجل ونذر وعهد على نفسه وقال لو عافانى الله تعالى مما انا فيه لا ادخل فى عمل السلطان ابدا قال فأبرأه الله من ذلك المرض فدخل فى عمل السلطان ثانيا فظلم الناس اكثر مما ظلمهم فى المرة الاولى فمرض ثانيا فنذر ثانيا ان لا يرجع الى عمل السلطان فبرئ ونقض العهد ودخل فيه ولظم اكثر مما ظلم فى المرتين فظهرت به علة شديدة فاخبر بذلك مالك بن دينار فراره وقال يا بنى اوجب على نفسك شيأ وعاهد مع الله عهدا لعلك تنجو من هذه العلة فقال المريض عاهدت الله ان لو قمت من فراشى ان لا اعود الى عمل السلطان ابدا فهتف هاتف يا مالك انا قد جربناه مرار فوجدناه كذوبا فلا ينفعه نذره اى جربناه بنفسه فاكذب نفسه فمات الفتى على هذه الحالة كذا فى روضة العلماء : قال فى المثنوى نقض ميثاق وشكست توبها موجب لعنت شود درانتها .

(1/101)

{ ويقطعون ما امر به الله ان يوصل } محل ان يوصل النصب على أنه بدل من ضمير الموصول اى ما امر الله به ان يوصل وهو يحتمل كل قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه كقطع الرحم وموالاة المؤمنين والتفرقة بين الانبياء عليهم السلام والكتب فى التصديق وترك الجماعات المفروضة وساسر ما فيه رفض خير او تعاطى شر فانه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التى هى المقصودة بالذات من كل وصل وفصل وفى الحديث « اذا اظهر الناس العلم ويضعوا العمل به وتحابوا بالالسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الارحام لعنهم الله عند ذلك فاصمهم واعمى ابصارهم » وقال صلى الله عليه وسلم « ثلاثة فى ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت اقوم على ايتامى حتى يغنيهم الله او يميت » يعنى اليتيم او « هى ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنعته واحسن ثفقته فدعا عليه اليتيم والمسكين ورجل وصل الرحم يوسف له فى رزقه ويمد له فى اجله ويكون تحت ظل عرش ربه » { ويفسدون فى الارض } بالمنع عن الايمان والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التى عليها يدور فلك نظام العالم وصلاحه { اولئك هم الخاسرون } اى المغبونون بالعقوبة فى الآخرة مكان المثوبة فى الجنة لانهم استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها . قيل ليس من مؤمن ولا كافر الا وله منزل واهل وخدم فى الجنة فان اطاعة تعالى اتى اهله وخدمه ومنزلة فى الجنة وان عصاه ورثه الله المؤمن فقد غبن عن اهله وخدمه ومنزله وفى التأويلات النجمية { ان الله لا يستحى ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فاما الذين آمنوا } بنور الايمان يشاهدون الحقائق والمعانى فى صورة الامثلة { فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون } حيث انكروا الحق فجعل ظلمة انكارهم غشاوة فى ابصارهم فما شاهدوا الحقائق فى كسوة الامثلة كما ان العجم لا يشاهدون المعانى فى كسوة اللغة العربية فكذلك الكفار والجهار عند تحيرهم فىدراك حقائق الامثال قالوا { ما اذا اراد الله بهذا مثلا } فبجهلهم زادوا انكارا على انكار فتاهوا فى اودية الضلالة بقدم الجهالة { يضل به كثيرا } ممن اخطأه رشاش النور فى بدء الخلق كما قال عليه السلام « ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل » فمن اخطأه ذلك النور فى عالم الارواح فقد اخطأه نور الايمان ههنا ومن اخطأه نور الايمان فقد اخطأه نور القرآن فلا يهتدى ومن اصابه ذلك هنالك اصابه ههنا نور الايمان ومن اصابه نور الايمان فقد اصابه نور القرآن ومن اصابه نور القرآن فهو ممن قال { ويهدى به كثيرا } وكان القرآن لقوم شفاء ورحمة ولقوم شقاء ونقمة لانه كلامه وصفته شاملة اللطف والقهر فبلطفه هدى الصادقين وبقهره اضل الافسقين لقوله { وما يضل به الا الفاسقين } الخاجرين من اصابه رشاش النور فى بدء الخلقة ثم اخبر عن نتائج ذكر الخروج ونقض العهود كما قال الله تعالى .

(1/102)

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

{ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } اى الذين ينقضون عهد الله الذى عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية بالاخلاص من بعد ميثاقه { ويقطعون ما امر الله به ان يوصل } من اسباب السلوك الموصل الى الحق واسباب التبتل والانقطاع عن الخلق كما قال تعالى { وتبتل اليه تبتيلا } اى انقطع اليه انقطاعا كليا عن غيره { ويفسدون فى الارض } اى بفسدون بذر التوحيد الفطرى فى ارض طينتهم بالشرك والاعراض عن قبول دعوة الانبياء وسقى بذر التوحيد بالايمان والعمل الصالح { اولئك هم الخاسرون } خسروا استعداد كمالية الانسان المودعة فيهم كما تخسر النواة فى الارض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى { والعصر ان الانسان لفى خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . }

(1/103)

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

{ كيف تكفرون } كيف نصب حالا من الضمير فى تكفرون اى معاندين تكفرون وتجحدون { بالله } اى بوحدانيته ومعكم ما يصرفكم عن الكفر الى الايمان من الدلائل الانفسية والآفاقية والاستفهام انكارى لا بمعنى انكار الوقوع بل بمعنى انكار الواقع واستبعاده والتعجيب وكانه يقول ألا تتعجبون انهم يكفرون بالله كما فى تفسير ابى الليث . وقال القاضى هو استخبار والمعنى اخبرونى على أى حال تكفرون { وكنتم امواتا } جمع ميت كاقوال جمع قيل اى والحال انكم كنتم امواتا اى اجساما لا حياة لها عناصر واغذية ونطفا ومضغا مخلقة وغير مخلقة . قال فى الكشاف فان قلت كيف قيل لهم اموات حال كونهم جمادا وانما يقال ميت فيما نصح منه الحياة من البنى قلت بل يقال ذلك لعادم الحياة لقوله تعالى { بلدة ميتا } { فاحياكم } بخلق الارواح ونفخها فيكم فى ارحام امهاتكم ثم فى دنياكم وهذا الزام لهم بالبعث والفاء للدلالة على العقيب فان الاحياء حاصل اثر كونهم امواتا وان توارد عليهم فى تلك الحالة اطوار مترتبة بعضها متراخ عن بعض كما اشير اليه آنفا ثم لما كان المقام فى الدنيا قد يطول جاء بثم حرف التراخى فقال { ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم وكون الامانة من دلائل القدرة ظاهر واما كونها من النعم فلكونها وسيلة الى الحياة الثانية التى هى الحيوان الابدى والنعمة العظمى { ثم يحييكم } للسؤال فى القبور فيحيى حتى يسمع خفق لعالهم اذا ولوا مدبرين ويقال من ربك ومن نييك وما دينك ودل ثم التى للتعقيل على سبيل التراخى على انه لم يرد به حياة البعث فان الحياة يومئذ يقارنها الرجوع الى الله بالحساب والجزاء وتتصل به من غير تراخ فلا يناسب ثم اليه ترجعون ودلت الآية على اثبات عذاب القبر وراحة القبر كما فى التيسير { ثم اليه ترجعون } بعد الحشر لا الى غيره فيجازيكم باعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر واليه تنشرون من قبوركم للحساب فما اعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه . فان قيل ان علموا انهم كانوا امواتا فاحياهم ثم يميتهم لم يعلموا انه يحييهم ثم اليه يرجعون . قلت تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم فى ازاحة العذر سيما وفى الآية تنبيه على ما يدل به على صحتها { هو الذى خلق لكم } هذا بيان نعمة اخرى اى قدر خلقها لاجلكم ولا نتفاعكم بها فى دنياكم ودينكم لان الاشياء كلها لم تخلق فى ذلك الوقت { ما فى الارض } اى الذى فيها من الاشياء { جميعا } نصب حالا من الموصول الثانى وقد يستدل بهذا على ان الاصل فى الاشياء الاباحة كما فى الكواشى . وقال فى التيسير اهل الاباحة من المتصوفة الجهلة حملوا اللام فى لكم فى قوله تعالى { هو الذي خلق لكم } على الاطلاق والاباحة على الاطلاق والاباحة على الاطلاق وقالوا لا حظر ولا نهى ولا امر فاذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه ولا يمنعه ما يريده ويطلبه وهذا منهم كفر صريح وقد نهى الله تعالى وامر وأباح وحظر ووعد واوعد وبشر وهدد والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة فمن حمل هذه الآية على الاباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية انتهى كلام التيسير { ثم استوى الى السماء } قصد اليها اى الى خلقها بارادته ومشيئته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من ارادة شئ آخر فى تضاعيف خلقها او غير ذلك ولا تناقض بين هذا وبين قوله

(1/104)

{ والارض بعد ذلك داها } لان الدحو البسط . وعن الحسن خلق الله الارض فى موضع بيت المقدس كهيئة الفهر اى الحجر ملئ الكف عليها دخان يلتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السموات وامسك الفهر فى موضعه ثم بسط منه الارض كذا فى الكواشى . وقال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما خلق الله جوهرة طولها وعرضها مسيرة الف سنة فى مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر اليها بالهيبة فذابت واضطربت ثم ثار منها دخان فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء فجعل الزبد ارضا والدخان سماء قالوا فالسماء من دخان خلقت وبريح ارتفعت وباشارة تفرقت وبلا عماد قامت وبنفخة تكسرت { فسواهن } اى اتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج وال . قال سلمان هى سبع اسم الاولى رقيع وهى من زمردة خضراء واسم الثانية ارفلون وهى من فضة بيضاء والثالثة قيدوم وهى من ياقوته حمراء والرابعة ما عون وهى من درة بيضاء والخامسة دبقاء وهى من ذهب احمر والسادسة وفناء وهى من ياقوته صفراء والسابعة عروباء وهى من نور يتلألأ { وهو بكل شئ عليم } فيه تعليل كانه قال ولكنونه عالما بكنه الاشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الا كمل والوجه الا نفع واستدلال بان من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الانيق كان علميا فان اتقان الافعال واحكامها وتخصيصها بالوجه الاحسن الانفع لا يتصور الا من عالم حكيم رحيم وازاحة لما يختلج فى صدورهم من ان الابدان بعد ما تفتت وتكسرت وتبددت اجزاؤها واتصلت بما يشا كلها كيف يجمع اجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شئ منها ولا ينضم اليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان . وفى هذه الآية اشارة الى مراتب الروحانيات فالاول عالم الملكوت الارضية والقوى النفسانية والثانى عالم النفس والثالث عالمالقلب والرابع عالم العقل والخامس عالم السر والسادس عالم الروح والسابع عالمالخفاء الذى هو السر الروحى والى هذا اشار امير المؤمنين على رضى الله عنه بقوله سلونى عن طرق السماء فانى اعلم بها من طرق الارض وطرقها الاحوال والمقامات كالزهد والتقوى والتوكل والرضى وامثالها .

(1/105)

واعلم ان المراتب اثنتا عشرة على عدد السموات والعروش الخمسة . وكان الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره يقول للتوحيد اثناء عشر بابا فالجلوتية يقطعونها بالتوحيد لان سرهم فى اليقين والخلوتية يقطعونها بالاسماء لان سرهم فى البرزخ وهم يقولون جنة الافعال وجنة الصفات وجنة الذات وذلك لان الجنات على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما سبع فاذا كان اربع منها لاهل اليقين اعنى الجلوتية فالثلاث لاهل البرزخ اعنى الخلوتية وهى الافعال والصفات والذات وفى التأويلات النجمية { كيف تكفرون بالله } اما خطاب توحيد للمؤمنين اى أتكفرون بالله وبانبيائه لانكم { كنتم امواتا } ذرات فى صلب آدم { فاحياكم } باخراجكم من صلته وأسمعكم لذيد خطاب ألست بربكم وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم بلى رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } بالرجعة الى اصلاب آبائكم والى عالم الطبيعة الانسانية { ثم يحييكم } ببعثة الانبياء وقبول دعوتهم { ثم اليه ترجعون } بدلالة الانبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة الى درجات الجنات واما خطاب تشريف للانبياء والاولياء اى أتكفرون وكنتم امواتا فى كنتم العدم فاحياكم بالتكوين فى عالم الارواح ورشاش النور فخمر طينة ارواحكم بماء نور العناية وتخمير يد المحبة باربعى صباح الوصال ثم يميتكم بالمفارقة عن شهود الجمال الى مقبرة الحس والخيال ثم يجيبكم اما الانبياء فينور نور الوحى واما الاولياء فبروح روح نور الايمان ثم اليه ترجعون اما الانبياء فبالعروج واما الاولياء فبالرجوع بجذبات الحق كما قال تعالى { ارجعى الى ربك } فلما اثبت ان الرجوع اليه امر ضرورى اما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم واما بالاضطرار كقراءة الباقين اشار الى ان الذى ترجعون اليه { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } اى ما خلقكم لشئ وخلق كل شئ لكم بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى { واصطنعتك لنفسى } معناه لا تكن لشئ غيرى فانى لست لشئ غيرك فبقدر ما تكون لى اكون لك كما قال عليه السلام « من كان لله كان الله له » وليس لشئ من الموجودات هذا الاستعداد اى ان يكون هو لله على التحقيق وان يكون الله له وفى هذا سر عظيم وافشاء سر الربوبية كفر فلا تشتغل بمالك عمن انت له فتبقى بلا هو { ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات } فيه اشارة الى ان وجود السموات والارض كان تبعا لوجود الانسان { وهو بكل شئ عليم } اى عالم بخلق كل شئ خلقه ولاى شئ خلقه فكل ذرة من مخلوقاته تسبح بحمد ذاته وصفاته وتشهد على احديته وصمديته وتقول ربنا ما خلت هذا باطلا سبحانك : قال المولى الجامى قدس سره . دوجهان جلوكاه وحدت تو ... شهد الله كواه وحدت ت

(1/106)

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

{ واذا } مفعول اذكر مقدرة اى اذكر لهم واخبر وقت { قال ربك } وتوجيه الامر بالذكر الى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات للمباغلة فى اجاب ذكرها لما ان ايجاب ذكر الوقت ايجاب الذكر ما وقع فيه بالطريق اللبرهانى ولان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفصيلها كانها مشاهدة عيانا { للملائكة } اللام للتبليغ وتقديم الجار والمجرور فى هذا الباب مطرد لما فى المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق الى ما اخر . والملائكة جمع ملك والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة وسموا بها فانهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله لان اصل ملك ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهى الرسالة . والملائكة عند اكثر المسلمين اجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة والدليل ان الرسل كانوا يرونهم كذلك . وروى فى شرح كثرتهم ان بنى آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا الى السماء السابعة ثم كل اولئك فى مقابلة الكرسى نزر قليل ثم جمع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التى عدددها ستمائة الف طول كل سرادق وعرضه وسمكه اذا قوبلت به السموات والارض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار شبر الا وفيه ملك ساجد او راكع او قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء فى مقابلة الذين يحومون حول العرش كالقطرة فى البحر ثم ملائكة اللوح الذين هم اشياع اسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام لا يحصى اجناسهم ولا مدة اعمارهم ولا كيفيات عباداتهم الا باريهم العليم الخبير على ما قال تعالى { وما يعلم جنود ربك الا هو } وروى انه صلى الله عليه وسلم حين عرج به الى السماء رأى ملائكة فى موضع بمنزلة شرف يمشى بعضهم تجاه بعض فسأل رسول الله جبريل عليهما السلام الى اين يذهبون فقال جبريل عليه السلم لا ادرى الا انى اراهم منذ خلقت ولا ارى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذ كم خلقت فقال لا ادرى غير ان الله تعالى يخلق فى كل اربعة آلاف سنة كوكبا وقد خلق منذ ما خلقنى اربعمائة الف كوكب فسبحانه من اله ما اعظم قدره وما اوسع ملكوته واراد بهم الملائكة الذين كانوا فى الارض وذلك ان الله خلق السماء والارض وخلق الملائكة والجن فاسكن الملائكة السماء واسكن الجن الارض والجن هم بنوا الجان والجان ابو الجن كآدم ابو البشر وخلق الله الجان من لهب من نار الدخان لها بين السماء والارض والصواعق تنزل منها ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم وذلك قبل آدم بستين الف سنة فعمروا دهرا طويلا فى الارض مقدار سبعة آلاف سنة ثم ظهر فيهم الحسد والبغى فافسدوا وقتلوا فبعث الله اليهم ملائكة سماء الدنيا وامر عليهم ابليس وكان اسمه عزازيل وكان اكثرهم علما فهبطوا الى الارض حتى هزموا الجن واخرجوهم من الارض الىجزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا الارض وصار امر العبادة عليهم اخف لان كل صنف من الملائكة يكون ارفع فى السموات يكون خوفهم اشد وملائكة السماء الدنيا يكون امرهم ايس من الذين فوقهم واعطى الله ابليس ملك الارض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان له جناحان من زمرد أخضر وكان يعبد الله تارة فى الارض وتارة فى السماء وتارة فى الجنة فدخله العجب فقال فى نفسه ما اعطانى الله هذا الملك الا لانى اكرم الملائكة عليه وايضا كل من اطمأن الى الدنيا امر بالتحول عنها فقال الله تعالى له ولجنوده { انى جاعل } اى صير { فى الارض } دون السماء لان التباغى والتظالم كان فى الارض { خليفة } وهو آدم عليه السلام لانه خلف الجن و .

(1/107)

واعلم ان الله تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم وهو القطب الذى لا يكون فى كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم عليه السلام والختام يكون بعيسى عليه السلام والحكمة فى الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقى امره بغيروا واسطة لان المفيض تعالى فى غاية التنزه والتقدس والمستفيض منغمس غالبا فى العلائق الدنيئة كالاكل والشرب وغيرهما والعوائق الطبيعية كالاوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذى جهتين اى ذى جهة التجرد وجه التعلق وهو الخليفة ايا كان ولذا يستنبئ الله ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه ألا يرى ان العظم لما عجز عنه اخذ الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من اللحم ويعطى العظم وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته اذ هم اقرب الى قبولهم منه وجعل المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب . وفائدة قوله تعالى { للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة } اربعة امور . الاول تعليم المشاورة فى امورهم قبل ان يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وان كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة : قال في المثنوى مشورت ادراك وهشيارى دهد ... عقلها مر عقل را يارى دهد كفت بيغمبر بكن اى رأى زن ... مشورت كه المستشار مؤتمن ويقال اعقل الرجال لا يستغنى عن مشاورة اولى الالباب وأفره الدواب لا يستغنى عن السوط واورع النساء لا تستغنى عن الزوج .

(1/108)

والثانى تعظيم شأن المجعول بان بشر بوجوده سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه . والثالث اظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وهو قوله { أتجعل } الخ وجوابه وهو قوله { انى اعلم ما لا تعلمون } الخ . والرابع بيان ان الحكمة تقتضى ما يغلب خيره فان ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير كقطع العضو الذي فيه آكلة شر قليل وسلامة جميع البدن خير كثير فلو لم يقطع ذلك العضو سرت تلك الآلفة الى جميع البدن وأدت الى الهلاك الذى هو شر كثير { قَالوا } استئناف كانه قيل فما ذا قالت الملائكة حينئذ فقيل قالوا { اتجعل فيها } اى الارض { من يفسد فيها } كما افسدت الجن وفائدة تكرار الظرف تأكيد الاستبعاد { ويسفك الدماء } اى يصبها ظلما كما يسفك بنو الجان والتعبير عن القتل بسفك الدماء لما انه اقبح انواع القتل قال بعض العارفين الملائكة الذين نازعوا فى آدم ليسوا من اهل الجبروت ولا من اهل الملكوت السماوية فانهم لغلبة النورية عليهم واحاطتهم بالمراتب يعرفون شرف الانسان الكامل ورتبته عند الله وان لم يعرفوا حقيقته كما هى بل نازعت ملائكة الارض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب وفى قوله تعالى { انى جاعل فى الارض خليفة } بتخصيص الارض بالذكر وان كان خليفة فى العالم كله فى الحقيقة هو ايماء ايضا بان ملائكة الارض هم الطاعنون اذا الظن لا يصدر الا ممن هو فى معرض ذلك المنصب واهل السموات مدبرات للعالم العلوى فما قالت الملائكة الارضية الا بمقضتى نشأتهم التى هم عليها من غبطة منصب الخلافة فى الارض والغيرة على منصب ملكهم وتعبدهم بما هم عليه من التسبيح والتقديس فكل اناء يترشح بما فيه واما الاعتراض على فعل الحكيم والنزاع فى صنعه عند حضرته فمعفو عنه لكمال حكمته واتقان صنعته : قال فى المثنوى . زانكه اين دمها اكر نالا يقست ... رحمت من بر غضب هم سابقست ازبى اظهار اين سبق اى ملك ... درتو بنهم داعيه اشكال وشك تابكويى ونكير م بر تومن ... منكر حلمم نيارد دم زدن صد بدر صد مادر اندر حلم ما ... هر نفس زايد درافتد درفنا حلم ايشان كف بحر حلم ماست ... كف رود آيد ولى دريا بجاست وفى الفتوحات ان هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم ولاجل هذا ابتلاهما الله تعالى باظهار الفساد وسفك الدماء فافهم سر قوله عليه السلام « دع الشماتة عن اخيك فيعافيه الله تعالى ويبتليك » وايضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء الملائكة التى ارسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز { ونحن } اى والحال انا { نسبح } اى ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين { بحمدك } على ما انعمت علينا من فنون النعم التى من جملتها توفيقنا لهذه العبادة فالتسبيح لاظهار صفات الجلال والحمد لتذكير صفات الانعام { ونقدس } تقديسا { لك } اى نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما لا يليق بك فاللام للبيان كما فى سقيا لك متعلقة بمصدر محذوف ويجوز ان تكون مزيدة اى نقدسك .

(1/109)

قال فى التيسير التسبيح نفى ما لا يليق به والتقديس اثبات ما يليق به . وقال الشيخ داود القيصرى قدس سره التسبيح اعم من التقديس لانه تنزيه الحق عن نقائص الامكان والحدوث والتقديس تنزيهه عنها وعن الكمالات اللازمة للاكوان لانها من حيث اضافتها الى الاكوان تخرج عن اطلاقها وتقع فى نقائص التقييد انتهى وكانه قيل أتستخلف من شأن ذريته الفساد مع وجود من ليس من شانه ذلك اصلا والمقصود عرض احقيتهم منهم بالخلافة والاستفسار عما رجح بنى آدم عليهم ما هو متوقع منهم من الفساد وكأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل { قال } الله { انى اعلم ما لا تعلمون } من الحكمة والمصلحة باستخلاف آدم عليه السلام وان من ذريته الطائع والعاصى فيظهر الفضل والعدل فلا تعترضوا على حكمى وتقديرى ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيرى فليس كل مخلوق يطلع على غيب الخالق ولا كل احد من الرعية يقف على سر الملك * وفى الآية تنبيه للسالك بان يتأدب بين يدى الحق تعالى وخلفائه والمشايخ والعلماء لئلا يظهر بالانانية واظهار العلم عندهم لانه سالك لطريق الفناء والفانى لا يكون كطاووس تعشق بنفسه واعجب بذاته بل لا يرى وجوده اصلا فقد وعظنا الله تعالى بزجر للملائكة بقوله { إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } : قال السعدى . نرود مرغ سوى دانه فرز ... جون دكرمرغ بيند اندربند بند كير ازمصائب ديكران ... تانكيرند ديكران زتوبند وفى التأويلات النجمية { واذ قال ربك للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة } انما قال جاعل وما قال خالق لمعنيين . احدهما ان الجاعلية اعم من الخالقية فان الجاعلية هى الخالقية وشئ آخر وهو ان يخلقه موصوفا بصفة الخلافة اذ ليس لكل احد هذا الاختصاص كما قال تعالى { يا داود انا جعلناك خليفة فى الارض } اى خلقناك مستعدا للخلافة فاعطيناكها . والثانى ان للجعلية اختصاصا بعالم الامور وهو للملوكت وهو ضد عالم الخلق لانه هو عالم الاجسام والمحسوسات كما قال تعالى { ألاله الخلق والامر } اى الملك والملكوت فانه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الامر ذكره بالجعلية لامتياز الامر عن الخلق كما قال تعالى { الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور } فالمسوات والارض لما كانتا من الاجسام المحسوسات ذكرهما بالخلقية والنور من الملكوتيات لقوله تعالى { الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور } فيفيد انها من الملكوتيات لا من المحسوسات واما الظلمات والنور التى من المحسوسات فانها داخلة فى السموات والارض فافهم جدا فكذلك لما اخبر الله تعالى عن آدم بما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية كما قال

(1/110)

{ انى خالق بشرا من طين } ولما اخبر عما يتعلق بروحانيته ذكره بالجعلية وقال { انى جاعل فى الارض خليفة } وفى انى جاعل اشارة اخرى وهو اظهار عزة آدم عليه السلام على الملائكة لينظروا اليه بنظر التعظيم ولا ينكروا عليه بما يظهر منه ومن اولاده من اوصاف البشرية فانه تعالى يقول ولذلك خلقهم وسماه خليفة وما شرف شيأ من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وانما سمى خليفة المعنيين . احدهما انه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات باسرها وذلك لان الله جمع فيه ما فى العوالم كلها من الروحانيات والجسمانية والسماويات والارضيات والدنيويات والاخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والملكوتيات فهو بالحقيقة خليفة كل واكرمه باختصاص كرامة ونخفت فيه من روحى وما اكرم بها احدا من العالمين واشار الى هذا المعنى بقوله تعالى { ولقد كرمنا بنى آدم } فلهذا الاختصاص ما صلح الموجودات كلها ان تكون خليفة لآدم ولا للحق تعالى . الثانى انه يخلف وينوب عن الله صورة ومعنى اما صورة فوجوده فى الظاهر يخلف عن وجود الحق فى الحقيقة لان وجود الانسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود البانى ويخلف وحدانية الانسان عن وحدانية الحق وذاته عن ذاته وصفاته عن صفاته فيخلف حياته عن حياته وقدرته عن قدرته وارادته وسمعه عن سمعه وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولا مكانية روحه عن لا مكانيته ولا جهتيه عن لا جهتيه فافهم ان شاء الله تعالى وليس لنوع من الملخوقات ان يخلف عنه كما يخلف آدم وان كان فيهم بعض هذه لانه لا يجتمع صفات الحق فى احد كما يجتمع فى الانسان ولا يتجلى صفة من صفاته لشئ كما يتجلى لمرآة قلب الانسان صفاته واما الحيوانات فانها وان كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجود موجدها واما الملائكة فانهم وان كانوا عالمين بوجود موجدهم ولكن لا يبلغ حد علمهم الى ان يعرفوا انفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته ولذا قالوا { سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا } وكان الانسان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع اسماء الله تعالى واما معنى فليس فى العالم مصباح يستضئ بنار نور الله فيظهر انوار صفاته فى الارض خلافة عنه الامصباح الانسان فانه مستعد لقبول فيض نور الله لانه اعطى مصباح السر فى زجاجة القلب والزجاجة فى مشكاة الجسد وفى زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضئ من صفات العقل ولو لم تمسسه نار النور وفى مصباح السر فتيلة الخفاء فاذا اراد الله ان يجعل فى الارض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الانسانى فيهدى لنوره فتيلة خفا من يشاء فيستتر مصباحه بنار نور الله فهو على نور من ربه فيكون خليفة الله فى ارضه فيظهر انوار صفاته فى ذها العالم بالعدل والاحسان والرأفة والرحمة لمستحقيها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقيها كما قال تعالى

(1/111)

« يا داود انا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله » وقال لحبيبه عليه السلام { بالمؤمنين رؤوف رحيم } وقال فى حقه وحق المؤمنين { محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم } ولم يظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك وناهيك بحال هاروت وماروت لما انكر على ذرية آدم من اتباع الهوى القتل والظلم والفساد وقالا لو كنا بدلا منهم خلفاء الارض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون فالله تعالى انزلهما الى الارض والبسهما لباس البشرية وامرهما ان يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنى وشر الخمر . قال قتادة فما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فثبت ان الانسان مخصوص بالخلافة وقبول فيضان نور الله فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لما افتتنا بهذه الاوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية كما كان الانبياء عليهم السلام معصومين من مثل هذه الآفات والاخلاق وان كانت لازمة لصفاتهم البشرية ولكن بنور التجلى تنور مصباح قلوبهم واستتار بنور قلوبهم جميع مشكاة جسدهم ظاهرا وباطنا واشرقت الارض بنور ربها فلم يبق لظلمات هذه الصفات مجال الظهور مع استعلاء النور فالاملائكة من بدو الامر لما نظروا الى الجسد آدم شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية فى ملكوت الجسد بالنظر الملكوتى الملكى ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } فقولهم هذا يدل على معان مختلفة . منها ان الله انطقهم بهذا القول ليتحقق لنا ان هذه الصفات الذميمة فى طينتنا مودعة وجبلتنا مركبة فلأنأ من من مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا تعتمد عليها ولا نبرئها كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام { وما ابرئ نفى ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربى } ومنها لنعلم ان كل عمل صالح نعمله هو بتوفيق الله ايانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم تعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصية طينتنا كما قال تعالى { فما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك } وكل فساد وظلم لا يجرى علينا ولا يصدر منافذ لك من حفظ الحق وعصمة الرب لقوله { الا ما رحم ربى } ومنها لنعلم ان الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته فى حقنا للملائكة المقربين { انى اعلم ما لا تعلمون } لكيلا نقنط من رحمته وننقطع عن خدمته .

(1/112)

ومنها لنعلم ان فساد الاستعداد امر عظيم وبناء جسيم ومبنى الخلافة على الاستعداد والقابلية وليس للملائكة هذا الاستعداد والقابلية فلا نتغافل عن هذه السعادة ونسعى فى طلبها حق السعاية . ومنها ان الملائكة انما قالوا { أتجعل فيها } الخ لانهم نظروا الى جسد آدم قبل نفخ الروح فشاهدوا بالنظر الملكى فى ملكوت جسده المخلوق من العناصر الاربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التى تتولد فى تركيب اضداد العناصر كما شاهدوها فى اجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها فانها خلقت قبل آدم فقاسوا عليها احواله بعد ان شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيبا فى حقهم وانما يكون غيبا لنا لانا ننظر بالحس والملكوت يكون لاهل الحس غيبا ومنا من ينظر بالنظر الملكوتى فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحانى كما قال تعالى { وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض } وقال { أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والارض } فحينئذ لا يكون غيبا فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الالهية لهم غيب وليس لهم الترقى الى تلك الحضرة وان فى الانسان صورة من عالم الشهادة والمحسوسة وروحا من عالم الغيب الملكوتى غير المحسوس وسرا مستعدا لقول فيض الانوار الالهية فبالتربية يترقى من عالم الشهادة الى عالم الغيب وهو الملكوت وبسر المتابعة وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت الى عالم الجبروت والعظموت وهو غيب الغيب ويشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة انوار الجمال والجلال فيكون فى خلافة الحق عالما للغيب والشهادة كما ان الله تعالى { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه } اى الغيب المخصوص به وهو غيب الغيب { احدا } يعنى من الملائكة { الا من ارتضى من رسول } يعنى من الانسان فهذا هو السر المكنون المركوز فى استعداد الانسان الذى كان الله يعلم منه والملائكة لا يعلمونه كما قال تعالى { انى اعلم ما لا تعلمون } * ومنها ان الملائكة لما نظروا الى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم ونظروا الى نتائج الصفات النفسانية استعظموا انفسهم واستصغروا آدم وذريته فقالوا { أتجعل فيها } يعنى فى الارض { خليفة } مع انه { يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } يعنى نحن لهذه الاوصاف احق بالخلافة منه كما قال بنو اسرائيل حين بعث الله لهم { طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } فاجابهم الله تعالى بان استحقاق الملك ليس بالمال انما هو بالاصطفاء والبسطة فى العلم والجسم فقال { ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء } فكذلك هنا اجابهم الله تعالى بقوله { انى اعلم ما لا تعلمون } اجمالا ثم فصله بقوله { ان الله اصطفى آدم } وبقوله و { وعلم آدم الاسماء كلها } وبقوله { ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى } ليعلموا ان استعداد ملك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعات ةلكنه مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فلما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من الله تعالى على آدم بعلم الاسماء ليعلموا انهم ولو كانوا اهل الطاعة والخدمة فانه اهل العقل والمنة واين اهل الخدمة من اهل المنة فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا ان الحق تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجودا لهم ليعلموا ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفى قوله { انى اعلم ما لا تعلمون } اشارة اخرى الى انه كما يدل عى ان لآدم فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك له رذائل واوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة لانهم لا يعلمون منه اوصافا مذمومة هى من نتائج قالبه مشتركة مع الحيوانات مودعة فى ملكوته غير اوصاف مذومة تكون من نتائج النفس الامارة عند تتتابع نظر الروح الى النفس حالة عدم استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والحسد واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات فيه انتهى ما فى التأويلات { وعلم آدم الاسماء كلها } وبقوله

(1/113)

{ ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى } ليعلموا ان استعداد ملك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعات ولكنهمالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فلما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من الله تعالى على آدم بعلم الاسماء ليعلموا انهم ولو كانوا اهل الطاعة والخدمة فانه اهل العقل والمنة واين اهل الخدمة من اهل المنة فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا ان الحق تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجودا لهم ليعلموا ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفى قوله { انى اعلم ما لا تعلمون } اشارة اخرى الى انه كما يدل على ان لآدم فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك له رذائيل واوصاف مذومة لا يعلمها الملائكة لانهم لا يعلمون منه اوصافا مذومة هى من نتائج قالبه مشتركة مع الحيوانات مودعة فى ملكوته غير اوصاف مذومة تكون من نتائج النفس الامارة عند تتابع نظر الروح الى النفس حالة عدم استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والحسد واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك ما لا يشاركه الحيوانات فيه انتهى ما فى التأويلات { وعلم آدم الاسماء كلها } قال وهب بن منبه لما اراد الله ان يخلق آدم اوحى الى الارض اى افهمها وألهمها انى جاعل منك خليفة فمنهم من يطيعنى فادخله الجنة ومنهم من يعصينى فادخله النار فقالت الارض منى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة وبعث اليها جبريل عليه السلام ليأتيه بقبضة من زواياها الاربع من اسودها وابيضها واحمرها واطيبها واخبثها وسهلها وصعبها وجبلها فلما اتاها جبريل ليقبض منها قالت الارض بالله الذى ارسلك لا تأخذ منى شيأ فان منافع التقرب الى السلطان كثيرة ولكن فيه خطر عظيم كما قيل .

(1/114)

بدريا در منافع بيشمارست ... اكرخواهى سلامت دركنارست فرجع جبريل عليه السلام الى مكانه ولم يأخذ منها شيأ فقال يا رب حلفتنى الارض باسمك العظيم فكرهت ان اقدم عليها فارسل الله ميكائيل عليه السلام فلما انتهى اليها قالت الارض له كما قالت لجريل فرجع ميكائيل فقال كما قال جبريل فارسل الله اسرافيل عليه السلام وجاء ولم يأخذ منها شيأ وقال مثل ما قال جبريل وميكائيل فارسل الله ملك الموت فلما انتهى قالت الارض اعوذ بعزة الله الذى ارسلك ان تقبض منى اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا فقال ملك الموت وانا اعوذ بعزته ان اعصى له امرا فقبض قبضة من وجه الارض مقدار اربعين ذراعا من زواياها الاربع فلذلك يأتى بنوه اخيافا اى مختلفين على حسب اختلاف ألوان الارض واوصافها فمنهم الابيض والاسود والاحمر واللبن والغليظ فصار كل ذرة من تلك القبضة اصل بدن للانسان فاذا مات يدفن فى الموضع الذى اخذت منه ثم صعد الى السماء فقال الله له أما رحمت الارض حين تضرعت اليك فقال رأيت امرك اوجب من قولها فقال انت تصلح لقبض ارواح ولذة . قال فى روضة العلماء فشكت الارض الى الله تعالى وقالت يا رب نقص منى قال الله على ان ارد اليك احسن واطيب مما كان فمن ثمه يحنط الميت بالمسك والغالية انتهى . فامر الله تعالى عزرائيل فوضع ما اخذ من الارض فى وادى نعمان بين مكة والطائف بعدما جعل نصف تلك القبضة فى النار ونصفها فى الجنة فتركها الى ما شاء الله ثم اخرجها ثم امطر عليها من سحاب الكرم فجعلها طينا لازبا وصور منه جسد آدم . واختلفوا فى خلقة آدم عليه السلام فقيل خلق فى سماء الدنيا وقيل فى جنة من جنات الارض بغر بيتها كالجنة التى يخرج منها النيل وغيره من الانهار واكثر المفسرين انه خلق فى جنة عدن ومنها اخرج كما فى كشف الكنوز وفى الحديث القدسى « خمرت طينة آدم بيدى اربعين صباحا » يعنى اربعين يوما كل يوم منه الف عام من اعوام الدنيا فتركه اربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا وهو الطين المصوت من غاية يبسه كالفخار فامطرعليه مطر الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم امطر عليه مطر السرور سنة واحدة فلذلك كثرت الهموم فى بنى آدم ولكن يصير عاقبتها الى الفرح كما قيل ان لكل بداية نهاءة وان مع العسر يسرا .

(1/115)

ان مع العسر جو يسرش قفاست ... شاد برانم كه كلام خداست وكانت الملائكة يمرون عليه ويتعجبون من حسن صورته وطول قامته لان طوله كان خمسمائة ذراع الله اعلم بأى ذراع وكان رأسه يمس السماء ولم كونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها فمر به ابليس فرآه ثم قال لامر ما خلقت ثم ضربه بيده فاذا هو اجوف فدخل فيه وخرج من دبره وقال لاصحابه الذي معه من الملائكة هذا خلق اجوف لا يثبت ولا يتماسك ثم قال لهم ارأيتم ان فضل هذا عليكم ما انتهم فاعلون قالوا نطيع ربنا فقال ابليس فى نفسه والله لا اطيعه ان فضل على ولئن فضلت عليه لأهلكنه . عاقبت كرك زاده كرك شنود ... وجمع بزاقه فى فمه وألقاه عليه فوقع بزاق الِلعين على موضع سرة آدم عليه السلام فامر الله جبريل فقور بزاق اللعين من بطن آدم فخفرة السرة من ثقوير جبريل وخلق الله من تلك القوارة كلبا ولكلب ثلاث خصال فانسه بآدم لكونه من طينه وطول سهره فى الليالى من أثر مس جبريل عليه السلام وعضه الانسان وغيره وأذاه من غير خيانة من اثر بزاق اللعين وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة وسمى بآدم لكونه من أديم الارض لانه مؤلف من أنواع ترابها ولما أراد الله ان ينفخ فيه الروح امره ان يدخل فيه فقال الروح موضع بعيد القعر مظلم المدخل فقال له ثانيا ادخل فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال ادخلن كرها اى بلا رضى واخرج كرها ولذا لا يخرج الروح من البدن الا كرها فلما نفخه فيه مار فى رأس آدم وجبينه واذنيه ولسانه ثم مار فى جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك الله ولذا خلقتك يا آدم فلما انتهى الى ركبيته اراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثبت فقال تعالى وخلق الانسان عجولا فصار بشر لحما ودما وعظاما وعصبا واحشاء ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده فى كل يوم وهو فى ذلك منتطق متوج وجعل فى جسده تسعة ابواب سبعة فى رأسه اذنين يسمع بهما وعينين يبصر بهما ومنخرين يجد بهما كل رائحة وفما فيه لسان يتكلم به وحنك يجد به طعم كل شئ وبابين فى جسده وهما قبله ودبره يخرج منهما ثقل طعامه وشرابه وجعل عقله فى دماغه وشرهه فى كليتيه وغضبه فى كبده وشجاعته فى قلبه ورغبته فى رئته وضحكه فى طحاله وفرحه وحزنه فى وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم فلما سواه ونفخ فيه من روحه علمه اسماء الاشياء كلها اى ألهمه فوقع فى قلبه فجرى على لسانه فما فى قلبه بتسمية الاشياء من عنده فعلمه جميع اسماء المسميات بكل اللغات بان اراد الاجناس التى خلقها وعلمه ان هذه اسمه فرص وهذا اسمه بعز وهذا اسمه كذا وعلمه احوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية وعلمه اسماء الملائكة واسماء ذريته كلهم واسماء الحيوانات والجمادات وصنعه كل شئ واماء المدن والقرى واسماء الطير والشجر وما يكون وكل نسمة يخلقها الى يوم القيامة واسماء المطعومات والمشروبات وكل نعيم فى الجنة واسماء كل شئ حتى القصعة والقصيعة وحتى الجنة والمحلب .

(1/116)

قال فى كشف الكنوز انفق جم غفير من اهل العلم على ان الاسماء كلها توقيفية من الله تعالى بمعنى ان الله تعالى خلق لآدم علما ضروريا بمعرفة الالفاظ والمعانى وان هذه الاللاظ موضوعة لتلك المعنى . وفى الخبر لما خلق الله آدم بث فيه اسرار بالاحرف ولم يبث فى احد من الملائكة فخرجت الاحرف على لسان آدم بفنون اللغات فجعلها الله صورا له ومثلت له بانواع الاشكال . وفى الخبرعلمه سبعمائة الف لغة فلما وقع فى اكل الشجرة سلب اللغات الا العربية فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات فكان من معجزاته تكلمه بجميع اللغات المختلفة التى يتكلم بها اولاده الى يوم القيامة من العربية والفارسية والرومية والسريانية واليونانية والعبرانية والزنجية وغيرها . قال بعض المفسرين علم الله آدم آألف حرفة من المكاسب ثم قال قل لاولادك ان اردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين واحكام الشرائع وكان آدم حرائثا اى زرعا ونوح نجارا وادريس خياطا وصالح تاجرا وداود زرادا وسليمان كان يعمل الزنبيل فى سلطنته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة وكان اكثر عمله صلى الله تعالى عليه وسلم فى البيت الخياطة . وفى الحديث « عمل الابرار من الرجال الخياطة وعمل الابرار من النساء الغزل » كذا فى روضة الاخيار . وقال العلماء الاسماء فى قوله تعالى { وعلم آدم الاسماء } تقتضى الاستغراق واقتران قوله كلها يوجب الشمول فكما علمه اسماء المخلوقات علمه اسماء الحق تعالى فاذا كان تخصيصه بمعرفة اسماء المخلوقات يقتضى ان يصح سجود الملائكة له فما الظن بتخصيصه بمعرفة اسماء الحق وما الذى يوجب له { ثم عرضهم على الملائكة } اى عرضها اى المسميات وانما ذكر الضمير لان فى المسميات العقلاء فغلبهم والعرض اظهار الشئ للغير ليعرف العارض منه حاله . وفى الحديث « انه عرضهم امثال الذر » ولعله عز وجل عرض عليهم من افراد كل نوع ما يصلح ان يكون انموذجا يتعرف منه احوال البقية واحكامها والحكمة فى التعليم والعرض تشريف آدم واصطفاؤه واظهاره الاسرار والعلوم المكنونة فى غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده وهو المعلم المكرم آدم الصفى كيلا يحتج الملك وغيره بعلمه ومعرفته وذلك رحمة الله التى وسعت كل شئ { فقال } الله عز وجل تبكيتا وتعجيزا للملائكة وخطاب التعجيز جائز وهو الامر باتيان الشئ ولم يكن اتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب وان كان ذيب محالا كالامر باحياء الصورة التى يفعلها المصورون يوم القيامة ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم ولا ينفعهم الندم { انبئونى } اى اخبرونى { باسماء هؤلاء } الموجودات { ان كنتم صادقين } فى زعمكم انكم احقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم .

(1/117)

ويقال هذه الآية دليل عى ان اولى الاشياء بعد علم التوحيد تعلم علم اللغة لانه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغ . ودلت ايضا ان المدعى يطالب بالحجة فان الملائكة ادعوا الفضل فطولبوا بالبرهان وبحثوا عن الغيب فقرعوا بالعيان اى لا تعلمون اسماء ما تعاينون فكيف تتكلمون فى فساد من لا تعاينون فيا ارباب الدعاوى اين المعانى ويا ارباب المعرفة اين المحبة ويا ارباب المحبة اين الطاعة . قال ابو بكر الواسطى من المحال ان يعرفه العبد ثم لا يحبه ومن المحال ان يحبه ثم لا يذكره ومن المحال ان يذكره ثم لا يجد حلاوة ذكره ومن المحال ان يجد حلاوة ذكره ثم يشتغل بغيره .

(1/118)

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

{ قالوا } استئناف واقع موقع الجواب كانه قيل فماذا قالوا حينئذ هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه اولا فقيل قالوا { سبحانك } اى نسبحك عما لا يليق بشأنك الاقدس من الامور التى من جملتها خلو افعالك من الحكم والمصالح وهى كلمة تقدم على التوبة قال موسى عليه السلام { سبحانك تبت اليك } وقال يونس { سبحانك انى كنت من الظالمين } وسبحان اسم واقع موضع المصدر لا يكاد يستعمل الا مضافا فاذا افرد عن الاضافة كان اسما علما للتسبيح لا ينصرف للتعريف والالف والنون فى آخره { لا علم لنا الا ما علمتنا } اعتراف منهم بالعجز عما كلفوه واشعار بان سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا اذ معناه لا علم لنا الا ما علمتنا بحسب قابليتنا من العلوم المناسب لعالمنا ولا قدرة لنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادنا حتى لو كنا مستعدين لذلك لأفضته علينا وما مصدرية اى الا علما علمتناه ومحله رفع بدل من موضع لاعلم كقولك لا اله الا الله { انك انت } ضمير فضل لا محل له من الاعراب { العليم } الذى لا يخفى عليه خافية وهذه اشارة الى تحقيقهم لقوله تعالى { انى اعلم ما لا تعلمون } { الحكيم } المحكم لمبتدعاته والذى لا يفعل الا ما فيه حكمة بالغة . وافادت الآية ان العبد ينبغى له ان لا يغفل عن نقصانه وعن فضل الله واحسانه ولا يأنف ان يقول لا اعلم فيما لا يعلم ولا يكتم فيما يعلم . وقالوا لا ادرى نصف العلم وسئل ابو يوسف القاضى عن مسئلة فقال لا ادرى فقالوا له ترتزق من بيت المال كل يوم كذا كذا ثم تقول لا ادرى فقال انما ارتزق بقدر علمى ولو اعطيت بقدر جهلى لم يسعنى مال الدنيا - وحكى - ان عالما سئل عن مسئلة وهو فوق المنبر فقال لا ادرى فقيل له ليس المنبر موضع الجهال فقال انما علوت بقدر علمى ولو علوت بقدر جهلى لبلغت السماء .

(1/119)

قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

{ قَال } استئناف ايضا { يا آدم انبئهم } اى أعلمهم { باسمآئهم } التى عجزوا عن علمها واعترفوا بتقاصير هممهم عن بلوغ مرتبتها { لما انبئهم بأسمائهم } روى انه رفع على منبر وامر ان ينبئ الملائكة بالاسماء فلما انبأهم بها وهم جلوس بين يديه وذكر منفعة كل شئ { قَال } اله تعالى { الم اقل لكم انى اعلم غيب السموات والارض } والاستفهام للتقري اى قد قلت لكم انى اعلم ما غاب فيهما ولا دليل عليه ولا طريق اليه { واعلم ما تبدون } تظهرون من قولكم { اتجعل فيها من يفسد فيها } الآية { وما كنتم تكتمون } تسرون من قولكم لن يخلق الله خلقا اكرم عليه منا وهو استحضار لقوله تعالى { انى اعلم ما لا تعلمون } لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه فانه تعالى كما علم ما خفى عليهم من امور السموات والارض وما ظهر لهم من احوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون . وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الاولى من السؤال وهو ان يتوقفوا مترصدين لان يبين لهم وهذه الآيات تدل على شرف الانسان ومزية العلم وفضله على العبادة لان الملائكة اكثر عبادة من آدم ومع ذلك لم يستحقوا الخلافة وتدل على ان العلم شرط فى الخلافة بل العمدة فيها وان آدم افضل من هؤلاء الملائكة لانه اعلم منهم والاعلم افضل لقوله تعالى { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } فالعلم اشرف جوهرا ولكن لا بد للعبادة مع العلم فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة فالشرف للشجرة وهو الاصل لكن الانتفاع بثمرتها . وفى حديث ابى ذر رضى الله عنه « حضور مجلس علم افضل من صلاة ألف ركعة وعياد ألف مريض وشهود ألف جنازة » فقيل يا رسول الله أو من قراءة القرآن قال « وهل ينفع القرآن الا بالعلم » قال فى المثنى خاتم ملك سليمانست علم ... جمله عالم صورت وجانست علم وفى الحديث « النظر الى وجه الوالد عبادة والنظر الى الكعبة المكرمة عبادة ولنظر فى المصحف عبادة والنظر فى وجه العالم عبادة من زار عالما فكانما زارانى ومن صافح عالما فكانما صافحنى ومن جالس عالمافكانما جالسنى ومن جالسنى فى الدنيا اجلسه الله معى يوم القيامة » وفى الحديث « اراد ان ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فوالذى نفس محمد بيده ما من متعلم يختلف اى يذهب ويجئ الى باب العالم الا يكتب الله له بكل قدم عبادة سنة ويبنى بكل قدم مدينة فى الجنة ويمشى على الارض والارض تستغفر له ويسمى ويصبح مغفور له » وفى التأويلات النجمية { وعلم آدم الاسماء كلها } الاسماء على ثلاثة اقسام . قسم مناه اسماء الروحانيات والملكوتيات وهى مقام الملائكة ومرتبتهم فلهم علم ببعضها واستعدادا ايضا لان ينبوأ بما لا علم لهم به فان الحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا .

(1/120)

والسم الثانى منها اسماء الجسمانيات وهى مرتبة دون مرتبتهم فيمكن انباؤهم لان الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة الينا فانها مرتبة دون مرتبة الانسان فيمكن للانسان الابناء باحوالها . والقسم الثالث منها الآلهيات وهى مرتبة فوق مرتبة الملائكة كما قال تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } فلا يمكن للانسان ان ينبئهم بها ولا يمكن لهم الانباء فوق ما علمهم الله منها لانها غيب وليس لهم الترقى الى عالم الغيب وهو عالم الجبروت وهم اهل الملكوت ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه كما قال جبريل عند سدرة المنتهى « لو دنوت انملة لاحترقت » وانما كأن آدم مخصوصا بعلم الاسماء لانه خلاصة العالم وكان روجه بذر شجرة العالم وشخصه ثمرة شجرة العالم ولهذا خلق شخصه بعد تمام ما فيه كخلق الثمرة بعدم تمام الشجرة كما ان الثمرة تغبر على اجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على اعلى الشجرة كذلك آدم عبر على اجزاء شجرة الموجودات علوها وسفلها وكان فى كل جزء من اجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة فسمى كل شئ منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة بعلم علمه الله تعالى وهذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم والملائكة لا يعلمون وكان من كمال حال آدم أن اسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته فضلا عن اسماء غيره وذلك انه لما كان مخلوقا كان الله خالقا ولما كان مرزوقا كان الله رازقا ولما كان عبدا كان تائبا كان الله توابا ولما كان منتفعا كان الله نافعا ولما كان متضررا كان الله ضارا ولما كان ظالما كان الله عدلا ولما كان مظلوما كان الله منتقما فعلى هذا قس الباقى .

(1/121)

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

{ واذ قلنا } اى اذكر يا محمد وقت قولنا { للملائكة } اى لجميعهم لقوله تعالى { فسجد الملائكة كلهم اجمعو } { اسجدوا لآدم } اى خروا له والسجود فى الاصل تذلل مع تطامن وفى الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة والمأمور به اما المعنى الشرعى فالمسجود له فى الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه واما معنى اللغوى وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما كسجود اخوة يوسف له « لا ينبغى لمخلوق ان يسجد لاحد الا الله تعالى ولو امرت احدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها » فتحية هذه الامة هى السلام لكن يكره الانحناء لانه يشبه فعل اليهود كما فى الدرر وكان هذا القول الكريم بعد انبائهم بالاسماء قيل لما خلق آدم اشكل عليهم ان آدم اعلم ام هم فلما سألهم عن الاسماء فلم يعرفوا وسأل آدم فاخبر بها ظهر لهم ان آدم اعلم منهم ثم اشكل عليهم انه افضل ام هم فلما امرهم بالسجود ظهر لهم فضله ومن لطف الله تعالى بنا ان امر الملائكة بالسجود لا بينا ونهانا عن السجود لغيره فقال { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدو لله الذى خلقهن } نقل الملائكة المقربين الى آدم وسجدته ونقلنا الى سجدته وخدمته وفى التأويلات النجمية فى قوله { اسجدوا } ثلاثة معان . احدها انكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية فاسجدوا لآدم خلافا للطبيعة بل اعبدوا وارقوا انقيادا للامر وامتثالا للحكم . والثانى اسجدوا لآدم تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به وذلك لان الله تعالى يتجلى فيه فمن سجد له فقد سجد لله كما قال تعالىفى حق حبيبه عليه السلام { ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله } والثالث اسجدوا لآدم اى لاجل آدم وذلك لان طاعتهم وعبادتهم ليست بموجبة لثوابهم وترقى درجاتهم وفائدتها راجعة الى الانسان لمعنيين . احدهما ان الانسان يقتدى بهم فى الطاعة ويتأدب بآدابهم فى امتثال الاوامر وينزجر عن الاباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بابليس ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة فى امتثال الامر لقوله تعالى { لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون } والثانى ان الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الانسان جعل همة الملائكة فى الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للانسان كما قال تعالى { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الارض } فلذلك امرهم بالسجود لاجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا } اى سجد الملائكة لانهم خلقوا من نور كما قال عليه السلام { خلقت الملائكة من نور } والنور من شانه الانقياد والطاعة واول من سجد جبرائيل فاكرم بانزال الوحى على النبيين وخصوصا على سيد المرسلين ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم سائر الملائكة وقيل اول من سجد اسرافيل فرفع رأسه وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه الى الائتمار .

(1/122)

والفاء فى قوله فسجدوا لافادة مسارعتهم الى الامتثال وعدم تلعثمهم فى ذلك { الا ابليس } اى ما سجد لانه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا وللعلماء فى هذا الاستثناء قولان . الاول انه استثناء متصل لان ابليس كان جنيا واحدا بين وللعلماء فى هذا الاستثناء قولان . الاول انه استثناء متصل لان ابليس كان جنيا واحدا بين اظهر الالوف من الملائكة مغمورا بهم تصفا بصفاتهم فغلبوا عليه فى قوله فسجدوا فم استثنى منهم استثناء واحد منهم واكثر المفسرين على ان ابليس من الملائكة لان خطاب السجود كان مع الملائكة قال البغوى وهو الاصح . قال فى التيسير اما وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون فذلك دليل تصور العصيان منهم ولولا التصور لما مدحوا به لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة تصور العصيان فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر : قال فى المثنوى . امتحان مى كرد شان زير وزبر ... كى بود سرمست را زاينها خبر والقول الثانى انه منقطع لانه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص قال تعالى { كان من الجن ففسق عن امر ربه } وعن الحافظ ان الجن والملائكة جنس واحد فمن طهر منهم فهو ملك ومن خبث فهو شيطان ومن كان بين بين فهو جن { ابى } اى امتنع عما امره به من السجود والاباء امتناع باختيار { واستكبر } اى تعظيم واظهر كبره ولم يتخذه وصلة فى عبادة ربه او تعظيمه وتلقيه بالتحية والتكبر ان يرى الرجل نفسه اكبر من غيره والاستكبار طلب ذلك بالتشبع اى بالتزين بالباطل وبما ليس له وتقديم الاباء على الاستكبار مع كونه مسببا عنه لظهوره ووضوح اثره : قال المثنوى اين تكبر جيست غفلت ازلباب ... منجمد جون غفلت يخ ز آفتاب جون خبر شد ز آفتابش يخ نماند ... نرم كشت وكرم كشت وتيز راند قالوا لما سجد الملائكة امتنع ابليس ولم يتوجه الى آدم بل ولاه ظهره وانتصب هكذا الى ان سجدوا وبقوا فى السجود مائة سنة وقيل خمسمائة سنة ورفعوا رؤوسهم وهو قائم معرض لم يندم من الامتناع ولم يعزم على الاتباع فلما رأوه عدل ولم يسجدوهم وفقوا للسجود سجدوا لله تعالى ثانيا فصار لهم سجدتان سجدة لآدم وسجدة لله تعالى وابليس يرى ما فعلوه وهذا اباؤه فغير الله تعالى صفته وحالته وصورته وهيئته ونعمته فصار اقبح من كل قبيح قال اله تعالى { ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم } قال بعضهم جعل ممسوخا على مثال جسد الخنازير ووجهه كالقردة وللشيطان نسل وذرية والممسوخ وان كان لا يكون له نسل لكن لما سأل النظرة والنظر صار له نسل .

(1/123)

وفى الخبر قيل له من قبل الحق اسجد لقبر آدم أقبل توبتك واغفر معصيتك فقال ما سجدت لقالبه وجئته فكيف اسجد لقبره وميتته . فى الخبر ان الله تعالى يخرجه على رأس مائة الف سنة من النار ويخرج آدم من الجنة ويأمره بالسجود لآدم فيأبى ثم يرد الى النار { وكان من الكافرين } اى فى علم الله تعالى او صار منهم باستقباحه امر الله اياه بالسجود لآدم اعتقادا بانه افضل منه والافضل لا يحسن ان يؤمر بالتخضع للمفضول والتوصل به كما اشعر به قوله { انا خير منه } جوابا لقوله تعالى { ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى استكبرت ام كنت من العالمين } لا بترك الواجب وحده ومذهب اهل السنة ان الشقى قد يسعد والسعيد قد يشقى فالكافر اذا اسلم كان كافرا الى وقت اسلامه وانما صار مسلما باسلامه الا انه غفر له ما سلف والمسلم اذا كفر والعياذ بالله كان مسلما الى ذلك الوقت الا انه حبط عمله ثم انما قال من الكافرين ولم يكن حينئذ كافر غيره لانه كان فى علم الله ان يكن بعده كفار فذكر انه كان من الكافرين اى من الذين يكفرون بعده وهذا كما فى قوله { فتكونا من الظالمين } ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وانه قد يفضى بصاحبه الى الكفر والحث على الائتمار لامره وترك الخوض فى سره وان الامر للوجوب وان الذى علم الله من حاله انه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة اذا لعبرة باخواتم وان كان بحكم الحال مؤمنا وهى مسئلة الموافاة اى اعتبار تمام العمر الذى هو وقت الوفاة فاذا كان العبرة باخاتمة فليسارع العبد الى الطاعات فكل ميسر لما خلق له خصوصا فى آخر السنة وخاتمتها كى يختم له الدفتر بالعمل الصالح . قالت رابعة العدوية لسفيان الثورى رحمهما الله انما انت ايام معدودة فاذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك اذا ذهب البعض ان يذهب الكل وانت تعلم فاعمل واعتبر ولا تقل ذهب لى درهم ودينار وسقط لى مال وجاه بل قل ذهب يومى ماذا عملت فيه فان باليوم ينقضى العمر . واحتضر عابد فقال ما تأسفى على دار الاحزان وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى . وعن العلاء بن ذياد قال ليس يوم يأتى من ايام الدنيا الا يتكلم ويقول ايها الناس انى يوم جديد وانا على ما يعمل فى شهيد وانى لو غربت شمسى لم ارجع اليكم الى يوم القيامة . قيل يا رسول الله من خير الناس قال { من طال عمره وحسن عمله } قيل قاى الناس شر قال

(1/124)

« من طال عمره وساء عمله وخيف شره ولم يرج خيره » قال الحسن لجلسائه يا معشر الشيوخ ما ينتظر بالزرع اذا بلغ قالوا الحصاد قال يا معشر الشباب فان الزرع قد تدركه الآفة قبل ان يبلغ وانشد بعضهم ألا مهد لنفسك قبل موت ... فان الشيب تمهيد الحمام وقد جد الرحيل فكن مجدا ... لحط الرحل فى دار المقام وعن الحسن قال ابنآدم لا تحمل هم سنة على يوم كفى يومك بما فيه فان تكن السنة من عمرك بأنك الله فيها برزقك والاتكن من عمرك فاراك تطلب ما ليس لك . وعن ابى الدرداء رضى الله عنه قال ما طلعت شمس الا وبجنبتيها ملكان يناديان وانهما ليسمعان من على ظهر الارض غير الثقلين يا ايها الناس هلموا الى ربكم ان ما قل وكفى خير ما كثر وألهى وما غربت . شمس قط الاوبجنبتيها ملكان يناديان وانهما ليسمعان من على ظهر الارض غير الثقلين اللهم عجل المنفق خلفا وعجل لممسك تلفا : قال فى المثنوى نان دهى ازبهر حق نانت دهند ... جان دهى ازبهر حق جانت دهند

(1/125)

وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

{ وقلنا اسكن انت } قال القرطبى فى تفسيره لاخلاف ان الله تعالى اخرج ابليس عند كفره وابعده عن الجنة وبعد اخراجه قال يا آدم اسكن اى لازم الاقامة واتخذها مسكنا وهو محل السكون وليس المراد به ضد الحركة بل اللبث والاستقرار { وزوجك } حواء يقال للمرأة الزوج والزوجة والزوج افصح كما فى تفسير ابى الليث وانما لم يخاطبهما او لا تنبيها على انه المقصود بالحكم والمعطوف عيله تبع له { الجنة } هى دار الثواب باجماع المفسرين خلافا لبعض المعتزلة والقدرية حيث قالوا المراد بالجنة بستان كان فى ارض فلسطين او بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحانا لآدم واولوا الهبوط بالانتقال منه الى ارض الهند كما فى قوله تعالى { اهبطوا مصرا } وفيه نظر لان الهبوط قد يستعار للانتقال اذا ظهر امتناع حقيقته واستبعادها وهناك ليس كذلك . واختلفوا فى خلقة حواء هل كانت قبل دخول الجنة أو بعده ويدل على الاول ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه بعض الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من الذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ والزمرد وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى ادخلوهما الجنة ويدل على الثانى ملاوى عن ابن مسعود رضى الله عنه انه لما خلق الله الجنة واسكن فيها آدم بقى فيها وحده فألقى الله عليه النوم ثم اخذ ضلعا من اضلاعه من الجانب الايسر ووضع مكانه لحما فخلق منه حواء ومن الناس من قال لا يجوز ان يقال خلقت حواء من ضلع آدم لانه يكون نقصانا منه ولا يجوز القول بنقص الانبياء قلنا هذا نقص منه صورة تكميل له معنى لانه جعلها سكنه وازال بها وحشته وحزنه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة فسألها من انت فقالت انى امرأة فقال ولم خلقت قالت لتسكن الى واسكن اليك فقالت الملائكة يا آدم ما اسمها قال حواء قالوا ولم قال لانها خلقت من حى اولانها اصل كل حى اولانها كانت فى ذقنها حوة اى حمرة مائلة الى السواد وقيل فى شفتها وسميت مرأة لأنها خلقت من المرء كما ان آدم سمى بآدم لانه خلق من اديم الارض وعاشت بعد آدم سبع سنين وسبعة اشهر وعمرها تسعمائة سنة وسبع وتسعون سنة . واعلم ان الله تعالى خلق واحدا من اب دون اموهو حواء وآخر من ام دون اب وهو عيسى وآخر من اب وام اى اولاد آدم وآخر من غير اب وام اى آدم فسبحان من اظهرَ من عجائب صنعه ما يتحير فيه العقول . ثم اعلم ان الله تعالى خلق حواء لامر تقتضيه الحكمة ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه وليبقى الذرية على ممر الازمان والايام الى ساعة القيام فان بقاءها سبب لبعثة الانبياء وتشريع الشرائع والاحكام ونتيجة لامر معرفة الله فان الله تعالى خلق الخلق لاجلها .

(1/126)

وفى الزوجية منافع كثيرة دينية ودنيوية واخروية ولم يذكر الله تعالى فى كتابه من الانبياء الا المتزوجين وقالوا ان يحيى عليه السلام قد تزوج لنيل الفضل واقامة السنة ولكن لم يجامع لكون ذلك عزيمة فى تلك الشريعة ولذلك مدحه الله بكونه حصورا . وفى الاشباه ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم الى الآن ثم تلك العبادة لا تستمر فى الجنة الا الايمان والنكاح . قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعدة وركعة من المتأهل افضل من سبعين ركعة من عزب هذا كله لكون التزوج سببا لبقاء النسل وحفظا من الزنى والتغريب فى النكاح يجرى الى ما يجاوز المائة الاولى من الالف الثانى كما قال عليه السلام « اذا اتى على امتى مائة وثمانون سنة بعد الالف فقد حلت العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال » وذلك لان الخلق فى المائتين اهل الحرب والقتل فتربية جرو حينئذ خير من تربية ولد وان تلد المرأة حية خير من ان تلد الولد : كما قال السعدى . زنان بار دار اى مرد هشيار ... اكر وقت ولادت مار زايند ازان بهتر بنزديك خردمند ... كه فرزندان ناهموار زايند { وكلا منها } اى من ثمار الجنة وجه الخطاب اليهما ايذانا بتساويهما فى مباشرة المأمور به فان حواء اسوة له فى الاكل بخلاف السكنى فانها تابعة له فيها ثم معنى الامر بهذا والشغل به مع انه اختصه واصطفاه للخلافة ابداه انه مخلوق والذى يليق بالخلق هو السكون بالخلق والقيام باستجلاب الحظ { رغدا } اى اكلا واسعار افها بلا تقدير وتقتير من حيث شئتما أى مكان من الجنة شئتما وسع الامر عليما ازاحة للعلة ولعذر فى التناول من الشجرة المنهى عنها من بين اشجارها الفائتة للحصر { ولا تقربا } بالاكل ولو كان النهى عن الدنو لضمت الراء { هذه الشجرة } الشجرة نصب على انه بدل من اسم الاشارة او نعت له بتأويلها بمشتق اى هذه الحاضرة من الشجر اى لا تأكلا منها وانما علق النهى بالقربان منها مبالغة فى تحريم الاكل ووجوب الاجتناب عنه والمراد بها البر والسنبلة وهو الاشهر والاجمع والانسب عند الصوفية لان النوع الانسانى ظهر فى درو السنبلة وعليها من كل لون وحمرها احلى من العسل وألين من الزبد واشد بياضا من الثلج كل حبة من حنطتها مثل كلية البقرة وقد جعلها الله رزق اولاده فى الدنيا ولذلك قيل تناول سنبلة فابتلى بحرث السنبلة او المراد الكروم ولذلك حرت علينا او التين ولهذا ابتلاه الحق بلباس ورقها كما ابتلاه بثمرها وهو البلاء الحسن وقيل غير ذلك والاولى عدم تعيينها لعدم النص القاطع { فتكونا من الظالمين } مجزوم على انه معطوف على تقربا او منصوب على انه جواب للنهى والمعنى على الاول لا يكن منكما قربان الشجرة وكونكما من الظالمين وعلى الثانى ان تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين واياما كان فالقرب اى الاكل منها سبب لكونهما من الظالمين اى الذين ظلموا انفسهم بارتكاب المعصية او نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم او تعدوا حدود الله .

(1/127)

قال القرطبى قال بعض ارباب المعانى فى قوله ولا تقربا اشعار بالوقوع فى الخطيئة والخروج من الجنة وان سكناهما فيها لا يدوم لان المخلد لا يحظر عليه شئ ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى { انى جاعل فى الارض خليفة } فدل على خروجه منها . قال الشيخ نجم الدين قدس سره ان آدم خاطبه مولاه خطاب الابتلاء والامتحان والنهى نهى تعزز ودلال كأنه قال يا آدم ابحت لك الجنة ومافيها الا هذه الشجرة فان الانسان حريص على ما منع فسكنت نفس آدم على حواء والى الجنة وما فيها الا الى الشجرة المنهى عنها لانها كانت مشتهى القلب وكان للنفس فيها حظ ولا يزال يزداد توقانه اليها فيقصدها حتى تناول منها فظر سر الخلافة والمحبة والمحنة والتحقق بمظاهر الجمال والجلال كالتواب والغفور والعفو والقهار والستار . والحاصل انه لما علم الله تعالى انه يأكل من الشجرة نهاه ليكون أكله عصاينا يوجب توبة ومحبة وطهارة من تلوث الذنب كما قال تعالى { ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } فاورثه ذلك النهى عن اكل الشجرة عصيانا بسبب النسيان ثم توبة بسبب العصيان ثم محبة بسبب التوبة ثم طهارة بسبب المحبة كما ورد فى الخبر « اذا احب الله عبدا لم يضره الذنب » اى حفظه من الذنب واذا وقع فيه وفقه للتوبة والندامة وكل زلة عاقبتها التوبة والتشريف والاجتباء فقيل هى زلة تنزيه واستحقاق آدم اللوم بالنهى التنزيهى من قبيل حسنات الابرار سيآت المقربين . قال مرجع طريقتنا الجالوتية الشيخ الشهير بالهدائى قدس سره المراد بالدعوة الى الجنة الدعوة الى مقام الروح فى وجود بنى آدم كأنه قال لقلب الانسان يا آدم القلب اسكن انت وزجك وفى النفس الانسانية فى الروح بالطاعات والعبادات { وكلا منها رغدا } اى كلا من المعارف الالهية لان الروح مقام المعرفة التى تحصل بسبب الطاعات والعبادات { حيث شئتما } أى عمل احببتما من الخيرات والصالحات { ولا تقربا هذه الشجرة } اى شجرة المخالفة فان هذا الخطاب لما كان يشمل عامة العباد الى يوم القيايمة لم ينحصر فى آدم وحواء عليهما السلام فينبغى للمؤمن ان يترقى الى الله تعالى بسبب الطاعات والعبادات ويجتنب عن المخالفات حتى لا يقع فى ألمهالك والدركات : قال فى المثنوى . داروى مردى بخور اندر عمل ... تاشوى خورشيد كرم اندر حمل جهدكن تانور تو رخشان شود ... تا سلوك وخدمتت آسان شود تا جلا باشد مران آيينه را ... كه صفازايد ز طاعت سينه را

(1/128)

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)

{ فازلهما الشيطان عنها } اى اذهب آدم وحواء وابعدهما عن الجنة يقال زل عنى كذا اذا ذهب والازلال الازلاق والزلة بالفتح الخطأ وهو الزوال عن الصواب من غير قصد والمقصود حملهما على الزلة بطريق التسبب وهو بالوسوسة وبالغرور والدعاء . فان قلت ابليس كافر والكافر لا يدخل الجنة فكيف دخل هو . قلت منع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة ولم يمنع من الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء { فاخرجهما مما كان فيه } من النعيم والكرامة ولم يقصد ابليس اخراج آدم من الجنة وانما قصد اسقاطه من مرتبته وابعادهكما ابعد فلم يبلغ مقصده قال الله تعالى { فتاب عليه وهدى } قال الشيخ صدر الدين قدس سره فى الفكوك لما سمع آدم قول ابليس { ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة الا تكونا ملكين او تكونا من الخالدين } صدقه هو وزوجته . وهذه القضية تشتمل على امرين مشكلين لم ارى احدا تنبيه لهما ولا اجابنى احد من اهل العلم الظاهر والباطن عنهما وهو انه عليه السلام بعد سجود الملائكة له باجمعهم ومشاهدة رجحانه عليهم بذلك وبعلم الاسماء والخلافة ووصية الحق له كيف اقدم على المخالفة وتسوف بقول ابليس الا ان تكونا ملكين وكيف لم يعلم ايضا من دخل الجنة المعرفة بلسان الشريعة لم يخرج منها وان النشأة الجنانية لا تقبل الكون والفساد فهى لذاتها تقتضى الخلود وكان هذه الحال تدل دلالة واضحة على ان الجنة التى كان فيا ليست الجنة التى عرضها السموات والارض والتى ارضها الكرسى الذى هو الفلك الثامن وسقفها عرش الرحمن فان تلك الجنة لا يخفى على من دخلاه انها ليست محل الكون والفساد ولا ان يكون نعيمها موقتا ممكن الانقطاع فان ذلك المقام يعطى بذاته معرفة ما تقتضيه حقيقته وهو عدم انقطاع نعيمها بموت او غيره كما قال الله تعالى { عطاء غير مجذوذ } اى غير منقطع والمتناه فافهم فحال آدم وحواء فى هذه القضية كحال بنى اسرائيل الذين قال الله فى حقهم { أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم } لآية ولهذا المناسبة والمشاركة اردف الحق قصة آدم فى سورة البقرة بقصة موسى وبنى اسرائيل مع ما بينهما من طول المدة فراعى سبحانه فى ذلك المضاهاة فى الفعل والحال دون الزمان فهذا من اسرار القرآن انتهى كلام الشيخ * فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعلاى لم يخلق الانسان فى الجنة ابتداء ولم ابتلاء بالخروج الى الدنيا . قلت تعظيم النعم على العباد واجب فلو لم يخلقوا فى الدنيا ابتداء ما عرفوا قدر الجنة وقيل ليكونوا فى الجنة على الجزاء لا على الابتداء وليأمنوا الزوال وقيل خلقنا فى الدنيا ليميز الله الخبيث من الطيب والمطيع من المخالف لاقتضاء الصفات الجلالية لان الجنان ليست من مظاهر الجلال ولو خلقنا وبقينا فى الجنة لما ظهر فينا صفات الجلال كما لم تظهر فى الملك فالحكمة الآلهية اقتضت خلق الانسان فى الدنيا وظهور المخالفة منه ليظهر فيه الرحمة والغفران فلو بقى آدم فى الجنة لفاته نصف الكمال الذى هو التجليات القهرية فخرج ليتحقق بمظاهر اسماء الجمال والجلال ثم يرد على عالم الجنان قدر الله تعالى ان يخرج من صلبه سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم واخوانه من الانبياء والاولياء والمؤمنين وخمر طينته بتراب كل مؤمن وعدو فاخرجه الى الدنيا ليخرج من ظهره الذين لا نصيب لهم فى الجنة .

(1/129)

قال الشيخ الكامل المكمل على رده فى هامش كشف الكنوز وحل الرموز وهو كتاب فريد فى فنه وجدت تذكرة السؤال من بعض الملاحدة على كرسى سيدى ابن نور الدين فى مجلس وعظ بجامع ايا صوفيه ممن كلام خواجه حافظ شيرازى . من ملك بودم وفردوس برين جايم بود ... آدم آورد درين دير خراب آبادم فاجاب الشيخ بديهة وفهم مراد الملحد عن السؤال فقال انت اخرجت آدم من الجنة حيث هجت فى صلبه باستعداد الفساد والالحاد ولو لم يخرج ابونا آدم لبقيت الملاحدة والفجرة فى الجنة فاقتضت غيره الحق خروجه . وسئل ابو مدين قدس سره عن خروج آدم من الجنة على وجه الارض ولم تعدى فى اكل الشجرة بعد النهى فقال لو كان ابونا يعلم انه يخرج من صلبه مثل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لصار يأكل عرق الشجرة فكيف ثمرها ليسارع فى الخروج على وجه الارض ليظهر الكمال المحمدى والجمال الاحمدى . وسأل خليل الرحمن صلوات الله على نبينا وعليه فقال يا رب لم اخرجت آدم فقال اما علمت ان جفاء الحبيب شديد . وقال مرجع طريقتنا الجلوتية الشيخ الشهير بافتاده افندى سر خروج آدم من الجنة انه رأى مرتبة من مراتب التوحيد اعلى من مرتبته التى هو فيها فسألها من الله تعالى فقيل له لا تصل اليها الا بالبكاء فاحب آدم ان يبكى فقيل ان الجنة ليست موضع البكاء بل هى موضع السرور فطلب ان ينزل الى الدنيا فكون ما صدر عنه ذنبا بالنسبة اليه باعتبار قصور مرتبته عن المراتبة المطلوبة على نهج احسنات الابرار سيآت المقربين كذا فى واقعات الهدائى قال الشيخ نجم الدين قدس سره والاشارة ان آدم عليه السلام اصبح محمود العناية مسجود الملائكة متوجا بتاج الكرامة ملبسا بلباس السعاده فى وسطه نطاق القربة وفى جيده طوق الزلفة لاحد فوقه فى الرتبة ولا شخص معه فى الرتبة يتوالى عليه النداء كل لحظة يا آدم فلما جاء القضاء ضاق الفضاء : قال فى المثنى .

(1/130)

جون قضا آيد شد انش بخواب ... مه سيه كردد بكير آفتاب فلم يمس حتى نزع لباسه وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف ان اخرج بغير مكث ولا بحث { فازلهما } يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها } اى عن تلك العزة والقرابة وكان الشيطان المسكين فى هذا الامر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب واخوته قد ألقوه فى غيابة الجب فاخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب { فاخرجهما مما كانا فيه } من السلامة الى الملامة ومن الفرح الى الترح ومن النعمة الى النقمة ومن المحبة الى المحنة ومن القربة الى غربة ومن الالفة الى الكلفة ومن الوصلة الى الفرقة وكان قبل اكر الشجرة مستأنسا بكل شئ ومؤانسا مع كل احد ولذلك سمى انسانا فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شئ واتخذ كل احد عدوا وهكذا شرط صحة المبحة عداوة ما سوى المحبوب فكما أن ذات المحبوب لا يقبل الشركة فى التعبد كذا لا يقبل الشركة فى المحبة ولهذا قال { اهبطوا بعضهم لبعض عدو } وكذا كان حال الخليل فى البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس ويقول { هذا ربى } فلما ذاق شجرة الخلة قال { لا احب الآفلين } { انى برئ مما تشركون } { فانهم عدو لى الارب العالمين } { وقلنا اهبطوا } خطاب لآدم وحواء وجمع الضمير لانما اصلا الجنس فكانهما الجنس كله . وقيل هو لخمسة وخامسهم الطاووس وهذا الامر وان انتظمهم فى كلمة فما كان هبوطهم جملة بل هبط ابليس حين لعن وهبوط آدم وحواء كان بعده بكثير الا ان يحمل على ان ابليس اخرج منها ثانيا بعدما كان يدخلها للوسوسة ودلت كلمة اهبطوا على انهما كانا فى جنة الخلد حيث امرا بالانحدار وهو النزول من علو الى سفل وقد سبق فى الآيات السابقة ما سبق . قال القرطبى فى تفسيره ان الصحيح فى اهباطه وسكناه فى الارض ما قد ظهر من الحكمة الازلية فى ذلك وهى نثر نسلة فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الاخروى اذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الاكلة سبب اهباطهما من الجنة فاخرجهما لانهما خلقا منهما وليكون آدم خليفة الله فى الارض ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال { انى جاعل فى الارض خليفة } وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة انتهى كلام القرطبى * فهبوطه من الجنة هبوط التشريف والامتحان والتمييز بين قبضتى السعادة والشقاوة لان ذلك من مقتضيات الخلافة الالهية على ما فى كشف الكنوز * واكثر المفسرين على ان المعنى انزلوا استخفافا بكم لكن القول ما قالت حذام . قال المولى الشهير بابن الكمال فى رسالة القضاء والقدر عتاب آدم عليه السلام فى قوله تعالى { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين }

(1/131)

عتاب تلطيف لا عتاب تعنيف وتعذيب وتنزيله من السماء الى الارض بقوله اهبطوا { منها جميعا } تكميل وتبعيد تقريب كما فى قول الشاعر . سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... { بعضكم لبعض عدو } حال استغنى فيها عن الواو بالضمير اى متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله والعدو يصلح للواحد والجمع ولهذا لم يقل اعداء فابليس عدو لهما وهما عدو لابليس والحية عدو لبنى آدم وهم عدوهما وهى تلسعهم وهم يدمغونها وابليس يفتنهم وهم يلعنونه وكذا العداوة بين ذرية آدم وحواء بالتحاسد فى الدنيا والاختلاف فى الدين والعداوة مع ابليس دينية فلا ترتفع ما بقى الدين والعداوة مع الحية طبيعية فلا ترتفع ما بقى الطبع ثم هذه عداوة تأكدت بيننا وبينهم لكن حزبا يكون الله معهم كان الظفر لهم ثم قوله بعضكم لبعض عدو اخبار عن كونه اى التعادى لا امر بتحصيله ولما قال بعضكم لبعض عدو قال آدم الحمد لله حيث لم يقل أنا لكم عدو والعدو هو المجاوز حده فى مكروه صاحبه { ولكم فى الارض مستقر } اى موضع قرار على وجها او فى القبور . ثم المستقر ثلاثة رحم الام قال تعالى { فمستقر ومستودع } اودع فى صلب الاب واستقر فى رحم الام والثانى الدنيا قال تعالى { ولكم فى الارض مستقر } والثالث العقبى اما فى الجنة قال تعالى { اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } واما فى النار قال تعالى { انها ساءت مستقرا ومقاما } الآية { ومتاع } اى تمتع بالعيس وانتفاع به { الى حين } الى آخر اعماركم وهو حين الموت او الى القيامة . قال بعض العلماء فى قوله تعالى { الى حين } فائدة لآدم عليه السلام ليعلم إنه غير باق فيها ومنتقل الى الجنة التى وعد بالرجوع اليها وهى لغير آدم دالة على المعاد تلك الاودية لما معه من ريح الجنة وكان السحاب يمسح رأسه فاصلع فاورث اولاد الصلع ووقعت حواء بجدة وبينهما سبعمائة فرسخ والطاووس بمرج الهند والحية بسجستان او باصفهان وابليس بسد يأجود ومأجود وسجستان اكثر بلاد الله حيات ولولا العربد تأكلها وتفنى كثير منه لاخليت سجستان من اجل الحيات وكانوا فى احسن حال فابتلى آدم بالحرث والكسب وحواء بالحيض والحبل والطلق ونقصان العقل والميراث وجعل الله قوائم الحية فى جوفها وجعل قوتها التراب وقبح رجلى الطاووس وجعل ابليس باقبح صورة وافضح حالة وكان مكث آدم وحواء فى الجنة من وقت الظهر الى وقت العصر من يوم من ايام الآخرة وكل يوم من ايامها كالف سنة من ايام الدنيا . يذكر ان الحية كانت خادم آدم عليه السلام فى الجنة فخانته بان مكنت عدوه من نفسها وظهرت العداوة له هناك فلما اهبطوا تأكدت العداوة فقيل لها انت عدو بنى آدم وهم اعداؤك وحيث لقيك منهم احد شدخ رأسك قال عليه السلام « اقتلوا الحيات واقتلوا ذات الطفيتين والابتر فانهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل »

(1/132)

فخصهما بالذكر مع انهما داخلان فى العموم ونبه على ذلك لسبب عظيم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها فى غير البيوت قتل ايضا لظاهر الامر العام وما كان فى البيوت لا يقتل حتى يؤذن لثلاثة ايام لقوله صلى الله عليه وسلم « ان بالمدينة جنا قد اسملوا فاذا رأيتم منها شيأ فآذنوه ثلاثة ايام » قال ابن الملك فى شرح المشارق والجن لكونه جسما لطيفا يتشكل بشكل الحيات والجان من الحيات التى نهى عن قتلها وهى حية بيضاء صغيرة تمشى ولا تلتوى . والصحيح ان النهى عن قتل الحيات ليس مختصا بالمدينة بل ينهى عن قتل حيات البيويت فى جميع البلاد لان الله تعالى قال { واذا صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } الآية والابتر وذات الطفيتين تقتلان من غير ايذان سواء كانتا من حيات المدينة ام لا واذا رأى احد شيأ من الحيات فى المساكن يقول انشدكم بالعهد الذى اخذه عليكم نوح عليه السلام وانشدكم بالعهد الذى اخذه عليكم سليمان عليه السلام ان لا تؤذونا فاذا رأى منها شيأ بعد فليقتله ومن خاف من مضرة الحية والعقرب فليقرأ { سلام على نوح فى العالمين انا كذلك نجزى المحسنين } فانه يسلم باذن الله تعالى . واعلم ان ما كان من الحيوان اصله الاذية فانه يقتل ابتداء لاجل اذيته من غير خلاف كالحية والعقرب والفار والوزغ وشبهها . وفى حواشى الخبازى على الهداية قتل الحيوان اما لدفع المضرة او لجلب المنفعة . قال الفقير جامع هذه المجالس الانيقة يدخل فيها قتل نحلة العسل ودود القز ونحوهما اذا لم يمكن جلب منفتها بدون القتل فالحية ابدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بان ادخلت ابليس بين فكيها ولو كان تنذره ما تركها تدخل به وقال ابليس انت فى ذمتى فامر صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال « اقتلوها وان كنتم فى الصلاة » يعنى الحية والعقرب . والوزغة نفخت على نار ابراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلغت وفى الحديث « من قتل وزغة فكانما قتل كافرا » والوزغة من ذوات السموم وتفسد الطعام خصوصا الملح واذا لم تجد طريقا الى افساده ارتقت السقف وألقت خرءها فيه من موضع يحاذيه فجبلتها على الخبث والافساد . والفارة ابدت جوهرها بان عمدت الى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها . والغراب ابدى جوهره حيث بعثه نبى الله نوح عليه السلم من السفينة ليأتيه بخبر الارض فاقبل على جيفة ونزل وكذا الحدأة والسبع العادى والكلب العقول كله فى معنى الحية والامر بقتل المضر من باب الارشاد الى دفع المضرة قال السعدى قدس سره سنك بردست ومار بر سر سنك ... خيره رأيى بود قياس ودرنك

(1/133)

وقال ايضا تر حم بر بلنك تيز دندان ... ستمكارى بود بر كو سفندان وفى التأويلات النجمية انه لما ساتقرت حبة المحبة كالبذر فى قلب آدم جعل الله شخص آدم مستقر قلبه وجعل الارض مستقر شخصه وقال { ولكم فى الارض مستقر ومتاع الى حين } اى التمتع والانتفاع لبذر المبحة بماء الطاعة والعبودية الى حين ادراك ثمرة المعرفة كقوله تعالى { تؤتى اكلها كل حين باذن ربها } وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات الا المعرفة لقوله تعالى { وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون } اى ليعرفون وثمرة المعرفة وان ظهرت على اغصان العبادة ولكن لا تنبت الا من حبة المحبة كما اخبر النبى عليه السلام « أن داود عليه السلام قال يا رب لماذا خلقت الخلق قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لاعرف » فثبت ان بذر المعرفة هو المحبة : قال فى المثنوى . أفتاب معرفت را نقل نيست ... مشرق او غير جان وعقل نيست

(1/134)

فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

{ فتلقى آدم كلمات ربه } الفاء للدلالة على ان التوبة حصلت عقيب الامر بالهبوط قبل تحقق المأمور به ومن ثمة قال القرطبى ان آدم تاب ثم هبط واليه الاشارة بقوله تعالى اهبطوا ثانيا ومنه يعرف ان الامر بالهبوط ليس للاستخفاف ومشوبا بنوع سخط اذ لا سخط بعد التوبة فآدم اهبط بعد ان تاب الله عليه ومعنى تلقى الكلمات استقبالها بالاخذ والقبول والعمل بها حين علمها فان قلت ما هن قلت قوله تعالى { ربنا ظلمنا انفسنا } الآية : قال الحافظ . زاهد غرور داشت سلامت نبردراه ... رندا زره نياز بدار السلام رفت وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان احب الكلام الى الله تعالى ما قال ابونا آدم حين اقترف الخطيئة سبحانه اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا اله الا انت ظلمت نفى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا انت . وعن النبى صلى الله عليه وسلم « ان آدم قال بحق محمد ان تغفر لى قال وكيف عرفت محمدا قال لما خلقتنى ونفخت فى الروح فتحت عينى فرأيت على ساق العرش لا الله الا الله محمد رسول الله فعلمت انه اكرم الخلق عليك حتى قرنت اسمه باسمك فقال نعم وغفر له بشفاعته » او الكلمات هى قول آدم عند هبوطه من الجنه يا رب ألم تخلقنى بيدك من غير واسطة قال بلى قال يا رب ألم تسكنى جنتك قال بلى قال يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال يا ربا أرأيت ان اصلحت ورجعت وتبت اراجعى انت الى الجنة قال نعم فالكلمات هى العهود الانساينة والمواثيق الآدمية والمناجاة الربانية من الخليفة الى حضرة الحق تعالى فتاب آدم على الله بالرجوع عن المعصية والاعتراف بذنبه والاعتذار لخطاه وسهوه { فتاب عليه } اى فرجع الرب عليه بالرحمة وقبول التوبة واصل التوب الرجوع فاذا وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية الى الطاعة واذا وصف به البارى تعالى اريد به الرجوع عن العقوبة الى المغفرة والفاء للدلالة على ترتبه على تلقى الكلمات المتضمن لمعنى التوبة . وتمام التوبة من العبد بالندم على ما كان وبترك الذنب الآن وبالعزم على ان لا يعود اليه فى مستأنف الزمان وبرد مظالم العباد وبارضاء الخصم بايصال حقه اليه باليد والاعتذار منه باللسان واكتفى بذكر آدم عليه السلام لان حواء كانت تابعة له فى الحكم ولذلك طوى ذكر النساء فى اكثر القرآن والسنن { انه هو التواب } الرجاع على عباده بالمغفرة او الذى يكثر اعانتهم على التوبة { الرحيم } المبالغ فى الرحمة وفى الجمع بين الوصفين وعد بليغ للتائب بالاحسان مع العفو والغفران والجملة تعليل لقوله تعالى { فتاب عليه } قال فى المثنوى .

(1/135)

مركب توبه عجائب مر كبست ... بر فلك تازد بيك لحظه زبست جون برارند از بشمانى حنين ... عرض لرزد ازانين المذنبين قال ابن عباس رض . وقال شهر بن حوشب بلغنى ان آدم لما هبط الى الارض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى قالوا لو أن دموع اهل الارض جمعت لكانت دموع داود اكثر حيث اصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع اهل الارض جمعت لكانت دموع آدم اكثر حيث اخرجه الله من الجنة قال فى المثنوى . جون خدا خواهد كه مان يارى كند ... ميل مارا جانب زارى كند اى خنك جشمى كه آن كريان اوست ... وى همايون دل كه آن بريان اوست آخر هر كريه آخر خنده ايست ... مرد آخر بين مبارك بنده ايست ابش جون دولاب نالان جشم تر ... تا زصحن جان بر رويد خضر فاذا كان حال من اقترف خطيئة دون صغيرة هذا فكيف حال من انغمس فى بحر العصيان والتوبة بمنزلة الصابون فكما ان الصابون يزيل الاوساخ الظاهرة فكذا التوبة تزيل الاوساخ الباطنة والعبد اذا رجع عن السيئة واصلح عمله اصلح الله شأنه واعاد عليه نعمته الفائتة . عن ابن ادهم بلغنى ان رجلا من بنى اسرائيل ذبح عجلا بين يديى امه فيبست يده فبينما هو جالس اذ سقط فرح من وكره وهو بتبصبص فاذخه ورده الى وكره فرحمه الله لذلك ورد عليه يده بما صنع ولا ريب أن العمل الصالح يمحو الخطيآت وفى التأويلات النجمية ان اول نبت انبتته امطار الالهامات الربانية من حبة المحبة فى قلب آدم وطينة الانسانية كان نبات { ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } لانه ابصر بنور الايمان انه ظالم لنفسه اذا أكل حبة المحبة ووقع فى شبكة المحنة والمذلة وان لم يعنه ربه بمغفرته ويقه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذى اهبط اليه ويخسر رأس مال استعداد السادة الازلية ولم يمكنه الرجوع الى ذروة مقام القربة فاستغاث الى ربه وقال ربنا مضطرا وكانت الحكمة فى ابعاده بالهبوط هذا الاضطرار والدعاء فانه يجب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء فبسابقه العناية اخذ بيده وافاض عليه سجال رحمته { فتاب عليه انه هو التواب الرحيم } للتائبين فاخرج من نبات الكلمات شجرة الاجتباء واظهر على دوحتها زهرة التوبة وأثمر منها ثمرة الهداية وهى المعرفة كما قال { ثم اجتبيه ربه فتاب عليه وهدى . }

(1/136)

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

{ قلنا } استئناف مبنى على سؤال ينسحب عليه الكلام كانه قيل فما ذا وقع بعد قبول توبته فقيل قلنا { اهبطوا منها } اى من الجنة { جميعا } نصب على الحال من ضمير الجمع تأكيد فى المعنى للجماعة من آدم وحواء وابليس والحية والطاووس كأنه قيل اهبطوا انتم اجمعون ولذلك لا يستدعى اجتماعهم على الهبوط فى زمان واحد وكرر الامر بالهبوط ايذانا تبحتم مقتضاه وتحققه لا محالة ودفعا لما عسى يقع فى امنتيه عليه السلام من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك ولان الاول دل على ان هبوطهم الى دار بلية يتعادون فيها ولا يخدلون والثانى اشعر بانهم اهبطوا للتكليف فاختلف المقصود وكان يصح لو قرن المعنيان بذكر الهبوط مرة لكن اعترض بينهما كلام وهو تلقيه الكلمات ونيله قبول التوبة فاعاد الاول ليتصل المعنى الثانى به وهو الابتلاء بالعبادة والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال فى الارشاد والثانى مقرون بوعد ايتاء الهدى المؤدى الى النجاة والنجاح وما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصدا اوليا بل انما هو دائر على سوء اختيار المكلفين . ثم ان فى الآية دليلا على ان المعصية تزيل النعمة عن صاحبها لان آدم قد اخرج من الجنة بمعصية واحدة وهذا كما قال القائل . اذا تم امر دنا نقصه ... توقع زولا اذا قيل تم اذا كنت فى نعمة فارعها ... فان المعاصى تزيل النعم قال الله تعالى { ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم } { فاما يأتينكم منى } اى ان يأتينكم والفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الامر به { هدى } اى رشد وبيان شريعة برسول ابعثه اليكم وكتاب انزله عليكم والخطاب فى قوله يأتينكم لآدم والمراد ذريته وابليس وذريته لم يأتهم كتاب ولا رسول ولا يكون منهم اتباع وجواب الشرط هو الشرط الثانى مع جوابه وهو قوله تعالى { فمن اتبع هدى } اى اقتدى بشريعتى وكرر لفظ الهدى ولم يضمر بان يقال فمن تبعه لانه اراد بالثانى اعم من الاول وهوما اتى به الرسل من الاعتقاديات والعمليات واقتضاه العقل اى فمن تبع ما أتاء من قبل الشرع مراعيا فيه ما يشهد به العقل من الادلة الآفاقية والانفسية { فلا خوف عليهم } فى الدارين من لحوق مكروه { ولا هم يحزنون } من فوات مطلوب فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع اى لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا انه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن اصلا بل يستمرون على السرور والنشاط كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله وهيبته واستقصارا للجد والسعى فى اقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين .

(1/137)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)

{ والذين كفرو } عطف على من تبع الخ قسيم له كانه قيل ومن لم يتبعه الخ وانما اوثر عليه ما ذكر تفظيعا لحال الضلالة واظهارا لكمال قبحها وايراد الموصول بصيغة الجمع للاشعار بكثرة الكفرة اى والذين كفروا برسلنا المرسلة اليهم { وكذبوا بآياتنا } المنزلة عليهم او كفروا بالآيات جنانا وكذبوا بها لسانا { اولئك } اشارة الى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة من الكفر والتكذيب { اصحاب النار } ملازموها ولمابسوها بحيث لا يفارقونها . وفى الصحبة معنى الوصلة فسموا اصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها فكأنهم ملكوها فصاروا اصحابها { هم فيها } اى فى النار { خالدون } دائمون والجملة فى حيز النصب على الحالية ففى هايتن الآيتين دلالة على ان الجنة فى جهة عالية دل عليه قوله تعالى { اهبطوا منها } وان متبع الهدى مأمون العاقبة لقوله تعالى { فلا خوف } الخ وان عذاب النار دائم والكافر فيه مخلد وان غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى { هم فيها خالدون } فانه يفيد الحصر . واعلم ان الشرف فى اتباع الهدى كما قيل سك اسحاب كهف روزى جند ... بى نيكان كرفت مردم شد فالمؤمن بين ان يطيع الله فيثيبه بالنعيم وبين ان يعصيه فيعاقبه بالجحيم ومن العجب ان الجمادات وغير المكلفين من العباد يخافون عذاب الله ويقومون بحقوق الله ولا يخافه المكلفون كما روى عن مالك بن دينار رحمه الله انه مر يوما على صبى وهو يلعب بالتراب يضحك تارة ويبكى اخرى قال فهممت ان اسلم عيله فامتنعت نفسى تكبرا فقلت يا نفس كان النبى صلى الله عليه وسلم يسلم على الصغار والكبار فسلمت عليه فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا مالك ابن دينار فقلت من اين عرفتنى ولم تكن رأيتنى فقال حيث التقت روحى بروحك فى عالم الملكوت عرف بينى وبينك الحى الذى لا يموت فقلت ما الفرق بين العقل والنفس قال نفسك التى منعتك عن السلام وعقلك الذى بعثك عليه فقلت ما بالك تلعب بهذا التراب فقال لانا منه خلقنا واليه نعود فقلت اراك تضحك تارة وتبكى اخرى قال نعم اذا ذكرت عذاب ربى بكيت واذا ذكرت رحمته ضحكت فقلت يا ولدى أى ذنب لك حتى تبكى فقال يا مالك لا تقل هذا فانى رأيت امى لا توقد الحطب الكبار الا ومعه الحطب الصغار : قال فى المثنوى طفل يك روزه همى داند طريق ... كه بكيرم تارسد دايه شفيق تو نمى دانى كه دايه دايكان ... كم دهد بى كريه شير او رايكان كفت فليبكوا كثيرا كوش دار ... تار بريزد شير فضل كردكار والاشارة فى تحقيق الآيتين ان الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط الى الارض بشره بان الهامه وويحه لا ينقطع عنه ولا ينقطع عن ذريته هداه بواسطة انبيائه ووحيه وانزال كتبه فاما يأتينكم منى هدى فمن اناه منهم هدى من الهامى ووحيى ورسولى وكتابى فمن تبع هدى كما تبعه آدم بالتوبة والنوح والبكاء والاستغفار وتربية بذر المحبة بالطاعة والعبودية حتى تثمر التوحيد والمعرفة فلا خوف عليهم فى المستقبل من وبال افساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية وابطال استعداد السعادة الابدية باستيفاء التمتعات الدنيوية ولا هم يحزنون على هبوطهم الى الارض لترية بذر المحبة اذهم رجعوا بتبع الهداية وجذبات العناية الى اعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى

(1/138)

{ وان الى ربك الرجعى } ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار مثواه فقال { والذين كفروا } اى ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية وظلموا على انفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الانسانية حتى افسدوا الاستعداد الفطرى وكذبوا بآياتنا اى معجزات انبيائنا وكتبنا وما انزلنا على الانبياء بالوحى والالهام والرشد فى تربية بذر المبحة وتثمير الشجرة الانسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ الى درجات القربات ونعيم الجنات والغرفات اولئك اصحاب نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خالدون } لانهم خلدوا فى ارض الطبيعة واتبعوا اهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة فبقوا بافساد استعدادهم فى دركات الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين

(1/139)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)

{ يا بنى اسرائيل } البنون اسم للذكور والاناث اذا اجتمعوا واسرائيل اسم يعقوب عليه السلام ومعناه عبد الله لان اسرا بلغة العبرانية وهى لغة اليهود بمعنى العبد وايل هو الله اى يا اولاد يعقوب والخطاب لليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم الذين كانوا حوالى المدينة من بنى قريظة والنضير وكانوا من اولاد يعقوب وتخصيص هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما انهم اوفر الناس نعمة واكثرهم كفرا بها { اذكروا نعمى } الذكر بضم الذال بالقلب خاصة بمعنى الحفظ الذى يضاد النسيان والذكر بكسر الذال يقع على الذكر باللسان والذكر بالقلب يكون امرا بشكر النعمة باللسان وحفظها بالجنان اى احفظوا بالجنان واشكروا باللسان نعمتى لان النعمة اسم جنس بمعنى الجمع قال تعالى { وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها } { والتى انعمت } بها { عليكم } وفيه اشعار بانهم قد نسوها بالكلية ولم يخطروها بالبال لا انهم اهملوا شكرها فقط وتقييد النعمة بكونها عليهم لان الانسان غيور حسود بالطبع فاذا نظر الى ما انعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط ولذا قيل لا تنظر الى من هو فوقك فى الدنيا لئلا تزدرى بنعمة الله عليك فان من نظر الى ما انعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر . قال ارباب المعانى ربط سبحانه وتعالى بنى اسرائيل بذكر النعمة واسقطه عن امة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم الى ذكره فقال { اذكرونى اذكركم } ليكون نظر الامم من النعمة الى المنعم ونظر امة محمد من المنعم الى النعمة والنعمة ما لم يحجبك عن المنعم { واوفوا } اتموا ولا تتركوا { بِعَهْدِى } الذى قبلتم يوم الميثاق وهو عام فى جميع اوامره من الايمان والطاعة ونواهيه ووصاياه فيدخل فى ذلك ما عهده تعالى اليهم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والعهد حفظ الشئ ومراعاته حالا فحالا والمراد منه الموثق والوصية والعهد هنا مضاف الى الفاعل { اوف بعهدكم } اتمم جزاءكم بحسن الاثابة والقبول ودخول الجنة والعهد يضاف الى المعاهد والمعاهد وهو هنا مضاف الى المفعول فان الله عهد اليهم بالايمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وارسال الرسل وانزال الكتب ووعد لهم بالثواب على حسناتهم واول مراتب الوفاء منا هو الاتيان بكلمتى الشهادة ومن الله حقن المال والدم وآخرها منا الاستغراق فى بحر التوحيد بحيث تغفل عن انفسنا فضلا عن غيرنا ومن الله الفوز باللقاء الدائم كما قال القشيرى { اوفوا بعهدى } فى دار الحجبة { اوف بعهدكم } فى دار القربة على بساط الوصلة بادامة الانس والرؤية واوفوا بعهدى بقولكم ابدا ربى ربى اوف بعهدكم بجوابكم ابدا عبدى عبدى { اياى } نصب بمحذوف تقديره واياى ارهبوا { فرهبون } فيما تأتون وتذرون وخصوصا فى نقض العهد لا بارهبون لان ارهبون قد أخذ مفعوله والاصل ارهبونىلكن حذفت الياء تخفيفا لموافقة رؤس الآى والفاء الجزائية دالة على تضمن الكلام معنى الشرط كانه قيل ان كنتم راهبين شيأ فارهبون والرهبة خوف معه تحرز والآية متضمنة للوعد لقوله { اوف } والوعيد لقوله { واياى فارهبون } دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وان المؤمن ينبغى ان لا يخاف احدا الا الله للحصر المستفاد من تقديم اياى .

(1/140)

وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

{ وامنوا } يا بنى اسرائيل { بما انزلت } افراد الايمان بالقرآن بالامر به بعد اندراجه تحت العهد لما انه العمدة القصوى فى شأن الوفاء بالعهد اى صدقوا بهذا القرآن الذى انزلته على محمد { مصدقا لما معكم } اى حال كون القرآن مصدقا للتوراة لانه نازل حسبما نعت فيها وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال بالامر فان ايمانهم بما معهم مما يقتضى الايمان بما يصدقه قطعا { ولا تكونوا اول } فريق { كافر به } اى بالقرآن فان وزر المقتدى يكون على المبتدى كما يكون على المقتدى : قال فى المثنوى هر كه بنهد سنت بد اى فتا ... تادر افتد بعد او خلق ازعما جمع كردد بروى آن جمله بزه ... كوسرى بودست وايشان دم غزه اى لا تسارعوا الى الكفر به فان وظيفتكم ان تكونوا اول من آمن به لما انكم تعرفون شأنه وحقيقته بطريقة التلقى مما معكم من الكتب الالهية كما تعرفون ابنائكم وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون بزمانه فلا تضعوا موضع ما يتوقع منكم ويجب عليكم ما لا يتوهم صدوره عنكم من كونكم اول كافر به . ودلت الآية على انه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة فكذبه يهود المدينة ثم بنوا قريظة وبنوا النضير ثم خيبر ثم تتابعت على ذلك سائر اليهود { ولا تشتروا بآيتى } اى لا تأخذوا لانفسكم بدلا منها { ثمنا قيليلا } هى الحظوظ الدنيوية فانها وان جلت قليلة مسترذلة بالنسبة الى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة بترك الايمان . قيل كانت عامتهم يعطون احبارهم من زروعهم وثمارهم ويهدون اليهم الهداية ويعطونهم الرشى على تحريفهم الكلم وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع وكان ملوكهم يجرون عليهم الاموال ليكتموا ويحرفوا فلما كان لهم رياسة عندهم ومآكل منهم خافوا ان يذهب ذلك منهم اى من الاحبار لو آمنوا بمحمد واتبعوه وهم عارفون صفته وصدقه فلم يزالوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويغيرون نعت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كما حكى ان كعب بن الاشرف قال لاحبار اليهود ما تقولون فى محمد قالوا انه نبى قال لهم كان لكم عندى صلة وعطية لو قلتم غير هذا قالوا اجبناك من غير تفكر فامهلنا نتفكر وننظر فى التوراة فخرجوا وبدلوا نعت المصطفى بنعت الدجال ثم رجعوا وقالوا ذلك فاعطى كل واحد منهم صاعا من شعير واربعة اذرع من الكرباس فهو القليل الذى ذكره الله فى هذه الآية الكريمة : قال فى المثنوى برد در انجيل نام مصطفا ... آن سر بيغمبران بحر صفا بود ذكر حليها وشكل او ... بود ذكر غزو وصوم واكل او { واياى فتقون } بالايمان واتباع الحق والاعراض عن حطام الدنيا واعاده لان معنى الاول اخشوا فى نقض العهد وهذا معناه فى كتمان نعت محمد او لان الخطاب بالآية الاولى لما خص اهل العلم امرهم بالتقوى الذى هو منتهاه

(1/141)

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

{ ولا تلبسوا الحق بالباطل } عطف على ما قبله واللبس بالفتح الخلط اى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذى تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما اولا تجعلوا الحق المنزل بالباطل الذى تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما اولا تجعلون الحق ملتبسا بسبب خلط الباطل الذى تكتبونه فى خلاله او تذكرونه فى تأويله { و } لا { تكتموا الحق } باضمار لا او نصب باضمار ان على ان الواو للجمع اى لاتجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه فقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل هو نهى عن التغيير وقوله وتكتموا الحق هو نهى عن الكتمان { وانتم تعلمون } اى حال كونكم عالمين بانكم لابسون كاتمون او وانتم تعلمون انه حق نبى مرسل وليس ايراد الحال لتقييد المنتهى به بل لزيادة تقبيح حالهم اذ الجاهل قد يعذر . وفى التيسير يجوز صرف الخطاب الى المسلمين والى كل صنف منهم وبيانه ايها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور وايها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة وكذا كل فريق . فهذه الآية وان كانت خاصة ببنى اسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم فمن اخذ رشوة على تغيير حق وابطاله او امتنع من تعليم ما وجب عليه او اداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه اجرا فقد دخل فى مقتضى الآية قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة » اى ريحها فمن رهب وصاحب التقوى لا يأخذ على علمه عوضا ولا على وصيته ونصيحته صفدا بل يبين الحق ويصدع به ولا يلحقه فى ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « لا يمنعن احدكم هيبة احد ان يقول او يقوم بالحق حيث كان » وفى التنزيل { يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } - حكى - ان سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فاقام بها اياما فقال له بالمدينة احد أدرك احدا من اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قالوا له ابو حازم فارسل اليه فلما دخل عليه قال له يا ابا حازم ما هذا الجفاء قال له ابو حازم يا امير المؤمنين واى جفاء رأيت منى قال اتانى وجوه اهل المدينة ولم تأتنى قال يا امير المؤمنين اعيذك بالله ان تقول ما لم يكن ما عرفتنى قبل هذا اليوم ولا انار رأيتك قال فالتفت الى محمد بن شهاب الزهرى فقال اصاب الشيخ واخطأت قال سليمان يا ابا حازم مالنا نكرة الموت فقال لانكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم ان تنقلوا من العمران الى الخراب قال اصبت يا ابا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك على كتاب الله قال واى مكان اجده قال

(1/142)

{ ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم } قال سليمان فاين رحمة الله يا ابا حازم قال { ان رحمة الله قريب من المحسنين } قال له سليمان يا ابا حازم فاى عباد الله اكرم قال اولوا المروة والنهى قال له سليمان فاى الاعمال افضل قال اداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فاى الدعاء اسمع قال دعاء المحسن اليه للمحسن فقال اى الصدقة افضل قال على السائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا اذى قال فأى القول اعدل قال قول الحق عند من تخافه او ترجوه قال فأى المؤمنين اكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأى المؤمنين احمق قال رجل انحط فى هوى اخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان اصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا امير المؤمنين اعفنى قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها الى قال يا امير المؤمنين ان آباءك قهروا الناس بالسيف واخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولارضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا ابا حازم قال ابو حازم كذبت ان الله اخذ ميثاق العلماء لتبينه للناس ولا تكتمونه قال سليمان فكيف لنا ان نصلح قال تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان كيف لنا بالمأخذ قال تأخذه من حله وتضعه فى اهله قال له سليمان هل لك يا ابا حازم ان تصحبنا ونصيب منك قال اعوذ بالله قال ولم ذاك قال اخشى ان اركن اليكم شيأ قليلا فيذيقنى الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له ارفع الينا حواثجك قال تنجينى من النار وتدخلنى الجنة قال له سليمان ليس ذاك الى قال ابو حازم فما لى ليك حاجة غيرها قال فادع لى قال ابو حازم اللهم ان كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وان كان عدوك فخذ بناصيته الى ما تحب وترضى قال له سليمان عظنى قال ابو حازم قد اوجزت واكثرت ان كنت من اهله وان لم تكن من اهله فما ينبغى ان ارمى عن قويس ليس لها وتر قال له سليمان اوص قال سأوصيك واوجز عظم ربك ونزهه ان يراك حيث نهاك او يفقدك من حيث امرك فلما خرج من عنده بعث اليه بمائة دينار وكتب أن انفقها ولك عندى مثلها قال فردها عليه وكتب اليه يا امير المؤمنين اعيذك بالله ان يكون سؤالك ايى هزلا اوردى عليك بذلا ما ارضاها لك فكيف لنفسى ان موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عيله رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسقى لهما فقالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير فسقى لهما فلما تولى الى الظل قال رب انى لما انزلت الى من خير فقير وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا الى ابيهما اخبرتاه بالقصة وبقوله فقال ابوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع قال لاحداهما اذهبى فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت اجر ما سقيت لنا فلم يجد بدا من ان يتبعها لانه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تسفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجزها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض اخرى فلما عيل صبره ناداها يا امة الله كونى خلفى وارينى بقولك فلما دخل على شعيب اذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى اعوذ بالله فقال شعيب لم أما انت جائع قال بلى ولكنى اخاف ان يكون هذا عوضا لما سقبت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيأ من ديننا بملئ الارض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتى وعادة آبائى نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فاكل فان كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت ونصحت فالميتة والدم ولحم الخنزير فى حال الاضطرار احل من هذه وان كانت لحق لى فى بيت المال فلى فيها نظراء .

(1/143)

وقد اختلف العلماء فى اخذ الاجر على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية { ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا } والفتوى فى هذا الزمان على جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه وغيره لئلا يضيع قال صلى الله عليه وسلم « ان احق ما اخذتم عيله اجرا كتاب الله » والآية فى حق من تعين عليه التعليم فابى حتى يأخذ عليه اجرا فاما اذا لم يتعين فيجوز له اخذ الاجرة بدليل السنة فى ذلك كما اذا كان الغسال فى موضع لا يوجد من يغسل الميت غيره كما فى القرى والنواحى فلا اجر له لتعينه لذلك واما اذا كان ثمة ناس غيره كما فى الامصار والمدن فله الاجر حيث لم يتعين عليه فلا يأثم بالترك وقد يتعين عليه الا انه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله ان يقبل على صنعته وحرفته .

(1/144)

ويجب على الامام ان يعين له شيأ والا فعلى المسلمين لان الصديق رضى الله عنه لما ولى الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به اهله فاخذ ثيابا وخرج الى السوق فقيل له فى ذلك فقال ومن اين انفق على عيالى فردوه وفرضوا له كفايته وكذا يجوز للامام والمؤذن وامثالهما اخذ الاجرة وبيع المصحف ليس بيع القرآن بل هو بيع الورق وعمل ايدى الكاتب . وقالوا فى زماننا تغير الجواب فى بعض مسائل لتغير الزمان وخوف اندراس العلم والدين منها ملازمة العلماء ابواب السلاطين ومنها خروجهم الى القرى لطلب المعيشة ومنها اخذ الاجرة لتعليم القرآن والاذان والامامة ومنها العزل عن الحرة بغير اذنها ومنها اسلام على شربة الخمور ونحوها فافتى بالجواز فيها خشية الوقوع فيما هو اشد منها واضر كذلا فى نصاب الاحساب وغيره : قال فى المثنوى عاشقانرا شادمانى وغم اوست ... دست مزد واجرت خدمت هم اوست غير معشوق ازتماشايى بود ... عشق نبود هرزه سودايى بود عشق آن شعله است كوجون برفروخت ... هر كه جز معشوق باقى جمله سوخت

(1/145)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

{ واقيموا الصلاة } خطاب لبنى اسرائيل اى اقبلوها واعتقدوا فرضيتها وأدوها بشرائطها وحدوها كصلاة المسلمين فان غيرها كلا صلاة { وآتوا الزكاة } كزكاة المؤمنين فان غيرها كلا زكاة . والزكاة من زكى الزرع اذا نما فان اخراجها يتسجلب بركة فى المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم او من الزكاء بمعنى الطهارة فانها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل . واعلم ان الكفار لا يخاطبون باداء ما يحتمل السقوط من العبادات كالصلاة والصوم ولا يعاقبون بتركها عند الحنفية فالتكليف عندهم راجع الى الاعتقاد والقبور { واركعوا مع الراكعين } اى فى جماعاتهم فان صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها مت تظاهر النفوس فان الصلاة كالغزو والمحراب كمحل الحرب ولا بد للقتال من صفوف الجماعة فالجماعة قوة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « ما اجتمع من المسلمين فى جماعة اربعون رجلا الا وفيهم رجل مغفور له » فالله تعالى اكرم من ان يغفر له ويرد الباقى خائبين خاسرين . وانما فضلت صلاة الجماعة على الفذ بسبع وعشرين لان الجماعة مأخوذة من الجمع والجمع اقله ثلاثة وصلاة الانسان . قال القرطبى فى تفسيره وتجب على من أدمن التخلف عن الجماعة من غير عذر العقوبة . قال ابو سليمان الدارانى اقمت عشرين سنة لم احتمل فدخلت مكة فاحدثت بها حدثا فما اصبحت الا احتلمت وكان الحدث ان فاتته صلاة العشاء بجماعة . وفى الحديث « ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد فرضا احب اليه من الصلاة ولو كان شئ احب اليه من الصلاة لتعبد به ملائكته فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد » وينبغى للمصلى ان يبالغ فى الحضور فكان السلف لو شغلهم ذكر مال يتضقدون به تكفيرا فالاصل عمل الباطن قال الى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه فلا بد من دفع الخواطر : قال فى المثنوى اول اى جان دفع شر موش كن ... وانكه اندر جمع كندم كوش كن بشنو از اخبار آن صدر صدور ... لا صلاة تم الا بالحضور قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى فى وصاياه للعارف الهدائى قدس الله سرهما اذا شرعت فى الصلاة لا تتفكر فى غير اظهار العبودية وتتميمها فانه اذا تم العبودية يحصل المقصود واما فى غير الصلاة فليكن فكرك ولامحظتك نفى نفسك واثبات وحدانيته تعالى فانه المقصود لتوحيد ولا شئ افضل من التوحيد ولذلك كان اول التكاليف فبعد قبول العبد التوحيد كلف بالصلاة ثم كلف بالصوم لان فيهما اصلاح الطبيعة وبعدهما بالزكاة وفيها اصلاح النفس بازالة شحها ثم بالحج وفيه نفع للطبيعة من جهة وللنفس من جهة بذل المال وقدم الثلاث الاول لعمومها للاغنياء والفقراء واما الاخير ان فالفقراء سالمون منهما ثم قال اذا كان بيت الاغنياء من الجواهر يكون بيت الفقراء من النور حتى يتمنوا ان يكونوا فقراء : قال فى المثنوى

(1/146)

مكرها دركسب دنيا باردست ... مكرها در ترك دنيا واردست جيست دنيا ازخدا غافل شدن ... نى قماش ونقره فرزند وزن كوه سربسته اندر آب زفت ... از دل باباد فوق آب رفت باد درويشى جودر باطن بود ... بر سر آب جهان ساكن بود وفى التأويلات النجمية { واقيموا الصلوة } بمراقبة القلوب وملازمة الخصوع والخشوع { وآتوا الزكوة } اى بالغوا فى تزكية النفس عن الحرص على الامور الدنيوية والاخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية الاعمال السيئة وترك مطالبة ما سوى الله فانه مع طلب الحق وزيادة والزيادة على الكمال نقصان { واركعوا مع الراكعين } اى اقتدوا فى الانكسار ونفى الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الموجود .

(1/147)

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)

{ أتأمرون الناس } الخطاب لليهود والأمر القول لمن دونك والمراد بالناس سفلتهم { بالبر } أي الاعتراف بالنبي واتباع الأدلة وهو التوسع في الخير من البر الذي هو الفضاء الواسع والهمزة تقرير مع توبيخ وتعجيب { وتنسون أنفسكم } وتتركونها من البر كالمنسيات لان اصل السهو والنسيان الترك الا ان السهو يكون لما علمه الانسان ولما لم يعلمه والنسيان لما عزب بعد حضوره كانوا يقولون لفقرائهم الذين لا مطمع لهم فيهم بالسر آمنوا بمحمد فانه حق وكانوا يقولون للاغنياء ترى فيه بعض علامات نبي آخر الزمان دون بعض فانتظروا الاستيفاء لما ينالون منهم ويؤخرون امور انفسهم فلا يتبعونه في الحال مع عزيمتهم ان يتبعوه يوما وكذا حال من تمادى في العصيان وهو يقول اتوب عند الكبر والشيب وربما يفجأه الموت فيبقى في حسرة الفوت : قال الحافظ ديدى آن قهقهه كبك خرامان حافظ ... كه زسر نجه شاهين قضا غافل بود { وأنتم تتلون الكتاب } اى والحال انكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته صلى الله تعالى عليه وسلم الآمرة بالايمان به { أفلا تعقلون } اي ليس لكم عقل تعرفون به انه قبيح منكم عدم اصلاح انفسكم والاشتغال بغيركم والعقل في الاصل المنع والامساك ومنه العقال الذي يشد به وظيف البعير الى ذراعيه لحبسه عن الحراك سمى به النور الروحانى الذى به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية لانه يحبس عن تعاطى ما يقبح ويعقل على ما يحسن ومحله الدماغ لان الدماغ محل الحس وعند البعض محله القلب لان القلب معدن الحياة ومادة الحواس وعند البعض هو نور في بدن الآدمى ثم هذا التوبيخ ليس على امر الناس بالبر بل لشرك العمل به فمدار الانكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة وهى جملة تنسون انفسكم دون ما عطفت هي عليه وهي اتأمرون الناس بالبر ولا يستقيم قول من لا يجوز الامر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية بل يجب العمل به ويجب الامر به وقد قال عليه السلام « مروا بالمعروف وان لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وان لم تنتهوا عنه » وهذا لانه اذا امر به مع انه لا يعمل به فقد ترك واجبا واذا لم يأمر به قد ترك واجبين فالامر بالحسن حسن وان لم يعمل به ولكن قلما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه ومن امر بخير فليكن اشد الناس مسارعة اليه ومن نهى عن شيء فليكن اشد الناس انتهاء عنه وهذه الآية كما ترى ناعية على من يعظ غيره ولا يعظ نفسه سوء صنيعه وعدم تأثره وان فعله فعل الجاهل بالشرع او الاحمق الخالى عن العقل والمراد به حث الواعظ على تزكية النفس والاقبال عليها بالتكميل لتقوم بالحق وتقيم غيرها لامنع الفاسق من الوعظ فان الاخلال باحد الامرين المأمور بهما لا يوجب الاخلال بالآخر يروى انه كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوى التصرف فى القلوب وكان كثيرا ما يموت من اهل مجلسه واحدا واثنان من شدة تأثير وعظه وكان في بلده عجوز لها ابن صالح رقيق القلب سريع الانفال وكانت تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس الواعظ فحضره يوما على حين غفلة منها فوقع من امر الله تعالى ما وقع ثم ان العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت

(1/148)

أتهدى الانام ولا تهتدى ... الا ان ذلك لا ينفع فيا حجر الشحذ حتى متى ... تسن الحديد ولا تقطع فلما سمعها الواعظ شهق شهقة فخر من فرسه مغشيا عليه فحملوه الى بيته فتوفى الى رحمة الله تعالى : قال الحافظ واعظان كين جلوه در محراب ومنبر ميكنند ... جون بخلوت ميروند آن كار ديكر ميكنند مشكلى دارم زدانشمند مجلس باز برس ... توبه فرمايان جراخود توبه كمتر ميكنند قال رسول الله تعالى عليه وسلم « ليلة أسرى بى مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الخطباء من امتك يأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم يجزون نصيبهم في نار جهنم فيقال لهم من انتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى انفسنا » قال الاوزاعى شكت النواويس الى الله تعالى ما نجده من جيف الكفار فاوحى الله اليها بطون العلماء السوء أنتن مما انتم فيه وفي الحديث « ما من عبد يخطب خطبة الا والله تعالى سائله عنها يوم القيامة مارادبها » قال الشيخ افتاده افندى لو ان واعظا يرى نفسه خيرا من المستمعين يشكل الامر كذا اذا لم يكن من يصغى الى كلامه مساويا لمن يلطم على قفاه يشكل الامر فلذلك قال عليه السلام « كم من واعظ يلعب به الشيطان » اللهم الا ان يقول ينتفع منى المسلمون وان كنت معذبا في النار فهو نوع فناء لكن يخالف ان يجد حظه في ضمنه وقال ايضا من كان يعظ الناس اما ان يعتقد انهم يعرفون ما يعرفه اويعتقد انهم لا يعرفون ما يعرفه فعلى الاول لا يحتاج الى وعظه وعلى الثانى قد اثبت لهم جهلا ولنفسه فضلا عليهم فهو محض كبر وبالجملة حيل النفس كثيرة لا تتيسر النجاة منها الا بمحض لطف الله تعالى وادنى الحال ان يلاحظ قوله عليه السلام « ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاسق » فما دام لم يصل السالك الى الحقيقة لا يتخلص من الورطة قال عليه الصلاة والسلام « الناس كلهم سكارى الا العالمون » الحديث والمخلصون على خطر عظيم وانما الامن للمخلص بالفتح وهو الواصل الى التوحيد الحقيقى الفانى عن القهر والكرم الخارج عن حد الوجود والعدم وهو الفناء الكلى وهم الذين اريدوا بقوله تعالى { ان عبادى ليس لك عليهم سلطان } ولا بد من رعاية الشريعة في جميع المراتب فان الكمال فيها والافهو ناقص ولذلك ان المجاذيب لايخلون عن النقصان ألايرى ان الانبياء عليهم السلام لم يسمع عن واحد منهم عروض السفه والجنون فالكامل في مرتبة الكمال يكون كامل العقل حتى يحس بصرير الباب في حال استغراقه اللهم اوصلنا الى الكمال

(1/149)

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

{ واستعينوا } يا بنى اسرائيل على قضاء حوائجكم { بالصبر } اى بانتظار الظفر والفرج توكلا على الله تعالى او بالصوم الذى هو صبر عن المفطرات لمافيه من كسر الشهوة وتصفية النفس { والصلوة } اى التوسل بالصلاة والالتجاء اليها حتى تجابوا غلى تحصيل المآرب وجبر المصائب كانهم اى بنى اسرائيل لمامروا بماشق عليهم لما فيه من ترك الكلفة وترك الرياسة والاعراض عن المال عولجوا بذلك روى انه عليه السلام كان اذا حزبه امر فرع الى الصلاة وروى ان ابن عباس رضى الله عنهما نعى له بنت وهو في سفر فاسترجع وقال عورة سترها الله ومؤونة كفاها الله واجر ساقه الله ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف الى راحتله وهو يقرأ واستعينوا بالصبر والصلاة { وانها } اى الاستعانة بهما { لكبيرة } لثقيلة ساقه كقوله تعالى { كبر على المشركين ما تدعوهم اليه } { الا على الخاشعين } اى المخبتين الخائفين والخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب او الخشوع بالبصر والخضوع بسائر الاعضاء وانمالم يثقل عليهم لانهم يستغرقون في مناجاة ربهم فلا يدركون ما يجرى عليهم من المشاق والمتاعب لذلك قال صلى الله عليه وسلم « وقرة عينى في الصلاة » ان اشتغاله عليه السلام بالصلاة كان راحة له وكان يعد غيرها من الاعمال الدنيوية تعبا

(1/150)

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

{ الذين يظنون } اى يوقنون لان الظن يكون يقينا ويكون شكا فهو من الاضداد كالرجاء يكون امنا وخوفا كما في تفسير الكواشى { انهم ملاقوا ربهم } معاينوه وهو كناية عن شهود مشهد العرض والسؤال يوم القيامة وهو الوجه فيما يروى في الاخبار لقى الله وهو عليه غضبان وما يجرى مجراه وقيل اى يعلمون انهم يموتون قال النبى عليه الصلاة والسلام « من احب لقاء الله احب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » واراد به الموت { وانهم اليه راجعون } اى ويعلمون انهم راجعون يوم القيامة الى الله تعالى اى الى جزائه اياهم على اعمالهم وامالذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب كانت عليهم مشقة خالصة فتثقل عليهم كالمنافقين والمرائين فالصبر على الاذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من اخلاق الانبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان الصبر ان لاتتمنى حالة سوى مارزقك الله والرضى بما قضى الله من امر ديناك وآخرتك وهو بمنزلة الرأس من الجسد : قال الحافظ كويندسنك لعل شود در مقام صبر ... آرى شود وليك بخون جكر شود ثم ان الله تعالى وصف جزاء الاعمال وجعل لها نهاية واحدا فقال { من جاء بالحسنة فله عشر امثالها } وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال { مثل الذين ينفقون اموالهم فى سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة } الآية وجعل اجر الصابرين بغير حساب ومدح اهله فقال { انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب } وقد وصف الله نفسه بالصبر كما في الحديث « ليس شيء اصبر على اذى سمعه من الله تعالى انهم ليدعون له ولدا وانه ليعافيهم ويرزقهم » ووصف الله بالصبر انما هو بمعنى الحلم وهو تأخير العقوبة عن المستحقين لها والفرق بين الحليم والصبور ان المذنب لايأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم وقيل فى الخشوع أتريد ان تكون اماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع باكل الخشن ولبس الخشن لكن الخشوع ان ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك فمن اظهر خشوعا فوق ما في قلبه فانما اظهر نفاقا على نفاق قال سهل بن عبد الله لا تكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة ع لى جسدك وهذا هو الخشوع المحمود لان الخوف اذا سكن القلب اوجب خشوع الظاهر فلا يمك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك واما المذموم فتكلفه والتباكى ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والاجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الانسان وكان عمر رضى الله عنه اذا تكلم اسمع واذا مشى اسرع واذا ضرب اوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا كما في تفسير القرطبي وقال في التأويلات النجمية

(1/151)

وقال فى التأويلات النجمية { واستعينوا بالصبر } عن شهوات النفس ومتابعة هواها { والصلوة } اى دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب { وانها } اى الاستعانة بهما { لكبيرة } امر عظيم وشأن صعب { الا على الخاشعين } وهم الذين تجلى الحق لاسرارهم فخشعت له انفسهم كما قال عليه الصلاة والسلام « اذا تجلى الله لشىء خضع له » وقال { وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا } فالتجلى يورث الالفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق { الذين يظنون } اى يوقنون بنور التجلى { انهم ملاقوا ربهم } انهم يشاهدون جمال الحق { وانهم اليه راجعون } بجذبات الحق التى كل جذبة منها توازى عمل الثقلين

(1/152)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

{ يا بنى اسرائيل اذكروا } اشكروا { نعمتى التى انعمت } بها { عليكم } بانزال المن والسلوى وتظليل الغمام وتفجير الماء من الحجر وغيرها وذكر النعم على الآباء الزام الشكر على الابناء فانهم يشرفون بشرفهم ولذلك خاطبهم فقال تعالى فضلتكم ولم يقل فضلت آبائكم لان في فضل آبائهم فضلهم { و } اذكروا { انى فضلتكم على العالمين } من عطف الخاص على العام للتشريف اى فضلت آباءكم على عالمى زمانهم بما منحتهم من العلم والايمان والعمل الصلاح وجعلتهم انبياء وملوكا مقسطين وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل ان يغيروا وهذا كما قال في حق مريم { واصطفاك على نساء العالمين } اى نساء زمانك فان خديجة وعائشة وفاطمة افضل منها فلم يكن لهم فضل على امة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى في حقهم { كنتم خير امة اخرجت للناس } كما في التيسير * فالاستغراق في العالمين عرفى لا حقيقى قال بعضهم من آمن من اهل الكتاب بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كانت له فضيلة على غيره وكان له اجران اجر ايمانه بنبيه واجر اتباعه لمحمد صلى الله عليه وسلم وقد روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « ثلاثة يعطيهم الله الاجر مرتين من اشترى جارية فاحسن تأديبها فاعتقها وتزوجها وعبد اطاع سيده واطاع الله ورجل من اهل الكتاب ادرك النبى صلى الله عليه وسلم فآمن به » قال القشيرى اشهد الله بنى اسرائيل فضل انفسهم فقال فضلتكم على العالمين واشهد محمدا صلى الله عليه وسلم فضل ربه فقال قل بفضل الله وبرحمته وشتان بين مشهوده فضل نفسه وبين من مشهوده فضل ربه وشهوده فضل نفسه قد يورث الاعجاب وشهوده فضل ربه يورث الايجاب ثم ان اليهود كانوا يقولون نحن من اولاد ابراهيم خليل الرحمن ومن اولاد اسحق ذبيح الله والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا فرد الله عليهم فانزل هذه الآية وقال

(1/153)

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

{ واتقوا } اى واخشوا يا بنى اسرائيل { يوما } يوم القيامة اى حساب يوم او عذاب يوم فهو من ذكر المحل وارادة الحال { لا تجزى } اى لا تقتضى فيه ولا تؤدى ولا تغنى فالعائد محذوف والجملة صفة يوم { نفس } مؤمنة { عن نفس } كافرة { شيأ } ما من الحقوق التى لزمت عليها وهو نصب على المفعول به وايراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والاقناط الكلى قال تعالى { لن تنفعكم ارحامكم ولا اولادكم } وكيف تنفع وقد قال { يوم يفر المرء من اخيه } الآية : قال في المثنوى جون يفر المرء آيد من اخيه ... يهرب المولود يوما من ابيه زان شود هر دوست آن ساعت عدو ... كه بت توبود وازره مانع او وهذا في حق الكفار فاما المؤمن فقد استثناه فقال { يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم } اى خال عن الشرك { ولا يقبل منها } اى من النفس الاولى المؤمنة { شفاعة } ان شفعت للنفس الثانية الكافرة عند الله لتخليصها من عذابه والشفاعة مصدر الشافع والشفيع وهو طالب قضاء حاجة غيره مأخوذ من الشفع لانه يشفع نفسه بمن يشفع له في طلب مراده ولا شفاعة في حق الكافر بخلاف المؤمن قال النبي عليه السلام « شفاعتى لاهل الكبائر من امتى » فمن كذب بها لم ينلها والآيات الواردة في نفى الشفاعة خاصة بالكفار { ولا يؤخذ منها } اى من المشفوع لها وهى النفس الثانية العاصية { عدل } اى فداء من مال او رجل مكانها او توبة تنجو بها من النار والعدل بالفتح مثل الشىء من خلاف جنسه وبالكسر مثله من جنسه وسمى به الفدية لانها تساويه وتماثله وتجرى مجراه { ولا هم ينصرون } اى يمنعون من عذاب الله تعالى ومن ايدى المعذبين فلا نافع ولا شافع ولا دافع لهم والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفى من النفوس الكثيرة والتذكير لكونها عبارة عن العباد والاناسى والنصرة ههنا اخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر ثم هذه الآية في غاية البلاغة فانها جمعت ذكر الوجوه التى بها يتخلص المرء من النكبة التى اصابته في الدنيا وهى اربع ينوب عنه غيره في تحمل ما عليه او يفتدى بمال فيخلص منها او يشفع له شافع فيوهب له او ينصره ناصر فيمنعه فقطعها الله عنهم جميعا وعن عكرمة انه قال ان الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول يا بنى انى اب لك في الدنيا وقد احتجت الى مثقال حبة من حسناتك لعلى انجو بها مما ترى فيقول له ولده انى اتخوف مثل الذي تخوفت انت فلا اطبيق ان اعطيك شيأ ثم يتعلق بزوجته فيقول لها فلانة انى زوج لك في الدنيا فتثنى عليه خيرا فيقول لها انى اطلب منك حسنة واحدة تهبينها لى لعلى انجو مما ترين فتقول لا اطيق ذلك انى تخوفت مثل الذي تخوفت منه فيقول الله

(1/154)

{ وان تدع مثقلة الى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى } يعنى من اثقلته الذنوب لا يحمل احد من ذنبه شيأ : قال السعدى برفتند هر كس درود آنجه كشت ... نماند بجز نام نيكو وزشت بر آن خورد سعدى كه بينحى نشاند ... كسى بردخر من كه تخمى فشاند وفي التأويلات النجمية { يا بنى اسرائيل اذكروا نعمتى التى انعمت عليكم } ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا فاسمعهم خطابه في لاسر فذكروا نعمته التى انعم بها عليهم وهى استعداد قبول رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فآمنوا بمحمد عليه السلام من خاصية قبول ذلك الرشاش كما قال عليه السلام « فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل » { وانى فضتلكم على العالمين } اى بهذه النعمة اى فضلتكم مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور من العالمين { واتقوا يوما } اى عذاب يوم يخوف الله العام بافعاله كما قال واتقوا النار الخ ويخوف الخاص بصفاته كقوله { انا نعلم ما يسرون وما يعلنون } وقوله { ليسأل الصادقين عن صدقهم } ويخوف خاص الخاص بذاته ويحذركم الله نفسه وقوله { واتقوا الله حق تقاته } { لا تجزى نفس عن نفس شيأ } { والامر يومئذ لله } { ولا يقبل منها شفاعة } في حق نفسها ولا فى حق غيرها بغير الاذن كقوله تعالى { من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه } { ولا يؤخذ منها عدل } اى فداء لانه { ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى } والسعى المشكور ما يكون ههنا { ولا هم ينصرون } لانهم ما نصروا الحق ههنا وقد قال الله تعالى { ان تنصروا الله ينصركم }

(1/155)

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

{ واذ نجيناكم } خطاب لبنى اسرائيل اى اذكروا وقت تنجيتنا اياكم اى آباءكم فان تنجيتهم لا عقابهم ومن عادة العرب يقولون قتلنا كم يوم عكاظ اى قتل آباؤنا آباؤكم والنجو المكان العالى من الارض لان من صار اليه يخلص ثم سمى كل فائز ناجيا لخروجه من ضيق الى سعة اى جعلنا آباءكم بمكان حريز ورفعناكم عن الاذى { من آل فرعون } واتباعه واهل دينه وفرعون لقب من ملك العمالقة ككسرى لملك الفرس وقيصر لملك الروم وخاقان لملك الترك والنجاشى للحبشة وتبع لاهل اليمن والعمالقة الجبابرة وهم اولاد عمليق بن لاود بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام سكان الشام منهم سموا بالجبابرة وملوك مصر منهم سموا بالفراعنة ولعتوه اشتق منه تفرعن الرجل اذا عتا وتمرد فليس المراد الاستغراق بل الذين كانوا بمصر وفرعون موسى هو الوليد بن مصعب ابن الريان وكان من القبط وعمر اكثر من اربعمائة سنة وقيل انه كان عطارا اصفهانيا ركبته الديون فافلس فاضطر الى الخروج فلحق بالشام فلم يتيسر له المقام فدخل مصر فرأى في ظاهرها حملا من البطيخ بدرهم وفي سوقها بطيخة بدرهم فقال في نفسه ان تيسر لى اداء الديون فهذا طريقه فخرج الى السواد فاشترى حملا بدرهم فتوجه به الى السوق فكل من لقيه من المكاسين اى العشارين اخذ بطيخة فدخل البلد وما معه الا بطيخة فباعها بدرهم ومضى بوجهه ورأى اهل البلد متروكين سدى لا يتعاطى احد سياستهم وكان قد وقع بها وباء عظيم فتوجه نحو المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لاوليائه فقال انا امين المقابر فلا ادعكم تدفنونه حتى تعطونى خمسة دراهم فدفعوها اليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع في مقدار ثلاثة اشهر مالا عظيما ولم يتعرض له احد قط الى ان تعرض يوما لاولياء ميت فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فابوا ذلك فقالوا من نصبك هذا المنصب فذهبوا به الى فرعون اى الى ملك المدينة فقال من انت ومن اقامك بهذا المقام قال لم يقمنى احد وانما فعلت ما فعلت ليحضرنى احد الى مجلسك فانبهك على اختلال حال قومك وقد جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال فاحضره ودفعه الى فرعون فقال ولنى امورك ترنى امينا كافيا فولاه اياها فسار بهم سيرة حسنة فانتظمت مصالح العسكر واستقامت احوال الرعية ولبث فيهم دهرا طويلا وترامى امره في العدل والصلاح فلما مات فرعون اقاموه مقامه فكان من امره ما كان وكان فرعون يوسف عليه السلام ريان وبينهما اكثر من اربعمائة سنة { يسومونكم } اى يبغونكم { سوء العذاب } واقبحه بالنسبة الى سائره ويريدونكم عليه ويكلفونكم الاعمال الشاقة ويذيقونكم ويديمون عليكم ذلك من سام السلعة اذا طلبها والسوم بمعنى البغاء وبغى يتعدى الى مفعولين بلا واسطة فلذلك كان سوء العذاب منصوبا على المفعولية ليسومونكم والجملة حال من ضمير المفعول في نجيناكم والمعنى نجيناكم مسومين منهم اقبح العذاب كقولك رأيت زيدا يضربه عمرو اى رأيته حال كونه مضروبا لعمرو وذلك ان فرعون جعل بنى اسرائيل خدما وخولا وصنفهم فى الاعمال فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يخدمونه ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليهم الجزية

(1/156)

وقال وهب كانوا اصنافا في اعمال فرعون فذووا القوة ينحتون السوارى من الجبال حتى قرحت اعناقهم وايديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وطائفة نجارون وحدادون والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة ويؤدونها كل يوم فمن غربت عليه الشمس قبل ان يؤدى ضريبته غلت يمينه الى عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجن وقيل تفسير قوله يسومونكم سوء العذاب ما بعده وهو قوله تعالى { يذبحون ابناءكم } كانه قيل ما حقيقة سوء العذاب الذي يبغونه لنا فاجيب بانهم يذبحون ابناءكم اى يقتلونهم والتشديد للتكثير كما يقال فتحت الابواب والمراد من الابناء هم الذكور خاصة وان كان الاسم يقع على الذكور والاناث في غير هذا الموضع كالبنين في قوله تعالى يا بنى اسرائيل فانهم كانوا يذبحون الغلمان لا غير وكذا اريد به الصغار دون الكبار لانهم كانوا يذبحون الصغار { ويستحيون نساءكم } اى يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات وذكر النساء وان كانوا يفعلون هذا الصغار لانه سماهن باسم المآل لانهن اذا استبقوهن صرن نساء بعد البلوغ ولانهم كانوا يستبقون البنات مع امهاتهن والاسم يقع على الكبيرات والصغيرات عند الاختلاط وذلك ان فرعون رأى في منامه كأن نارا اقبلت من بيت المقدس فاحاطت بمصر واخرجت كل قبطى بها ولم تتعرض لبنى اسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة والسحرة عن رؤياه فقالوا يولد في بنى اسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فامر فرعون بقتل كل غلام يولد في بنى اسرائيل وجمع القوابل فقال لهن لا يسقط على ايديكن غلام يولد فى بنى اسرائيل الا قتل ولا جارية الا تركت ووكل القوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل انه قتل في طلب موسى عليه السلام اثنى عشر الف صبى وتسعين الف وليد وقد اعطى الله نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه اولئك المقتولين لو كانوا احياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة ثم اسرع الموت في مشيخة بنى اسرائيل فدخل رؤس القبط على فرعون وقالوا ان الموت وقع في بنى اسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك ان يقع العمل علينا فامر فرعون ان يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون عليه السلام في السنة التى لا يذبح فيها وولد موسى في السنة التى يذبحون فيها فلم يرد اجتهادهم من قضاء الله شيأ وشمر فرعون عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد فاراد ان يسبق القضاء ظهوره ويأبى الله الا ان يتم نوره { وفي ذلكم } اشارة الى ما ذكر من التذبيح والاستيحاء { بلاء } اى محنة وبلية وكون استحياء نسائهم اى استبقائهن على الحياة محنة مع انه عفو وترك للعذاب لما ان ذلك كان للاسترقاق والاستعمال في الاعمال الشاقة ولان بقاء البنات مما يشق على الآباء ولا سيما بعد ذبح البنين { من ربكم } من جهته تعالى بتسليطهم عليكم { عظيم } صفة للبلاء وتنكيرهما للتفخيم ويجوز ان يشار بذلكم الى الانجاء من فرعون ومعنى البلاء حينئذ النعمة لان اصل البلاء الاختيار والله تعالى يختبر عباده تارة بالمنافع ليشكروا فيكون ذلك الاختبار منحة اى عطاء ونعمة واخرى بالمضار ليصبروا فيكون محنة فلفظ الاختبار يستعمل فى الخير والشر قال تعالى

(1/157)

{ ونبلوكم بالشر والخير } ومعنى من ربكم اى يبعث موسى وبتوفيقه لتخليصكم منهم والاشارة ان النجاة من آل فرعون النفس الامارة وهى صفاتها الذميمة واخلاقها الرديئة في يوم سوء العذاب للروح الشريف بذبح ابناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في اعمال القدرة الحيوانية لا يمكن الا بتنجية الله كما قال عليه الصلاة والسلام « لن ينجى احدكم عمله » قيل ولا انت يا رسول الله قال « ولا انا الا ان يتغمدنى الله بفضله » وفي ذلك اى في استيلاء صفات النفس على القلب والروح بلاء عظيم وامتحان عظيم بالخير والشر فمن يهده الله ويصلح باله يرجع اليه الله في طلب النجاة فينجيه الله ويهلك عدوه ومن يضلله ويخذله اخلد الى الارض واتبع هواه وكان امره فرطا ثم في الآية الكريمة تنبيه على ان ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على المضار : كما قال الحافظ اكر بلطف بخوانى مزيد الطافست ... وكر بقهر برانى درون ما صافست وسنته تعالى استدعاء العباء لعبادته بسعة الارزاق ودوام المعافاة ليرجعوا اليه بنعمته فان لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون لان مراده تعالى رجوع العباد اليه طوعا وكرها فالاول حال الاحرار والثانى حال الاغيار قال داود بن رشيد من اصحاب محمد بن الحسن قمت ليلة فاخذنى البرد فبكيت من العرى فنمت فرأيت قائلا يقول يا داود انمناهم واقمناك علينا فما نام داود بعد تلك الليلة كذا فى روضة الاخيار : قال في المثنوى درد بشتم داد حق تا من زخواب ... بر جهم هرنيم شب لابد شتاب تانخسبم جمله شب جون كاوميش ... دردها بخشيد حق ازلطف خويش روى ان الله تعالى اوحى الى بعض انبيائه انزلت بعبدى بلائى فدعانى فماطلته بالاجابة فشكانى فقلت عبدى كيف ارحمك من شىء به ارحمك

(1/158)

ومن ظن انفكاك لطفه تعالى فذلك لقصور نظرة في العقليات والعاديات والشرعيات اما العقليات فما من بلاء الا والعقل قاض بامكان اعظم منه حتى لو قدرنا اجتماع بلايا الدنيا كلها على كافر وعوقب فى الآخرة باعظم عذاب اهل النار لكان ملطوفا به اذ الله قادر على ان يعذبه باكثر من ذلك واما العاديات فما وجدت قط بلية الا وفى طيها خير وحفها لطف باعتبار قصرها على نوعها اذ المبتلى مثلا بالجذام والعياذ بالله ليس كالاعمى وهما مع الغنى ليسا كهما مع الفقر واجتماع كل ذلك مع سلامة الدين امر يسير واما الشرعيات فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اذا احب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه » وليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله هو المبتلى اما عتبارا بان كل افعاله جميل او لانه عودك بالفعل الجميل والعطاء الجزيل

(1/159)

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

{ و } اذكروا يا بنى اسرائيل { اذ فرقنا } فصلنا { بكم } اى بسبب انجائكم فالباء للسببية وهو اولى لان الكلام مسوق لتعداد النعم والامتنان وفى السببية دلالة على تعظيمهم وهو ايضا من النعم وقيل الباء بمعنى اللام كقوله تعالى { ذلك بان الله هو الحق } اى لان الله { البحر } وهو بحر القلزم بحر من بحار فارس او بحر من ورائهم يقال له اساف حتى حصل اثنا عشر مسلكا بعدد اسباط بنى اسرائيل والسبط ولد الولد والاسباط من بنى اسرائيل كالقبائل من العرب وهم اولاد يعقوب { فأنجيناكم } اى من الغرق باخراجكم الى الساحل { واغرقنا } الغرق الرسوب فى الشىء المائع ورسب الشىء فى الماء رسوبا اى سفل فيه والاغراق الاهلاك فى الماء { آل فرعون } يريد فرعون وقومه للعلم بدخوله فيهم وكونه اولى به منهم { وانتم تنظرون } بابصاركم انفراق البحر حين سلكتم فيه وانطباقه على آل فرعون بعد سلامتكم منه وايضا تنظرون اليهم غرقى موتى حين رماهم البحر الى الساحل قال القرطبى ان الله تعالى لما انجاهم واغرق فرعون قالوا يا موسى ان قلوبنا لا تطمئن ان فرعون قد غرق حتى امر الله البحر فلفظه فنظروا اليه روى انه لما دنا هلاك فرعون امر الله موسى عليه السلام ان يسرى ببنى اسرائيل من مصر ليلا فامرهم ان يخرجوا وان يستعيروا الحلى من القبط وامر ان لا ينادى احد منهم صاحبه وان يسرجوا في بيوتهم الى الصبح ومن خرج لطخ بابه بكف من دم ليعلم انه قد خرج فخرجوا ليلا وهم ستمائة الف وعشرون الف مقاتل لا يعدون فيهم ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره والقبط لا يعلمون ووقع فى القبط موت فجعلوا يدفنونهم وشغلوا عن طلبهم فلما ارادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا اين يذهبون فدعا موسى مشيخة بنى اسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا ان يوسف لما حضره الموت اخذ على اخوته عهدا ان لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد عليهم الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلمه احد غير عجوز قالت لو دللت على قبره أتعطينى كل ما سألتك فابى عليها وقال حتى اسأل ربى فامره الله بايتاء سؤلها فقالت انى عجوز كبيرة لا استطيع المشى فاحملنى واخرجنى من مصر هذا فى الدنيا واما فى الآخرة فاسألك ان لا تنزل في غرفة الا نزلتها معك قال نعم قالت انه في جوف الماء فى النيل فادع الله ان يحسر عنه الماء فدعا الله ان يؤخر طلوع الفجر الى ان يرغ من امر يوسف فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه فى صندوق من صنوبر قالوا ان موسى استخرج تابوت يوسف من قعر النيل ثم انه حمله حتى دفنه بالشام ففتح لهم الطريق فساروا فكان هارون امام بنى اسرائيل وموسى على ساقتهم فلما علم بذلك فرعون جمع قومه فخرج فى طلب بنى اسرائيل وعلى مقدمته هامان فى الف الف وسبعمائة الف جواد ذكر ليس فيها رمكة على رأس كل واحد منهم بيضة وفى يده حربة فسارت بنوا اسرائيل حتى وصلوا الى البحر والماء فى غاية الزيادة فادركهم فرعون حين اشرقت الشمس فقال فرعون فى اصحاب موسى ان هؤلاء لشرذمة قليلون فلما نظر اصحاب موسى اليهم بقوا متحيرين فقالوا لموسى انا لمدركون يا موسى اوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا اليوم نهلك فان البحر امامنا ان دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا ان ادركنا قتلنا يا موسى كيف نصنع واين ما وعدتنا قال موسى كلا ان معى ربى سيهدين فاوحى الله الى موسى ان اضرب بعضاك البحر فضربه فلم يطعه فاوحى الله اليه ان كنه فضربه وقال انفلق يا ابا خالد فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقا كل طريق كالجبل العظيم فكان لكل سبط طريق يأخذون فيه وارسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنوا اسرائيل البحر وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فقالوا ما لنا لا نرى اخواننا وقال كل سبط قد قتل اخواننا قال سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا لا نرضى حتى نراهم فقال موسى اللهم اعنى على اخلاقهم السيئة فاوحى الله اليه ان قل بعصاك هكذا وهكذا يمنة ويسرة فصار فيها كوى ينظر بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض فساروا حتى خرجوا من البحر فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر فرآه منفلقا قال لقومه انظروا الى البحر انفلق من هيبتى حتى ادرك عبيدى الذين ابقوا فهاب قومه ان يدخلون وقيل له ان كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان ادهم اى ذكر اسود من الخيل ولم يكن فى قوم فرعون فرس انثى فجاء جبريل على انثى وديق وهى التى تشتهى الفحل وتقدمه الى البحر فشم ادهم فرعون ريحها فاقتحم خلفها البحر اى هجم على البحر بالدخول وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من امره شيأ وهو لا يرى فرس جبريل وتبعته الخيول وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يعجلهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم حتى خاضوا كلهم البحر ودخل آخر قوم قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى وهم اولهم بالخروج فامر الله البحر ان يأخذهم فانطبق على فرعون وقومه فاغرقوا فنادى فرعون لا اله الا الذي آمنت به بنوا اسرائيل وانا من المسلمين القصة وقالت بنوا اسرائيل الآن يدركنا فيقتلنا فلفظ البحر ستمائة وعشرين الفا عليهم الحديد فذلك قوله تعالى

(1/160)

{ فاليوم ننجيك ببدنك } فلفظ فرعون وهو كانه ثور أحمر فلم يقبل البحر بعد ذلك غريقا الا لفظه على وجه الماء واعلم ان هذه الوقعة كما انها لموسى عليه الصلاة والسلام معجزة عظيمة لاوائل بنى اسرائيل موجبة عليهم شكرها كذلك اقتصاصها على ما هى عليه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الابية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبة لاعقابهم ان يتلقوها بالاذعان لانه عليه السلام اخبرهم بذلك مع انه كان اميا لم يقرأ كتابا وهذا غيب لم يكن له علم عند العرب فاخباره به دل على انه اوحى اليه ذلك وذلك علامة لنبوته فما تأثرت اوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها حيث اتخذوا العجل الها بعد الانجاء ثم صار امرهم الى ان قتلوا انبياءهم ورسلهم فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم فى دينهم وسوء اخلاقهم ولا تذكرت اواخرهم بتذكيرها وروايتها حيث بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بايديهم واشتروا به عرضا وكفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الى غير ذلك فيا لها من عصابة ما اعصاها وطائفة ما اطغاها * وفى الآية تهديد للكافرين ليؤمنوا وتنبيه للمؤمنين ليتعظوا وينتهوا عن المعاصى فى جميع الاوقات خصوصا فى الزمان الذى انجى الله فيه موسى مع بنى اسرائيل من الغرق وهو اليوم العاشر من المحرم وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم « ما هذا اليوم الذي تصومونه » فقالوا هذا يوم عظيم انجى الله فيه موسى وقومه واغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنخن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نحن احق واولى بموسى منكم » فصامه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وامر بصيامه رواه مسلم وهذا يدل بظاهره على ان النبى عليه السلام انما صام عاشوراء وامر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما اخبر به اليهود وليس كذلك لما روته عائشة رضى الله عنها قالت كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصومه فى الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه يحكى انه هرب اسير من الكفار يوم عاشوراء فركبوا فى طلبه فلما رأى الفرسان خلفه وعلم انه مأخوذ رفع رأسه الى السماء وقاله اللهم بحق هذا اليوم المبارك اسألك ان تنجينى منهم فنام فاطعم وسقى فى المنام فعاش بعد ذلك عشرين سنة لم يكن له حاجة الى الطعام والشراب قال النبى عليه السلام

(1/161)

« التمسوا فضله فانه يوم مبارك اختاره الله من الايام من صام ذلك اليوم جعل الله له نصيبا من عبادة جميع من عبده من الملائكة والانبياء والمرسلين والشهداء والصالحين » هذا فى الصوم * واما الصلاة الواردة فى يوم عاشوراء فقد ذكرها الشيخ عبد القادر قدس سره عن ابن عباس رضى الله عنهما فى حديث طويل فيه « ومن صلى اربع ركعات فى يوم عاشوراء يقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة قل هو الله احد غفر الله له ذنوب خمسين عاما مستقبلا وبنى له فى الملأ الأعلى الف منبر من نور » ويستحب احياء ليلة عاشوراء ففى الحديث « من احيى ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله بعبادة ملائكته المقربين » والاشارة ان البحر هو الدنيا وماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب وفرعون هو النفس الامارة وقومه صفات النفس وهم اعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلوهم وهم سائرون الى الله تعالى والعدو من خلفهم وبحر الدنيا امامهم ولا بدلهم فى السير الى الله من العبور على البحر ولا يخوضون البحر بلا ضرب عصا لا اله الا الله على البحر بيد موسى القلب فان له يدا بيضاء فى هذا الشأن والا لغرقوا كما غرق فرعون وقومه ولو كانت هذه العصا فى يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر فاذا ضرب يد موسى القلب بعصا الذكر ينفلق بحر الدنيا وماء شهواتها يمينا وشمالا ويرسل الله ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابسا من ماء الشهوات فيخوض موسى القلب وصفاته فيجاورونه وتنجيهم عناية الله الى الساحل وأن الى ربك المنتهى وقيل لفرعون النفس وقومه اغرقوا فادخلوا نارا كذا لصاحب التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزكية

(1/162)

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)

{ و } اذكروا يا بنى اسرائيل { اذ واعدنا } وقت وعدنا وصيغة المفاعلة بمعنى الثانى او على اصلها فان الوعد وان كان من الله فقبوله كان من موسى وقبول الوعد شبه الوعد او ان الله تعالى وعده الوحى وهو وعده المجيىء للميقات الى الطور { موسى } مفعول اول لواعدنا « مو » بالعبرانية الماء و « شى » بمعنى الشجر فقلبت الشين المعجمة سينا فى العربية وانما سمى به لان امه جعلته فى التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته فى البحر فدفعته امواج البحر حتى أدخلته بين اشجار عند بيت فرعون فخرجت جوارى آسية امرأة فرعون يغسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمى عليه السلام باسم المكان الذي اصيب به وهو الماء والشجر ونسبه عليه الصلاة والسلام موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب اسرائيل الله بن اسحق بن ابراهيم عليه السلام { اربعين ليلة } اى تمام اربعين ليلة على حذف المضاف مفعول ثان امره الله تعالى بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة ثم زاد عليه عشرا من ذى الحجة وعبر عنها بالليالى لانها غرر الشهور وشهور العرب وضعت على سير القمر ولذلك وقع بها التاريخ فالليالى اولى الشهور والايام تبع لها او لان الظلمة اقدم من الضوء { ثم اتخذتم العجل } وهو ولد البقرة بتسويل السامرى آلها ومعبودا { من بعده } اى من بعد مضيه الى الميقات وانما ذكر لفظة ثم لانه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لانزال التوراة عليه وفضيلة بنى اسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا للغائبين وتكملة للدين كان ذلك من اعظم النعم فلما أتوا عقب ذلك باقبح انواع الكفر والجهل كان ذلك فى محل التعجب فهو كمن يقول اننى احسنت اليك وفعلت كذا وكذا ثم انك تقصدنى بالسوء والاذى { وانتم ظالمون } باشراككم ووضعكم للشىء فى غير موضعه اى وضع عبادة الله تعالى فى غير موضعها بعبادة العجل وهو حال من ضمير اتخذتم

(1/163)

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

{ ثم عفونا عنكم } اى محونا جريمتكم حين تبتم { من بعد ذلك } اى من بعد الاتخاذ الذى هو متناه فى القبح فلم نعاجلكم بالاهلاك بل امهلناكم الى مجيىء موسى فنبهكم واخبركم بكفارة ذنوبكم { لعلكم تشكرون } لكى تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة فان الانعام يوجب الشكر واصل الشكر تصور النعمة واظهارها وحقيقته العجز عن الشكر : قال السعدى خردمند طبعان منت شناس ... بد وزند نعمت بميخ سباس

(1/164)

وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

{ واذ آتينا } اعطينا { موسى الكتاب والفرقان } اى التوراة الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل كقولك لقيت الغيث والليث تريد الجامع بين الجود والجراءة فالمراد بالفرقان والكتاب واحد { لعلكم تهتدون } لكى تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه وهذا بيان الحكمة دون العلة اى الحكمة فى انزاله ان يتدبروا فيه فيعلموا ان الله تعالى لم يفعل ذلك به الا للدلالة على صحة نبوته فيجتهدوا بذلك فى اتباع الرشد واذا فعلتم ذلك آمنتم بمحمد لانه قد اتى من المعجزات بما يدلكم اذا تدبرتم على صحة دعواه النبوة روى ان بنى اسرائيل لما أمنوا من عدوهم باغراق الله آل فرعون ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون اليها فوعد الله موسى ان ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه انى ذاهب لميقات ربى آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وتذرون ووعدهم اربعين ليلة واستخلف عليهم اخاه هارون فلما اتى الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيأ الا حي ليذهب بموسى الى ربه فلما رآه السامرى وكان رجلا صائغا من اهل باجرمى واسمه ميحا ورأى مواضع الفرس تخضر من ذلك وكان منافقا اظهر الاسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبريل على ذلك الفرس قال ان لهذا شأنا واخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل وقيل انه عرف جبريل لان امه حين خافت عليه ان يذبح سنة ذبح فرعون ابناء بنى اسرائيل خلفته فى غابة وكان جبريل يأتيه فيغذيه باصابعه فكان السامرى يمص من ابهام يمينه عسلا ومن ابهام شماله سمنا فلما ره حين عبر البحر عرفه فقبض قبضة من اثر فرسه فلم تزل القبضة فى يده حتى انطلق موسى الى الطور وكان السامرى سمعهم حين خرجوا من البحر واتوا على قوم يعكفون على اصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة ووقع فى نفسه ان يفتنهم من هذا الوجه وكان بنوا اسرائيل استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين ارادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم فاهلك الله تعالى فرعون وبقيت تلك الحلى فى ايدى بنى اسرائيل فلما ذهب موسى الى المناجاة عد بنوا اسرائيل اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوما قالوا قد تم اربعون ولم يرجع موسى الينا فخالفنا فقال السامرى هاتوا الحلى التى استعرتموها او ان موسى امرهم ان يلقوها فى حفرة حتى يرجع ويفعل ما يرى فيها فلما اجتمعت الحلى صاغها السامرى عجلا فى ثلاثة ايام ثم ألقى فيها القبضة التى اخذها من تراب سنبك فرس جبريل فخرجت عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون فصار جسدا له حوار اى صوت كصوت العجل وله لحم ودم وشعر وقيل دخل الريح فى جوفه من خلفه وخرج من فيه كهيئة الخوار فقال للقوم هذا الهكم وآله موسى فنسى اى اخطأ موسى الطريق وربه هنا وهو ذهب يطلبه فاقبلوا كلهم على عبادة العجل الا هارون مع انثى عشر الفا اتبعوا هارون ولم يتبعه غيرهم وهارون قد نصحهم ونهاهم وقال يا قوم يرجع الينا موسى وقيل كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشر وكانت فتنتهم فى تلك العشر فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى وظنوا انه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامرى عكفوا على العجل يعبدونه

(1/165)

قال ابو الليث فى تفسيره وهذا الطريق اصح فلما رجع موسى ووجدهم على ذلك القى الالواح فرفع من جملتها ستة اجزاء وبقى جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون واحرق العجل وذراه فى البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة ورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون ان يقتلوا انفسهم هذه حالهم واما هذه الامة فلا يحتاجون الى قتل النفس فى الصورة وتوبتهم الحقيقية انما هى الرجوع الى الله بقتل النفس الامارة التى تعبد عجل الهوى : قال فى المثنوى اى شهان كشتيم ماخصم برون ... ماند خصمى زوبتر در اندرون كشتن اين كار عقل وهوش نيست ... شيرباطن سخره خركوش نيست نفس ازدرها ست اوكى مرده است ... ازغم بى آلتى افسرده است كربيابد آلت فرعون او ... كه بامر اوهمى رفت آب جو آنكه اوبنياد فرعونى كند ... راه صد موسى وصد هارون زند واعلم ان تعيين عدد الاربعين فى الميعاد لاختصاصه فى الكمالية وذلك لان مراتب الاعداد اربع الآحاد والعشرات والمآت والالوف والعشرة عدد فى نفسها كاملة كقوله تعالى { تلك عشرة كاملة } واذا ضعفت العشرة اربع مرات وهو كمال مراتب الاعداد تكون اربعين وهو كمال الكمال وهو اعداد ايام تخمير طينة آدم عليه السلام كقوله تعالى « خمرت طينة آدم بيدى اربعين صباحا » فللاربعين خاصية وتأثير لم توجد فى غيره من الاعداد كما قال صلى الله عليه وسلم « ان خلق احدكم يجمع فى بطن امه اربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك » الحديث كما ان انعقاد الطلسم الجسمانى على وجه الكنز الروحانى كان مخصوصا بالاربعين كذلك انحلاله يكون باختصاص الاربعين سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا واما اختصاص الليل بالذكر فى قوله اربعين ليلة فلمعنيين احدهما ان لليل خصوصية في التعبد والتقرب كقوله عليه السلام « ان اقرب ما يكون العبد من الرب فى جوف الليل »

(1/166)

وهكذا قوله عليه السلام « ينزل الله كل ليلة الى السماء الدنيا » الحديث ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } الآية وقال تعالى { سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } والآخر انه لو ذكر اليوم دون الليل يظن انه موعود بالتعبد فى النهار دون الليل وانما الليل جعل للاستراحة والسكون كقوله تعالى { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا } فلما خص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام ان التعبد فى الليل واليوم جميعا كذا فى التأويلات النجمية * قال الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان النبى عليه السلام لم يعين الاربعين بل اعتكف فى العشر الاخير نعم فعل موسى عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى { وواعدنا موسى ثلثين ليلة واتممناها بعشر } والخلوتية أخذوا من ذلك كذا فى واقعات الشيخ الهدائى قدس الله نفسه الزاكية قال فى التأويلات النجمية ايضا الشكر على ثلاثة اوجه شكر بالاقوال وشكر بالاعمال وشكر بالاحوال فشكر الاقوال ان يتحدث بالنعم مع نفسه اسرارا ومع غيره اظهارا ومع ربه افتقارا كما قال تعالى { واما بنعمة ربك فحدث } وقوله صلى الله عليه وسلم « التحدث بالنعم شكر » وشكر الاعمال ان يصرف نعمة الله فى طاعته ولا يعصيه بها ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادره من المعاصى كقوله تعالى { اعملوا آل داود شكرا } وشكر الاحوال ان يتجلى المنعم بصفة الشكورية على سر العبد فلا يرى الا المنعم فى النعمة والشكور فى الشكر ويرى المنعم فى النعم والنعمة من المنعم والشكور فى الشكر والشكر من الشكور ويرى وجوده وشكره نعمتين من نعم المنعم ورؤية المنعم والنعمة نعمة اخرى الى غير نهاية فيعلم ان لا يقوم باداء شكره ولا يشكره الا الشكور وَمن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور شكور

(1/167)

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

{ و } اذكروا يا بنى اسرائيل هذا هو الانعام الخامس { اذ قال موسى } وقت قوله { لقومه } الذين عبدوا العجل { يا قوم } اى يا قومى والاضافة للشفقة { انكم ظلمتم انفسكم } اى ضررتم انفسكم بايجاب العقوبة عليها ونقصتم الثواب الواجب بالاقامة على عهد موسى { باتخاذكم العجل } اى معبودا قالوا اي شىء نصنع قال { فتوبوا } اى فاعزموا على التوبة والفاء للسببية لان الظلم سبب للتوبة { الى بارئكم } اى من خلقكم بريئا من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور وهيآت مختلفة والتعرض لعنوان البارئية للارشاد بانهم بلغوا من الجهالة اقصاها ومن الغباوة منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذى خلقهم بلطيف حمته بريئا من التفاوت والتنافر الى عبادة البقر الذى هو مثل فى الغباوة وان من لم يعرف حقوق منعمه حقيق بان تسترد هى منه ولذلك امروا بالقتل وفك التركيب وقالوا كيف نتوب قال { فاقتلوا انفسكم } اى ليقتل البريىء منكم المجرم وانما قال انفسكم لان المؤمنين اخوة واخو الرجل كانه نفسه قال تعالى { ولا تلمزوا انفسكم } يعنى ذكر قتل الانفس واراد به قتل الاخوان وهذا كما قال ولا تلمزوا انفسكم اى ولا تغتابوا اخوانكم من المسلمين كذا فى التيسير وتفسير ابى الليث * والفاء للتعقيب وتوبتهم هي قتلهم اى فاعزموا على التوبة فاقتلوا انفكسم كذا فى الكشاف وقال فى التفسير الكبير وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان ان توبتهم لا تتم ولا تحصل الا بقتل النفس وانما كان كذلك لان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام ان توبة المرتد لا تتم الا بالقتل { ذلكم } اى التوبة والقتل { خير لكم عند بارئكم } انفع لكم عند الله من الامتناع الذى هو اصرار وفيه عذاب لما ان القتل طهرة من الشرك ووصلة الى الحياة الابدية والبهجة السرمدية { فتاب عليكم } خطاب منه تعالى اى ففعلتم ما امرتم به فتاب عليكم بارئكم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم وانما لم يقل فتاب عليهم على ان الضمير للقوم لما ان ذلك نعمة اريد التذكير بها للمخاطبين لا لاسلافهم * فان قلت انه تعالى امر بالقتل والقتل لا يكون نعمة قلت ان الله نبههم على عظيم ذنبهم ثم نبههم على ما به يتخلصون من ذلك العظيم وذلك من النعم فى الدين { انه } الله تعالى { هو التواب } اى الذى يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ فى قبولها منهم { الرحيم } كثير الرحمة للمطيعين امره حيث جعل القتل كفارة لذنوبهم : قال السعدى فروماندكانرا برحمت قريب ... تضرع كنانرا بدعوت مجيب روى انهم لما امرهم موسى بالقتل قالوا نصبر لامر الله فجلسوا بالافنية محتبين مذعنين وقيل لهم من حل حبوته اومد طرفه الى قاتله او اتقاه بيد او رجل فهو ملعون مردود توبته واصلت القوم عليهم الحناجر اى حملوا عليهم الخناجر ورفعوا وضربوهم بها وكان الرجل يرى ابنه واباه واخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضى لامر الله قالوا يا موسى كيف نفعل فارسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم الى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنوا اسرائيل البقية البقية فكشف الله السحابة ونزلت التوبة وامرهم ان يكفوا عن القتل فقتل منهم سبعون الفا فكان من قتل شهيدا ومن بقى مغفورة ذنوبه واوحى الى موسى عليه السلام انى ادخل القاتل والمقتول الجنة هذا على رواية ان القاتل من المجرمين على ان معنى قوله فاقتلوا انفسكم ليقتل بعض المجرمين بعضا فالقاتل هو الذى بقى من المجرمين بعد نزول امر الكف عن القتل والا فالقاتل على الرواية الاخرى هو البريىء كما سبق في تفسير الآية

(1/168)

روى ان الامر بالقتل من الاغلال التى كانت عليهم وهى المواثيق اللازمة لزوم الغل ومن الاصر وهو الاعمال الشاقة كقطع الاعضاء الخاطئة وعدم جواز صلاتهم فى غير المسجد وعدم التطهير بغير الماء وحرمة اكل الصائم بعد النوم ومنع الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع مالهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وكما روى ان بنى اسرائيل اذا قاموا يصلون لبسوا المسوح وغلوا ايديهم الى اعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها الى السارية وحبس نفسه على العبادة فهذه الامور رفعت عن هذه الامة تكريما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فالتوبة نعمة من الله انعم بها على هذه الامة دون غيرها ولها اربع مراتب فالاولى مختصة باسم التوبة وهى اول منزل من منازل السالكين وهى للنفس الامارة وهذه مرتبة عوام المؤمنين وهى ترك المنهيات والقيام بالمأمورات وقضاء الفوائت ورد الحقوق والاستحلال من المظالم والندم على ما جرى والعزم على ان لا يعود والمرتبة الثانية الانابة وهى للنفس اللوامة وهذه مرتبة خواص المؤمنين من الاولياء والانابة الى الله بترك الدنيا والزهد فى ملاذها وتهذيب الاخلاق وتطهير النفس بمخالفة هواها والمداومة على جهادها فالنفس اذا تحلت بالانابة دخلت فى مقام القلب واتصفت بصفته لان الانابة من صفات القلب قال تعالى { وجاء ربه بقلب منيب } والمرتبة الثالثة الاوبة وهى للنفس الملهمة وهذه مرتبة خواص الاولياء والاوبة الى الله من آثار الشوق الى لقائه فالنفس اذا تحلت بالاوبة دخلت فى مقام الروح ومن امارات الاواب المشتاق ان يستبدل المخالطة بالعزلة ومنادمة الاخدان بالخلوة ويستوحش عن الخلق ويستأنس بالحق ويجاهد نفسه فى الله حق جهاده ساعيا فى قطع تعلقاتها عن الكونين والمرتبة الرابعة وهى للنفس المطمئنة وهذه مرتبة الانبياء واخص الاولياء قال تعالى

(1/169)

{ ارجعي الى ربك } وهى صورة جذبة العناية الربوبية نفوس الانبياء والاولياء تجذبها من انانيتها الى هوية ربوبيته راضية اى طائعة تلك النفوس شوقا الى لقاء ربها مرضية اى على طريقة مرضية فى السير لربها باذلة نفسها فى مشاهدة اللقاء طامعة لرفع الاثنينية ودوام الالتقاء قيل لما قدم الحلاج لتقطع يده قطعت اليد اليمنى اولا فضحك ثم قطعت اليد اليسرى فضحك ضحكا بليغا فخاف ان يصفر وجهه من نزف الدم فكب وجهه على الدم السائل ولطخ وجهه بدمه وانشأ يقول الله يعلم ان الروح قد تلفت ... شوقا اليك ولكنى امنيها ونظرة منك يا سؤلى ويا املى ... اشهى الى من الدنيا وما فيها يا قوم انى غريب فى ديار كمو ... سلمت روحى اليكم فاحكموا فيها ما اسلم النفس للاسقام تتلفها ... الا لعلمى بان الوصل يحييها نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوما يداويها ثم رفع رأسه الى السماء وقال يا مولاى انى غريب فى عبادك وذكرك اغرب منى والغريب يألف الغريب ثم ناداه رجل وقال يا شيخ ما العشق قال ظاهره ما ترى وباطنه دق عن الورى وفى التأويلات النجمية ان لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله قوم يعبدون عجل الدراهم والدنانير وقوم يعبدون عجل الشهوات وقوم يعبدون عجل الجاه وقوم يعبدون عجل الهوى وهذا ابغضها على الله فالله تعالى يلهم موسى قلب كل سعيد ليقول يا قوم { انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم } اى ارجعوا الى الله بالخروج عما سواه ولا يمكنكم الا بقتل النفس { فاقتلوا انفسكم } بقمع الهوى لان الهوى هو حياة النفس وبالهوى ادعى فرعون الربوبية وعبد بنوا اسرائيل العجل وبالهوى أبى واستكبر ابليس اوارجعوا بالاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها فاقتلوا النفس فى الباطن وقهرها فامر صعب لا يتيسر الا لخواص الحق بسيف الصدق وبنصر الحق ولهذا حعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا رجع من غزو يقول « رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر » وذلك لان المجاهد اذا قتل بسيف الكفار يستريح من التعب بمرة واحدة واذا قتل بسيف الصدق فى يوم الف مرة تحيى كل مرة نفس على بصيرة اخرى وتزداد فى مكرها فلا يستريح المجاهد طرفة عين من جهادها ولا يأمن مكرها وبالحقيقة النفس هى صورة مكرالحق ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون { ذلكم خير لكم عند بارئكم } يعنى قتل النفس بسيف الصدق خير لكم لان بكل قتلة رفعة ودرجة لكم عند بارئكم فانتم تتقربون الى الله بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب اليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم كما قال « من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا » وذلك قوله { فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم } : قال فى المثنوى عمرا كربكذشت بينحش اين دم است ... آب توبش ده اكر اوبى نم است بيخ عمرت را بده آب حيات ... تادرخت عمر كردد باثبات

(1/170)

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)

{ واذ قلتم } هذا هو الانعام السادس اى واذكروا يا بنى اسرائيل وقت قول السبعين من اسلافكم الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه الى الطور للاعتذار عن عبادة العجل وهم غير السبعين الذين اختارهم موسى اول مرة حين اراد الانطلاق الى الطور بعد غرق فرعون لاتيان التوراة { يا موسى لن نؤمن لك } لن نصدقك لاجل قولك ودعوتك على ان هذا كتاب الله وانك سمعت كلامه وان الله تعالى امرنا بقبوله والعمل به { حتى نرى الله جهرة } اى عيانا لا ساتر بيننا وبينه كالجهر فى الوضوح والانكشاف لان الجهر فى المسموعات والمعاينة فى المبصرات ونصبها على المصدرية لانها نوع من الرؤية فكأنها مصدر الفعل الناصب او حال من الفاعل والمعنى حتى نرى الله مجاهرين او من المفعول والمعنى حتى نرى الله مجاهرا بفتح الهاء { فأخذتكم الصاعقة } هى نار محرقة فيها صوت نازلة من السماء وهى كل امر مهول مميت او مزيل للعقل والفهم وتكون صوتا وتكون نارا وتكون غير ذلك وانما احرقتهم الصاعقة لسؤالهم ما هو مستحيل على الله فى الدينا ولفرط العناد والتعنت وانما الممكن ان يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين فى الآخرة وللافراد من الانبياء فى بعض الاحوال فى الدنيا { وانتم تنظرون } الى الصاعقة النازلة فان كانت نارا فقد عاينوها وان كانت صوتا هائلا فقد مات بعضهم اولا ورأى الباقون انهم ماتوا ويسمى هذا رؤية الموت مجازا

(1/171)

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

{ ثم بعثناكم } اى احييناكم { من بعد موتكم } بتلك الصاعقة وقيد البعث بقوله من بعد موتكم مع انه يكون بعد الموت لما انه قد يكون من الاغماء او من النوم * قال قتادة احياهم ليستوفوا بقية آجالهم وارزاقهم وكان ذلك الموت بلا اجل وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة لغيرهم قبل انقضاء آجالهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا الى يوم القيامة فان قلت كيف يجوز ان يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز ان يكلف اهل الآخرة اذا بعثوا بعد الموت قلنا الذى يمنع من تكليفهم فى الآخرة هو الاماتة ثم الاحياء وانما يمنع من ذلك لانه قد اضطرهم يوم القيامة الى معرفته والى معرفة ما فى الجنة من اللذات وما فى النار من الآلام وبعد العلم الضرورى لا تكليف فاذا كان المانع هو هذا لم يمتنع فى هؤلاء الذين اماتهم الله بالصعقة ان لا يكون قد اضطرهم لا تكليف فاذا كان المانع هو هذ لم يمتنع فى هؤلاء الذين اماتهم الله بالصعقة ان لا يكون قد اضطرهم واذا كان كذلك صح ان يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الاحياء بمنزلة النوم او بمنزلة الاغماء { لعلكم تشكرون } نعمة الحياة بالتوحيد والطاعة او لعلكم تشكرون وقت مشاهدتكم بأس الله بالصاعقة نعمة الايمان التى كفرتموها بقولكم لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فان ترك النعمة لاجل طلب الزيادة كفران لها اى لعلكم تشكرون نعمة الايمان فلا تعودون الى اقتراح شىء بعد ظهور المعجزة واصل القصة ان موسى عليه السلام لما رجع من الطور الى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لاخيه والسامرى ما قال وأحرق العجل والقاه فى البحر وندم القوم على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين امر الله موسى ان يأتيه فى ناس من بنى اسرائيل يعتذرون اليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين من قومه من خيارهم فلما خرجوا الى الطور قالوا لموسى سل ربنا حتى يسمعنا كلامه فسأل موسى عليه السلام ذلك فاجابه الله ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه وقال للقوم ادخلوا فكلم الله موسى يأمره وينهاه وكلما كلمه الله تعالى اوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع احد من السبعين النظر اليه وسمعوا كلامه تعالى مع موسى افعل لا تفعل فعند ذلك طمعوا فى الرؤية وقالوا ما قالوا فاخذتهم الصاعقة فخروا صعقين ميتين يوما وليلة فلما ماتوا جميعا جعل موسى يبكى ويتضرع رافعا يديه الى السماء يدعو ويقول يا آلهى اختر من بنى اسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودى بقبول توبتهم وماذا اقول لهم اذا اتيتهم وقد اهلكت خيارهم لو شتئ اهلكتهم قبل هذا اليوم مع اصحاب العجل أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى احياهم الله ورد اليهم ارواحهم وطلب توبة بنى اسرائيل من عبادة العجل فقال لا الا ان يقتلوا انفسهم قالوا ان موسى عليه السلام سأل الرؤية فى المرة الاولى فى الطور ولم يمت لان صعقته لم تكن موتا ولكن غشية بدليل قوله تعالى

(1/172)

{ فلما افاق } وسأل قومه فى المرة الثانية حين خرجوا للاعتذار وماتوا وذلك لان سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء ولم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت فانهم ظنوا انه تعالى يشبه الاجسام وطلبوا رؤيته رؤية الاجسام فى الجهات والاحياز المقابلة للرائى وهى محال وليس فى الآية دليل على نفى الرؤية بل فيها اثباتها وذلك ان موسى عليه السلام لما سأله السبعون لم ينههم عن ذلك وكذلك سأل هو ربه الرؤية فلم ينهه عن ذلك بل قال { فان استقر مكانه فسوف ترانى } وهذا تعليق بما يتصوره قال بعض العلماء الحكماء الحكمة فى ان الله تعالى لا يرى فى الدنيا وجوه الاول ان الدنيا دار اعدائه لان الدنيا جنة الكافر الثانى لو رآه المؤمن لقال الكافر لو رأيته لعبدته ولو رأوه جميعا لم يكن لاحدهما مزية على الآخر الثالث ان المحبة على غيب ليست كالمحبة على عين الرابع ان الدنيا محل المعيشة ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معائشهم فتعطلت الخامس انه جعلها بالبصيرة دون البصر ليرى الملائكة صفاء قلوب المؤمنين السادس ليقدر قدرها اذ كل ممنوع عزيز السابع انما منعها رحمة بالعباد لما جبلوا عليه فى هذه الدار من الغيرة اذ لو رآه احد تصدع قلبه من رؤية غيره اياه كما تصدع الجبل غيرة من ان يرآه موسى والاشارة فى الآية ان مطالبة الرؤية جهرة هى تعرض مطالبة الذات غفلة فيوجب سوء الادب وترك الحرمة وذلك من امارات البعد والشقاوة فمن سطوات العظمة والعزة اخذتهم الرجفة والصعقة اظهارا لعدل ثم افاض عليهم سجال النعم اسبالا للسر على هيآت العبيد والخدم وقال { ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } اظهارا للفضل ومن علامات الوصلة ودلالات السعادة التولى بمكاشفاث العزة مقرونا بملاطفات القربة فمن اصلح حاله لم يطلق لسان الجهل بل اتى البيت من بابه ويتأدب في سؤاله وجوابه : قال فى المثنوى ييش بينايان كنى ترك ادب ... نار شهوت را ازان كشتى حطب جون ندارى فطنت ونور هدا ... بهر كوران روى را ميزن جلا ولا بد من قتل النفس الامارة حتى تحكم فى عالم الحقيقة بما شئت

(1/173)

قال القشيرى التوبة بقتل النفوس غير منسوخة فى هذه الامة الا ان بنى اسرائيل كان لهم قتل انفسهم جهرا وهذه الامة توبتهم بقتل انفسهم فى انفسهم سرا واول قدم هو القصد الى الله والخروج من النفس لله قال ولقد توهم الناس ان توبة بنى اسرائيل كانت اشق وليس كما توهموا فان ذلك كان مرة واحدة واهل الخصوص من هذه الامة قتلهم انفسهم فى كل لحظة كما قيل ليس من مات فاستراح بميت ... انما الميت ميت الاحياء وفى المثنوى قوت ازحق خواهم وتوفيق ولاف ... تابسوزن بر كنم اين كوه قاف سهل شيرى دانكه صفها بشكند ... شير آنست آنكه خودرابشكند

(1/174)

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

{ وظللنا عليكم الغمام } هذا هو الانعام السابع اى جعلنا الغمام ظلة عليكم يا بنى اسرائيل وهذا جرى فى التيه بين مصر والشام فانهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر وقعوا فى صحراء لا ابنية فيها امرهم الله تعالى بدخول مدينة الجبارين وقتالهم فقلوا فلما قربوا منها سمعوا بان اهلها جبارون اشداء قامة احدهم سبعمائة ذراع ونحوها فامتنعوا وقالوا لموسى اذهب انت وربك فقاتلان انا ههنا قاعدون فعاقبهم الله بان يتيهوا فى الارض اربعين سنة وكانت المفازة يعنى التيه اثنى عشر فرسخا فاصابهم حر شديد وجوع مفرط فشكوا الى موسى فرحمهم الله فانزل عليهم عمودا من نور يدلى لهم من السماء فيسير معهم بالليل يضيىء لهم مكان القمر اذا لم يكن قمر وارسل غماما ابيض رقيقا اطيب من غمام المطر يظللهم من حر الشمس فى النهار وسمى السحاب غماما لانه يغم السماء اى يسترها والغم حزن يستر القلب ثم سألوا موسى الطعام فدعا ربه فاستجاب له وهو قوله تعالى { وانزلنا عليكم المن } اى الترنجبين بفتح الراء وتسكين النون كان ابيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن او المن جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام « الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين » اى مما من الله على عباده والظاهر ان مجرد مائه شفاء لانه عليه السلام اطلق ولم يذكر الخلط ولما روى عن ابى هريرة انه قال عصرت ثلاثة اكمؤ وجعلت ماءها فى قارورة فكحلت منه جارية لى فبرئت باذن الله تعالى وقال النووى رأينا فى زماننا اعمى كحل عينه بمائها مجردا فشفى وعاده اليه بصره ثم لما ملوا من اكله قالوا يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك ان يطعمنا اللحم فانزل الله عليهم السلوى وذلك قوله { والسلوى } هو السمانى كانت تحشره عليهم الريح الجنوب وكانت الريح تقطع حلوقها وتشق بطونها وتمعط شعورها وكانت الشمس تنضجها فكانوا يأكلونها مع المن واكثر المفسرين على انهم يأخذونها فيذبحونها فكان ينزل عليهم المن نزول الثلج من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وتأتيهم السلوى فيأخذ كل انسان منهم كفايته الى الغد الا يوم الجمعة يأخذ ليومين لانه لم يكن ينزل يوم السبت لانه كان يوم عبادة فان اخذ اكثر من ذلك دود وفسد { كلوا } اى قلنا لهم كلوا { من طيبات } حلالات { ما رزقناكم } من المن والسلوى ولا ترفعوا منه شيأ ادخارا ولا تعصوا امرى فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة ان ينفد ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك والطيب ما لا تعافه طبعا ولا تكرهه شرعا { وما ظلمونا } اى فظلموا بان كفروا تلك النعمة الجليلة وادخروا بعدما نهوا عنه وما ظلمونا اى ما بخسوا بحقنا { ولكن كانوا انفسهم يظلمون } باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذى كان ينزل عليهم بلا مؤونة فى الدنيا ولا حساب فى العقبى فرفعنا ذلك عنهم لعدم توكلهم علينا : قال فى المثنوى

(1/175)

سالها خوردى وكم نامد زخور ... ترك مستقبل كن وماضى نكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لولا بنوا اسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا خيانة حواء لم تخن انثى زوجها الدهر » واستمر النتن من ذلك الوقت لان البادئ للشىء كالحامل للغير على الاتيان به وكذلك استمرت الخيانة من النساء لان ام النساء خانت بان أغواها ابليس قبل آدم حتى اكلت من الشجرة ثم أتت آدم فزينت له ذلك حتى حملته على ان اكل منها فاستمرت تلك الخيانة من بناتها لازواجها * قال السعدى كراخانة آباد وهمخوا به دوست ... خدارا برحمت نظر سوى اوست قال فى الاشباه والنظائر الطعام اذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن اذا انتن لا يحرم اكله انتهى والاشارة فى الآية انه تعالى لما ادبهم بسوط الغربة ادركهم بالرحمة فى وسط الكربة فاكرمهم بالانعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى فلا شعورهم كانت تطول ولا اظفارهم كانت تنبت ولا ثيابهم كانت تخلق او تنسخ وتدرن بل كانت تنمو صغارها حسب نمو الصغار والصبيان ولا شعاع الشمس كان ينبسط وكذلك سنته بمن حال بينه وبين اختياره يكون ما اختاره خيرا له مما يختاره العبد لنفسه فما ازدادوا بشؤم الطبيعة الا الوقوع فى البلوى كما قيل كلوا من طيبات ما رزقناكم بامر الشرع وما ظلمونا اذ تصرفوا فيها بالطبع ولكن كانوا انفسهم يظلمون بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى قال فى التنوير وما ادخلك الله فيه تولى اعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك اليه فلا تكفر نعمة الله عليك فيما تولاك به من ذلك كان بعضهم يسير فى البادية وقد اصابه العطش فانتهى الى بئر فارتفع الماء الى رأس البئر فرفع رأسه الى السماء وقال اعلم انك قادر ولكن لا اطيق هذا فلو قيضت لى بعض الاعراب يصفعنى صفعات ويسقينى شربة ماء كان خيرا لى ثم انى أعلم ان ذلك الرفق من جهته فقد عرفت ان مكر الله خفى فلا تغرنك النعم الظاهرة والباطنة وليكن عزمك على الشكر والاقامة فى حد اقامك الله فيه والا فتضل وتشقى وقد قال الشيخ ابو عبد الله القرشى من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصى فهى حجاب فى حقه وسترها عنه رحمة فالنعمة كما انها سبب للسعادة كذلك هى سبب للشقاوة استدراحا : قال فى المثنوى بنده مى نالد بحق ازدرد ونيش ... صد شكايت ميكند ازرنج خويش حق همى كويدكه آخررنج ودرد ... مرترا لابه كنان وراست كرد اين كله زان نعمتى كن كت زند ... ازدرما دور ومطرودت كند فلا بد للمؤمن السالك من الفناء عن الذات والصفات والافعال والدور مع الامر الالهى فى كل حال حتى يكون من الصديقين واهل اليقين اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك واجعلنا من الذين معك فى تقلباتهم وكل معاملاتهم آمين آمين آمين بجاه النبى الامين

(1/176)

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

{ واذ قلنا } هذا هو الانعام الثامن لانه تعالى أباح لهم دخول البلدة وازال عنهم التيه اى اذكروا يا بنى اسرائيل وقت قولنا لآبائكم اثر ما انقذتم من التيه { ادخلوا هذه القرية } منصوب على الظرفية اى مدينة بيت المقدس والقرية بفتح القاف وكسرها ما يجتمع فيه الناس اخذا من القرى { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } اى اكلا واسعا هنيئا على ان النصب على المصدرية او هو حال من الواو فى كلوا اى راغدين متوسعين وفيه دلالة على ان المأمور به الدخول على وجه الاقامة والسكنى قال فى التيسير اى ابحنا لكم ووسعنا عليكم فتعيشوا فيها أنى شئتم بلا تضيق ولا منع وهو تمليك لهم بطريق الغنيمة وذكر الاكل لانه معظم المقصود { وادخلوا الباب } اى بابا من ابواب القرية وكان لها سبعة ابواب والمراد الباب الثانى من بيت المقدس ويعرف اليوم ببا حطة او باب القبة التى كان يتعبد فيها موسى وهارون ويصليان مع بنى اسرائيل اليها { سجدا } اي ركعا منحنين ناكسى رؤسكم بالتواضع على ان يكون المراد به معناه الحقيقي او ساجدين لله تعالى شكرا على اخراجكم من التيه على ان يكون المراد به معناه الشرعى { وقولوا حطة } رفع بخبرية المبتدأ المحذوف اى مسألتنا من الله ان يحط عنا ذنوبنا او نصب اي حط عنا ذنوبنا حطة وقيل اريد بها كلمة الشهادة اى قولوا كلمة الشهادة الحاطة للذنوب { نغفر لكم } مجزوم على انه جواب الامر من الغفر وهو الستر اى تستر عليكم { خطاياكم } جمع خطيئة ضد الصواب اى ذنوبكم فلا نجازيكم بها لما تفعلون من السجود والدعاء وهم الذين عبدوا العجل ثم تابوا { وسنزيد المحسنين } ثوابا من فضلنا وهم الذين لم يعبدوا العجل والمحسن من احسن فى فعله والى نفسه وغيره وقيل المحسن من صحح عقد توحيده واحسن سياسة نفسه واقبل على اداء فرائضه وكف شره وقيل هو الفاعل ما يجمل طبعا ويحمد شرعا واخرج ذلك عن صورة الجواب الى الوعد ايذانا بان المحسن بصدد زيادة الثواب وان لم يقل حطة فكيف اذا قالها واستغفر وانه يقول ويستغفر لا محالة امرهم بشيئين بعمل يسير وقول صغير فالعمل الانحناء عند الدخول والقول التكلم بالمقول ثم وعد عليهما غفران السيآت والزيادة فى الحسنات

(1/177)

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

{ فبدل الذين ظلموا } اى غير الذين ظلموا انفسهم بالمعصية ما قيل لهم من التوبة والاستغفار { قولا } آخر مما لا خير فيه فاحد مفعولى بدل محذوف { غير الذى قيل لهم } غير نعت لقولا وانما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه روى انهم قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية وهى لغتهم حطا سمقانا يعنون حنطة حمراء استخفافا بامر الله تعالى وقال مجاهد طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فابوا ان يدخلون سجدا فدخلوا يزحفون على استاههم مخالفة فى الفعل كما بدلوا القول واما المحسنون ففعلوا ما امروا به ولذا لم يقل فبدلوا بل قال فبدل الذين ظلموا وظاهره انهم بدلوا القول وحده دون العمل وبه قال جماعة وقيل بل بدلوا العمل والقول جميعا ومعنى قوله قولا غير الذى قيل لهم اى امرا غير الذى امروا به فان امر الله قول وهو تغيير جميع ما امروا به { فانزلنا } اى عقيب ذلك { على الذين ظلموا } اى غيروا ما امروا به ولم يقل عليهم على الاختصار وقد سبق ذكر الذين ظلموا فى الآية لانه سبق ذكر المحسنين ايضا فلو اطلق لوقع احتمال دخول الكل فيه ثم هذا ليس بتكرار لان الظلم اعم من الصغائر والكبائر والفسق لا بد وان يكون من الكبائر فالمراد بالظلم ههنا الكبائر بقرينة الفسق والمراد بالظلم المتقدم هو ما كان من الصغائر { رجزا من السماء } اى عذابا مقدرا والتنوين للتهويل والتفخيم { بما } مصدرية { كانوا يفسقون } بسبب خروجهم عن الطاعة والرجز فى الاصل ما يعاف ويستكره وكذلك الرجس والمراد به الطاعون روى انه مات فى ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا ودام فيهم حتى بلغ سبعين الفا وفى الحديث « الطاعون رجز ارسل على بنى اسرائيل او على من كان قبلكم فاذا سمعتم ان الطاعون بارض فلا تدخلوها واذا وقع بارض وانتم بها فلا تخرجوا منها » وفى الحديث ايضا « اتانى جبريل بالحمى والطاعون فامسكت الحمى بالمدينة وارسلت الطاعون الى الشأم فالطاعون شهادة لامتى ورحمة لهم ورجس على الكافر » واعلم ان من مات من الطاعون مات شهيدا ويأمن فتنة القبر وكذا الصابر فى الطاعون اذا مات بغير الطاعون يوقى فتنة القبر لانه نظير المرابط فى سبيل الله تعالى فالمطعون شهيد وهو من مات من الطاعون والصابر المحتسب فى حكمه وكذا المبطون وهو الميت من داء البطن وصاحب الاسهال والاستسقاء داخل فى المبطون لان عقله لا يزال حاضرا وذهنه باقيا الى حين موته ومثل ذلك صاحب السل وكذا الغرق شهيد وهو بكسر الراء من يموت غريقا فى الماء وكذا صاحب المهدم بفتح الدال ما يهدم وصاحبه من يموت تحته وكذا المقتول فى سبيل الله وكذا صاحب ذات الجنب والحرق والمرأة الجمعاء وهى من تموت حاملا جامعا ولدها وليس موت هؤلاء كموت من يموت فجأة او من يموت بالسام او البرسام والحميات المطبقة او القولنج او الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الالم ولورم ادمغتهم وافساد امزجتها * واعلم ان الطاعون مرض يكثر فى الناس ويكون نوعا واحدا والوباء وهو المرض العام قد يكون بطاعون وقد لا يكون

(1/178)

وفى الحديث « فناء امتى بالطعن والطاعون » قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفنا فما الطاعون قال « وخز اعدائكم من الجن وفى كل شهادة » قال ابن الاثير الطعن القتل بالرمح والوخز طعن بلا نفاذ وهذا لا ينفى قوله عليه الصلاة والسلام فى حديث آخر « غدة كغدة البعير تخرج فى مراق البطن » وذلك ان الجنى اذا وخز العرق من مراق البطن خرج من وخزه الغدة فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة والغدة هى التى تخرج فى اللحم والمراق اسفل البطن وفى الحديث « اذا بخس المكيال حبس القطر واذا كثر الزنى كثر القتل واذا كثر الكذب كثر الهرج » والحكمة ان الزنى اهلاك النفس لان ولد الزنى هالك حكما فلذلك وقع الجزاء بالموت الذريع اى السريع لان الجزاء من جنس العمل ألا يرى ان بخس المكيال يجازى بمنع القطر الذى هو سبب لنقص ارزاقهم وكذا الكذب سبب للتفرق والعداوة بين الناس ولهذا يجازى بالهرج الذى هو الفتنة والاختلاط وانما عمت البلية اينما وقعت لتكون عقوبة على اخوان الشياطين وشهادة ورحمة لعباد الله الصالحين اذالموت تحفة للمؤمن وحسرة للفاسق ثم يبعثهم الله على قدر اعمالهم ونياتهم فيجازيهم والفرار من الطاعون حرام اذالفرار نسيان الفاعل المختار كما قال ابن مسعود رضى الله عنه الطاعون فتنة على الفار والمقيم اما الفار فيقول بفراره نجوت واما المقيم فيقول اقمت فمت وفى الحديث « الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر فى الزحف » والزحف الجيش الذى يرى لكثرته كانه يزحف اى يدب دبيبا والمراد هنا الفرار من الجيش فى الغزو ولكن يجب ان يقيد بالمثل او الضعف فهذا الخبر يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر وليس بعيدا ان يجعل الله الفرار منه سببا لقصر العمر كما جعل الله تعالى الفرار من الجهاد سببا لقصر العمر قال تعالى { قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت او القتل واذا لا تمتعون الا قليلا } واما الخروج بغير طريق الفرار فمرخص فيه لكن الرخصة مشروطة بشرائط صعبة لا يقدر عليها الا الافراد منها حفظ امر الاعتقاد والتحرز من الاسباب العادية للمرض كالهواء الفاسد وغيره فهو رخصة لكن مباشرة الحمية لاجل الخلاص من الموت سفه وعبث لا يشك فى حرمتها عوام المسلمين فضلا عن خواصهم قالوا فى بعض الامراض سراية الى ما يجاوره باذن الله تعالى كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم

(1/179)

« ان من القرف التلف » والقرف بالتحريك مداناة المرضى واما قوله عليه السلام « لا عدوى » فانما هو نفى للتعدى طبعا كما هو اعتقاد اهل الجاهلية حيث كانوا يرون التأثير من طبيعة المرض لا نفى للسراية مطلقا والتسبب واجب للعوام والمبتدئين فى السلوك والتوكل افضل للمتوسطين واما الكاملون فليس يمكن حصر احوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان : قال فى المنثوى درحذر شوريدن شوروشر ست ... روتو كل كن توكل بهترست باقضا نبجه مزن اى تند وتيز ... تانكيردهم قضا باتوستيز مرده بايد بود بيش حكم حق ... تانيايد زحم از رب الفلق روى ان جالينوس دفع الى اصحابه قرصين مثل البنادق وقال اجعلوا احدهما بعد موتى فوق الحديد الذى يعمل عليه الحدادون والآخر فى حب مملوء من الماء ثم اكسروا الحب ففعلوا كما اوصى فذاب الحديد فى الارض ولم يجدوا منه شيأ وانجمد الماء وقام بلا وعاء قال الحكماء اراد بذلك انى وان قدرت الى اذابة اصلب الاجساد واقامة الماء الذى من طبعه السيلان ما وجدت للموت دواء ولذا قال بعضهم ألا يا ايها المغرور تب من غير تأخير ... فان الموت قد يأتى ولو صيرتقارونا بسل مات ارسطاليس بقراط بافلاج ... وافلاطون ببرسام وجالينوس مبطونا قال الشافعى رحمه الله انفس ما يداوى به الطاعون التسبيح ووجهه بان الذكر يرفع العقوبة والعذاب قال تعالى { فلولا انه كان من المسبحين } وكذا كثرة الصلاة على النبى المحترم صلى الله تعالى عليه وسلم لكن مثل هذا انما يكون مؤثرا اذا اقترن بالشرائط الظاهرة والباطنة اذ ليس كل ذكر وصلاة شفيعا عند الحضرة الآلهية : قال المنثوى كرندارى تودم خوش دردعا ... رودعا ميخواه از اخوان صفا هركرا دل باك ازاعتدال ... آن دعايش ازونيست كفت داورست آن دعا بينحودان خودديكرست ... آن دعا ازونيست كفت داورست آن دعا حق ميكند جون اوفناست ... آن دعا وآن اجابت ازخداست هين بجواين قوم را اى مبتلا ... هين غنيمت دارشان بيش ازبلا

(1/180)

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

{ واذ استسقى موسى لقومه } نعمة اخرى كفروها اى اذكروا ايضا يا بنى اسرائيل اذ سأل موسى السقيا { لقومه } لاجل قومه وكان ذلك فى التيه حين استولى عليهم العطش الشديد فاستغاثوا بموسى فدعا ربه ان يسقيهم { فقلنا } له بالوحى ان { اضرب بعصاك } وكانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع على طور موسى ولها شعبتان تتقدان فى الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثها الانبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى { الحجر } اللام اما للعهد والاشارة الى معلوم فقد روى انه كان حجرا طوريا حمله معه وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل له اربعة اوجه فى كل وجه ثلاث اعين او هو الحجر الذى فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى مما رموه به من الادرة فاشار اليه جبريل ان ارفعه فان لله قيه قدرة ولك فيه معجزة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كان بنوا اسرائيل ينظر بعضهم الى سوءة بعض وكان موسى يغتسل وحده فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فجمع موسى باثره يقول ثوبى يا حجر حتى نظرت بنو اسرائيل الى سوءة موسى فقالوا والله ما بموسى ادرة » وهى بالضم نفخة بالخصية واما للجنس اى اضرب اضرب الشىء الذى يقال له الحجر وهو الاظهر فى الحجة اى ابين على القدرة فان اخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر اى حجر كان ادل على ثبوت نبوة موسى عليه السلام من اخراجه من حجر معهود معين لاحتمال ان يذهب الوهم الى تلك الخاصية فى ذلك الحجر المعين كخاصية جذب الحديد فى حجر المغناطيس { فانفجرت } اى فضرب فالفاء متعلقة بمحذوف والانفجار الانسكاب والانبجاس الترشح والرش فالرش اول ثم الانسكاب { منه } اى من ذلك الحجر { اثنتا عشرة عينا } ماء عذبا على عدد الاسباط لكل سبط عين وكان يضربه بعصاه اذا نزل فيتفجر ويضربه اذا ارتحل فييبس { قد علم كل اناس } اي كل سبط من الاسباط الاثنى عشر { مشربهم } اى عينهم الخاصة بهم او موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره فى شربه والمشرب المصدر والمكان والحكمة فى ذلك ان الاسباط كانت بينهم عصبية ومباهاة وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر وكل سبط اراد تكثير نفسه فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة ليستقوا منها ويسقوا دوابهم لكيلا يقع بينهم جدال ومخاصمة وكان ينبع من كل وجه من الحجر ثلاث اعين تسيل كل عين فى جدول الى سبط وكانوا ستمائة الف وسعة المعسكر اثنى عشر ميلا ثم ان الله تعالى قد كان قادرا على تفجير الماء وفلق البحر من غير ضرب لكن اراد ان يربط المسببات بالاسباب حكمة منه للعباد فى وصولهم الى المراد وليترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم فى المعاد ومن انكر امثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره فى عجائب صنعه فانه لما امكن ان يكون من الاحجار ما يحلق الشعر ويمقر الخل ويجذب الحديد لم يمتنع ان يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الارض او لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك

(1/181)

قال القرطبى فى تفسيره ما ورد من انفجار الماء ونبعه من يد نبينا صلى الله عليه وسلم وبين اصابعه اعظم فى المعجزة فانا نشاهد الماء يتفجر من الاحجار آناء الليل واطراف النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبى قبل اذ لم يخرج الماء من لحم ودم { كلوا } علىرادة القول اى قلنا لهم او قيل لهم كلوا { واشربوا من رزق الله } هو ما رزقهم من المن والسلوى والماء فالاكل يتعلق بالاولين والشرب بالثالث وانما لم يقل من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى فقلنا ايذنا بان الامر بالاكل والشرب لم يكن بطريق الخطاب بل بواسطة موسى عليه السلام { ولا تعثوا فى الارض } العثى اشد الفساد فقيل لهم لا تتمادوا فى الفساد حال كونهم { مفسدين } فالمراد بهذه الحال تعريفهم بانهم على الفساد لا تقييد العامل والا لكان مفهومه مفيدا معنى تمادوا فى الفساد فيكون التقييد للعامل بالخاص ودلت الآية على فضيلة امة محمد صلى الله عليه وسلم فان بنى اسرائيل احتاجوا الى الماء فرجعوا الى موسى ليسأل واحتاجوا الى البقل والقثاء وسائر المأكولات ففعلوا ذلك وهذه الامة اطلق لهم ان يسألوا الله كلما احتاجوه قال تعالى { واسألوا الله من فضله } وقال { ادعوني استجب لكم } وفيها بشارة عظيمة وسأل موسى ربه الماء لقومه بقولهم وسأل عيسى ربه المائدة بقولهم وسأل نبينا عليه الصلاة والسلام المغفرة لنا بامر الله تعالى قال { واستغفر لذنبك وللمؤمنين } فلما اجاب الله لهما فيما سألاه بطلب القوم فلأن يجيب نبينا فيما سأله بامره اولى وافادت الآية ايضا اباحة الخروج الى الاستسقاء وهو انما يكون اذا دام انقطاع المطر مع الحاجة اليه فالحكم حينئذ اظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة وقد استسقى نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فخرج الى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وروى عن جندبة ان اعرابيا دخل عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وقال يا رسول الله هلكت الكراع والمواشى واجدبت الارض فادع الله ان يسقينا فرفع يديه ودعا قال انس رضى الله عنه والسماء كانها زجاجة ليس بها قزعة فنشأت سحابة ومطرت الى الجمعة القابلة : قال فى المثنوى تافرود آيد بلا بى دافعى ... جون نباشد ازتضرع شافعى تاسقاهم ربهم آيد خطاب ... تشنه باش الله اعلم بالصواب

(1/182)

وعدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه كما قال الشيخ المحقق ابن الفارض قدس سره ويحسن اظهار التجلد للعدى ... ويقبح غير العجز عند الاحبة وفي الحديث « لن تخلوا الارض من اربعين رجلا مثل خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام فبهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم احد الا ابدل الله مكانه آخر » كرندارى تودم خوش دردعا ... رودعا ميخواه ازاخوان صفا وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال « ما عام بامطر من عام ولكنه اذا عمل قوم بالمعاصى حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى » قال الشيخ الشهير بافتاده ترقى الطالب برعاية السنن وذكر انه استسقى الناس مرارا فى زمن الحجاج فلم ينزل لهم قطرة فقيل لهم لودعا شخص لم يترك سنة العصر وسنة الاولى من العشاء لحصل المقصود والا لا يحصل وان دعوتم اربعين مرة فتفقدوا لم يجدوا شخصا على الصفة المذكورة فرجع الحجاج الى نفسه فوجدها على ما ذكر فدعا فنزل مطر عظيم فى هذا الحين وحصل المقصود وهذا ببركة رعاية سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع انه مشهور بالظلم ولا بد فى الاستسقاء من تقديم التوبة والصدقة والصوم وان يجعل صلحاء الناس وسيلة وشفيعا فى ذلك ويستسقى للدواب العطاش والانعام السائمة والاطفال الضعيفة فلعلهم يسقون ببركتها وليكن الداعى ربه على يقين الاجابة لان رد الدعاء اما لعجز فى اجابته او لعدم كرم فى المدعو او لعدم علم المدعو بدعاء الداعى وهذه الاشياء منتفية عن الله تعالى فانه كريم عالم قادر لا مانع له من الاجابة وهو اقرب الى المؤمنين منهم يسمع دعاءهم ويقبل تضرعهم والدعاء مهما كان اعم كان الى الاجابة اقرب فانه لا بد ان يكون فى المسلمين من يستحق الاجابة فاذا اجاب الله دعاء البعض فهوا كرم من ان يرد الباقى وفى الحديث « ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها » قالوا يا رسول الله ومن لنا بتلك الالسنة قال « يدعو بعضكم لبعض لانك ماعصيت بلسانه وهو ماعصى بلسانك » وفى تفسير الفاتحة للفنارى ان استقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه اذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه اذ ذاك روى ان فرعون قبل دعوى الآلهية امر ان يكتب على باب داره بسم الله فلما لم يؤمن بموسى قال آلهى انى ادعوه ولا ارى فيه خيرا قال لعلك تريد اهلاكه انت تنظر الى كفره وانا الى ما كتبه على بابه فمن كتبه على سويداء قلبه ستين سنة اولى بالرحمة فاذا كان حال من كتبه على باب داره هكذا فكيف حال من نقشه على باب قلبه يستجاب دعاؤه لا محالة واول شرائط الاجابة اصلاح الباطن باللقمة الطيبة وآخرها الاخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى

(1/183)

والاشارة فى تحقيق الآية ان الروح الانسانى وصفاته فى عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقى ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا اله الا الله ولها شعبتان من النفى والاثبات تتقدان نورا عند الاستيلاء ظلمات صفات النفس وقد حملت من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذى كالحجارة او اشد قسوة فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة لان كلمة لا اله الا الله اثنا عشر حرفا من كل حرف عين قد علك كل سبط من اسباط الصفات الانسانية وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس ولكل واحد منهم مشرب من عين حرف من حروف الكلمة قد علم مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمشرب عذب فرات ومشرب ملح اجاج فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات والقلوب تشرب من مشارب التقى والطاعات والارواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات والاسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلى الصفات عن ساقى وسقاهم ربهم شراب الاضمحلال فى حقيقة الذات كلوا واشربوا كل واحد من رزق الله بامره ورضاه ولا تعثوا فى الارض مفسدين بترك الامر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وايثار الآخرة على الاولى واختيارهما على المولى كذا فى التأويلات النجمية

(1/184)

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

{ واذ قلتم } تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى اسرائيل وكفرانهم لنعمة الله عز وجل خاطبهم تنزيلا لهم مكان آبائهم لما بينهم من الاتحاد وكان هذا القول منهم فى التيه حين سئموا من اكل المن والسلوى لكونهما غير مبدلين والانسان اذا داوم شيأ واحدا سئمه وتذكروا عيشهم الاول بمصر لانهم كانوا اهل فلاحة فنزعوا الى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم الى ما جرت عليه عادتهم فقالوا { يا موسى لن نصبر على طعام واحد } الطعام ما يتغذى به وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان لانهم كانوا يأكلون احدهما بالآخر فيصيران طعاما واحدا او اريد بالواحد نفى التبدل والاختلاف ولو كان على مائدة الرجل الوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل لا يأكل فلان الا طعاما واحدا وفى تفسير البغوى والعرب تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } وانما يخرج من الملح دون العذب وقيل لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا اغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد بنفسه وكان فيهم اول من اتخذ العبيد والخدم { فادع لنا ربك } اى سله لاجلنا بدعائك اياه والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء { يخرج لنا } اى يظهر لنا ويوجد شيأ فالمفعول محذوف والجزم لجواب الامر فان دعوته سبب الاجابة اى ان تدع لنا ربك يخرج لنا { مما تنبت الارض } اسناد مجازى باقامة القابل وهو الارض مقام الفاعل وهو الله تعالى ومن تبعيضية وما موصولة { من بقلها } من بيانية واقعة موقع الحال من الضمير اى ما تنبته كائنا من بقلها والبقل ما تنبت الارض من الخضر والمراد اصناف البقول التى تأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث واشباهها { وقثائها } اخو القثد وهى شيء يشبه الخيار { وفومها } وهو الحنطة لان ذكر العدس يدل على انه المراد لانه من جنسه وقيل هو الثوم لان ذكر البصل يدل على انه هو المراد فانه من جنسه * قال ابن التمجيد فى حواشيه وحمله على الثوم اوفق من الحنطة لاقتران ذكره بالبصل والعدس فان العدس يطبخ بالثوم والبصل { وعدسها } حب معروف يستوى كيله ووزنه { وبصلها } بقل معروف تطيب به القدور { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله لهم او موسى عليه السلام فقيل قال انكارا عليهم { أتستبدلون } اى أتأخذون لانفسكم وتختارون { الذى هو ادنى } اى اقرب منزلة وأدون قدرا { بالذى هو خير } اى بمقابلة ما هو خير فان الباء تصحب الزائل دون الآتى الحاصل وخيرية المن والسلوى فى اللذاذة وسقوط المشقة وغير ذلك ولا كذلك الفوم والعدس والبصل وامثالها قال بعضهم الحنطة وان كانت اعلى من المن والسلوى لكن خساستها ههنا بالنسبة الى قيمتها وليس فى الآية ما يدل قطعها على انهم ارادوا بقولهم لن نصبر على طعام واحد ان يكون هذا تارة وذاك اخرى { اهبطوا } اى انحدروا وانزلوا من التيه ان كنتم تريدون هذه الاشياء { مصرا } من الامصار لانكم فى البرية فلا يوجد فيها ما تطلبون وانما يوجد ذلك فى الامصار فالمراد ليس مصر فرعون لقوله تعالى

(1/185)

{ يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم } واذا وجب عليهم دخول تلك الارض فكيف يجوز دخول مصر فرعون وهو الاظهر والمصر البلد العظيم من مصر الشىء يمصره اى قطعه سمى به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة وقد تسمى القرية مصرا كما تسمى المصر قرية وهو ينصرف ولا ينصرف فصرف ههنا لان المراد غير معين وقيل اريد به مصر فرعون وانما صرف لسكون وسطه كهند ودعد ونوح او لتأويله بالبلد دون المدينة فلم يوجد فيه غير العلمية { فان لكم ما سألتم } تعليل للامر بالهبوط اى فان لكم فيه ما سألتموه من بقول الارض { وضربت عليهم الذلة } اى الذل والهوان { والمسكنة } اى الفقر يسمى الفقير مسكينا لان الفقر اسكنه واقعده عن الحركة اى جعلتا محيطتين بهم احاطة القبة بمن ضربت عليه او الصقتا بهم وجعلتا ضربة لازب لا تنفكان عنهم مجازاة لهم على كفرانهم كما يضرب الطين على الحائط فهو استعارة بالكناية فترى اليهود وان كانوا مياسير كأنهم فقراء { وباؤوا } اى رجعوا { بغضب } عظيم كائن { من الله } اى استحقوه ولزمهم ذلك ومنه قوله صلى الله عليه وسلم « ابوء بنعمتك على » اى اقر بها والزمها نفسى وغضب الله تعالى ذمه اياهم فى الدنيا وعقوبتهم فى الآخرة { ذلك } اى ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم { بانهم } اى بسبب ان اليهود { كانوا يكفرون } على الاستمرار { بآيات الله } الباهرة التى هى المعجزات الساطعة الظاهرة على يدى موسى عليه السلام مما عد او لم يعد وكذبوا بالقرآن ومحمد عليه السلام وانكروا صفته فى التوراة وكفروا بعيسى والانجيل { ويقتلون النبيين بغير الحق } كشعيب وزكريا ويحيى عليهم السلام وفائدة التقييد مع ان قتل الانبياء يستحيل ان يكون بحق الايذان بان ذلك عندهم ايضا بغير الحق اذ لم يكن احد معتقدا بحقية قتل احدهم عليهم السلام * فان قيل كيف جاز ان يخلى بين الكافرين وقتل الانبياء قيل ذلك كرامة لهم وزيادة فى منازلهم كمثل من يقتل فى سبيل الله من المؤمنين وليس ذلك بخذلان لهم قال ابن عباس والحسن رضى الله عنهم لم يقتل قط من الانبياء الا من لم يؤمر بقتال وكل من امر بقتال نصر فظهر ان لا تعارض بين قوله تعالى { ويقتلون النبيين بغير الحق } وقوله { انا لننصر رسلنا } وقوله تعالى { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون }

(1/186)

مع انه يجوز ان يراد به النصرة بالحجة وبيان الحق وكل منهم بهذا المعنى منصور روى انهم قتلوا فى يوم واحد سبعين نبيا : قال فى المثنوى جون سفيهانراست اين كار وكيا ... لازم آمد يقتلون الانبيا انبيارا كفته قوم راه كم ... از سفه انا نطيرنا بكم { ذلك } اى ما ذكر من الكفر بالآيات العظام وقتل الانبياء عليهم السلام { بما عصوا وكانوا يعتدون } يتجاوزون امرى ويرتكبون محارمى اى جربهم العصيان والتمادى فى العدوان الى المشار اليه فان صغار الذنوب اذا دووم عليها ادت الى كبارها كما ان مداومة صغار الطاعات مؤدية الى تحرى كبارها وسقم القلب بالغفلة عن الله تعالى منعهم عن ادراك لذاذة الايمان وحلاوته لان المحموم ربما وجد طعم السكر مرا فالغفلة سم للقلوب مهلك فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله نفرتك عن الطعام المسموم واعلم ان لله مرادا وللعبد مرادا وما اراد الله خير فقوله اهبطوا اى عن سماء التفويض وحسن التدبير منالكم الى ارض التدبير والاختيار منكم لانفسكم موصوفين بالذلة والمسكنة لاختياركم مع الله وتدبيركم لانفسكم مع تدبير الله ولو ان هذه الامة هى الكائنة فى التيه لما قالت مقال بنى اسرائيل لشفوف انوارهم ونفوذ اسرارهم قال تعالى { وكذلك جعلناكم امة وسطا } اى عدلا خيارا وفى التأويلات كما ان بنى اسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء وقالوا لموسى من خساسة طبعهم ما قالوا كذلك نفس الانسان من دناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها ربها الواحد من واردات الغيب كما كان يصبر نفس النبى عليه السلام ويقول « لست كأحدكم فانى ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى » بل يقول لموسى القلب فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض البشرية من بقل الشهوات الحيوانية وقثاء اللذات الجسمانية قال أتستبدلون الفانى بالباقى اهبطوا مصر القالب السفلى من مقامات الروح العلوى فان لكم ما سألتم من المطالب الدنيئة وضربت عليهم الذلة والمسكنة كالبهائم والانعام بل هم اضل لانهم باؤوا بغضب منالله ذلك بانهم كانوا يكفرون بالواردات الغيبية والمكاشفات الروحانية بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق اى يبطلون ما يفتح الله لهم من انباء الغيب فى مقام الانبياء وينكرون اسرارهم ذلك يعنى حصول هذه المقامات منهم بما عصوا ربهم فى نقض العهود ببذل المجهود فى طاعة المعبود وكانوا يعتدون من طلب الحق فى مطالبة ما سواه انتهى باختصار ثم ان فى الآية الكريمة دليلا على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات وكان النبى عليه السلام يحب الحلوى والعسل ويشرب الماء البارد العذب والعدس والزيت طعام الصالحين وفى الحديث « عليكم بالعدس فانه مبارك مقدس وانه يرقق القلب ويكثر الدمعة فانه بارك فيه سبعون نبيا اخرهم عيسى ابن مريم »

(1/187)

وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ويوما بعدس ويوما بلحم ولو لم يكن فيه فضيلة الا ان ضيافة ابراهيم عليه السلام فى مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يجفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم والحنطة واكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة مباح وفى الحديث « من اكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا ادم » والمراد بالملائكة الحاضرون مواضع العبادات لا الملازمون للانسان فى جميع الاوقات ومعنى تأذيهم من هذه الروائح وانه مخصوص بها او عام لكل الروائح الخبيثة مما يفوض علمه الى الشارع وهذا التعليل يدل على انه لا يدخل المسجد وان كان خاليا من الانسان لانه محل الملائكة قال عليه السلام « ان كنتم لا بد لكم من اكلها فاميتوها طبخا » وقاس قوم على المساجد سائر مجامع الناس وعلى اكل الثوم ما معه رائحة كريهة كالبخر وغيره وانما كره النبى عليه صلى الله عليه وسلم اكل البصل ونحوه لما انه يأتيه الوحى ويناجى الله تعالى ولكن رخص للسائر ويقال كان اخر ما اكله النبى صلى الله عليه وسلم البصل ايذانا لامته باباحته والعزيمة ان يقتدى الرجل فى اقواله وافعاله واحواله برسول الله صلى الله عليه وسلم : قال المولى الجامى يا نبى الله السلام عليك ... انما الفوز والفلاح لديك كر نرفتم طريق سنت تو ... هستم از عاصيان امت تو مانده ام زير بار عصيان بست ... افتم از باى اكرنكيرى دست

(1/188)

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

{ ان الذين آمنوا } بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون بقرينة انتظامهم فى سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بان تلك المرتبة وان عبر عنها بالايمان لا تجديهم نفعا اصلا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا { والذين هادوا } اى تهودوا من هاد اذا دخل فى اليهودية ويهود اما عربى من هاد اذا تاب سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم توبة هائلة واما معرب يهودا كأنهم سموا باسم اكبر اولاد يعقود عليه السلام ويقال انما سمى اليهود يهودا لانهم اذا جاءهم رسول او نبى هادوا الى ملكهم فدلوه عليه فيقتلونه { والنصارى } جمع نصران كندامى جمع ندمان سمى بذلك لانهم نصروا المسيح عليه السلام او لانهم كانوا معه فى قرية يقال لها ناصرة فسموا باسمها او لاعتزائهم الى نصرة وهى قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام { والصابئين } من صبأ اذا خرج من الدين وهم قوم عدلو عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الكواكب والملائكة فكانوا كعبدة الاصنام وان كانوا يقرأون الزبور لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم وجاء اعرابى الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال لم يسمى الصابئون صابئين فقال عليه السلام « لانهم اذا جاءهم رسول او نبى اخذوه وعمدوا الى قدر عظيم فأغلوه حتى اذا كان محمى صبوه على رأسه حتى يتفسخ » كذا فى روضة العلماء { من } مبتدأ خبره فلهم اجر عظيم والجملة خبران { آمن } من هؤلاء الكفرة { بالله } وبما انزل على جميع النبيين { واليوم الآخر } وهو يوم البعث اى من احدث منهم ايمانا خالصا بالمبدأ والمبدأ والمعاد على الوجه اللائق ودخل فى ملة الاسلام دخولا اصيلا { وعمل } عملا { صالحا } مرضيا عند الله { فلهم } بمقابلة تلك والفاء للسببية { اجرهم } الموعود لهم { عند ربهم } اى مالك امرهم ومبلغهم الى كمالهم اللائق وعند متعلق بما تعلق به لهم من معنى الثبوت اخبر ان هؤلاء اذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بتقديم فعلهم ولا بفعل آبائهم ولا ينقصون من ثوابهم { ولا خوف عليهم } عطف على جملة فلهم اجرهم اى لا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب { ولا هم يحزنون } حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما وتلخيصه من اخلص ايمانه واصلح عمله دخل الجنة واعلم ان هذا الدين الحق حسنه موجود فى النفوس وانما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد فكل مولود انما يولد فى مبدأ الخلقة واصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهئ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها الى غيرها كما قال عليه السلام

(1/189)

« ما من مولود الا وقد يولد على فطرة الاسلام ثم ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » قال ابن الملك فى شرح المشارق المراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله تعالى ألست بربكم فلا مخالفة بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام « ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا » والتحقيق ان الله تعالى لما اخرج ذرية آدم من ظهره وقال ألست بربكم آمنوا كلهم لمشاهدتهم الحق بالمعاينة لكن لم ينفع ايمان الاشقياء لكونهم لم يؤمنوا من قبل فاختلط السعيد والشقي ولم يفرق بينهما فى هذا العالم ثم انهم اذا نزلوا فى بطون الامهات تميز السعيد من الشقى لان الكاتب لا ينظر الى عالم الاقرار بل ينظر الى ما فى علم الله تعالى من احوال الممكن من السعادة والشقاوة وغيرهما واذا ولدوا يولدون على فطرة الاسلام وهى فطرة بلى فههنا اربعة مقامات * الاول علم الله وهو البطن المعنوى ويقال له فى اصطلاح الصوفية بطن الام وام الكتاب والثانى مقام بلى ويقال له مولود معنوى والثالث بطن الام الصورى والرابع مولود صورى وهو صورة المولود المعنوى لذلك لا يتميز السعيد من الشقى فيه كما لا يتميز فى عالم ألست والبطن الصورى صورة علم الله لذلك يتميز السعيد من الشقى فيها فظهر لك معنى حديث النبى عليه السلام « السعيد سعيد فى بطن امه والشقى شقى فى بطن امه » ومعنى الخبر الآخر « السعيد قد يشقى والشقى قد يسعد » ومعنى الحديث « كل مولود يولد على فطرة الاسلام » كذا حققه الشيخ بالى الصوفيوى قدس سره يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قال شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة فى كتابه المسمى باللائحات البرقيات لاح ببالى ان المراد ببطن الام على مشرب اهل التحقيق هو باطن الغيب المطلب الذاتى الاحدى يعنى السعيد سعيد فى باطن الغيب المطلق ازلا وفى ظاهر الشهادة المطلقة ابدا ولم تتداخل الشقاوة فى واحد منهما اصلا الا ان السعيد قد تتداخله الشقاوة والشقى قد تتداخله السعادة فى البرزخ الجامع بينهما فيكون السعيد الشقى سعيدا بالسعادة الذاتية وشقيا بالشقاوة العارضية والشقى السعيد شقيا بالشقاوة الذاتية وسعيدا بالسعادة العارضية والسبق فى الغاية للذاتى دون العارضى ويغلب حكم الذاتى على حكم العارضى ويختم به كما بدئ به ويختم آخر نفس الشقى بالشقاوة العارضية بالسعادة الذاتية وتزول شقاوته العارضية ويدخل فى زمرة السعداء ابدا ويختم آخر نفس السعيد بالسعادة العارضية بالشقاوة الذاتية وتزول سعادته العارضية ويدخل فى زمرة الاشقياء ابدا والى هذا التداخل والعروض البرزخى اشار بقوله السعيد قد يشقى والشقى قد يسعد والتبدل فى العارضى لا فى الذاتى والاعتبار بالذاتى لا العارضى انتهى فمن انشرح قلبه بنور الله فقد آمن بالله لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء واهل البلد فلا خوف عليهم من حجب الانانية ولا هم يحزنون بالاثنينية لانهم الواصلون الى نون الوحدة والهوية

(1/190)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)

{ واذ اخذنا ميثاقكم } تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى اسرائيل اى اذكروا يا بنى اسرائيل وقت اخذنا لعهد آبائكم بالعمل على ما فى التوراة وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق { ورفعنا فوقكم الطور } كانه ظلة حتى قبلتم واعطيتم الميثاق والطور الجبل بالسريانية وذلك ان موسى عليه السلام جاءهم بالالواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وابوا قبولها فامر جبريل فقلع الطور من اصله ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى ان قبلتم والا القى عليكم فلما رأوا ان لا مهرب لهم منها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود لئلا ينزل عليهم فصارت عادة فى اليهود لا يسجدون الا على انصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الاسلام لان الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز كالمحاربة مع الكفار واما قوله تعالى { لا اكراه فى الدين } وامثاله فمنسوخ بالقتال قال ابن عطية والذى لا يصح سواه ان الله جبرهم وقت سجودهم على الايمان لانهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك { خذوا } على ارادة القول اى فقلنا لهم خذوا { ما آتيناكم } من الكتاب { بقوة } بجد وعزيمة ومواظبة { واذكروا ما فيه } اى احفظوا ما فى الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { لعلكم تتقون } رجاء منكم ان يكونوا متقين

(1/191)

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)

{ ثم توليتم من بعد ذلك } اى اعرضتم عن الميثاق والوفاء به والدوام عليه { من بعد ذلك } الميثاق المؤكد { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } عطفه بالامهال وتأخير العذاب { لكنتم من الخاسرين } اى من الهالكين ولكن تفضل عليكم حيث رفع الطور فوقكم حتى تبتم فزال الجبل عنكم ولولا ذلك لسقط عليكم والخسران فى الاصل ذهاب رأس المال وهو ههنا هلاك النفس لانها الاصل وقد من الله تعالى على امة محمد صلى الله عليه وسلم حيث فرض عليهم الفرائض واحدة بعد واحدة ولم يفرض عليهم جملة فاذا استقرت الواحدة فى قلوبهم فرض عليهم الاخرى واما بنوا اسرائيل فقد فرض عليهم بدفعة واحدة فشق عليهم ذلك ولذا لم يقبلوا حتى رأوا العذاب ثم ان الله تعالى امر بحفظ الاوامر والعمل وبعدم النسيان والتضييع وقال واذكروا ما فيه وهو المقصود من الكتب الآلهية لان العمدة العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيبها فان ذلك نبذ لها مثاله ان السلطان اذا ارسل منشورا الى واحد من امرائه فى ممالكه وامره فيه ان يبنى له قصرا فى تلك الديار فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به لكنه يقرأ المنشور كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد القصر حاضرا فالظاهر انه يستحق العتاب بل العقاب فالقرآن انما هو مثل ذلك المنشور قد امر الله فيه عبيده ان يعمروا اركان الدين من الصوم والصلاة وغيرهما فمجرد قراءة القرآن بغير عمل لا يفيد قال فى المثنوى هست قرآن حالهاى انبيا ... ماهيان بحرباك كبريا وربخوانى ونه قرآن بذير ... انبيا واوليارا ديده كير روى انه عليه السلام شخص ببصره الى السماء يوما ثم قال « هذا اوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شىء » فقال زياد بن لبيد الانصارى كيف يختلس منه وقد قرأنا القران فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وابناءنا فقال صلى الله عليه وسلم « ثكلتك امك يا زياد هذه التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم » وفى الموطأ عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لانسان انك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه يحفظ فيه حدود القرآن ويضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطى يطولون الصلاة ويقصرون الخطبة يبدون فيه اعمالهم قبل اهوائهم وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطى يطولون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه اهواءهم قبل اعمالهم والاشارة فى الآية ان اخذ الميثاق كان عاما كما كان فى عهد ألست بربكم ولكن قوما اجابوه شوقا وقوما اجابوه خوفا ليتحقق ان الامر بيد الله فى كلتا الحالتين يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة فانه لا برهان اظهر من رفع الطور فوقهم عيانا فلما اوبقهم الخذلان لم ينفعهم اظهار البرهان وفى قوله

(1/192)

{ خذوا ما آتيناكم بقوة } اشارة الى ان اخذ ما يؤتى الله من الاوامر والنواهى والطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن للقوة الانسانية الا بقوة ربانية وتأييد الهى { واذكروا ما فيه } من الرموز والاشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } اى اعرضتم عن طريق الحق واتباع الشريعة باستيلاء قوة الطبيعة بعد اخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاق ابتلاء من الله { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } وهو سبق العناية فى البداية وتوفيق اخذ الميثاق بالقوة فى الوسط وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها فى النهاية { لكنتم من الخاسرين } المصرين على العصيان المغبوتين بالعقوبة والخسران والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والاولى كما كان حال المصرين منكم والمعتدين

(1/193)

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)

{ ولقد علمتم } خطاب لمعاصرى النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود اى وبالله قد عرفتم يا بنى اسرائيل { الذين اعتدوا } اى تجاوزوا الحد ظلما { منكم } من اسلافكم محله نصب على انه حال { فى } يوم { السبت } اى جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد واصل السبت القطع لان اليهود امروا بان يسبتوا فيه اى يقطعوا الاعمال ويشتغلوا بعبادة الله ويسمى النوم سباتا لانه يقطع الحركات الاختيارية وفيه تحذير وتهديد فكانه يقول انكم تعلمون ما اصابهم من العقوبة فاحذروا كيلا يصبكم مثل ما اصابهم والقصة فيه انهم كانوا فى زمن داود عليه السلام بارض يقال لها ايلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فكان اذا دخل السبت لم يبق حوت فى البحر الا اجتمع هناك اما ابتلاء لاولئك القوم واما لزيارة السمكة التى كان فى بطنها يونس ففى كل سبت يجتمعن لزيارتها ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها واذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شىء منها ثم ان الشيطان وسوس اليهم وقال انما نهيتم عن اخذها يوم السبت فعمد رجال من اهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه اليها الانهار فاذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الانهار فاقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فاذا كان يوم الاحد يصطادونها فاخذوا واكلوا وملحوا وباعوا فكثرت اموالهم ففعلوا ذلك زمانا اربعين سنة او سبعين لم تنزل عليهم عقوبة وكانوا يتخوفون العقوبة فلما لم يعاقبوا استبشروا وتجرأوا على الذنب وقالوا ما نرى السبت الا قد احل لنا ثم استن الابناء سنة الآباء فلو انهم فعلوا ذلك مرة او مرتين لم يضرهم فلما فعلوا ذلك صار اهل القرية وكانوا نحوا من سبعين الفا ثلاثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة وكان الناهون اثنى عشر الفا فنهوهم عن ذلك وقالوا يا قوم انكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم فانتهوا عن هذا العمل قبل ان ينزل بكم البلاء فلم يتعظوا وابوا قبول نصحهم فعاقبهم الله بالمسخ وذلك قوله تعالى { فقلنا لهم } قهرا { كونوا قردة } جمع قرد كالديكة جمع ديك بالفارسية « بوزينه » وهذا امر تحويل لانهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة الى صورة وهو اشارة الى قوله { انما قولنا لشىء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون } اى لما اردنا ذلك صاروا كما اردنا من غير امتناع ولا لبث { خاسئين } هو وقردة خبران اى كونوا جامعين بين القردية والخسىء وهو الصغار والطرد وذلك ان المجرمين لما ابوا قبول النصح قال الناهون والله لا نساكنكم فى قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وصيروها بذلك ثنتين فلعنهم داود وغضب الله عليهم لاصرارهم على المعصية فمسخوا ليلا فلما اصبح الناهون اتوا ابوابها فاذا هى مغلقة لا يسمع منها صوت ولا يعلو منها دخان فتسوروا الحيطان ودخلوا فرأوهم قد صار الشبان قردة والشيوخ خنازير لها اذناب يتعاوون فعرفت القردة انسابهم من الانس ولم يعرف الانس انسابهم من القردة فجعلت القردة تأتى نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكى فيقول ألم ننهكم عن ذلك فكانوا يشيرون برؤسهم اى نعم والدموع تفيض من اعينهم ودل ذلك على انهم لما مسخوا بقى فيهم الفهم والعقل ثم لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء بل كانت قبلهم قردة وهؤلاء حولوا الى صورتها لقبحها جزاء على قبح اعمالهم وافعالهم وماتوا بعد ثلاثة ايام ولم يتوالدوا والقردة التى فى الدنيا هى نسل قردة كانت قبلهم

(1/194)

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

{ فجعلناها } اى صيرنا مسخة تلك الامة وعقوبتها { نكالا } اى عبرة تنكل من اعتبر بها اى تمنعه من ان يقدم على مثل صنيعهم { لما بين يديها وما خلفها } اى لما قبلها وما بعدها من الامم والقرون لان مسختهم ذكرت فى كتب الاولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين فاستعير ما بين يديها للزمام الماضى وما خلفها للمستقبل { وموعظة } اى تذكرة { للمتقين } الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحى قومهم او لكل متق سمعها فاللام للاستغراق العرفى على التقديرين : قال السعدى نرود مرغ سوى دانه فراز ... جون دكر مرغ بينداندر بند بند كيراز مصائب دكران ... تانكيرند ديكران زتو بند واعلم ان هذا البلاء والخسران جزاء من لم يعرف قدر الاحسان ومن يكافى المنعم بالكفران يرد من عزة الوصال الى ذل الهجران وكان عقوبة الامم بالخسف والمسخ على الاجساد وعقوبة هذه الامة على القلوب وعقوبات القلوب اشد من عقوبات النفوس قال الله تعالى { ونقلب افئدتهم وابصارهم } الآية هكذا حال من لم يتأدب فى خدمة الملوك وينخرط فى اثناء السلوك ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرمة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان ثم علامة المسخ مثل الخنزير ان يأكل العذرات ومن اكل الحرام فقلبه ممسوخ ويقال علامة مسخ القلب ثلاثة اشياء لا يجد حلاوة الطاعة ولا يخاف من المعصية ولا يعتبر بموت احد بل يصير ارغب فى الدنيا كل يوم كذا فى زهرة الرياض وروى عن عوف بن عبد الله انه قال كان اهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن اصلح ما بينه وبين الله اصلح الله ما بينه وبين الناس ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته قال محمد بن على الترمذى صلاح اربعة اصناف فى اربعة مواطن صلاح الصبيان فى الكتاب وصلاح القطاع فى السجن وصلاح النساء فى البيوت وصلاح الكهول فى المساجد

(1/195)

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)

{ واذ قال موسى لقومه } توبيخ آخر لاخلاف بنى اسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من اسلافهم اى واذكروا قول موسى عليه السلام لاجدادكم { ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة } هى الانثى من نوع الثور او واحد البقر ذكرا كان او انثى من البقر وهو الشق سميت به لانها تبقر الارض اى تشقها للحراثة وسببه انه كان فى بنى اسرائيل شيخ موسر فقتله بنوا عمه طمعا في ميراثه فطرحوه على باب المدينة او حملوه الى قرية اخرى والقوه بفنائها ثم جاؤا يطالبون بديته وجاؤا بناس يدعون عليهم القتل فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه امر القتيل على موسى وكان ذلك قبل نزول القسامة فى التوراة فسألوا موسى ان يدعو الله ليبين لهم بدعائه فامرهم الله ان يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيى فيخبرهم بقاتله { قالوا } كأنه قيل فماذا صنعوا هل سارعوا الى الامتثال او لا فقيل قالوا { أتتخذنا هزوا } اى أتجعلنا مكان هزء وسخرية وتستهزئ بنا نسألك عن امر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ولا جامع بينهما قال بعض العلماء كان ذلك هفوة منهم وجهالة فما انقادوا للطاعة وذبحها { قال } موسى وهو استئناف كما سبق { اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين } لان الهزؤ فى اثناء تبليغ امر الله جهل وسفه ودل ان الاستهزاء بامر الدين كبيرة وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه وان ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء قال امير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه لا بأس بفكاهة يخرج بها الانسان من حد العبوس روى انه قدم رجل الى عبيدالله بن الحسين وهو قاضى الكوفة فمازحه عبيدالله فقال جبتك هذه من صوف نعجة او من صوف كبش فقال أتجهل ايها القاضى فقال له عبيدالله واين وجدت المزاح جهلا فتلا هذه الآية فاعرض عنه عبيدالله لانه رأه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء ثم ان القوم علموا ان ذبح البقرة عزم من الله وجد فاستوصفوها كما يأتى ولو أنهم عمدوا الى ادنى بقرة فذبحوها لاجزأت عنهم ولكنهم شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة والقصة انه كان فى بنى اسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة اتى بها الى غيضة وقال اللهم انى استودعك هذه العجلة لابنى حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة فى الغيضة عوانا اى نصفا بين المسنة والشابة وكانت تهرب من كل من رأها فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسم الليل ثلاثة اثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس امه ثلثا فاذا اصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتى به الى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلثه فقالت له امه يوما ان اباك قد ورثك عجلة استودعها الله فى غيضة كذا فانطلق وادع آله ابراهيم واسماعيل واسحق ان يردها عليك وعلامتها انك اذا نظرت اليها يخيل اليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تلك البقرة تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها لان صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين فاتى الفتى الغيضة فرأها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة باذن الله وقالت ايها الفتى البار لوالدته اركبنى فان ذلك اهون عليك فقال الفتى ان امى لم تأمرنى بذلك ولكن قالت خذ بعنقها فقالت البقرة بآله بنى اسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر على ابدا فانطلق فانك ان امرت الجبل ان ينقلع من اصله وينطلق معك لفعل لبرك بامك فسار الفتى بها الى امه فقالت له انك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة قال بكم ابيعها قالت بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتى وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها الى السوق فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بامه وكان الله به خبيرا فقال له الملك بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتى فقال الملك لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى لو اعطيتنى وزنها ذهبا لم آخذه الا برضى امى فردها الى امه واخبرها بالثمن فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضى منى فانطلق بها الى السوق فاتى الملك فقال استأمرت امك فقال الفتى انها امرتنى ان لا انقصها من ستة على ان استأمرها فقال الملك انى اعطيك اثنى عشرة على ان لا تستأمرها فابى الفتى ورجع الى امه واخبرها بذلك فقالت ان الذي يأتيك ملك فى صورة آدمى ليختبرك فاذا اتى فقل له أتأمر ان نبيع هذه البقرة ام لا ففعل فقال له الملك اذهب الى امك وقل لها امسكى هذه البقرة فان موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل فى بنى اسرائيل فلا تبيعوها الا بملئ مسكها دنانير فامسكوها وقدر الله تعالى على بنى اسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافاة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة والوجه فى تعيين البقرة دون غيرها من البهائم انهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب اليهم ذلك كما قال تعالى

(1/196)

{ واشربوا فى قلوبهم العجل } ثم تابوا وعادوا الى طاعة الله وعبادته فاراد الله تعالى ان يمتحنهم بذبح ما حبب اليهم ليظهر منهم حقيقة التوبة وانقلاع ما كان منهم فى قلوبهم وقيل كان افضل قرابينهم حينئذ البقر فامروا بذبح البقرة ليجعل التقرب لهم بما هو افضل عندهم

(1/197)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

{ قالوا } كأنه قيل فماذا قال قوم موسى بعد ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا يا موسى { ادع لنا } سل لاجلنا { ربك يبين لنا } اى يوضح ويعرف { ما هى } ما مبتدأ وهى خبره والجملة فى حيز النصب بيبين اى يبين لنا جواب هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما قرع اسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى فما ههنا سؤال عن الحال والصفة تقول ما زيد فيقال طبيب او عالم اى ما ما سنها وما صفتها من الصغر والكبر { قال } اى موسى عليه السلام بعد ما دعا ربه بالبيان واتاه الوحى { انه } اى الله تعالى { يقول انها } اى البقرة المأمور بذبحها { بقرة لا } هى { فارض } اى مسنة من الفرض وهو القطع كانها قطعت سنها وبلغت آخره { ولا بكر } اى فتية صغيرة ولم يؤنث البكر والفارض لانهما كالحائض فى الاختصاص بالانثى { عوان } اى نصف { بين ذلك } المذكور من الفارض والبكر { فافعلوا } امر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به { ما تؤمرون } اى ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به من ذبح البقرة وحذف الجار قد شاع فى هذا الفعل حتى لحق بالافعال المتعدية الى مفعولين

(1/198)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

{ قالوا } كأنه قيل ماذا صنعوا بعد هذا البيان الثانى والامر المكرر فقيل قالوا { ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } من الالوان حتى تتبين لنا البقرة المأمور بها واللون عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر { قال } موسى عليه السلام بعد المناجاة الى الله تعالى ومجيىء البيان { انه } الله تعالى { يقول انها بقرة صفراء } والصفرة لون بين البياض والسواد وهى الصفرة المعروفة وليس المراد بها هنا السواد كما فى قوله تعالى { كأنه جمالة صفر } اى سود والتعبير عن السواد بالصفرة لما انها من مقدماته واما لان سواد الابل يعلوه صفرة { فاقع لونها } مبتدأ وخبر والجملة صفة البقرة والفقوع نصوع الصفرة وخلوصها يقال فى التأكيد اصفر فاقع كما يقال اسود حالك وفى اسناده الى اللون مع كونه من احوال الملون لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيد كأنه قيل صفراء شديدة الصفرة صفرتها كما فى جد جده قيل كانت صفراء الكل حتى القرن والظلف { تسر الناظرين } اليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها ويفرح قلوبهم لتمام خلقتها ولطافة قرونها واظلافها والسرور لذة فى القلب عند حصول نفع او توقعه وعن على رضى الله تعالى عنه من لبس نعلا صفراء قل همه لان الله تعالى يقول تسر الناظرين ونهى ابن الزبير ومحمد بن كثير عن لباس النعال السود لانها تهم وذكر ان الخف الاحمر خف فرعون والخف الابيض خف وزيره هامان والخف الاسود خف العلماء وروى ان خف النبى عليه السلام كان اسود

(1/199)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } أسائمة هى ام عاملة وفى الكشاف هذا تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها والاستقصاء شؤم وعن عمر بن عبد العزيز اذا امرتك ان تعطى فلانا شاة سألتنى أضائن ام ماعز فان بينت لك قلت أذكر ام انثى فان اخبرتك قلت اسوداء ام بيضاء فاذا امرتك بشىء فلا تراجعنى وفى الحديث « اعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لاجل مسألته » { ان البقر تشابه علينا } اى جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا ايها نذحب فذكر البقر لارادة الجنس او لان كل جمع حروفه اقل من واحده جاز تذكيره وتأنيثه { وانا انشاء الله لمهتدون } الى البقرة المراد ذبحها وفى الحديث « لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الابد »

(1/200)

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

{ قال } موسى { انه } تعالى { يقول انها بقرة لا ذلول } بمعنى غير ذلول ولم يقل ذلولة لان فعولا اذا كان وصفا لم تدخله الهاء كصبور { تثير الارض } اى تقلبها للزراعة وهى صفة ذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة { ولا تسقى الحرث } اى ليست بسانية يسقى عليها بالسواقى ولا الاولى للنفى والثانية مزيدة لتوكيد الاولى لان المعنى لا ذلول تثير وتسقى على ان الفعلين صفتان لذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة وساقية كذا فى الكشاف قال الامام ابو منصور رحمه الله دلت الآية على ان البقرة كانت ذكرا لان اثارة الارض وسقى الحرث من عمل الثيران واما الكنايات الراجعة اليها على التأنيث فللفظها كما فى قوله وقالت طائفة فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلاف لابى يوسف الا ان يكون اهل ذلك الزمان يحرثون بالانثى كما يحرث اهل هذا الزمان بالذكر { مسلمة } اى سلمها الله من العيوب او معفاة من العمل سلمها اهلها منه او مخلصة اللون من سلم له كذا اذا خلص له لم يشب صفرتها شىء من الالوان ويؤيده قوله تعالى { لا شية فيها } يخالف لون جلدها فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها والاصل وشية كالعدة والصفة والزنة اصلها وعد ووصف ووزن واشتقاقها من وشى الثوب وهو استعمال الوان الغزل فى نسجه { قالوا } عند ما سمعوا هذه النعوت { لآن } اى هذا الوقت بنى لتضمنه معنى الاشارة { جئت بالحق } اى بحقيقة وصف البقرة وما بقى اشكال فى امرها { فذبحوها } الفاء فصيحة اى فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الاوصاف كلها بان وجدوها مع الفتى فاشتروها بملئ مسكها ذهبا فذبحوها { وما كادوا } اى وما قربوا { يفعلون } والجملة حال من ضمير ذبحوا اى فذبحوها والحال انهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه تلخيصه ذبحوها بعد توقف وبطئ قيل مضى من اول الامر الى الامتثال اربعون سنة فعلى العاقل ان يسارع الى الامتثال وترك التفحص عن حقيقة الحال فان قضية التوحيد تستدعى ذلك : قال فى المثنوى تاخيال دوست دراسرار ماست ... جاكرى وجان سبارى كار ماست وفى الحكم العطائية اخرج من اوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا بالاستسلام لقهره وذلك يقتضى وجود الحفظ من الله تعالى حتى لا يلم العبد بمعصية وان ألم بها فلا تصدر منه واذا صدرت منه فلا يصر عليها اذ الحفظ الامتناع من الذنب مع جواز الوقوع فيه والعصمة الامتناع من الذنب مع استحالة الوقوع فيه فالعصمة للانبياء والحفظ للاولياء فقوله { الآن جئت بالحق } يدل على الرجوع من الهفوة وعدم الاصرار وهذا ايمان محض وفى التأويلات النجمية { ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة }

(1/201)

اشارة الى ذبح بقرة النفس البهيمية فان فى ذبحها حياة القلب الروحانى وهذا هو الجهاد الاكبر الذى كان النبى عليه السلام يشير اليه بقوله « رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر » وبقوله « المجاهد من جاهد نفسه » وقوله عليه السلام « موتوا قبل ان تموتوا » اشار الى هذا المعنى { قالوا أتتخذنا هزوا } اى أتستهزئ بنا فى ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذى همة سنية { قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين } الذين يظنون ان ذبح النفس امر هين ويستعدله كل تابع الهوى او عابد الدنيا { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } اى يعين اى بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فاشار الى بقرة نفس { لا فارض } فى سن الشيخوخة تعجز عن سلوك الطريق لضعف المشيب وخلل القوى النفسانية كما قال بعض المشايخ الصوفى بعد الاربعين فارض { ولا بكر } فى سن شرح الشباب فانه يستهويه سكره { عوان بين ذلك } اى عند كمال العقل قال تعالى { حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعينسنة } { فافعلوا ما تؤمرون } فانكم ان تقربتم الى الله بما امرتم فان الله يتقرب اليكم بما وعدتم { وانه لا يضيع اجر من احسن عملا } فى الشيب والشباب { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } يعنى ما لون بقرة نفس تصلح للذبح فى الجهاد { قال انه يقول انها بقرة صفراء } اشارة الى صفرة وجوه ارباب الرياضات وسيما اصحاب المجاهدات فى طلب المشاهدات { فاقع لونها } يعنى صفرة زين لا صفرة شين كما هى سيما الصالحين { تسر الناظرين } من نظر اليهم يشاهد فى غرتهم بهاء قد ألبس من اثر الطاعات ويطالع من طلعتهم آثار شواهد الغيب من خمود الشهوات حتى امن من احوال البشرية بوجدان آثار الربوية كقوله تعالى { سيماهم فى وجوههم من اثر السجود } { ان البقر تشابه علينا } اشارة الى كثرة تشبه البطالين بزى الطالبين وكسوتهم وهيئتهم { وانا انشاء الله لمهتدون } الى الصادق منهم فالاهتداء اليهم يتعلق بمشيئة الله وبدلالته كما كان حال موسى والخضر عليهما السلام فلو لم يدل الله موسى لما وجده وقوله { انها بقرة لا ذلول تثير الارض } اشارة الى نفس الطالب الصادق وهى التى لا تحمل الذلة تثير بآلة الحرص علو ارض الدنيا لطلب زخارفها وتتبع هوى النفس وشهواتها كما قال عليه الصلاة والسلام « عز من قنع ذل من طمع » وقال « ليس للمؤمن ان يذل نفسه » { ولا تسقى الحرث } اى حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الحق فيصرف فى حرث الدنيا فيذهب ماؤه عند الخلق وعند الحق لقوله تعالى { ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب } { مسلمة لا شية فيها } اى نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لاحكام ربها ليس منها طلب غير الله ولا مقصد لها الا الله كما وصفهم الله تعالى بقوله { للفقراء الذين احصروا فى سبيل الله } الى قوله { الحافا } { فذبحوها وما كادوا يفعلون } يشير الى ان ذبح النفس ليس من الطبيعة الانسانية فمن ذبحها من الصادقين بسيف الصدق كان ذلك من فضل الله تعالى وحسن توفيقه فاما من حيث الطبيعة فما كادوا يفعلون

(1/202)

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

{ واذ قتلتم نفسا } هذا مؤخر لفظا مقدم معنى لانه اول القصة اى واذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه ان يدعو الله تعالى فقال موسى ان الله يأمركم الآيات ولم يقدم لفظا لان الغرض انما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل واضيف القتل الى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لرضاهم بفعل اولئك وخوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم والقتل نقض البنية الذى بوجوده تنتفى الحياة والمعنى واذكروا يا بنى اسرائيل وقت قتل اسلافكم نفسا محرمة وهى عاميل بن شراحيل { فادارأتم فيها } اصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع اى تدافعتم وتخاصمتم فى شأنها اذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر اى يدفع الفعل عن نفسه ويحيل على غيره { والله مخرج ما كنتم تكتمون } اى مظهر لا محالة ما كنتم وسترتم من امر القتل لا يتركه مكتوما مستورا فان قلت كيف اعمل مخرج وهو فى معنى المضى قلت قد حكى ما كان مستقبلا فى وقت التدارئ كما حكى الحاضر فى قوله { باسط ذراعيه }

(1/203)

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

{ فقلنا } عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض { اضربوه } اى النفس والتذكير على تأويل الشخص والانسان { ببعضها } اى ببعض البقرة أى بعض كان او بلسانها لانه آلة الكلام او بعجب الذنب لانه اول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق او بغير ذلك من الاعضاء والبعض اقل من النصف والمعنى فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة قوله { كذلك يحيى الله الموتى } روى انه لما ضربوه قام باذن الله وأوداجه تشخب دما وقال قتلنى فلان وفلان لابنى عمه ثم سقط ميتا فاخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ثم ان موسى عليه السلام امرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه نفيا للتهمة كيلا ينسب الى السحر او الحيلة { كذلك } على ارادة القول اى فضربوه فحيى وقلنا كذلك فالخطاب فى كذلك للحاضرين عند حياة القتيل اى مثل ذلك الاحياء العجيب { يحيى الله الموتى } قلت كانوا مقرين قولا وتقليدا فثبته عيانا وايقانا وهو كقول ابراهيم عليه السلام والحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ الى تقدير القول بل تنتهى الحكاية عند قوله تعالى ببعضها { ويريكم آياته } دلائله الدالة على انه تعالى على كل شىء قدير { لعلكم تعقلون } يقال عقلت نفسى عن كذا اى منعتها منه اى لكى تكمل عقولكم وتعلموا ان من قدر على احياء نفس واحدة قدر على احياء الانفس كلها وتمنعوا نفوسكم من هواها وتطيعوا الله فيما يأمركم به ولعل الحكمة فى اشتراط ما اشترط فى الاحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها مع ظهور كمال قدرته على احيائه ابتداء بلا واسطة اصلا لاشتماله على التقرب الى الله تعالى واداء الواجب ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى والشفقة على الاولاد ونفع بر الوالد وان من حق الطالب ان يقدم قربة ومن حق المتقرب ان يتحرى الاحسن ويغالى بثمنه كما يروى عن عمر رضى الله عنه انه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار وان المؤثر هو الله تعالى وانما الاسباب امارات لا تأثير لها لان الموتين الحاصلين فى الجسمين لا يعقل ان يولد منهما حياة وان من رام ان يعرف اعدى عدوه الساعى فى اماتته الموت الحقيقى فطريقه ان يذبح بقرة نفسه التى هى قوته الشهوية حين زال عنها شره الصبى ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة فى طلب الدنيا مسلمة من دنسها لا شية بها من قبائحها بحيث يتصل اثره الى نفسه فيحيى به حياة طيبة ويعرف ما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارئ والجدال قال بعض اهل المعرفة فى قوله { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى } انما جعل الله احياء المقتول فى ذبح البقرة تنبيها لعبيده ان من اراد منهم احياء قلبه لم يتأت له الا باماتة نفسه فمن اماتها بانواع الرياضات احيى الله قلبه بانوار المشاهدات فمن مات بالطبيعة يحيى بالحقيقة وكما ان لسان البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل وقام باذن الله وقال قتلنى فلان فكذلك من ضرب لسان النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيى الله قلبه بنوره فيقول وما ابرئ نفسى ان النفس لامارة بالسوء : قال السعدى

(1/204)

نميتارد اين نفس سركش جنان ... كه عقلش تواند كرفتن عنان تو بر كره توسنى در كمر ... نكر تانبيجد زحكم توسر اكربالهنك از كفت در كسيخت ... تن خويشتن كشت وخون توريخت فيجب علينا غاية الوجود ان نتقيد باحياء نفوسنا بالحياة الحقيقية واصلاح قلوبنا بالاصلاح الحقيقي واخلاص اعمالنا بالاخلاص الحقيقي فان المنظر الآلهى انما هو القلوب والاعمال لا القصور والاموال كما ورد فى الحديث « ان الله لا ينظر الى صوركم واحوالكم بل الى قلوبكم واعمالكم » فالمعتبر هو الباطن والسرائر دون السير والظواهر * والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والجاهل من نسى نفسه واتبع هواه وما يعقل ذلك الا العالمون وما يعلمه الا الكاملون : قال السعدى شخصم بجشم عالميان خوب منظرست ... وزخبث باطنم سر حجلت فتاده ييش طاوس را بنقش ونكارى كه هست خلق ... تحسين كننداوحجل ازباى زشت خوسش وقد سئل بعض المشايخ عن الاسلام فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة ومخالفتها ترك شهواتها قال السرى السقطى ان نفسى تطالبنى مدة ثلاثين سنة او اربعين سنة ان اغمس جوزة فى دبس فما اطعمتها ورئيى رجل جالس فى الهواء فقيل له بم نلت هذا قال تركت الهوى فسخر لى الهواء وقيل بعضهم انى اريد ان احج على التجريد فقال جرد اولا قلبك من السهو ونفسك عن اللهو ولسانك عن اللغو ثم اسلك حيث شئت

(1/205)

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

{ ثم قست قلوبكم } خطاب لاهل عصر النبى عليه السلام من الاحبار وثم لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه ثم انتم تمترون والقسوة والقساوة عبارة عن الغلظ والصلابة كما فى الحجر وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوها عن الاعتبار وان المواعظ لا تؤثر فيها { من بعد ذلك } اى من بعد سماع ما ذكر من احياء القتيل ومسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وغيرها من الآيات والقوارع التى تميع منها الجبال وتلين بها الصخور { فهي } اى القلوب { كالحجارة } اى مثل الحجارة فى شدتها وقسوتها والفاء لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه كقولك احمر خده فهو كالورد { او اشد } منها { قسوة } تمييز وأو بمعنى بل او للتخيير اى ان شئتم فاجعلوها اشد منها كالحديد فانتم مصيبون وانما لم تحمل على اصلها وهو الشك والتردد لما ان ذلك محال على علام الغيوب فان قلت لم قيل اشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه افعل التفضيل وفعل التعجب قلت لكونه ابين وادل على فرط القسوة من لفظ اقسى لان دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة فى معنى الشدة بخلاف لفظ الاقسى فان دلالته على الشدة والزيادة فى القسوة بالهيئة فقط ووجه حكمة ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة وتشبيهها بها دون غيرها من الاشياء الصلبة من الحديد والصفر وغيرهما لان الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين كما لان لداود عليه السلام وكذا الصفر حتى يضرب منها الاوانى والحجر لا يلينه نار ولا شىء فلذلك شبه قلب الكافر بها وهذا والله اعلم فى حق قوم علم الله انهم لا يؤمنون { وان من الحجارة } بيان لفضل قلوبهم على الحجارة من شدة القسوة وتقرير لقوله او اشد قسوة ومن الحجارة خبران والاسم قوله { لما } واللام للتأكيد اى الحجر { يتفجر } اى يتفتح بكثرة وسعة { منه } راجع الى ما { الانهار } جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجارى الماء والمعنى وان من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير اى يتصبب { وان منها } اى من الحجارة { لما يشقق } اصله يتشقق اى يتصدع والصدع جعل الشىء ذا نواحى { فيخرج منه الماء } اى ينشق انشقاق بالطول او بالعرض ينبع منه الماء ايضا يعنى العيون دون الانهار { وان منها لما يهبط } اى يتردى وينزل من اعلى الجبل الى اسفله { من خشية الله } وهى الحوف عن العلم وهنا مجاز عن انقيادها لامر الله وانها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء اليهود لا تنقاد ولا تلين ولا تخشع ولا تفعل ما امرت به { وما الله بغافل } بساه { عما تعملون } اى الذى تعملونه وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الاعمال السيئة فقلب الكافر اشد فى القساوة من الحجارة وانها مع فقد اسباب الفهم والعقل منها وزوال الخطاب عنها تخضع له وتتصدع قال تعالى

(1/206)

{ لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } وقلب الكافر مع وجود اسباب الفهم والعقل وسعة هيئة القبول لا يخضع ولا يلين قالت المعتزلة خشية الحجر على وجه المثل يعنى لو كان له عقل لفعل ذلك ومذهب اهل السنة ان الحجر وان كان جمادا لكن الله يفهمه ويلهمه فيخشى بالهامه فان لله تعالى علما فى الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره { وان من شىء الا يسبح بحمده } وقال { والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه } فيجب على المرء الايمان به ويحيل علمه الى الله تعالى روى ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل انزل عنى فانى اخاف ان تؤخذ على فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء الىّ الىّ يا رسول الله وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا خطب استند الى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية من فراق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحنت كحنين الناقة حتى سمعها اهل المسجد ونزل رسول الله عليه السلام فاعتنقها فسكنت : قال فى المثنوى آنكه اوراد نبود ازاسرار داد ... كى كند تصديق اوناله جماد وبينما راع فى غنمه عدا عليه الذئب فاخذ منها شاة فطلبه الراعى حتى استنقذها منه اى استخلصها فالتفت اليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيرى فقال الناس سبحان الله ذئب تكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أومن به وابو بكر وعمر وعلى هذا انطاق الله جلود الكفار يوم القيامة ذكر الشيخ قطب وقته الهدائى الاسكدارى فى واقعاته انه كان يسمع فى اثناء سلوكه من الماء الجارى ذكر يا دائم يا دائم : وفى المثنوى نطق آب ونطق خاك ونطق كل ... هست محسوس حواس اهل دل فلسفى كومنكر حنانه است ... از حواس اوليا بيكانه است هر كرا دردل شك وبيجانيست ... درجهان او فلسفى بنهانيست قال بعض الحكماء معنى قوله { ثم قست قلوبكم } يبست ويبس القلب ان ييبس عن ماءين احدهما ماء خشية الله تعالى والثانى ماء شفقة الخلق وكل قلب لا يكون فيه خشية الله ولا شفقة الخلق فهو كالحجارة او اشد قسوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان ابعد الناس من الله القلب القاسى »

(1/207)

وقال ايضا « اربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الامل والحرص على الدنيا » * والاشارة فى تحقيق الآية ان اليهود وان شاهدوا عظيم الآيات فحين لم تساعدهم العناية لم يزدهم كثرة الآيات الا قسوة فان الله اراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحسن ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيحجزهم عن التكذيب والانكار يدل عليه قوله تعالى { وهم بها لولا ان رأى برهان ربه } وهكذا حال بعض الممكورين حين يشرعون فى الرياضات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات فاذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييدات الالهية لم يزدهم الا العجب والغرور واكثر ما يقع هذا للرهابين والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون وانما تشبه قلوبهم بالحجارة لعدم اللين الى الذكر الحقيقى وهو ما يتداركه الحق بذكره كقوله { فاذكروني اذكركم } ومراتب القلوب فى القسوة متفاوتة فبعضها بمرتبة الحجارة التى يتفجر منها الانهار وهو قلب يظهر عليه بغلبات انوار الروح لصفائه بعض الاشياء المشبهة لخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة وبعضها بمرتبة { وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء } وهو قلب يظهر عليه فى بعض الاوقات عند انخراق حجب البشرية انوار الروح فيريه بعض الآيات والمعانى المعقولة كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء وبعضها بمرتبة { وان منها لما يهبط من خشية الله } وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس انوار الروح من وراء الحجب فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض اهل الاديان والملل وهذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم والفرق بينهم ان احوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الايمان فيزيدهم فى قربهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلى انوار الحق كما قال { أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه } وبعض القلوب بمرتبة الحجر القاسى الذى لا يؤثر فيه القرآن والاخبار والحكمة والموعظة وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق فانه قلب مختوم عليه { وما الله بغافل عما تعملون } فيجازيكم عاجلا وآجلا فاما عاجلا بان يجعل انكاركم سبب مزيد قسوة قلوبكم فيقسيها باعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع انكاركم قال عليه السلام « ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن فان شاء اقامه وان شاء ازاغه » واما آجلا فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيآت اعمالكم كذا فى التأويلات النجمية

(1/208)

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)

{ أفتطمعون } كان عليه السلام شديد الحرص على الدعاء الى الحق وقبولهم الايمان منه وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم فقص الله عليه اخبار بنى اسرائيل فى العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من اهل الكتاب فى زمانه من قلة القبول والاستجابة والخطاب للنبى عليه الصلاة والسلام واصحابه والهمزة لانكار الواقع واستبعاده كما فى قولك أتضرب اباك لا لانكار الوقوع كما فى قوله ءاضرب ابى والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أى أتسمعون اخبارهم وتعلمون احوالهم فتطمعون ومآل المعنى أبعد ان علمتم تفاصيل شؤونهم المؤيسة منهم فتطمعون فى { ان يؤمنوا } جميع اليهود او علماؤهم فانهم متماثلون فى شدة الشكيمة والاخلاق الذميمة لا يتأتى من اخلاقهم الا مثل ما أتى من اسلافهم فلا تحزنوا على تكذيبهم واللام فى { لكم } لتضمين معنى الاستجابة اى فى ايمانهم مستحيبين لكم او للتعليل اى فى ان يحدثوا الايمان لأجل دعوتكم { و } الحال { قد كان فريق } كائن { منهم } اى طائفة ممن سلف منهم والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط { يسمعون كلام الله } وهو ما يتلونه من التوراة { ثم يحرفونه } اى يغيرون ما فيها من الاحكام كتغييرهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما امر به ونهى ثم قالوا سمعنا الله يقول فى آخره ان استطعتم ان تفعلوا هذه الاشياء فافعلوا وان شئتم ان لا تفعلوا فلا بأس قال فى التيسير الصحيح انهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطة فان ذلك كان لموسى على الخصوص لم تشركه فيه غيره فى الدنيا ومعنى يسمعون كلام الله اى التوراة من موسى بقراءته { من بعد ما عقلوه } اى من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم يبق لهم شبهة فى صحته يقول كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلدون اولئك الآباء فهم من اهل السوء الذين مضوا بالعناد فلا تطمعوا فى الايمان منهم { وهم يعلمون } اى يحرفونه والحال انهم يعلمون انهم كاذبون مفترون

(1/209)

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)

{ واذا لقوا } اى اليهود { الذين آمنوا } من اصحاب النبى عليه السلام { قالوا } اى منافقوهم { آمنا } كايمانكم وان محمدا هو الرسول المبشر به { واذا خلا } مضى ورجع { بعضهم } الذين لم ينافقوا اى اذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجهين ومنضمين { الى بعض } اى الى الذين نافقوا بحيث لم يبق معهم غيرهم { قالوا } اى الساكتون عاتبين لمنافقيهم على ما صنعوا { أتحدثونهم } تخبرونهم والاستفهام بمعنى النهى اى لا تحدثوهم يعنون المؤمنين { بما فتح الله عليكم } اى بينه الله لكم خاصة فى التوراة من نعت النبى عليه السلام والتعبير عنه بالفتح للايذان بانه سر مكنون وباب مغلق لا يقف عليه احد { ليحاجوكم به } اللام متعلقة بالتحديث دون الفتح والضمير فى به لما فتح الله اى ليحتجوا عليكم به فيقطعوكم بالحجة ويبكتوكم { عند ربكم } اى فى حكمه وكتابه كما يقال هو عند الله كذا اى فى كتابه وشرعه والمحدثون به وان لم يحوموا حول ذلك الغرض وهو المحاجة لكن فعلهم ذلك لما كان مستتبعا له البتة جعلوا فاعلين للغرض المذكور اظهارا لكمال سخافة عقلهم وركاكة آرائهم { أفلا تعقلون } متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب اى ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش وهو ان ذلك حجة لهم عليكم فالمنكر عدم التعقل ابتداء او أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون الى التنبيه عليه فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل

(1/210)

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)

{ أولا يعلمون } الهمزة للانكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر ينساق اليه الذهن والضمير للموبخين اى أيلومونهم على التحديث مخافة المحاجة ولا يعلمون { ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } اى جميع ما يسرونه وما يعلنونه ومن ذلك اسرارهم الكفر واعلانهم الايمان فحينئذ يظهر الله للمؤمنين ما ارادوا اخفاءه بواسطة الوحى الى النبى عليه السلام فتحصل المحاجة والتبكيت كما وقع فى آية الرجم وتحريم بعض المحرمات عليهم فأى فائدة فى اللوم والعتاب { ومنهم } اى من اليهود { اميون } لا يحسنون الكتب ولا يقدرون على القراءة والامى منسوب الى امة العرب وهى الامة الخالية عن العلم والقراءة فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة { لا يعلمون الكتاب } اى لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة فيؤمنوا { الا امانى } جمع امنية من التمنى والاستثناء منقطع لانها ليست من جنس الكتب اى لكن الشهوات الباطلة ثابتة عندهم وهى المفتريات من تغيير صفة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وانهم لا يعذبون فى النار الا اياما معدودة وان آباءهم الانبياء يشفعون لهم وان الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة لهم فى صحة ذلك { وان هم } اى ما هم { الا يظنون } ظنا من غير تيقن بها اى ما هم الا قوم قصارى امرهم الظن والتقليد من غير ان يصلوا الى مرتبة العلم فانى يرجى منهم الايمان المؤسس على قواعد اليقين

(1/211)

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)

{ ومنهم } اى من اليهود { اميون } لا يحسنون الكتب ولا يقدرون على القراءة والامى منسوب الى امة العرب وهى الامة الخالية عن العلم والقراءة فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة { لا يعلمون الكتاب } اى لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة فيؤمنوا { الا امانى } جمع امنية من التمنى والاستثناء منقطع لانها ليست من جنس الكتب اى لكن الشهوات الباطلة ثابتة عندهم وهى المفتريات من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم وانهم لا يعذبون فى النار الا اياما معدودة وان آباءهم الانبياء يشفعون لهم وان الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة لهم فى صحة ذلك { وان هم } اى ما هم { الا يظنون } ظنا من غير تيقن بها اى ما هم الا قوم قصارى امرهم الظن والتقليد من غير ان يصلوا الى مرتبة العلم فانى يرجى منهم الايمان المؤسس على قواعد اليقين

(1/212)

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

{ فويل } كلمة يقولها كل واقع فى هلكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب اى عقوبة عظيمة وهو مبتدأ خبره ما بعده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر اربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره » وقال سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه انه واد فى جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره اى ذابت { للذين يكتبون الكتاب } المحرف { بايديهم } تأكيد لدفع توهم المجاز فقد يقول انسان كتبت الى فلان اذا امر غيره ان يكتب عنه اليه { ثم يقولون } لعوامهم { هذا } اى المحرف { من عند الله } فى التوراة روى ان احبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبى عليه السلام المدينة فاحتالوا فى تعويق اسافل اليهود عن الايمان فعمدوا الى صفة النبى عليه السلام فى التوراة وكانت هى فيها حسن الوجه جعد الشعر اكحل العين ربعة اى متوسط القامة فغيروها وكتبوا مكانه طوال ازرق سبط الشعر وهو خلاف الجعد فاذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته عليه السلام فيكذبونه { ليشتروا به } اى يأخذوا لانفسهم بمقابلة المحرف { ثمنا } هو ما اخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ وانما عبر عن المشترى الذى هو المقصود بالذات فى عقد المعاوضة بالثمن الذى هو وسيلة فيه ايذانا بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودة بالذات { قليلا } لا يعبأ به انما وصفه بالقلة اما لفنائه وعدم ثوابه واما لكونه حراما لان الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله كذا فى تفسير القرطبى { فويل لهم } اى العقوبة العظيمة ثابتة لهم { مما كتب ايديهم } من اجل كتابتهم اياه { وويل لهم مما يكسبون } من اخذهم الرشوة وعملهم المعاصى واصل الكسب الفعل لجر نفع او دفع ضر ولهذا لا يوصف به سبحانه وفى الآيات اشارات الاولى ان علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله لا يفيده الايمان الحقيقى الا ان يتداركه الله بفضله ورحمته قال الله تعالى { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد ابدا } وان الله تعالى كلم ابليس وخاطبه بقوله { يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى } وما افاده الايمان الحقيقيى اذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته ولم يبق على الايمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان : قال فى المثنوى جز عنايت كه كشايد جشم را ... جز محبت كه تشاند خشم را جهدبى توفيق خود كس را مباد ... درجهان والله اعلم بالسداد جهد فرعونى جوبى توفيق بود ... هرجه او مىدوخت آن تفتيق بود والثانية ان العالم المعاند والعامى المقلد سواء فى الضلال لان العالم عليه ان يعمل بعلمه وعلى العامى ان لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم وان الدين ليس بالتمنى فالذين ركنوا الى التقليد المحض واغتروا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم الا قراءتها دون معرفة معانيها وادراك اسرارها وحقائقها وهذا حال اكثر اهل زماننا من مدعى الاسلام فالمدعى والمتمنى عاقبتهما خسران وضلال وحسرة وندامة ووبال : وفى المثنوى

(1/213)

تشنه را كر ذوق آيد از سراب ... جون رسد دروى كريزد جويد آب مفلسان كرخوش شوند اززرقلب ... ليك ان رسوا شود دردار ضرب والثالثة ان من بدل أو غير أو ابتدع فى دين الله ما ليس منه فهو داخل فى الوعيد المذكور وقد حذر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم امته لما علم ما يكون فى آخر الزمان فقال « ألا ان من قبلكم من اهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وان هذه الامة ستفترق على ثلاث وسبعين كلها فى النار الا واحدة » فحذرهم ان يحدثوا من تلقاء انفسهم فى الدين خلاف كتاب الله او سنته او سنة اصحابه فيضلوا به الناس وقد وقع ما حذره وشاع وكثر وذاع فانا لله وانا اليه راجعون : قال السعدى نخواهى كه نفرين كنندازبست ... نكوباش تابد نكويد كست ته هر آدمى زاده ازددبهست ... كه ددز آدمى زاده بدبهست والرابعة ان بعض المتسمين بالصوفية ينضم الى الاولياء وارباب القلوب ظاهرا ثم لا يصدق الارادة ويميل الى اهل الغفلة ويصغى الى اقوالهم ويشتهى ارتكاب افعالهم وكلما دعته هواتف الحظوظ سارع الى الاجابة طوعا واذا قادته دواعى الحق تكلف كرها ليس له اخلاص فى الصحبة فى طريق الحق فويل لهم مما كتب ايديهم وويل لهم مما يكسبون من الالحاد عن الحق واعتقاد السوء واغراء الخلق واضلالهم فهم الذين ضلوا واضلوا كثيرا : وفى المثنوى صدهزاران دام ودانه است اى خدا ... ماجو مرغان حريض بى نوا دمبدم ما بتسه دام نويم ... هريكى كرباز وسميرغى شويم فعلى السالك ان يجتهد فى الوصول الى الموجود الحق ويتخلص من الموهوم المطلق ولا يغتر بظواهر الحالات غافلا عن بطون الاعتبارات فان طريق الحق ادق من كل دقيق وماء عميق وفج سحيق واجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التى لا شك فيها الظن ما عند الناس من صلاحية حاله قال حارث بن اسد المحاسبى رضى الله عنه الراضى بالمدح بالباطل كمن يهزؤ به ويقال ان العذرة التى تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك وهو يفرح ويرضى بالسخرية به فالعاقل لا يغتر بمثله بل يجتهد الى ان يصل الى الحقيقة فويل لواعظ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده ورأى نفسه خيرا من السامعين ويتقيد بالمدح والذم اللهم الا ان يخرج ذلك من قلبه والمعيار مساواة المقبل واللاطم عنده بل رجحان اللاطم والضارب قال فى مجلس وعظه جنيد البغدادى لو لم اسمع قوله صلى الله عليه وسلم « ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » لما اجترات على الوعظ فانا ذلك الرجل الفاجر

(1/214)

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)

{ وقالوا } اى اليهود زعما منهم { لن تمسنا النار } اى لا تصل الينا النار فى الآخرة { الا اياما معدودة } قليلة محصورة سبعة ايام فانهم يقولون ان ايام الدنيا سبعة آلاف سنة فنعذب مكان كل الف سنة يوما او يراد اربعين يوما مقدار عبادة آبائهم العجل قال ابو منصور رحمه الله تصرف الايام المعدودة الى العمر الذى عصوا فيه وهم لم يروا التعذيب الا على قدر وقت العصيان او كانوا لا يرون التخليد فى النار كالجهمى او لانهم كانوا يقولون نحن ابناء الله واحباؤه فلا نعذب ابدا بل نعذب تعذيب الاب ابنه والحبيب حبيبه فى وقت قليل ثم يرضى وهذا منهم باطل وعقوبة الكفر ابدا وثواب الايمان كذلك لان من اعتقد دينا انما يعتقده للابد فعلى ذلك جزاؤه للابد { قل } يا محمد تبكيتا لهم وتوبيخا { أتخذتم } بقطع الهمزة لانه الف استفهام بمعنى التوبيخ والالف المجتلبة ذهبت بالادراج اى ءاتخذتم { عند الله عهدا } خبرا او وعدا بما تزعمون فان ما تدعون لا يكون الا بناء على وعد قوى ولذلك عبر عنه بالعهد { فلن } الفاء فصيحة معربة عن شرط محذوف اى ان اتخذتم عند الله عهدا وامانا فلن { يخلف الله } الاخلاف نقض العهد { عهده } الذى عهده اليكم يعنى ينجز وعده البتة قال الامام ابو منصور لهذان وجهان احدهما هل عندكم خبر عن الله تعالى انكم لا تعذبون ابدا لكن اياما معدودة فان كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده والثانى ألكم عند الله اعمال صالحة ووعدكم بها الجنة فهو لا يخلف وعده { أم تقولون } مفترين { على الله ما لا تعلمون } وقوعه وام معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى اى الامرين المتساويين كائن على سبيل التقرير لان العلم واقع بكون احدهما تلخيصه ان كان لكم عنده عهد فلا ينقض ولكنكم تخرصون وتكذبون روى انهم اذا مضت تلك المدة عليهم فى النار يقول لهم خزنة جهنم يا اعداء الله ذهب الاجل وبقى الابد فايقنوا بالخلود

(1/215)

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

{ بلى } اثبات لما بعد النفى فهو جواب النفى ونعم جواب الايجاب اى قلتم لن تمسنا النار سوى الايام المعدودة بلى تمسكم ابدا بدليل قوله { هم فيها خالدون } وبين ذلك بالشرط والجزاء وهما { من } فهو رفع مبتدأ بمعنى الشرط ولذلك دخلت الفاء فى خبره وان كان جوابا للشرط { كسب } الكسب استجلاب النفع واستعماله فى استجلاب الضر كالسيئة على سبيل التهكم { سيئة } من السيآت يعنى كبيرة من الكبائر { واحاطت به خطيئته } تلك واستولت عليه من جميع جوانبه من قلبه ولسانه ويده كما يحيط العدو وهذا انما يتحقق فى الكافر ولذلك فسر السلف السيئة بالكفر { فاولئك } الموصوفون بما ذكر من كسب السيآت واحاطة خطاياهم بهم اشير اليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى فى كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ فى الضمائر الثلاثة { اصحاب النار } اى ملازموها فى الآخرة حسب ملازمتهم فى الدنيا لما يستوجبها من الاسباب التى من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك وهو خبر اولئك والجملة خبر للمبتدأ { هم فيها خالدون } دائمون فأنى لهم التفضى منها بعد سبعة ايام او اربعين كما زعموا والجملة في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به فى قوله { اصحاب النار خالدين فيها } ولا حجة فى الآية على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر

(1/216)

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)

{ والذين آمنوا } اى صدقوا بالله تعالى ومحمد عليه السلام بقلوبهم { وعملوا الصالحات } اى ادوا الفرائض وانتهوا عن المعاصى { اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } لا يموتون ولا يخرجون منها ابدا جرت السنة الآلهية على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة فى ارشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب اخرى والتبشير مرة والانذار اخرى فان باللطف والقهر يترقى الانسان الى الكمال ويفوز بجنة الجمال والجلال حكى انه كان لشيخ مريد فقال له يوما لو رأيت ابا يزيد كان خيرا لك من شغلك فقال كيف يكون هو خيرا وهو مخلوق ويتجلى الخالق كل يوم سبعين مرة ثم بالآخرة ذهب مع شيخ الى ابى يزيد البسطامى فقالت امرأته لا تطلبوه فهو امرؤ ذهب للحطب فوقفا فى طريقه فاذا هو حمل الحطب على اسد عظيم وبيده حية يضرب الاسد بها فى بعض الاوقات فلما رآه المريد مات وقال ابو يزيد لشيخه قد ربيت مريدك باللطف ولم ترشده الى طريق القهر فلم يتحمل لما رآنى فلا تفعل بعد اليوم وأرهم القهر ايضا قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى ان ابا يزيد برؤية القهر واللطف من الطريق كان مظهرا لتجلى الذات بخلاف المريد فلما رآه فيه لم يتحمل : قال فى المثنوى عاشقم بر قهر وبر لطفش بجد ... بو العجب من عاشق اين هردوضد والله ارزين خاردر بستان شوم ... همجو بلبل زين سبب نالان شوم اين عجب بلبل كه بكشايد دِهان ... تاخورد اوخار را يا كلستان اين جه بلبل اين نهنك آتشيست ... جملة ناخوشهازعشقاوراخوشيست والاشارة فى الآيات الى ان بعض المغرورين بالعقل من الفلاسفة والطبايعية وغيرهم لفرط غفلتهم ظنوا ان قبائح اعمالهم وافعالهم واقوالهم لا تؤثر فى صفاء ارواحهم والارواح فاذا فارقت الارواح الاجساد يرجع كل شىء الى اصله فالاجساد ترجع الى العناصر والارواح الى حظائر القدس ولا يزاحمها شىء من نتائج الاعمال الا اياما معدودة وهذا فاسد لان العاقل يشاهد حسا وعقلا ان تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية يورث الاخلاق الذميمة من الحرص والامل والحقد والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك وهذه من صفات النفس الامارة بالسوء فتصير بالمجاورة والتعود اخلاق الروح فيتكدر صفاؤه ويتبدل اخلاقه الروحانية من الحلم والكرم والمرؤة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك من مكارم الاخلاق وصفاء القلب وتحننه الى وطنه الاصلى وغير ذلك فلا يساوى الروح المتبع للنفس الامارة كما للعوام بعد المفارقة مع الروح المتبع لالهامات الحق كما يكون للخواص وبعضهم قالوا وان تدنست الارواح بقدر تعلقها بمحبوبات طباعها فبعد المفارقة بقيت فى العذاب اياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عنها وزوال الكدروات ثم تخلص وهذا ايضا خيال فاسد وكذبهم الله بقوله بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته تظهر على مرآة قلبه بقدرها رينا فان تاب محى عنه وان اصر على السيآت حتى اذا احاط بمرآة قلبه رين السيآت بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطرى وخرج منه نور الايمان وضوء الطاعات فاحاطت به الخطيئات

(1/217)

{ فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون } وفيه اشارة ايضا الى بعض ارباب الطلب ممن يركن الى شهوات الدنيا فى اثناء الطلب فيتظفر عليه الشيطان ويغره بزهده فيوقعه في ورطة العجب فينظر الى نفسه بنظر التعظيم والى الخلق بنظر التحقير فيهلك او يغتر بما يظهر فى اثناء السلوك من بعض الوقائع الصادقة والرؤيا الصالحة وشىء من المشاهدات والمكاشفات الروحانية لا الرحمانية فيظن المغرور ان ليس وراء عبادته قربة وانه بلغ مبلغ الرجال فيسكت عن الطلب وتعتريه الآفات حتى احاطب به خطيئته فرجع القهقرى الى اسفل الطبيعة واما الذين آمنوا من اهل الطلب { وعملوا } على قانون الشريعة باشارة شيخ الطريقة الصالحات المبلغات الى الحقيقة اولئك اصحاب الوصول الى جنات الاصول خالدين فيها بالسير الى ابد الآباد فان المنازل والمقاصد وان كانت متناهية لكن السير فى المقصد غير متناه بخلاف الذين احاطت بهم خطيئتهم فانهم خالدون فى نار القطيعة ولن تنفعهم المجاهدات والنظر فى المعقولات والاستدلال بالشبهات

(1/218)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

{ واذ اخذنا ميثاق بنى اسرائيل } فى التوراة والميثاق العهد الشديد وهو على وجهين عهد خلقة وفطرة وعهد نبوة ورسالة واذ نصب باضمار فعل خوطب به النبى عليه السلام والمؤمنون ليؤديهم التأمل فى احوالهم الى قطع الطمع عن ايمان اخلافهم لان قبائح اسلافهم مما تؤدى الى عدم ايمانهم ولا يلد الحية الا الحية ومن ههنا قيل اذا طاب اصل المرء طابت فروعه او اليهود الموجودون فى عصر النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع اسلافهم اى اذكروا اذ اخذنا ميثاقهم بان { لا تعبدون الا الله } اى ان لا تعبدوا فلما اسقط ان رفع تعبدون لزوال الناصب او على ان يكون اخبارا فى معنى النهى كما تقول تذهب الى فلان تقول له كذا تريد به الامر اى اذهب وهو ابلغ من صريح الامر والنهى لما فيه من ايهام ان المنهى حقه ان يسارع الى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهى اى لا توحدوا الا الله ولا تجعلوا الالوهية الا لله وقيل انه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل واحلفناهم وقلنا بالله لا تعبدون الا الله { وبالوالدين احسانا } اى وتحسنون احسانا على لفظ تعبدون لانه اخبار او واحسنوا على معناه لانه انشاء اى برا كثيرا وعطفا عليهما ونزولا عند امرهما فيما لا يخالف امر الله { وذى القربى } اى وتحسنون الى ذى القرابة ايضا مصدر كالحسنى { واليتامى } جمع يتيم وهو الصغير الذى مات ابوه قبل البلوغ ومن الحيوانات الصغير الذى ماتت امه والاحسان بهم بحسن التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع { والمساكين } بحسن القول وايصال الصدقة اليهم جمع مسكين من السكون كأن الفقر اسكنه عن الحراك اى الحركة واثقله عن التقلب { و } قلنا { قولوا للناس } قولا { حسنا } سماه حسنا مبالغة لفرط حسنه امر بالاحسان بالمال فى حق اقوام مخصوصين وهم الوالدان والاقرباء واليتامى والمساكين ولما كان المال لا يسع الكل امر بمعاملة الناس كلهم بالقول الجميل الذى لا يعجز عنه العاقل يعنى وألينوا لهم القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر اى وقولوا للناس صدقا وحقا فى شأن محمد عليه السلام فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا امره { واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } كما فرضا عليهم فى شريعتهم ذكرهما تنصيصا مع دخولهما فى العبادة المذكورة تعميما وتخصيصا تلخيصه اخذنا عهدكم يا بنى اسرائيل بجميع المذكور فقبلتم واقبلتم عليه { ثم توليتم } على طريقة الالتفات اي اعرضتم عن المضى على مقتضى الميثاق ورفضتموه { الا قليلا منكم } وهم من الاسلاف من اقام اليهودية على وجهها ومن الاخلاف من اسلم كعبدالله بن سلام واضرابه { وانتم معرضون } جملة تذييلية اى وانتم قوم عادتكم الاعراض عن الطاعة ومراعاة حققو الميثاق وليس الواو للحال لاتحاد التولى والاعراض فالجملة اعتراض للتأكيد فى التوبيخ واصل الاعراض الذهاب عن المواجهة والاقبال الى جانب العرض

(1/219)

واعلم ان فى الآية عدة اشياء منها العبادة فمن شرط العبودية تفرد العبد لعبادة المعبود وتجرده عن كل مقصود فمن لا حظ خلقا او استحلى ثناء او استجلب بطاعته الى نفسه حظا من حظوظ الدنيا والآخرة او داخله بوجه من الوجوه مزج او شوب فهو ساقط عن مرتبة الاخلاص برؤية نفسه حجاب راه توبي حافظ از ميان برخيز ... خوشا كسى كه ازين راه بى حجاب رود ومنها الاحسان الى الوالدين وقد عظم الله حق الوالدين حيث قرن حقه بحقهما فى آيات من القرآن لان النشأة الاولى من عند الله والنشأة الثانية وهى التربية من جهة الوالدين ويقال ثلاث آيات انزلت مقرونة بثلاث آيات ولا تقبل احديها بغير قرينتها احديها قوله تعالى { اطيعوا الله واطيعوا الرسول } والثانية { ان اشكر لى ولوالديك } والثالثة { اقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } والاحسان الى الوالدين معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما والامتثال الى امرهما وصلة اهل ودّهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما : قال السعدى سالها برتو بكذردكه كذر ... نكنى سوى تربت بدرت توبجاى بدرجه كردى خير ... تاهمان جشم دارى ازبسرت وفى التأويلات النجمية ان فى قوله { وبالوالدين احسانا } اشارة الى ان اعز الخلق على الولد والداه لاجل انهما سببا وجوده فى الظاهر ولكن ينبغى ان يحسن اليهما بعد خروجه من عهدة عبودية ربه اذ هو موجد وجوده ووجود والديه فى الحقيقة ولا يختار على اداء عبوديته احسان والديه فكيف الالتفات لغيرهما ومنها البر الى اليتامى برحمت بكن آبش از ديده باك ... بشفقت بيفشانش ازجهره خاك وفى الحديث « ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فلا يقرب قصعتهم الشيطان » وفى الحديث ايضا « من ضم يتيما من بين مسلمين الى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر ومن اذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه » قالوا وما كريمتاه قال « عيناه ومن كان له ثلاث بنات او ثلاث اخوات فانفق عليهن واحسن اليهن حتى يكبرون او يمتن غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر » فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال يا رسول الله او اثنتان فقال صلى الله عليه وسلم « او اثنتان » وقال صلى الله عليه وسلم « كافل اليتيم انا وهو كهاتين فى الجنة » واشار بالسبابة والوسطى والسبابة من الاصابع هى التى تلى الابهام وكانت فى الجاهلية تدعى بالسبابة لانهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالاسلام كرهوا هذا الاسم فسموها بالمشيرة لانهم كانوا يشيرون بها الى الله بالتوحيد والمشيرة من اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت اطول من الوسطى ثم الوسطى اقصر منها ثم البنصر اقصر من الوسطى فقوله عليه السلام

(1/220)

« انا وهو كهاتين فى الجنة » وقوله فى الحديث الآخر « احشر انا وابو بكر وعمر يوم القيامة هكذا » واشار باصابعه الثلاث فانما اراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذلك كافل اليتيم يكون له منزلة رفيعة فمن لم يعرف شأن اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام واقتراب بعضهم من بعض فى محل القربة وهذا معنى بعيد لان منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ومنازل مختلفة كذا فى تفسير القرطبى ومنها البر الى المساكين وهم الذين اسكنتهم الحاجة وذللتهم وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد احوال المساكين والضعفاء وفى الحديث « الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله » وكان طاووس يرى السعى على الخوات افضل من الجهاد فى سبيل الله نخواهى كه باشى براكنده دل ... براكندكانرا ز خاطر مهل بريشان كن امروز كنجينه جست ... كه فردا كليدش نه دردست تس ومنها القول الحسن ولما خرج الطالب من عهدة حق العبودية وعمت رحمته وشفقته الوالدين وغيرهما لزم له ان يقول للناس حسنا يأمرهم بالمعروف ويناههم عن المنكر ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة الى الله ويهديهم الى طريق الحق ويخالقهم بحسن الخلق وان يكون قوله لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسنى والمبتدع من غير مداهنة ومن غير ان يتكلم معه بكلام يظن انه يرضى مذهب لان الله تعالى قال لموسى وهارون عليهما السلام { فقولا له قولا لينا } فليس بافضل من موسى وهارون والفاجر ليس باخس من فرعون وقد امرهما الله باللين معه فدخل فى هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفى : قال الحافظ آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست ... بادوستان تلطف با دشمنان مدارا وقال السعدى درشتى نكيرد خردمند بيش ... نه سستى كه ناقص كند قدر خويش

(1/221)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

{ واذ اخذنا ميثاقكم } اى واذكروا ايها اليهود وقت اخذنا اقراركم وعهدكم فى التوراة وقلنا لكم { لا تسفكون دماءكم } لا يريق بعضكم دم بعض جعل غير الرجل نفسه اذا اتصل به اصلا او دينا فلما بينهم من الاتصال القوى نسبا ودينا اجرى كل واحد منهم مجرى انفسهم وقيل اذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لانه يقتص منه وهو اخبار فى معنى النهى كانه سورع الى الانتهاء فهو يخبر عنه { ولا تخرجون انفسكم من دياركم } اى لا يخرج بعضكم بعضا من دياره او لا تسبوا جيرانكم فتلجئوهم الى الخروج وفى اقتران الاخراج من الديار بالقتل ايذان بانه بمنزلة القتل { ثم اقررتم } اى بالميثاق واعترفتم على انفسكم بلزومه وبوجوب المحافظة عليه { وانتم تشهدون } عليها توكيد للاقرار كقولك فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها او انتم اليوم ايها اليهود تشهدون على اقرار اسلافكم بهذا الميثاق

(1/222)

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

{ ثم انتم } مبتدأ { هؤلاء } خبر ومناط الافادة اختلاف الصفات المنزل منزلة اختلاف الذات كما تقول رجعت بغير الوجه الذى خرجت به والمعنى انتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون والناقضون المتناقضون يعنى انكم قوم آخرون غير اولئك المقرين كأنهم قالوا كيف نحن فقيل { تقتلون انفسكم } اى الجارين مجرى انفسكم فهو بيان لقوله ثم انتم هؤلاء { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } الضمير للفريق وهو الطائفة { تظاهرون عليهم } بحذف احدى التاءين حال من فاعل تخرجون او من مفعوله مبينة لكيفية الاخراج رافعة لتوهم اختصاص الحرمة بالاخراج بطريق الاصالة والاستقلال دون المظاهرة والمعنى تقوون ظهوركم للغلبة عليهم { بالاثم } حال من فاعل تظاهرون اى ملتبسين بالاثم وهو الفعل الذى يستحق فاعله الذم واللوم { والعدوان } اى التجاوز فى الظلم ودلت الآية على ان الظلم كما هو محرم فكذا اعانة الظالم على ظلمه كذا فى التفسير الكبير { وان يأتوكم اسارى } اى جاؤكم حال كونهم مأسورين اى ظهروا لكم على هذه الحالة ولم يرد به الاتيان الاختيارى والاسارى والاسرى جمع اسير وهو من يؤخذ قهرا فعيل بمعنى المفعول من الاسر بمعنى الشد والايثاق والفرق انهم اذا قيدوا فهم اسارى واذا حصلوا فى اليد من غير قيد فهم اسرى { تفادوهم } اى تخرجوهم من الاسر باعطاء الفداء والمفاداة تجرى بين الفادى وبين قابل الفداء { وهو } مبتدأ اى الشان { محرم عليكم اخراجهم } محرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبرا عن اخراجهم والجملة خبر لضمير الشان وذلك ان الله تعالى اخذ على بنى اسرائيل فى التوراة ان لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وايما عبد او امة وجدتموه من بنى اسرائيل فاشتروه واعتقوه وكان قريظة والنضير من اليهود اخوين وكذا الاوس والخزرج وهم اهل شرك يعبدون الاصنام ولا يعرفون القيامة والجنة والنار والحلال والحرام فافترقوا فى حرب شمر ووقعت بينهم عداوة فكانت بنو قريظة معينة للاوس وحلفاءهم اى ناصريهم والنضير معينة للخزرج وحلفاءهم فكانوا اذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قريظة مع الاوس والنضير مع الخزرج يظاهر كل قوم حلفاءهم على اخوانهم حتى يتسافكوا الدماء واذا غلبوا خربوا ديارهم واخرجوهم منها وبايديهم التوراة يعرفون ما فيها مما عليهم وما لهم فاذا وضعت الحرب اوزارها افتدى قريظة ما كان فى ايدى الخزرج منهم وافتدى النضير ما كان فى ايديى الاوس منهم من الاسارى فعيرتهم العرب بذلك وقالوا كيف تقاتلونهم وتفدونهم فقالوا امرنا ان نفديهم وحرم علينا قتالهم قالوا فلم تقاتلونهم قالوا انا نستحيى ان يستذل حلفاؤنا فذمهم على المناقضة وتلخيصه اعرضتم عن الكل الا الفداء لان الله تعالى اخذ عليهم اربعة عهود ترك القتل وترك الاخراج وترك المظاهرة عليهم مع اعداهم وفداء اساراهم فاعرضوا عن الكل الا الفداء { أفتؤمنون ببعض الكتاب } وهو الفداء والهمزة للانكار التوبيخيى والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام اى أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب { وتكفرون ببعض } هو حرمة القتال والاخراج مع ان قضية الايمان ببعضه الايمان بالباقى لكون الكل من عند الله داخلا فى الميثاق فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع ايمانهم بالبعض { فما جزاء } نفى اى ليس جزاء { من يفعل ذلك } اى الكفر ببعض الكتاب مع الايمان بالبعض { منكم } يا معشر اليهود حال من فاعل يفعل { الا خزى } استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ اى ذل وهو ان مع الفضيحة وهو قتل بنى قريظة واسرهم واجلاء بنى النضير الى اذرعات واريحا من الشام وقيل هو اخذ الجزية { فى الحيوة الدنيا } صفة خزى ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع اطماعهم الفارغة من ثمرات ايمانهم ببعض الكتاب واظهار انه لا اثر له اصلا مع الكفر بالبعض { ويوم القيامة } يوم تقام فيه الاجزية { يردون } اى يرجعون والرد الرجع بعد الاخذ { الى اشد العذاب } هو التعذيب فى جهنم وهو اشد من خزيهم فى الدنيا واشد من كل عذاب كان قبله فانه ينقطع وهذا لا ينقطع وفى الحديث

(1/223)

« فضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة » وانما كان اشد لما ان معصيتهم كانت اشد المعاصى : وفى المثنوى هركه ظالم تر جهش باهول تر ... عدل فرموده است بدتررا بتر { وما الله بغافل } بساه { عما تعملون } من القبائح التى من جملتها هذا المنكر اى لا يخفى عليه شىء من اعمالهم فيجازيهم بها يوم البعث تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة لان الغفلة اذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع انه اقدر القادرين وصلت الحقوق الى مستحقيها

(1/224)

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

{ اولئك } الموصوفون بما ذكر من الاوصاف القبيحة { الذين اشتروا الحيوة الدنيا } واستبدلوها { بالآخرة } واعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فان ما ذكر ما الكفر ببعض احكام الكتاب انما كان مراعاة لجانب حلفائهم لما يعود اليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية { فلا يخفف عنهم العذاب } دنيويا كان او اخرويا { ولا هم ينصرون } يمنعون من العذاب بدفعه عنهم بشفاعة او جبر اعلم ان الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل ايتهما شاء واراد فاذا اشتغل بتحصيل احديهما فقد فوت الاخرى على نفسه فجعل الله ما اعرض اليهود عنه من الايمان بما فى كتابهم وما حصل فى ايديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء وذلك من الله نهاية الذم لهم لان المغبون فى البيع والشراء فى الدنيا مذموم فان يذم مشترى الدنيا بالآخرة اولى فعلى العاقل ان يرغب فى تجارة الآخرة ولا يركن الى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال اوامر الشطيان فى استجلاب حظوظ النفس ولا يخرج من ديار دينه التى كان عليها فى اصل الفطرة فانه اذا يضل ويشقى وفى قوله { لا تسفكون دماءكم } اشارة اخرى الى ان العبد ولا يجوز له ان يقتل نفسه من جهد او بلاء يصيبه او يهيم فى الصحراء ولا يأتى البيوت جهلا فى ديانته وسفها فى حلمه فهو عام فى جميع ذلك وقد روى ان بعض الصحابة رضى الله عنهم عزموا ان يلبسوا المسوح وان يهيموا فى الصحراء ولا يأووا الى البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فقال عليه السلام « انى اصلى وانام واصوم وافطر واغشى النساء وآوى الى البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى » فرجعوا عما عزموا قال تعالى { وآت كل ذى حق حقه } فالكمال فى التجاوز عن القيود والوصول الى عالم الشهود وعين العارف لا ترى غير الله فى المرايا والمظاهر فمن اى شىء يهرب والى اين يهرب فاينما تولوا فثم وجه الله ولذا قيل الذى يطلب العلم لله اذا قيل له غدا تموت لا يضيع الكتاب من يده لكونه وفى الحقوق مشتغلا به لله مخلصا له النية فلم ير افضل مما هو فيه فيحب ان يأتيه الموت على ذلك واعلم ايضا ان الاسارى اصناف شتى فمن اسير فى قيد الهوى فانقاذه بالدلالة على الهدى ومن اسير فى قيد حب الدنيا فخلاصة باخلاص ذكر الموت : وفى المثنوى ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز ... جشم نركس را ازين كركس بدوز ومن اسير بقى فى قيد الوسواس فقد استهوته الشياطين ففداؤه برشده الى اليقين بلوائح البراهين لينقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمات التقليد وما تعود بالتلقين ومن اسير تجده فى اسر هواجس نفسه ربيط زلاته ففك اسره فى ارشاده الى اقلاعها ومن اسير تجده فى قبضة الحق فليس لاسيرهم فداء ولا لقتيلهم وقود ولا لربيطهم خلاص ولا منهم بدل ولا معهم جدل ولا اليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم الا بهم دليل ولا بهم فرار ولا معهم قرار فهذا مقام الاولياء الكمل فمن اتخذ هذه الطريقة سبيلا نال مراده ووصل الى مقام فؤاده وتخلص من الخزى الذى هو عمى القلب عن مشاهدة الحق والعمه فى تيه الباطل فى الدنيا والآخرة : قال فى المثنوى

(1/225)

اصل صد يوسف جمال ذوالجلال ... اى كم اززن شو فداى آن جمال اصل بيند ديده جون اكمل بود ... فرع بيند جونكه مرداحول بود سرمه توحيد از كحال حال ... يافته رسته زعلت واعتلال ولا بد من العشق فى طريق الحق وحكى ان عجوزا احضرت السوق قطعة غزل وقالت اكتبونى من مشترى يوسف حتى يوجد اسمى فى دفتر العشاق اللهم لا تحجبنا عن جمالك وعنك واجعلنا من الفائزين بنوال وصالك منك

(1/226)

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)

{ ولقد آتينا } اى بالله لقد اعطينا يا بنى اسرائيل { موسى } لغة عبرانية قد سبق تفصيله عند قوله تعالى { واذ واعدنا موسى } الآية { الكتاب } اى التوراة جملة واحدة { وقفينا من بعده بالرسل } يقال قفاه به اذا اتبعه اياه اى اتبعنا من بعد موسى رسولا بعد رسول مقتفين اثره وهم يوشع وشمويل وداود وسليمان وشمعون وشعيا وارميا وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم السلام { وآتينا عيسى } بالسريانية اليسوع ومعناه المبارك والاصح انه لا اشتقاق له ولأمثاله فى العربية { ابن } باثبات الالف وان كان واقعا بين العلمين لندرة الاضافة الى الام { مريم } بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة قد جعلتها امها محررة لخدمة المسجد ولكمال عبادتها لربها سماها الحق تعالى فى كتابه الكريم مع الانبياء عليهم السلام سبع مرات وخاطبها كما خوطب الانبياء كما قال تعالى { يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين } فشاركها مع الرجال { البينات } المعجزات الواضحات من احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص والاخبار بالمغيبات والانجيل { وايدناه } اى قويناه { بروح القدس } من اضافة الموصوف الى الصفة اى بالروح المقدسة المطهرة وهى روح عيسى عليه السلام وصفت بالقدس للكرامة لان القدس هو الله تعالى او الروح جبريل ووصف بالطهارة لانه لم يقترف ذنبا وسمى روحا لانه كان يأتى الانبياء بما فيه حياة القلوب ومعنى تقويته به انه عصمه من اول حاله الى كبره فلم يدن منه الشيطان عند الولادة ورفعه الى السماء حين قصد اليهود قتله وتخصيص عيسى من بين الرسل ووصفه بايتاء البينات والتأييد بروح القدس لما ان بعثتهم كانت لتنفيذ احكام التوراة وتقريرها واما عيسى فقد نسخ بشرعه كثير من احكامها وحسم مادة اعتقادهم الباطل فى حقه ببيان حقيقته واظهار كمال قبح ما فعلوا به وما بين موسى وعيسى اربعة آلاف نبى وقيل سبعون الف نبى { أفكلما جاءكم } خاطب اهل عصر النبى عليه السلام بهذا وقد فعله اسلافهم يعنى لم يوجد منهم القتل ان وجد الاستكبار لانهم يتولونهم ويرضون بفعلهم والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام اى ألم تطيعوهم فكلما جاءكم { رسول بما لا تهوى } اى لا تريد { انفسكم } ولا يوافق هواكم من الحق الذى لا انحراف عنه { استكبرتم } اى تعظمتم عن الاتباع له والايمان بما جاء به من عند الله { ففريقا } منهم { كذبتم } كعيسى ومحمد عليهما السلام { وفريقا تقتلون } كزكريا ويحيى وغيرهما عليهم السلام وقدم فريقا فى الموضعين للاهتمام وتشويق السامع الى ما فعلوا بهم لا للقصر ولم يقل قتلتم وان اريد الماضى تفظيعا لهذه الحالة فكأنها وان مضت حاضرة لشناعتها ولثبوت عارها عليهم وعلى ذريتهم بعدهم او يراد وفريقا تقتلونهم بعد وانكم على هذه النية لانكم حاولتم قتل محمد عليه الصلاة والسلام لولا انى اعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة حتى قال عليه السلام عند موته

(1/227)

« ما زالت اكلة خيبر تعاودنى » اى يراجعنى اثر سمها فى اوقات معدودة « فهذا او ان قطعت ابهرى » وهو عرق منبسط فى القلب اذا انقطع مات صاحبه وقصته انه لما فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز اهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله « انى سائلكم عن شىء فهل انتم صادقى فيه » قالوا نعم يا ابا القاسم قال « هل جعلتم فى هذه الشاة سما » قالوا نعم قال « فما حملكم على ذلك » قالوا اردنا ان كنت كاذبا ان نستريح منك وان كنت صادقا لم يضرك واعلم ان اليهود انفوا من ان يكونوا اتباعا وكانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا مخافة ان تذهب عنهم الرياسة فما دام لم يخرج حب الرياسة من القلب لا تكون النفس مؤمنة بالايمان الكامل وللنفس صفات سبع مذمومة العجب والكبر والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه ولجهنم ايضا ابواب سبعة فمن زكى نفسه عن هذه السبع فقد اغلق سبعة ابواب جهنم ودخل الجنة واوصى ابراهيم بن ادهم بعض اصحابه فقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فان الرأس يهلك والذنب يسلم : قال فى المثنوى تاتوانى بنده شو سلطان مباش ... زخم كش جون كوى شوجوكان مباش اشتهار خلق بند محكمست ... در ره اين از بند آهن كى كم است وعن بعض المشايخ النقشبندية انه قال دخلت على الشيخ المعروف بدده عمر الروشنى لعيادة فوجدته متغير الحال بسبب انه داخله شىء من حب الرياسة لانه كان مشهورا فى بلدة تبريز مرجعا للاكابر والاصاغر فنعوذ بالله من الحور بعد الكور وفى شرح الحكم ادفن وجودك اى ما يكون سبب ظهور اختصاصك بين الخلق من علم او عمل او حال فى ارض الحمول التى هى احد ثلاثة امور احدها ان ترى ما جبلت عليه من النقص فلا تعتد بشىء يظهر منك لعلمك بدسائسك وخباثة نفسك الثانى ان تنظر اليك من حيث انت فلا ترى لائقا بك الا النقص وتنظر الى مولاك فتراه اهلا لكل كمال فكل ما يصدر لك من احسان نسبته اليه اعتبارا بما انت عليه من خمول الوصف الثالث ان تظهر لنفسك ما يوجب نفى دعواها من مباح مستبشع او مكروه لم يمنع دواء لعلة العجب لا محرما متفقا عليه اذ كما لا يصح دفن الزرع فى ارض رديئة لا يجوز الخمول فى حالة غير مرضية

(1/228)

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)

{ وقالوا } اى اليهود الموجودون فى عصر النبى عليه السلام { قلوبنا غلف } جمع اغلف مستعار من الاغلف الذى لم يختن اى هى مغشاة باغشية جبلية لا يكاد يصل اليها ما جاء به محمد ولا تفقهه ثم رد الله ان تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لانها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق واضرب وقال { بل لعنهم الله بكفرهم } اى خذلهم وخلاهم وشأنهم بسبب كفرهم العارض وابطالهم لاستعدادهم بسوء اختيارهم بالمرة { فقليلا ما يؤمنون } ما مزيدة للمبالغة اى فايمانا قليلا يؤمنون وهو ايمانهم ببعض الكتاب والفاء لسببية اللعن لعدم الايمان

(1/229)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)

{ ولما جاءهم كتاب } كائن { من عند الله } وهو القرآن ووصفه بقوله من عند الله للتشريف { مصدق لما معهم } اى موافق للتوراة فى التوحيد وبعض الشرائع قال ابن التمجيد المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات لا الشرائع والاحكام لان القرآن نسخ اكثرها { وكانوا من قبل } اى قبل مجىء محمد صلى الله عليه وسلم { يستفتحون على الذين كفروا } اى يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون لاعدائهم قد اظل زمان نبى يخرج بتصدياق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عد وارم { فلما جاءهم ما عرفوا } من الكتاب لان معرفة من انزل هو عليه معرفة له والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير ان يتخلل بينهما مدة منسية { كفروا به } حسدا وحرصا على الرياسة وغيروا صفته وهو جواب لما الاولى والثانية تكرير للاولى { فلعنة الله على الكافرين } اى عليهم وضعا للظاهر موضع الضمير للدلالة على ان اللعنة لحقتهم لكفرهم والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر واللعنة فى حق الكفار الطرد والابعاد من الرحمة والكرامة والجنة على الاطلاق وفى حق المذنبين من المؤمنين الابعاد عن الكرامة التى وعد بها من لا يكون فى ذلك الذنب ومنه قوله عليه السلام « من احتكر فهو ملعون » اى من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء ليبيعه وقت زيادة الغلاء فهو مطرود من درجة الابرار لا من رحمة الغفار واعلم ان الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله فى كل واحدة ثلاث مراتب الاولى اللعن بالوصف الاعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة والثانية اللعن باوصاف اخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض او على الزناة والظلمة واكل الربا وكل ذلك جائز والثالثة اللعن على الشخص فان كان ممن ثبت كفرهم شرعا يجوز لعنه ان لم يكن فيه اذى على مسلم كقولك لعنة الله على فرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت شرعا كلعنة زيد او عمرو او غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لان حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر او يتوب فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا ألا يرى ان وحشيا قتل عم النبى عليه السلام اعنى حمزة رضى الله عنه ثم اسلم على يد النبى عليه السلام وبشره الله بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لانه يحتمل ان يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن قال بعضهم لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما انه كفر حين امر بقتل الحسين رضى الله عنه ولما قال فى الخمر

(1/230)

فان حرمت يوما على دين احمد ... فخذها على دين المسيح ابن مريم واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضى الله عنه او امر به او اجازه او رضى به كما قال سعد الملة والدين التفتازانى الحق ان رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره واهانته اهل بيت النبى عليه السلام مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف فى شأنه بل فى ايمانه لعنة الله عليه وعلى انصاره واعوانه انتهى وكان الصاحب بن عباد يقول اذا شرب ماء بثلج قعقعة الثلج بماء عذب ... تستخرج الحمد من اقصى القلب ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد ويكف اللسان عن معاوية تعظيما لمتبوعه وصاحبه عليه السلام لانه كاتب الوحى وذو السابقة والفتوحات الكثيرة وعامل الفاروق وذى النورين لكنه اخطأ فى اجتهاده فتجاوز الله عنه ببركة صحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قال الخياط المتكلم ما قطعنى الا غلام قال ما تقول فى معاوية قلت انا اقف فيه قال فما تقول فى ابنه يزيد قلت العنه قال فما تقول فيمن يحبه قلت العنه قال افترى ان معاوية كان لا يحب ابنه كذا فى روضة الاخبار ثم اعلم ان اللعنة ترتد على اللاعن ان لم يكن الملعون اهلا لذلك ولعن المؤمن كقتله فى الاسم وربما يلعن شيأ من ماله فتنزع منه البركة فلا يلعن شيأ من خلق الله لا للجماد ولا للحيوان ولا للانسان قال عليه السلام « اذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله اعصانا لربه » فالاولى ان يترك ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح اذ فيه ثواب ولا ثواب فى اللعن وان كان يستحق اللعن قال عليه السلام « رايت النار واكثر اهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو احسنت الى احديهن الدهر كله ثم اذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط » قال على كرم الله وجهه من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والارض وسألت بنت على البلخى اباها عن القيىء اذا خرج الى الحلق فقال يجب اعادة الوضوء فرأى رسول الله عليه السلام يقول لا يا على حتى يكون ملئ الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا كذا فى الروضة

(1/231)

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)

{ بئسما } ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس اى بئس شيأ { اشتروا } صفة واشترى بمعنى باع وابتاع والمراد هنا الاول { به } اى بذلك الشىء { انفسهم } المراد الايمان وانما وضع الانفس موضع الايمان ايذانا بانها انما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالايمان ولما بدلوا الايمان بالكفر كانوا كأنهم بدلوا الانفس به والمخصوص بالذم قوله تعالى { ان يكفروا بما انزل الله } اى بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته { بغيا } علة لان يكفروا اى حسدا وطلبا لما ليس لهم كما ان الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من جاه او منزلة او خصلة حميدة والباغى هو الظالم الذى يفعل ذلك عن حسده والمعنى بئس شيأ باعوا به ايمانهم كفرهم المعلل بالبغى الكائن لاجل { ان ينزل الله } او حسدا على ان فان الحسد يستعمل بعلى { من فضله } الذى هو الوحى { على من يشاء } اى يشاؤه ويصطفيه { من عباده } المستأهلين لتحمل اعباء الرسالة والمراد ههنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت اليهود يعتقدون نبى آخر الزمان ويتمنون خروجه وهم يظنون انه من ولد اسحق فلما ظهر انه من ولد اسماعيل حسدوه وكرهوا ان يخرج الامر من بنى اسرائيل فيكون لغيرهم { فباؤا } اى رجعوا ملتبسين { بغضب } كائن { على غضب } اى صاروا مستحقين لغضب مترادف ولعنة اثر لعنة حسبما اقترفوا من كفر على كفر فانهم كفروا بنبى الحق وبغوا عليه { وللكافرين } اى لهم والاظهار فى موضع الاضمار للاشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم { عذاب مهين } يراد به اهانتهم واذلالهم لما ان كفرهم بما انزل الله كان مبنيا على الحسد المبنى على طمع النزول عليهم وادعاء الفضل على الناس والاستهانة بمن انزل الله عليه صلى الله عليه وسلم ودل ان عذاب المؤمنين تأديب وتطهير وعذاب الكفار اهانة وتشديد وان المراتب الدنيوية والاخروية كلها من فيض الله تعالى وفضله فليس لاحد ان يعترض عليه ويحسده على الالطاف الآلهية فان الكمالات مثل النبوة والولاية ليست من الامور الاكتسابية التى يصل اليها العبد بجهد كثير وكمال اهتمام اما النبوة اى البعثة فاختصاص آلهى حاصل لعينه الثابتة من التجلى الموجب للاعيان فى العلم وهو الفيض الاقدس واما الولاية فهو ايضا اختصاص آلهى غير كسبى بل جميع المقامات كذلك اختصاصية عطائية غير كسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الاقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسبابه يوهم المحجوب فيطن انه كسبى بالتعمل وليس كذلك فى الحقيقة فلا معنى للحسد لكن الجاهلين بحقيقة الحال يطيلون ألسنتهم بالقيل والقال ولا ضير فانه رفع لدرجات العبد واقتضت سنة الله ان يشفع اهل الجمال باهل الجلال ليظهر الكمال : قال الحافظ

(1/232)

درين جمن كل بيخار نجيد آرى ... جراغ مصطفوى باشرار بولهبيست وحكى ان المولى جلال الدين لما فقد الشمس التبريزى طاف البلاد بالحرارة فى طلبه فمر يوما امام حانوت ذهبى للشيخ صلاح الدين زركوب فقال له تعالى يا مولانا فدخل فى حانوته فقال لاى شىء تجزع وتدور قال الفلك اذا فقد شمسه يدور لاجله ليتخلص من ظلمه الفراق فقال الشيخ انا شمسك قال مولانا من اين اعرف انك شمسى فاخبره عن المراتب التى اوصله اليها الشيخ شمس الدين فقبل يده واعتذر فقال كان شمى ارانى اولا بطانته فالآن ارانى وجهه فاشتغل عنده فوصل الى ما وصل ثم لما سمعه بعض اتباع مولانا ارادوا قتله وحسدوا عليه فارسل اليهم مولانا ابنه سلطان ولد فقال الشيخ ان الله تعالى اعطانى قدرة على قلب السماء الى الارض فلو اردت لاهلكتهم بقدرة الله لكن الاولى ان نتحمل وندعو لاصلاح حالهم فدعا الشيخ فأمن سلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا : قال فى المثنوى جون كنى بربى حسد مكر وحسد ... زان حسد دل را سياهيها رسد خاك شو مردان حق را زير با ... خاك برسر كن حسدرا همجوما وهكذا احوال الانبياء والاولياء ألا يرى الى قوله عليه الصلاة والسلام « اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون » وكان الاصحاب رضى الله عنهم يبكون دما من اخلاق النفس ولا يزالون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عما به يتخلصون من الاوصاف الذميمة ويتطهرون ظاهرا وباطنا طلبا للنجاة من العذاب المهين واشده الفراق

(1/233)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

{ واذا قيل لهم } اى واذا قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهود اهل المدينة ومن حولها ومعنى اللام الانهاء والتبليغ { آمنوا بما انزل الله } من الكتب الآلهية جميعا { قالوا نؤمن } اى نستمر على الايمان { بما انزل علينا } يعنون به التوراة وما انزل على انبياء بنى اسرائيل لتقرير حكمها ويدسون فيه ان ما عدا ذلك غير منزل عليهم واسندوا الانزال على انفسهم لان المنزل على نبى منزل على امته معنى لانه يلزمهم { و } هم { يكفرون بما وراءه } اى سوى ما انزل { وهو } اى والحال ان ما وراء التوراة { الحق } اى المعروف بالحقية الحقيق بان يخص به اسم الحق على الاطلاق { مصدقا لما معهم } من التوراة غير مخالف له حال مؤكدة من الحق والعامل فيها ما فى الحق من معنى الفعل وصاحب الحال ضمير دل عليه الكلام اى احقه مصدقا اى حال كونه موافقا لما معهم وفيه رد لمقالتهم لانهم اذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الانبياء مع ادعائهم الايمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل نبى بقوله تعالى { قل } يا محمد تبكيتا لهم من جهة الله تعالى ببيان التناقض بين اقوالهم وافعالهم { فلم } اصله لما لامه للتعليل دخلت على ما التى للاستفهام وسقطت الالف فرقا بين الاستفهامية والخبرية { تقتلون انبياء الله من قبل } صيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وهو جواب شرط محذوف اى قل لهم ان كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلاى شىء تقتلون انبياء الله من قبل وهو فيها حرام واسند فعل الآباء وهو القتل الى الابناء للملابسة بين الآباء والابناء قال ابو الليث فى تفسيره وفى الآية دليل على ان من رضى بالمعصية فكانه فاعل لها لان اليهود كانوا راضين بقتل آبائهم فسماهم الله قاتلين حيث قال فلم تقتلون الآية { ان كنتم مؤمنين } جواب الشرط محذوف لدلالة ما سبق عليه اى ان كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وهو تكرير للاعتراض لتأكيد الالزام وتشديد التهديد

(1/234)

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)

{ ولقد جاءكم موسى بالبينات } من تمام التبكيت والتوبيخ داخل تحت الامر واللام للقسم اى بالله قد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرة من العصا واليد وفلق البحر ونحو ذلك { ثم اتخذتم العجل } اى آلها { من بعده } اى من بعد مجيئه بها وثم للتراخى فى الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما فعلوا { وانتم ظالمون } حال من ضمير اتخذتم اى عبدتم العجل وانتم واضعون العبادة فى غير موضعها

(1/235)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

{ واذ اخذنا ميثاقكم } اى العهد منكم { ورفعنا فوقكم الطور } اى الجبل قائلين لكم { خذوا ما اتيناكم بقوة } اى بجد واجتهاد { واسمعوا } ما فى التوراة سماع قبول وطاعة { قالوا } كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا { سمعنا } قولك ولكن لا سماع طاعة { وعصينا } امرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا فى الظاهر فاذا كان حال اسلافهم هكذا فكيف يتصور من اخلافهم الايمان : قال الفردوسى زبد كوهران بدنباشد عجب ... سياهى نباشد بريدن زشب زبداصل جشم بهى داشتن ... بود خاك درديده انباشتن { واشربوا } اى والحال انهم قد اشربوا { فى قلوبهم } بيان لمكان الاشراب كقوله انما يأكلون فى بطونهم نارا { العجل } اى حب العجل على حذف المضاف واشرب قلبه كذا اى حل محل الشراب او اختلط كما خلط الصبغ بالثوب وحقيقة اشربه كذا جعله شاربا لذلك فالمعنى جعلوا شاربين حب العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما تغلغل فيه قال الراغب من عاداتهم اذا ارادوا محاصرة حب او بغض فى القلب ان يستعيروا لها اسم الشراب اذ هو ابلغ مساغا فى البدن ولذلك قالت الاطباء الماء مطية الاغذية والادوية { بكفرهم } اى بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك قيل كانوا مجسمة او حلولية ولم يروا جسما اعجب منه فتمكن فى قلوبهم ما سول لهم السامرى وجعل حلاوة عبادة العجل فى قلوبهم مجازاة لكفرهم وفى القصص ان موسى عليه السلام لماخرج الى قومه امر ان يبرد العجل بالمبرد ثم يذرى فى النهر فلم يبق نهر يجرى يومئذ الا وقع فيه منه شىء ثم قال لهم اشربوا منه فمن بقى فى قلبه شىء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه { قل } توبيخا لحاضرى اليهود اثر ما بين احوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون فى كل ما يأتون ويذرون { بئسما } بئس شيأ { يأمركم به } اى بذلك الشىء { ايمانكم } بما انزل عليكم من التوراة حسبما تدعون والمخصوص بالذم محذوف اى ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل وفى اسناد الامر الى الايمان تهكم بهم واضافة الايماء اليهم للايذان بانه ليس بايمان حقيقة كما ينبئ عنه قوله تعالى { ان كنتم مؤمنين } بالتوراة واذ لا يسوغ الايمان بها مثل تلك القباح فلستم بمؤمنين بها قطعا فقد علم ان من ادعى انه مؤمن ينبغى ان يكون فعله مصدقا لقوله والا لم يكن مؤمنا قال الجنيد قدس سره التوحيد الذى تفرد به الصوفية هو افراد القدم عن الحدوث والخروج عن الاوطان وقطع المحارب وترك ما علم وما جهل وان يكون الحق سبحانه مكان الجميع طالب توحيدرا بايد قدم برلازدن ... بعد ازان درعالم وحدت دم الا زدن قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل على يعقوب النبى عليه السلام مبشر يوسف عليه السلام وبشره بحياته قال له يعقوب على اى دين تركته قال على دين الاسلام قال يعقوب عليه السلام الآن قد تمت النعمة على يعقوب

(1/236)

واعلم ان التوحيد اصل الاصول ومناط القبول ومكفر الخطايا ومستجلب العطايا حكى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب اسلام دحية الكلبى لانه كان تحت يده سبعمائة من اهل بيته وكانوا يسلمون باسلامه وكان يقول « اللهم ارزق دحية الكلبى الاسلام » فلما اراد دحية الاسلام اوحى الله الى النبى عليه السلام بعد صلاة الفجر ان يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول ان دحية يدخل عليك الآن وكان فى قلوب الاصحاب شىء من دحية من وقت الجاهلية فلما سمعوا ذلك كرهوا ان يمكنوا دحية فيما بينهم فلما علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ان يقول لهم مكنوا دحية وكره ان يدخل دحية فيوحشوه فيبرد قلبه عن الاسلام فلما دخل دحية المسجد رفع النبى صلى الله عليه وسلم رداءه عن ظهره وبسطه على الارض بين يديه فقال دحية ههنا واشار الى ردائه فبكى دحية من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع رداء وقبله ووضعه على رأسه وعينيه وقال ما شرائط الاسلام اعرضها على فقال « ان تقول اولا لا اله الا الله محمد رسول الله » فقال دحية ذلك ثم وقع البكاء على دحية فقال عليه السلام « ما هذا البكاء وقد رزقت الاسلام » فقال انى ارتكبت خطيئة وفاحشة فقل لربك ما كفارته ان امرنى ان اقتل نفسى قتلتها وان امر ان اخرج من جميع مالى خرجت فقال عليه السلام « وما ذلك يا دحية » قال كنت رجلا من ملوك العرب واستنكفت ان تكون لى بنات لهن ازواج فقتلت سبعين من بناتى كلهن بيدى فتحير النبى عليه السلام فى ذلك حتى نزل جبريل فقال ( يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول قل لدحية وعزتى وجلالى انك لما قلت لا اله الا الله غفرت لك كفر ستين سنة وسيآتك ستين سنة فكيف لا اغفر لك قتل البنات ) فبكى عليه السلام واصحابه فقال عليه السلام « الهى غفرت لدحية قتل بناته بشهادة ان لا اله الا الله مرة واحدة فكيف لا تغفر للمؤمنين بشهادات كثيرة وبقول صادق وبفعل خالص » وفى المثنوى اذكروا الله كاره اوباش نيست ... ارجعى برباى هرقلاش نيست قال السعدى : كر بمحشر خطاب قهر كند ... انبيارا جه جاى معذرتست برده ازروى لطف كوبردار ... كاشقيارا اميد مغفر تست

(1/237)

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)

{ قل ان كانت لكم الدار الآخرة } اى الجنة { عند الله } ظرف للاستقرار فى الخبر اعنى لكم { خالصة } على الحالية من الدار اى سالمة لكم خاصة بكم { من دون الناس } فى محل النصب بخالصة اى من دون محمد واصحابه فاللام للعهد وتستعمل هذه اللفظة للاختصاص يقال هذا لى من دون الناس اى انا مختص به والمعنى ان صح قولكم لن يدخل الجنة الا من كان هودا { فتمنوا الموت } اى احبوه واسألوه بالقلب واللسان وقولوا اللهم امتنا فان من ايقن بدخول الجنة اشتاق اليها وتمنى سرعة الوصول الى النعيم والتخلص من دار البوار وقرارة الاكدار ولا سبيل الى دخولها الا بعد الموت فاستعجلوه بالتمنى { ان كنتم صادقين } فى قولكن ان الجنة خاصة لكم فتمنوه واصل التمنى تقدير شىء فى النفس واكثر ما يستعمل فيما لا حقيقة له

(1/238)

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)

{ ولن يتمنوه } اى الموت { ابدا } اى فى جميع الزمان المستقبل لان ابدا اسم لجميع مستقبل الزمان كقط لماضيه وفيه دليل على ان لن ليس للتأبيد لانهم يتمنون الموت فى الآخرة ولا يتمنونه فى الدنيا { بما قدمت ايديهم } بسبب ما عملوا من المعاصى الموجبة لدخول النار كالكفر بالنبى عليه السلام والقرآن وتحريف التوراة وخص الايدى بالذكر لان الاعمال غالبا تكون بها وهى من بين جوارح الانسان مناط عامة صنائعه ومدار اكثر منافعه ولذا عبر بها تارة عن النفس واخرى عن القدرة { والله عليم بالظالمين } بهم وبما صدر عنهم وهو تهديد لهم روى ان اليهود لو تمنوا الموت لغص كل واحد منهم بريقه اى لامتلأ فمه بريقه فمات من ساعته ولما بقى على الارض يهودى الا مات فقوله ولن يتمنوه ابدا من المعجزات لانه اخبار بالغيب وكان كما اخبر به كقوله ولن تفعلوا ولو وقع من احد منهم تمنى موته لنقل واشتهر فان قلت ان التمنى يكون بالقلب فلا يظهر لنا انهم تمنوه اولا قلت ليس التمنى من اعمال القلوب انما هو قول الانسان بلسانه ليت لى كذا وعن نافع جلس الينا يهودى يخاصمنا فقال ان فى كتابكم فتمنوا الموت وانا اتمنى فمالى لا اموت فسمع ابن عمر رضى الله عنهما هذا فدخل بيته واخذ السيف ثم خرج ففر اليهودى حين رآه فقال ابن عمر اما والله لو ادركته لضربت عنقه توهم هذا الجاهل انه لليهود فى كل وقت انما هو لاولئك الذين كانوا يعاندونه ويجحدون نبوته بعد ان عرفوه فان قلت ان المؤمنين اجمعوا على انّ الجنة للمؤمنين دون غيرهم ثم ليس احد منهم يتمنى الموت فكيف وجه الاحتجاج على اليهود بذلك قلت ان المؤمنين لم يجعلوا لانفسهم من الفضل والشرف والمرتبة عند الله ما جعلت اليهود ذلك لانفسهم لانهم ادعوا انهم ابناء الله واحباؤه وان الجنة خالصة لهم والانسان لا يكره القدوم على حبيبه ولا يخاف انتقامه بالمصير اليه بل يرجو وصوله الى محابه فقيل لهم تمنوا ذلك فلما لم يتمنوه ظهر كذبهم فى دعاويهم ولان النبى عليه الصلاة والسلام نهى عن تمنى الموت قال « لا يتمنى احدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم احينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى ما كانت الوفاة خيرا لى » قال مقاتل لولا بناتى وسيآتي ... لذبت شوقا الى الممات فلا يلزمهم ما يلزم اليهود قال سهل بن عبد الله التسترى قدس سره لا يتمنى الموت الا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت او رجل يفر من اقدار الله عليه او مشتاق يحب لقاء الله : قال فى المثنوى

(1/239)

شد هواى مرك طوق صادقان ... كه جهودانرا بد ان دم امتحان روى عن صاحب المثنوى انه لما دنت وفاته تمثل له ملك الموت وقام عند الباب ولما رآه المولى قدس سره قال ييشترآ ييشترآ جان من ... بيك در حضرت سلطان من قال بعض الملوك لابى حازم كيف القدوم على الله عز وجل فقال ابو حازم اما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على اهله المشتاقين اليه واما قدوم العاصى فكقدوم الآبق على سيده الغضبان : قال فى المثنوى انبيارا تنك آمد اين جهان ... جون شهان رفتند اندر لامكان جون مراسوى اجل عشق وهواست ... نهى لا تلقوا بايديكم مراست زانكه نهى ازدانه شيرين بود ... تلخ را خود نهى حاجت كى شو واعلم ان الموت هو المصيبة العظمى والبلية الكبرى واعظم منه الغفلة عنه والاعراض عن ذكره وقلة الفكر فيه وترك العمل له وان فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر كما قيل كفى بالموت واعظا ومن ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه عن تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن القلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزيين الالفاظ والا ففى قوله عليه السلام « اكثرو ذكر هاذم اللذات » وقوله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } ما يكفى السامع له ويشغل الناظر فيه فعلى العاقل ان يسعى للموت بالاختيار قبل الموت بالاضطرار ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق : قال السعدى قدس سره اى برادر جوعاقبت خاكست ... خاك شوبيش ازانكه خاك شوى اللهم يسر لنا الطريق

(1/240)

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

{ ولتجدنهم احرص الناس } من الوجدان العقلى وهو جار مجرى العلم خلا انه مختص بما يقع بعد التجربة ونحوها واللام لام القسم اى والله لتجدن اليهود يا محمد احرص من الناس { على حيوة } لا يتمنون الموت والتنكير للنوع وهى الحياة المخصوصة المتطاولة وهى حياتهم التى هم فيها لانها نوع من مطلق الحياة { ومن الذين اشركوا } عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل احرص من الناس وافرد المشركون بالذكر وان كانوا من الناس لشدة حرصهم على الحياة وفيه توبيخ عظيم لان الذين اشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون الا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لانها جنتهم فاذا زاد عليهم فى الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ فان قلت لم زاد حرصهم على حرص المشركين قلت لانهم علموا لعلمهم بحالهم انهم صائرون الى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك { يود احدهم } بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف اى يريد ويتمنى ويحب احد هؤلاء المشركين { لو يعمر الف سنة } حكاية لودادهم ولو فيه معنى التمنى كأنه قيل ليتنى اعمر وكان القياس لو اعمر الا انه جرى على لفظ الغيبة لقوله تعالى يود احدهم كقولك حلف بالله ليفعلن ومحله النصب على انه معمول يود اجراء له مجرى القول لانه فعل قلبى والمعنى تمنى احدهم ان يعطى البقاء والعمر الف سنة وهى للمجوس وخص هذا العدد لانهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العطاس والتحية عش الف سنة والف نوروز والف مهرجان وهى بالعجمية « زى هزارسال » وصح اطلاق المشركين على المجوس لانهم يقولون بالنور والظلمة { وما } حجازية { هو } اى احدهم اسم ما { بمزحزحه } خبر ما والباء زائدة والزحزحة التبعيد والانجاء { من العذاب } من النار { ان يعمر } فاعل مزحزحه اى تعميره { والله بصير بما يعملون } البصير فى كلام العرب العالم بكنه الشىء الخبير به اى عليم بخفيات اعمالهم من الكفر والمعاصى لا يخفى عليه فهو مجازيهم بها لا محالة بالخزى والذل فى الدنيا والعقوبة فى العقبى وهذه الحياة العاجلة تنقضى سريعة وان عاش المرء الف سنة او ازيد عليها فمن احب طول العمر للصلاح فقد فاز قال عليه السلام « طوبى لمن طال عمره وحسن عمله » ومن احبه للفساد فقد ضل ولا ينجو مما يخاف فان الموت يجيئ البتة واجتمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا اجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك وكان مستعدا لذلك بعض الصالحين ينادى بالليل على سور المدينة الرحيل الرحيل فلما توفى فقد صوته امير تلك المدينة فسأل عنه فقيل انه مات فقال

(1/241)

لهج بالرحيل وذكره ... حتى اناخ ببابه الجمال فأصابه متيقظا متشمرا ... ذا اهبة لم تلهه الآمال بانك طبلت نمى كند بيدار ... تومكر مرده نه درخوابى توجراغى نهاده درردباد ... خانه در مر سيلابى فاصابة الموت حق وان كان العيش طويلا والعمر مديدا وهو ينزل بكل نفس راضية كانت او كارهة روى شارح الخطب عن وهب بن منبه انه قال مر دانيال عليه السلام ببرية فسمع يا دانيال قف تر عجبا فلم ير شيأ ثم نودى الثانية قال فوقفت فاذا بيت يدعونى الى نفسه فدخلت فاذا سرير مرصع بالدر والياقوت فاذا النداء من السرير اصعد يا دانيال تر عجبا فارتقيت السرير فاذا فراش من ذهب مشحون بالمسك والعنبر فاذا عليه شاب ميت كأنه نائم واذا عليه من الحلى والحلل ما لا يوصف وفى يده اليسرى خاتم من ذهب وفوق رأسه تاج من ذهب وعلى منطقته سيف اشد خضرة من البقل فاذا النداء من السرير ان احمل هذا السيف واقرأ ما عليه قال فاذا مكتوب عليه هذا سيف صمصام بن عوج بن عنق بن عام بن ارم وانى عشت الف عام وسبعمائة سنة وافتضضت اثنى عشر الف جارية وبنيت اربعين الف مدينة وخرجت بالجور والعنف والحمق عن حد الانصاف وكان يحمل مفاتح الخزائن اربعمائة بغل وكان يحمل الى خراج الدنيا فلم ينازعنى احد من اهل الدنيا فادعيت الربوبية فاصابنى الجوع حتى طلبت كفا من ذرة بالف قفيز من در فلم اقدر عليه فمت جوعا يا اهل الدنيا اذكروا امواتكم ذكرا كثيرا واعتبروا بى ولا تغرنكم الدنيا كما غرتنى فان اهلى لم يحملوا من وزرى شيأ انتهى : قال السعدى جون همه نيك و بد ببايد مرد ... خنك آنكس كه كوى نيكى برد برك عيشى بكور خويش فرست ... كس نيارد زبس زبيش فرست عمر برفست آفتاب تموز ... اند كى ماند وخواجه غره هنوز فعلى اهل القلوب القاسية ان يعالجوا قلوبهم بامور احدها الاقلاع عما هى عليه بحضور مجالس العلم والوعظ والتذكير والتخفيف والترغيب واخبار الصالحين فان ذلك مما يلين القلوب وينجح فيها والثانى ذكر الموت فيكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات والثالث مشاهدة المحتضرين فان فى النظر الى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ويمنع الاجفان من النوم والراحة من الابدان ويبعث على العمل فيزيد فى الاجتهاد والتعب ويستعد للموت قبل النزول فانه اشد الشدائد قيل لكعب الاحبار يا كعب حدثنا عن الموت قال هو كشجرة الشوك ادخلت فى جوف ابن آدم فاخذت كل شوكة بعرق ثم اجتذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وابقى ما ابقى وفى الحديث « لو ان شعرة من وجع الميت وضعت على اهل السموات والارضين لماتوا اجمعين وان فى يوم القيامة لسبعين هولا وان ادنى هول ليضعف على الموت سبعين ضعفا »

(1/242)

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)

{ قل من كان عدوا لجبريل } لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة اتاه عبد الله بن صوريا من اليهود بسكن فدك فقال يا محمد كيف نومك فانا اخبرنا عن نوم النبى الذى يجىء فى آخر الزمان فقال النبى صلى الله عليه وسلم « تنام عيناى وقلبى يقظان » قال صدقت فاخبرنى عن الولد أمن الرجل يكون أو من المرأة قال « اما العظم والعصب والعروق فمن الرجل واما الدم واللحم والظفر والشعر فمن المرأة » قال صدقت يا محمد قال فما بال الولد يشبه اعمامه ليس فيه من شبه اخواله شىء او يشبه اخواله ليس فيه من شبه اعمامه شىء قال « ايهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له » قال صدقت يا محمد وسأله عن الطعام الذى حرم اسرائيل على نفسه قال « ان يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر ان شفاه الله حرم على نفسه احب الطعام اليه وهو لحم الابل واحب الشراب اليه وهو ألبانها » قال صدقت يا محمد وسأله عن اول نزل الجنة قال « الحوت » قال صدقت يا محمد ثم قال بقيت خصلة ان قلتها آمنت بك واتبعتك اى ملك يأتيك بما تقول من الله تعالى فقال « جبريل » قال ذاك عدونا لانه ملك العذاب ينزل بالقتال والعذاب وكسر السفن والشدائد ورسولنا ميكائيل لانه ملك الرحمة ينزل بالغيث والبشر والرخاء فقال له عمر ما بدء عداوتكم له فقال عادانا مرارا كثيرة وكان من اشد عداوته لنا ان الله تعالى انزل على نبينا موسى عليه السلام ان البيت المقدس سيخرب فى زمان رجل يقال له بخت نصر واخبرنا بالحين الذى يخرب فيه فلما كان الحين الذى يخرب فيه بعثنا رجلا من اقوياء بنى اسرائيل فى طلبه فانطلق حتى لقيه غلاما مسكينا ببابل ليست له قوة فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال لصاحبنا ان هو امره بهلاككم لا يسلطكم عليه وان لم يكن هذا فعلى اى حق تقتلونه فصدقه صاحبنا فتركه وكبر بخت نصر وقوى فملك ثم غزانا فخرب بيت المقدس وقتلنا وامر جبريل بوضع النبوة فينا فوضعها فى غيرنا فلهذا اتخذناه عدوا وميكائيل عدو جبريل فقال عمر رضى الله عنه لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم اكفر من الحمير ومن كان عدوا لاحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله تعالى وجواب من محذوف اى من عادى جبريل من اهل الكتاب فلا وجه لمعاداته بل يجب عليه محبته { فانه } يعنى جبريل { نزله } اى القرآن اضمره لكمال شهرته { على قلبك } زيادة تقرير للتنزيل ببيان محل الوحى فانه القابل الاول له ومدار الفهم والحفظ اى حفظه اياك ففهمكه وحق الكلام ان يقال على قلبى لكنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به لما فى النقل بالعبارة من زيادة تقرير لمضمون المقالة يعنى قل كما تكلمت به من قولى انه نزله على قلبك { باذن الله } بامره وتيسيره { مصدقا لما بين يديه } اى موافقا لما قبله من الكتب الآلهية فى التوحيد وبعض الشرائع حال من مفعول نزله { وهدى } اى هاديا الى دين الحق { وبشرى } اى مبشر بالجنة { للمؤمنين } فلا وجه لمعاداته فلو انصفوا لاحبوه وشكروا له صنيعه فى انزاله ما ينفعهم ويصح المنزل عليهم ثم عمم الشرط والجزاء ردا عليهم بقوله

(1/243)

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

{ من كان عدوا لله } اى مخالفا لامره عنادا وخارجا عن طاعته مكابرة { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } افردهما بالذكر لاظهار فضلهما كأنهما من جنس آخر اشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الجنس قال عكرمة جبروميك واسراف هى العبد بالسريانية وايل وآئيل هو الله ومعناها عبدالله او عبد الرحمن { فان الله } جواب الشرط ولم يقل فانه لاحتمال ان يعود الى جبريل وميكائيل { عدو للكافرين } اى لهم جاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه اشد العقاب فقال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشىء نعرفه وما انزل عليك من آية فنتبعك لها فانزل الله

(1/244)

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99)

{ ولقد انزلنا اليك آيات بينات } واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند الله { وما يكفر بها } اى بالآيات التى توضح الحلال والحرام وتفصل الحدود والاحكام { الا الفاسقون } المتمردون فى الكفر الخارجون عن حدوده فان من ليس على تلك الصفة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات والاحسن ان يكون اللام اشارة الى اهل الكتاب قال الحسن اذا استعمل الفسق فى نوع من المعاصى وقع على عظم ذلك النوع من كفر او غيره واعلم ان القرآن هو النور الآلهي الذى كشف الله به الظلمات واليهود ارادوا ان يطفئوا نور الله والله متم نوره وليس لهم فى ذلك الا الفضاحة والخزى كما اذا دخل الحمام ناس فى ليل مظلم وفيهم الاصحاء واهل العيوب فجاء واحد بسراج مضىء لا يسارع الى اطفائه الا اهل العيوب مخافة ان يظهر عيوبهم للاصحاء ويلحق بهم مذمة شمع رخشنده دران جمع نخواهندكه تا ... عيب شان درشب تاريك بماند مستور واى آن وقت روشن شوداين رازجوروز ... برده برخيزد واين حال بيايد بظهور

(1/245)

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)

{ او } الهمزة للانكار والعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أكفروا بآيات البينات وهى فى غاية الوضوح { كلما عاهدوا عهدا } مصدر مؤكد لعاهدوا من غير لفظه { نبذه فريق منهم } اى رموا بالذمام اى العهد ورفضوه والفريق الطائفة ويكون للقليل والكثير واسناد النبذ الى فريق منهم لان منهم من لم ينبذه { بل اكثرهم لا يؤمنون } بالتوارة وليسوا من الدين فى شىء فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون به وهذا رد لما يتوهم من ان النابذين هم الاقلون

(1/246)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

{ ولما جاءهم رسول } هو النبى صلى الله عليه وسلم { من عند الله } متعلق بجاء { مصدق لما معهم } من التوراة { نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب } اى التوراة { كتاب الله } مفعول نبذ اى الذى اوتوه وهو التوراة لانهم لما كفروا بالرسول المصدق لما معهم فقد نبذوا التوراة التى فيها ان محمدا رسول الله وقد علموا انها من الله { وراء ظهورهم } يعنى رموا بالعناد كتاب الله وراء ظهورهم ولم يعملوا به مثل لتركهم واعراضهم عنه بالكلية بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات اليه { كأنهم لا يعلمون } جملة حالية اى نبذوه وراء ظهورهم متشبهين بمن لا يعلمه انه كتاب الله قيل اصل اليهود اربع فرق ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمنى اهل الكتاب وهم الاقلون المشار اليهم بقوله عز وجل { بل اكثرهم لا يؤمنون } وفرقة جاهروا بنبذ العهود تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله سبحانه { نبذه فريق منهم } وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم بها وهم الاكثرون وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية وهم المتجاهلون وفيه اشارة الى ان من فعل فعل الجاهل وتعمد الخلاف مع علمه يلتحق بالجهال وهو والجاهل سواء فكمال ان الجاهل لا يجيئ منه خير فكذا العالم الذى لا يعمل ولذا قال النبى عليه الصلاة والسلام « واعظ اللسان ضائع كلامه وواعظ القلب نافذ سهامه » فالاول هو العالم الغير العامل والثانى هو العالم العامل الذى يؤثر كلامه فى القلوب وتنتج كلمته ثمرات الحكمة والعبرة والفكرة * فعلى العاقل ان يسارع الامتثال خوفا من بطش يد ذى الجلال ويقال الندامة اربع ندامة يوم وهى ان يخرج الرجل من منزله قبل ان يتغدى وندامة سنة وهى ترك الزراعة فى وقتها وندامة عمر وهو ان يتزوج امرأة غير موافقة وندامة الابد وهو ان يترك امر الله ومجرد قراءة الكتاب بترياق الظاهر لا يدفع سم الباطن فلا بد من العمل كما ان من كان ينظر الى كتب الطب وكان مريضا فما دام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالادوية وكان خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن يعنى يعمل باوامره وينتهى عن نواهيه واعلم ان العمل بالعلوم الظاهرة لا يمكن الا بعد معرفة المراتب الاربع مثلا يعرف بالعلم الظاهر ان حكم الزنى الرجم والجلد ولكن فى الوجود الانسانى محل يقتضى الوقاع والسفاح فاهل الارشاد يقمعون المقتضى المذكور عن ذلك المحل وكذا الحال فى الاكل والشرب وغيرهما والمرء وان كان متبحرا فى العلوم ومتفننا فى القوانين والرسوم فان كان لم يصلح حاله بالعمل فى تزكية النفس وتصفية القلب فانه لا يعتبر بل جهله اغلب ونعم ما قيل حفظت شيأ وغابت عنك اشياء حكى ان نصير الدين الطوسى دخل على ولى من اولياء الله تعالى لاجل الزيارة فقيل له هذا عالم الدنيا نصير الدين الطوسى قال الولى ما كماله قيل ليس له عديل فى علم النجوم قال الولى الحمار الابيض اعلم منه فانحرف الطوسى وقام من مجلسه فاتفق انه نزل تلك الليلة على باب بيت طاحونة فقال الطحان ادخل البيت فانه سيكون الليلة مطر عظيم حتى لو لم يغلق الباب لاخذه السيل فسأل الطحان عن وجهه فقال لى حمار ابيض اذا حرك ذنبه الى جانب السماء ثلاثا لم تمطر السماء واذا حركه الى جانب الارض يقع المطر فلما سمعه اعترف بعجزه وصدق الولى وزال غيظه وحكى ان وليا قال لابن سينا افنيت عمرك فى العلوم العقلية فالى أى مرتبة وصلت قال وجدت ساعة من ساعات الايام يكون الحديد فيها كالخمير فقال الولى اخبرنى عن تلك الساعة فلما جاءت الساعة اخبره واخذ بيده حديدا فنفذ فيه اصبعه فبعد مضى الساعة قال الولى هل تقدر على تنفيذ اصبعك ايضا قال لا فانه من خصائص تلك الساعة ولا يمكن فاخذه الولى ونفذ اصبعه فيه وقال ينبغى للعاقل ان لا يصرف عمره الى الزائل الفانى فكما ان ابن سينا ادعى استقلال العقل فى طريق الوصول فالقى فى جهنم كذلك اليهود خذلهم الله انفوا من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بما جاء به من عند الله وادعوا الاستقلال فخابوا وخسروا بوقا فى ظلمة الجهل والكفر : قال فى المثنوى

(1/247)

اى كه اندر جشمه شوراست جات ... توجه دانى شط وجيحون وفرات واى آن زنده كه بارمرده نشست ... مرده كشت وزنده كى ازوى بجست

(1/248)

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

{ واتبعوا ما تتلوا الشياطين } اى نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا كتب السحرة التى تقرأها وتعمل بها الشياطين وهم المتمردون من الجن وتتلو حكاية حال ماضية والمراد بالاتباع التوغل والتمحض فيه والاقبال عليه بالكلية { على ملك سليمان } اى على عهد مكله وفى زمانه فحذف المضاف وعلى بمعنى فى قال السدى كانت الشياطين تصعد الى السماء فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون فى الارض من موت وغيره ويأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا فى كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا فى بنى اسرائيل ان الجن تعلم الغيب وبعث سليمان فى الناس وجمع تلك الكتب وجعلها فى صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال لا اسمع احدا يقول ان الشيطان يعلم الغيب الا ضربت عنقه فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون امر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل الشيطان على صورة انسان فاتى نفرا من بنى اسرائيل فقال هل ادلكم على كنز لا تأكلونه ابدا قالوا نعم قال فاحفروا تحت الكرسى وذهب معهم فاراهم المكان وقام ناحية فقالوا ادن قال لا ولكنى ههنا فان لم تجدوه فاقتلونى وذلك انه لم يكن احد من الشياطين يدنو من الكرسى الا احترق فحفروا واخرجوا تلك الكتب قال الشيطان ان سليمان كان يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذه ثم طار الشيطان وفشا فى الناس ان سليمان كان ساحرا واخذ بنوا اسرائيل تلك الكتب فلذلك اكثر ما يوجد السحر فى اليهود فلما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم برأ الله سليمان عليه السلام من ذلك وانزل فى عذر سليمان واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان { وما كفر سليمان } بالسحر وعلمه يعنى لم يكن ساحرا لان الساحر كافر والتعرض لكونه كفرا للمبالغة فى اظهار نزاهته عليه السلام وكذبه باهتيه بذلك { ولكن الشياطين كفروا } باستعمال السحر وتعليمه وتدوينه { يعلمون الناس السحر } اى كفروا والحال انهم يعلمونه اغواء واضلالا روى ان السحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة افهامهم { وما } اى ويعلمون الناس اذى { انزل على الملكين } اى ما الهما وعلما وهو علم السحر انزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ومن تجنبه او تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا كما قيل عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه وهذا كما اذا اتى عرافا فسأله عن شىء ليمتحن حاله ويختبر باطن امره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز قال الامام فخر الدين كان الحكمة فى انزالهما ان السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما سمعوا بين الخلق وكان بسبب ذلك يشتبه الوحى النازل على الانبياء فانزلهما الله الى الارض ليعلما الناس كيفية السحر ليظهر بذلك الفرق بين كلام الله وكلام السحرة { ببابل } الباء بمعنى فى وهى متعلقة بانزل او بمحذوف وقع حالا من الملكين وهى بابل العراق او بابل ارض الكوفة ومنع الصرف للعجمة والعلمية واحسن ما قيل فى تسميتها ببابل ان نوحا عليه السلام لما هبط الى اسفل الجودى بنى قرية وسماها ثمانين فاصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة احديها اللسان العربى وكان لا يفهم بعضهم من بعض كذا فى تفسير القرطبى { هاروت وماروت } كف بيان للملكين علمان لهما ومنع صرفها للعجمة والعلمية وما روى فى قصتهما من انهما شربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فمما لا تعويل عليه لان مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لادلة العقل والنقل ولعله من مقولة الامثال والرموز التى قصد بها ارشاد اللبيب الاريب وبالترغيب وذلك لان المراد بالملكين العقل النظرى والعقل العملى والمرأة المسماة بالزهرة هي النفس الناطقة الطاهرة فى اصل نشأتها وتعرضهما لها تعليمهما لها ما تسعد به فى النشأة الآخرة وحملها اياهما على المعاصى تحريضها اياهما بحكم الطبيعة المزاجية الى السفليات المدنسة لجوهرهما وصعودها الى السماء بما تعلمت منهما هو عروجها الى الملأ الاعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصافها ونصحها كذا ذكره وجوه القوم من المفسرين

(1/249)

يقول الفقير جامع هذه المجالس الشريفة قد تصفحت كتب ارباب الخبر والبيان واصحاب الشهود والعيان فوجدت عامتها مشحونة بذكر ما جرى من قصتهما وكيف يجوز الاتفاق من الجم الغفير على ما مداره رواية اليهود خصوصا فى مثل هذا الامر الهائل فاقول وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون دليل تصور العصيان منهم ولولا ذلك لما مدحوا به اذ لا يمدح احد على الممتنع لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف على عكس حال البشر كما فى التيسير فهذا يقتضى جواز الوقوع مع ان فيما روى فى سبب نزولهما ما يزيل الاشكال قطعا وهو انهم لما عيروا بنى آدم بقلة الاعمال وكثرة الذنوب فى زمن ادريس عليه السلام قال الله تعالى لو انزلتكم الى الارض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا فقالوا سبحانك ربنا ما كان ينبغى لنا ان نعصيك قال الله تعالى فاختاروا ملكين من خياركم اهبطهما الى الارض فاختاروا هاروت وماروت وكانا من اصلح الملائكة واعبدهم فاهبطا بالتركيب البشرى ففعلا ما فعلا وهذا ليس ببعيد اذ ليس مجرد هبوط الملك مما يقتضى العصيان وذلك ظاهر والا لظهر من جبريل وغيره ألا ترى ان ابليس له الشهوة والذرية مع انه كان من الملائكة على احد القولين لانها مما حدثت بعد ان محى من ديوانهم فيجوز ان تحدث الشهوة فى هاروت وماروت بعد ان اهبطا الارض لاستلزام التركيب البشرى ذلك

(1/250)

وقد قال فى آكام المرجان ان الله تعالى باين بين الملائكة والجن والانس في الصورة والاشكال فان قلب الله الملك الى صورة الانسان ظاهرا وباطنا خرج عن كونه ملكا وكذلك لو قلب الشيطان الى بنية الانسان خرج بذلك عن كونه شيطانا روى انه لما استشفع لهما ادريس عليه السلام خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا لكونه ايسر من عذاب الآخرة فهما فى بئر بابل معلقان فيه بشعورهما الى يوم القيامة قال مجاهد ملئ الجب نارا فجعلا فيه وقيل معلقان بارجلهما ليس بين ألسنتهما وبين المار الا اربع اصابع فهما يعذبان بالعطش قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره رائحة الشمع الذى يعمل من الشحم كريهة تتألم منها الملائكة حتى يقال ان هاروت وماروت يعذبان برائحته واما الشمع العسلى فرائحته طيبة كذا فى واقعات الهدائى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « اتقوا الدنيا فوالذي نفسى بيده انها لاسحر من هاروت وماروت » قال العلماء انما كانت الدنيا اسحر منهما لانها تدعوك الى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بامانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حبك الشئ يعمى ويصم » اراد النبى عليه الصلاة والسلام ان من الحب ما يعمى عن طريق الحق والرشد ويصمك عن استماع الحق وان الرجل اذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل او دين اصمه حبه عن العذل واعماه عن الرشد او يعمى العين عن النظر الى مساويه ويصم الاذن عن استماع العذل فيه او يعمى ويصم عن الآخرة وفائدته النهى عن حب ما لا ينبغى الاغراق فى حبه : قال خسرو الدهلوى بهراين مردار جندت ... كاه زارى كاه زور جون غليواجى كه شش مه ... مادة وشش مه نراست ثم فى هذه القصة اشارة الى انه لا يجوز الاعتماد الا على فضل الله ورحمته فان العصمة من آثار حفظ الله تعالى كمال : قال فى المثنوى همجو هاروت وجو ماروت شهير ... ازبطر خوردند زهر آلوده تير اعتمادى بودشان برقدس خويش ... جيست بر شير اعتماد كاوميش كرجه او باشاخ صد جاره كند ... شاخ شاخش شير نرباره كند كرشود بر شاخ همجون خاربشت ... شير خواهد كاورا ناجار كشت { وما يعلمان من احد } من مزيدة فى المفعول به لافادة تأكيد الاستغراق الذى يفيده احد والمعنى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ما انزل على الملكين ويحملونهم على العمل به أغواء واضلالا والحال ان الملكين ما يعلمان ما انزل عليهما من السحر احدا من طالبيه { حتى } ينصحاه اولا وينهياه عن العمل به والكفر بسببه و { يقولا انما نحن فتنة } وابتلاء من الله تعالى فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر ومن توقى عن العمل به او اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقى على الايمان والفتنة الاختبار والامتحان يقال فتنت الذهب بالنار اذا جربته بها لتعلم انه خالص او مشوب وهى من الافعال التى تكون من الله ومن العبد كالبلية والمعصية والقتل والعذاب وغير ذلك من الافعال الكريهة وقد تكون الفتنة فى الدين مثل الارتداد والمعاصى واكراه الغير على المعاصى وافردت الفتنة مع تعدد الملكين لكونها مصدرا وحملها عليهما مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة والقصر لبيان انه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه { فلا تكفر } باعتقاد حقيته بمعنى انه ليس بباطل شرعا وجواز العمل به ويقولان ذلك سبع مرات فان ابى الا التعليم علماه { فيتعلمون } عطف على الجملة المنفية فانها فى قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولهما انما نحن الخ والضمير لاحد حملا على المعنى اى فالناس يتعلمون { منهما } اى من الملكين { ما يفرقون به } اى بسببه واستعماله { بين المرء وزوجه } بان يحدث الله تعالى بينهما التباغض والفرك والنشوز عند ما فعلوا من السحر على حسب جرى العادة الآلهية من خلق المسببات عقيب حصول الاسباب العادية ابتلاء لا ان السحر هو المؤثر فى ذلك

(1/251)

قال السدى كانا يقولان لمن جاءهما انما نحن فتنة فلا تكفر فان ابى ان يرجع قالا له ائت هذا الرماد فبل فيه فاذا بال فيه خرج ثور يسطع الى السماء وهو الايمان والمعرفة وينزل شىء اسود شبه الدخان فيدخل فى اذنيه ومسامعه وهو الكفر وغضب الله فاذا اخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرق به بين المرء وزوجه ويقدر الساحر على اكثر مما اخبر الله عنه من التفريق لان ذلك خرج على الاغلب قيل يؤخذ الرجل على المرأة بالسحر حتى لا يقدر على الجماع قال فى نصاب الاحتساب ان الرجل اذا لم يقدر على مجامعة اهله واطاق ما سواها فان المبتلى بذلك يأخذ حزمة قصبات ويطلب فأسا ذا فقارين ويضعه فى وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا فى تلك الحزمة حتى اذا احمى الفأس استخرجه من النار وبال على حده يبرأ باذن الله تعالى { وما هم } اى ليس الساحرون { بضارين به } اى بما تعلموه واستعملوه من السحر { من احد } اى احدا { الا باذن الله } الاستثناء مفرغ والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير ضارين او من مفعوله وان كان نكرة لاعتمادها على النفى او الضمير المجرور فى به اى ما يضرون به احدا الا مقرونا بعلم الله وارادته وقضائه لا بامره لانه لا يأمر بالكفر والاضرار والفحشاء ويقضى على الخلق بها فالساحر يسحر والله يكوّن فقد يحدث عند استعمالهم السحر فعلا من افعاله ابتلاء وقد لا يحدثه وكل ذلك بارادته ولا ينكر ان السحر له تأثير فى القلوب بالحب والبغض وبالقاء الشرور حتى يحول بين المرء وقلبه وذلك بادخال الآلام وعظيم الاسقام وكل ذلك مدرك بالحس والمشاهدة وانكاره معاندة وان اردت التفصيل وحقيقة الحال فاستمع لما نتلو عليك من المقال وهو ان السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيه التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة

(1/252)

واختلف العلماء فى حقيقة السحر بمعنى ثبوته فى الخارج فذهب الجمهور الى ثبوته فيه وقالت المعتزلة لا ثبوت له ولا وجود له فى الخارج بل هو تمويه وتخييل ومجرد اراءة مالا حقيقة له يرى الحبال حيات بمنزلة الشعوذة التى سببها خفة حركات اليد او اخفاء وجه الحيلة وتمسكوا بقوله تعالى { يخيل اليه من سحرهم انها تسعى } ولنا وجهان الاول يدل على الجواز والثانى يدل على الوقوع اما الاول فهو امكان الامر فى نفسه وشمول قدرة الله فانه الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب واما الثانى فهو قوله تعالى { ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد الا باذن الله } وفيه اشعار بانه ثابت حقيقة ليس مجرد اراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده واما الشعوذة وما يجرى مجراها من اظهار الامور العجيبة بواسطة ترتيب آلات الهندسة وخفة اليد والاستعانة بخواص الادوية والاحجار فاطلاق السحر عليها مجاز او لما فيها من الدقة لانه فى الاصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفى سببه ولذا يقال سحر حلال واكثر من يتعاطى السحر من الانس النساء وخاصة فى حال حيضهم والارواح الخبيثة ترى غالبا للطبائع المغلوبة والنفوس الرذيلة وان لم يكن لهم رياضة كالنساء والصبيان والمخنثين والانسان اذا فسد نفسه او مزاجه يشتهى ما يضره ويتلذذ به بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان خبيث فاذا تقرب صاحب العزائم والاقسام وكتب الروحانيات السحرية وامثال ذلك اليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض اغراضهم كمن يعطى رجلا مالا ليقتل من يريد قتله او يعينه على فاحشة او ينال منه فاحشة ولذلك يكتب السحرة والمعزمون فى كثير من الامور كلام الله تعالى بالنجاسة والدماء ويتقربون بالقرابين من حيوان ناطق وغير ناطق والبخور وترك الصلاة والصوم واباحات الدماء ونكاح ذوات المحارم والقاء المصحف فى القاذورات وغير ذلك مما ليس لله فيه رضى فاذا قالوا كفرا او كتبوه او فعلوه اعانتهم الشياطين لاغراضهم او بعضها اما بتغوير ماء واما بان يحمل فى الهواء الى بعض الامكنة واما ان يأتيه بمال من اموال الناس كما يسرقه الشياطين من اموال الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه ويأتى به واما غير ذلك من قتل اعدائهم او امراضهم او جلب من يهوونه وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الساحر ويقف بعرفات ليظن من يحسن به الظن انه وقف بعرفات وقد زين لهم الشيطان ان هذا كرامات الصالحين وهو من تلبيس الشيطان فان الله تعالى لا يعبد الا بما هو واجب او مستحب وما فعلوه ليس بواجب ولا مستحب شرعا بل هو منهى حرام ونعوذ بالله من اعتقاد ما هو حرام عبادة ولاهل الضلال الذين لهم عبادة على غير الوجه الشرعى مكاشفات احيانا وتأثيرات يأوون كثيرا الى مواضع الشياطين التى نهى عن الصلاة فيها كالحمام والمزبلة واعطان الابل وغير ذلك مما هو من مواضع النجاسات لان الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض الامور كما يخاطبون الكفار وكما كانت تدخل فى الاصنام وتكلم عابدى الاصنام

(1/253)

قال العلماء ان كان فى السحر ما يخل شرطا من شرائط الايمان من قول وفعل كان كفرا والا لم يكن كفرا وعامة ما بايدى الناس من العزائم والطلاسم والرقى التى لا تفهم بالعربية فيها ما هو شرك وتعظيم للجن ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التى لا يفهم بالعربية معناها لانها مظنة الشرك وان لم يعرف الراقى انها شرك وفى الصحيح عن النبى عليه السلام انه رخص فى الرقى ما لم تكن شركا وقال « من استطاع ان ينفع اخاه فليفعل » ولذا نقول انه يجوز ان يكتب للمصاب وغيره من المرضى شئ من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى او يعلق عليه وفى اسماء الله تعالى وذكره خاصية قمع الشياطين واذلالهم ولأنفاس اهل الحق تأثيرات عجيبة لانهم تركوا الشهوات ولزموا العبادات على الوجه الشرعى وظهر لهم حكم قوله تعالى { وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض } ولذا يطيعهم الجن والشياطين ويستعبدونهم كما استعبدها سليمان عليه السلام بتسخير الله تعالى واقداره حكى حضرة الهدائى قدس سره فى واقعاته عن شيخه حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى انه ارسل ورقة الى سلطان الجن لاجل مصروع فامتثل امره وعظمه وضرب عنق الصارع فخلص المصروع : قال فى المنثوى هر بيمبر فرد آمد درجهان ... فرد بود وصد جهانش درنهان عالم كبرى بقدرت سحره كرد ... كرد خودرا دركهين نقشى نورد ابلهانش فرد ديدند وضعيف ... كى ضعيفست آنكه باشد شد حريف واعلم ان حكم الساحر القتل ذكرا كان او انثى اذا كان سعيه بالافساد والاهلاك فى الارض واذا كان سعيه بالكفر فيقتل الذكر دون الانثى فتضرب وتحبس لان الساحرة كافرة والكافرة ليست من اهل الحرب فاذا كان الكفر الاصلى يدفع عنها القتل فكيف الكفر العارضى والساحر ان تاب قبل ان يؤخذ تقبل توتبه وان اخذ ثم تاب لا تقبل كما فى الاشباه كل كافر تاب فتوبته مقبولة فى الدنيا والآخرة الا الكافر بسب نبى وبسب الشيخين او احدهما وبالسحر ولو امرأة وبالزندقة اذا اخذ قبل توبته والزنديق هو الذى قال بقدم الدهر واسناد الحوادث اليه مع اعتراف النبوة واظهار الشرع هذا واكثر المنقول الى هنا من كتاب آكام المرجان وهو الذى ينبغى ان يكتب على الاحداق لا على القراطيس والاوراق { ويتعلمون ما يضرهم } لانهم يقصدون به العمل او لان العلم يجر الى العمل غالبا { ولا ينفعهم } صرح بذلك ايذانا بانه ليس من الامور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شر بحت وضرر محض لانهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار باكاذيب من يدعى النبوة مثلا من السحرة او تخليص الناس منه حتى يكون فيه نفع فى الجملة وفيه ان الاجتناب عما لا يؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التى لا يؤمن ان تجر الى الغواية وان قال من قال عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

(1/254)

وذكر فى التجنيس ان تعلم النجوم حرام الا ما يحتاج اليه للقبلة وفيء الزوال ومن احاديث المصابيح ( من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر ) واذا لم يكن فى تعلم مثل هذه العلوم خير فكذا امساك الكتب التى اشتملت عليها من كتب الفلاسفة وغيرها بل لا يجوز النظر اليها كما فى نصاب الاحتساب { ولقد علموا } اى هؤلاء اليهود فى التوراة { لمن اشتراه } اى من اختار السحر واستبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله واللام الاولى جواب قسم محذوف والثانية لام ابتداء { ما له فى الآخرة من خلاق } اى نصيب { ولبئس ما شروا به انفسهم } اى باعوها لان الشراء من الاضداد واللام جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف اى والله لبئس ما باعوا به انفسهم السحر او الكفر وعبر عن ايمانهم بانفسهم لان النفس خلقت للعلم والعمل والايمان { لو كانوا يعلمون } جواب لو محذوف اى لما فعلوا ما فعلوا من تعلم السحر وعمله اثبت لهم العلم اولا بقوله ولقد علموا ثم نفى عنهم لانهم لما لم يعملوا بعلمهم فكأنهم لم يعلموا فهذا فى الحقيقة نفى الانتفاع بالعلم لا نفى العلم

(1/255)

وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)

{ ولو انهم } اى اليهود { آمنوا } بالقرآن والنبى { واتقوا } السحر والشرك { لمثوبة } مفعلة من الثواب وثاب يثوب اى رجع وسمى الجزاء ثوابا لانه عوض عمل المحسن يرجع اليه وهو مبتدأ جواب لو والتنكير للتقليل اى شئ قليل من الثواب كائن { من عند الله خير } خبر المبتدأ واصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خير مما شروا به انفسهم فحذف الفعل وغير السبك الى ما عليه النظم الكريم دلالة على اثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه اجلالا للمفضل من ان ينسب اليه { لو كانوا يعلمون } ان ثواب الله خير ومجرد العلم باللسان لا ينفع بدون ان يصل التأثير الى القلب ويظهر ذلك التأثير بالمسارعة الى الاعمال الصالحة والاتباع للكتاب والسنة فمن امر السنة على نفسه اخذا وتركا حبا وبغضا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة قال الشيخ ابو الحسن كل علم يسبق لك فيه الخواطر وتتبعها الصور وتميل اليه النفوس وتلذ به الطبيعة فارم به وان كان حقا وخذ بعلم الله الذى انزله على رسوله واقتد به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده والائمة المبرئين من الهوى ومتابعته تسلم من الظنون والشكوك والاوهام والدعاوى الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه وماذا عليك ان تكون عبد الله ولا علم ولا عمل بلا اقتداء وحسبك من العلم العلم بالوحدانية ومن العمل محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الصحابة واعتقاد الحق للجماعة قال بعض العلماء زيادة العلم فى الرجل السوء كزيادة الماء فى اصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت فما اشرف الوسيلة وما اخس المتوسل اليه والذى يحمل العبد على تعليم ما لا يليق به وذكر ما يجب صونه انما هو ايثار الدنيا على الآخرة لكن الله تعالى يقول { وما عند الله خير وابقى } فان اردت ان تعرف قدرك عند الله فانظر فيماذا يقيمك وذلك لان الاعمال علامات والاحوال كرامات والكرامات دليل والعلوم وسائل وقد جاء « من سره ان يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله فى قلبه فان الله ينزل العبد عنده حيث انزله العبد من نفسه » والانسان نسخة آلهية قابلة للواردات الآلهية فالنصف الاسفل منه بمنزلة الملك والنصف الاعلى بمنزلة الملكوت وبعبارة اخرى الطبيعة والنفس بمنزلة الملك والروح والسر بمنزلة الملكوت فاذا قطع العلائق بالعبادة الحقانية يتصرف فى عالم الملك والملكوت اللذين فى ملك وجوده وهو باب الملك والملكوت اللذين فى الخارج واعلم ان وصلة العلماء على قدر علمهم واستدلالهم ووصلة الكمل على قدر مشاهدتهم وعيانهم لكن لاعلى وجه مشاهدة سائر الاشياء فانه تعالى منزه عن الكيف والاين بل هى عبارة عن ظهور الوجود الحقيقى عند اضمحلال وجود الرائى وفنائه واول ما يتجلى للسالك الافعال ثم الصفات واما تجلى الذات فلا يتيسر الا للآحاد فهو لا يكون الا بمحو الوجود وافنائه لكن ذلك الفناء عين البقاء وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره كنت اعلم الاخلاص لبعض الفقراء وهو يعلمنا الفناء : قال السعدى تراكى بود جون جراغ التهاب ... كه ازخود برى همجو قنديل ازآب

(1/256)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)

{ يا ايها الذين آمنوا لا تقولوا } لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ارشاد للمؤمنين الى الخير { راعنا } المراعاة المبالغة فى الرعى وهو حفظ الغير وتدبير اموره وتدارك مصالحه كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اذا القى عليهم شيأ من العلم راعنا يا رسول الله اى راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك وكانت لليهود كلمة عبرانية او سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهى راعنا فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبو به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها قطعا لألسنة اليهود عن التلبيس وامروا بما هو فى معناها ولا يقبل التلبيس فقيل { وقولوا انظرنا } اى انتظرنا من نظره اذا انتظره { واسمعوا } واحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقى عليكم من المسائل باذان واعية واذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا الى الاستعادة وطلب المراعاة { وللكافرين } اى ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه { عذاب اليم } وجيع لما اجترؤا عليه من المسبة العظيمة وفى هذه الآية دليلان احدهما على تجنب الالفاظ المحتملة التى فيها التعريض واما قولهم لا بأس بالمعاريض وهو ان يتكلم لرجل بكلمة يظهر من نفسه شيأ ومراده شىء آخر فانما ارادوا ذلك اذا اضطر الانسان الى الكذب فاما اذا لم يكن حاجة ولا ضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بان لا يتعرض لهم بما حرم من دمائهم واعراضهم » وقدم اللسان فى الذكر لان التعرض به اسرع وقوعا واكثر وخص اليد بالذكر لان معظم الافعال يكون بها : قال فى المثنوى اين زبان جون سنك وهم آهن وشيست ... وانجه بجهد از زبان جون آنشيست سنك وآهن رامزن برهم كزاف ... كه زروى نقل وكه ازروى لاف زانكه تاريكست وهر سوبنبه زار ... درميان ينبه جون باشد شرار علامى رايك سخن ويران كند ... روبهان مرده را شيران كند والثانى التمسك بسد الذرائع وحمايتها والذريعة عبارة عن امر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع فى ممنوع ووجه التمسك بها ان اليهود كانوا يقولون ذلك وهى سب بلغتهم فلما علم الله تعالى ذلك منهم منع من اطلاق ذلك اللفظ لانه ذريعة للسب قال تعالى { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك وقال تعالى { واسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر } الآية فحرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت فكان الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا اى ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت واخذوها يوم الاحد وكان السد ذريعة للاصطياد فمسخهم الله قردة وخنازير

(1/257)

وعن عائشة رضى الله عنها ان ام حبيبة وام سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله عليه السلام « ان اولئك اذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور اولئك شرار الخلق عند الله » قال العلماء ففعل ذلك اوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا احوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم فمضت لهم بذلك ازمان ثم انهم خلف من بعدهم خلف جهلوا اغراضهم ووسوس لهم الشيطان ان آباءكم واجدادكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فحذر النبى عليه الصلاة والسلام عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية الى ذلك فقال عليه السلام « اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد » وقال « اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد » وقال صلى الله عليه وسلم « لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما