FANDOM



سِلْسِلَةُ رَسَائِلِ النُّور


اَلْمَثْنَوِيُّ الْعَرَبِيُّ النُّورِيُّ الْكَامِلُ


بديع الزمان سعيد النورسي 

الرموز في الكتاب حسب فروق النسخ

ط ش: طبع شام 1969 قابلها بنسخة مصححة بيد الأستاذ النورسي. أصل م: أصل المطبوع عام 1921 = 1923 ش ح ت: أصل المخطوط المكتوب بيد الحافظ توفيق الشامي المصححة بيد المؤلف. أصل.م.م: أصل المطبوع والمصحّح بيد المؤلف. خ . م: المخطوط والمصحّح بيد المؤلف دون اسم الكاتب. ق.م .م: المكتوب بقلم المؤلف ومصحّحاً بيده. ن.م: نور من أنوار القرآن وهي الرّسالة الصغيرة الملحقة في آخر هذا الكتاب قبل رسالة النقطة.


كلمة التعريف لهذا الطّبع الجديد للمثنوي النّوريّ العربيّ الكامل( ):

باسمه سبحانه جل برهانه ليُعْلَمْ أنّ هذا المثنويّ العربيّ النّوريّ الكامل, هو كتاب جامع لكل حقيقة من الحقائق الدّينيّة, أي القرآنيّة والسنّة النبويّة, وكذا هو جامع للمغزى واللباب وأسس الشريعة الإسلاميّة المطهرة, أي جذرها ونواتها وليس بفروعها. وهو أيضاً يحتوي على كلّ المراتب والدرجاتِ التي تتعلّق بالمعرفة الإلهية السّامية الّتي لا نهاية لها. ويشتمل أيضاً لكلّ دلائل وجوب واجب الوجود والوحدة له سبحانه. وكذلك فيه دلائل إثبات الحشر والآخرة والجنة والنار وسائر الأركان الإيمانية, وخاصة الإيمان بالكتب والرسل بالدلائل الأنفسيّة مفصّلاً, والآفاقيّة مجملاً. وكذا يشتمل على أكمل المعارف الإسلاميّة والحِكَمِ البرهانيّة والمنطقيّة للأسس الدينيّة. وكذا توجد في طيّاته مداواة الأمراض القلبيّة والأسقام النّفسية والرّوحيّة, أي من أدويةٍ من صيدليّة القرآن الحكيم والسنّة النبوية ومعالجاتها. وكذلك تنطوي في هذا الكتاب الإرشادات النّزيهة المستقيمة والتّهذيب النَّقيّ للأخلاق الحميدة والخصال المجيدة. وكذلك فيه دروس مقنعة في الإخلاص في الدين والخلوص في خدمته, والنّية الخالصة في العبودية. وكذلك معها معالجات الزَّجر والترهيب من الأخلاق السّيئة ورديئها إيماناً وشعوراً وحسّاً ومنطقاً. فَلِأجْلِ تلك الأوصاف الشريفة, والتوجيهات العالية للمثنوي النوريّ, ولاشتماله على النّكات الدقيقة القرآنيّة, وهي أنها من أضواء الإلهاميّة النّازلة من عرش القرآن الحكيم؛ أردنا طبعه من جديد مع الإعراب والتّحريك على كلماته, كما أجرينا هذا العمل على >إشارات الإعجاز< جزء تفسير للمؤلّف. وكما قد أجْرِيَتْ هذا على الكتب القيّمة كالبخاريّ والشفاء للقاضي عياض. فإنّ هذا العمل ـ عَمَلَ الإعراب’ـ جَرَتْ بيد الشيوخ والأساتذة الكرام وهم هؤلاء: الشيخ صبري الإمام في الجامع مولد الخليل لاورفه, والشيخ أحمد المدرّس الحرّاني في ذلك الجامع، والشيخ صالح المارديني أصلا والأستاذ في مدرسته الخاصّ في أورفه, والشيخ عز الدين المعروف لدى أهالي أورفه والأستاذ المدرّس في مدرسته, والأستاذ عبد العزيز البكّي الواعظ والمدرّس في عاصمة قيصري. وبعد: لما ابتدأنا بهذا الطبع الجديد مع الإعراب والتصحيح والتنسيق ومقابلته بالنّسخ القديمة المصحّحة بيد مؤلّفه رضي الله عنه فكانت بيدنا خمس نسخ وهي:

1ـ نُسُخَهُ المطبوعة في المطابع المختلفة من 1339 إلى 1342 هجرياً، و1920 إلى 1923 ميلادياً. فهي هذه الأصول القديمة أو الأوّلية لكتاب المثنويّ هذا. 2ـ المخطوط من 1347 إلى 1351 هـ و1927 إلى 1932 م بخطّ كاتب المؤلّف الحافظ توفيق الملقّب بالشّامي, في أربعة كراريس ضخمة والمصحح بيد المؤلف في ظروف ذلك الوقت نفسه تصحيحاً من حيث المعنى, لا من حيث البلاغة والنّحو والإملاء, فبمقابلة هذه النسخ الخمسة قد وقع ما بينها بعض من الفروق للنّسخ. 3ـ النسخة المصحّحة بيد المؤلّف أيضاً حينما جَمَعَ رَسَائِلَهُ الّتي جُمِعَتْ أخيراً في ضمن المثنوي تحت عناوينها المختلفة, في عام 1954 م, وقد باشره بعد ذلك كتابةً على تلك النسخة بآلة التكثير أحمد نطيف چلبي الاينه’بولي. ثم بعد هذه الخدمةِ قد أُخِذَتْ تلك النسخة المصححة مصدراً ومأخذاً للطبعة الشامية في مطبعة الألفباء عام 1969 بيد تلميذين للمؤلّف طاهري موطلي وعبد القادر بادللي. 4ـ النسخة المكتوبة بالاعتناء الأنيق جداً بيد تلميذ المؤلّف وخادمه الخاصّ وولده المعنويّ جيلان چاليشقان وأجري على قسم منها تصحيح المؤلّف, كما أشار إلى هذا التصحيح تلميذه الجليل مصطفى صونغور في مقدمة هذا الكتاب. فهذه النسخة نشرت بعين الرسم الخطية فوطوغرافياً >بدار سوزلر< بعد ما أجري عليه بعض من التصحيحات من طرف مترجم النور الأستاذ إحسان قاسم الصالحي تصحيحاً من حيث القواعد العربية والنحوية والإملاء. وخاصة من حيث التأنيث والتذكير والنّصب والرفع حسب القواعد العربية. فلهذا قد تبدّل قسم من صورة ورسم هذه النسخة الأصلية وإن كانت من الأقلّ. فنحن أشرنا بنوع من الاضطرار في هذا الطبع الجديد أحياناً إلى تلك التبديلات في الحواشي.

5ـ النّسختان المصحّحتان من حيث الإملاء والقواعد العربية بيد الأستاذ إحسان قاسم والمطبوعة أوّلاً في مطبعة الزهراء بالموصل عام 1408هـ و1988م, وطبعته الثّانية في مطبعة شركة النسل باسطنبول عام 1414هـ و1994م. وأما ما بحث الأستاذ إحسان قاسم عن نسخته المطبوعة في مطبعة النور عام 1985 في أنقرة, فإنّي ما رأيتها وما سمعت بها قطّ. فإنّ هاتين النسختين الأخيرتين وجدت فيهما كثيراً من المغيّرات لأصوله القديمة المصححة بيد المؤلّف نحواً وقاعدة بلا أية إشارة معرّفة للقضية, وإن أخذ نبذاً من تلك العملية الأستاذ إحسان قاسم مشيرًا إليها في مقدمة المثنوي الذي حققه, لكن إنّه في نظرنا ليست بكافٍ له. فإذاً لا بد له دائماً ولنا من الواجب أن نضع تحت كلِّ صفحة أو في هامشه إذا ما غايرت في الأصل للقاعدة العربية والنحوية كلمات أو ألفاظ حسب الظاهر بياناً كافياً أو إشارةً وافيةً بما اقتضاه دأب العلم والعلماء, فلذلك قد أشرنا بنوع من الاضطرار في هذه الطبعة الجديدة إلى تلك المغيرات للأصول القديمة نقداً من حيث ذلك الدأب العلميّ. إني أعتقد بكل يقيني أن الأستاذ إحسان قاسم ما أجرى هذا العمل بسوء النّية حاشا! بل بنيّة أن لا يكون كتاب المثنويّ صفحة طعنٍ ونقدٍ تجاه القارئ العربيّ العصري وأن لا يحرموا من فيضه وبركته بسبب بعض الألفاظ البسيطة. نعم قد أصاب الأستاذ إحسان نيّة, وأخطأ عملاً. فإن نقدنا وطعننا هذا في هذا الباب ليس بموجّه إلى شخصيّتِهِ الكريمة العظيمة، بل لخطأٍ منه من حيث العادة والدأب العلمي. نعم, إنّ الأستاذ إحسان قاسم نعمة وإحسان من الله لخدمة رسائل النور من حيث الترجمة والنشرة والتبليغ فيما بين العالم الإسلاميّ, فمع كل ذلك أنا منتظر لعفو الأستاذ إحسان قاسم وصفحه لنقدنا هذا. فبهذه المناسبة أودُّ أن أكتب شيئاً من القواعد العلمية والنحوية من حيث المعنى لا من حيث الألفاظ التركيبيّة المتداوَلَةِ فقط, وهو هذا الّذي تعلّمته من الرسائل النّوريّة ودروسه النورانية للأستاذ الأعظم سيّدنا بديع الزمان سعيد النورسي رضي الله عنه, فيقول في أحد كتابه المسمّى بـ >إيمانه مدار عالي برتفكّر نامه< أي >التفكّر الإيمانيّ الرفيع< الصفحة 72 من منشورات دار الأنوار: «’النكتة الثانية: إنّ جملة >والآلاءُ للهِ شهيد< فإنه كان ينبغي ويجب أن يقال بالقاعدة النحويّة >الآلاء لله شهيدة< ولكن عدّل عن ذلك إلى اللفظ المذكّر بـ >شهيد< ليدل على أن كل فرد يشهد بذلك وشاهد عليه. ولو قيل >شهيدة< لأفاد معنى الجماعة. وإنّ كل آلاء فرداً فرداً شاهد برأسه، فبلفظ >شَهِيدٌ< المذكر يفيد معنى أن كلّ فرد يشهد عليه. وكذا يقول: «’>والربوبيّة لله شهيدٌ< لأن المراد من الرّبوبيّة هو أنّ التّربيات والتدابير التي أوجدها الله بربوبيّته تشهد بذلك, لأنّ نفس الرّبوبيّة لا تُرى, ولكن تُرى تلك التّربيات والتدابير الّتي هي آثارها. فجعل الأشياء المرئية شاهداً فرداً فرداً على هذا. لذا قيل >شهيد< ولو قيل >شهيدة< لكانت راجعة رأساً إلى الرّبوبيّة. وأيضاً من هذا القبيل أن في آية {ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ} فمع أن كلمة الرّحمة مؤنّثة, ما قالت الآية >قريبة< بل قالت >قريب< لأن المراد ليس إفادة قُرْبِ تلك الرّحمة العالية الكلّية هي كالشمس فحسب, وإنما أفادت الآية بأن المراد هو الإحسانات الخصوصية هي بمثابة أشعّة الشمس, فيرى لكلِّ مُحْسَنٍ عليه إحسان ولفظ الإحسان مذكر, فمن حقه إذاً أن يُخْبَرَ عنه بـ >قريب<. والآية بوجه آخر بـ {ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ} أي تفيد أن الله قريب من المحسنين برحمته الخاصة. لذا ما قالت >قريبة<. ومن أمثال هذا المعنى, إذا جاء في بعض المواضع معنى الجماعة, فالمراد هناك كلّ واحدٍ, فيجب أن يقال بلفظ المذكّر. ولقد ورد في القرآن مثل هذه النكتة الدقيقة (بل القرآن المعجز هو المرشد لكلّ شيء) الآية: {ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ..إلخ} [سورة البقرة الآية 285] لأن جماعة المؤمنين ولو كانت جماعة متّحدة لكن فيها المؤمنون الموحّدون كل واحد فرداً فرداً يؤمن بالله, لذا ما قالت الآية >كُلٌّ آمنوا<. ونورد مثالاً آخر من المناجاة النبويّة المسمّاة بالجوشن الكبير في عقدته الستة والثمانين بـ> يا من لا يحصي العباد ثناءَه, يا من لا يبلغ الأفهام صفاته, يا من لا ينال الأفكار كبرياءَه...إلخ< رَغمًا من أن الأفكار والأفهام والعباد جماعة, لكن أن ما في الجماعة أفراد وكلّ فرد برأسه لا ينال, لا يحصي, ولا يبلغ إلى ذلك. فلذلك قد جاء بفعل المذكّر. فهذه الأمثلة الثلاثة تعطينا معلومات مغايرة للقواعد الظاهرية. ومع هذه كلّها، أنه من الممكن أن يضع المؤلّف بديع الزمان فيما لا يفهم الناس ما بين ألفاظه وكلماته وجمله أشياءً من المقدرات الخفيّة؛ وإلاّ فالّذي ألّف ككتاب >الإشارات الإعجاز< وكتاب >التعليقات على الكلنبوي< وكتاب >قزيل إيجاز< شرح سُلَّم المنورق في المنطق, وكاتب هذه النكتة النحوية الدقيقة؛ لا يمكن أبداً أن لا يعلم في ضمن ما ألفه من الرسائل الّتي باللغة العربية, وأن يتغافل عمّا فيها من العبارات والقواعد الّتي هي من أبسط البسائط بالنسبة إليه. والّتي هي يفهم ويعلم كل طلاب المدارس حتى في أدنى الدرجة. فعلينا إذاً أن نغوص في بحار المعنى الّذي مُكِّنَ في طيّات هذا الكتاب, كتاب المثنوي ورسائله النوريّة فيه, ونمُصَّه مصًّا مخلصًا دون أن نشتغل كل الاشتغال بالعبارات البسيطة الّتي تتعلّق بالنحو والقواعد لئلّا تتشتت فكرتنا عن المعاني النورية وأن لا تكون حجاباً ساتراً لها. نعم إن ميدان إشتغال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رضي الله عنه بعد الأربعين من سنّه ما هو إلاّ ترنّم بالحقائق الدينية وأساساته عقلاً ومنطقاً, وبالكشف إلى أسراره المطلسمة إثباتاً وتحقيقاً فقط، وما هو مشتغل بالأدبيات والبلاغة والشعر ونحو ذلك. ولقد نصّ في هذا الموضوع أحد تلاميذ المؤلف القائد في الجيش التركيّ العالم جليل القدر وهو خلوصي يحيى: بـ >أن الأستاذ بديع الزمان رضي الله عنه ليس ببائع أو مبيع للمشترين الأدَبَ والبلاغة، بل إنه ولا شك مبيع الحقائق القرآنية والإيمانية بأسلوب جاذب بديع نوريّ منطقيّ مقنع, وإن هذا الأسلوب أليق بما اشتغله به<( ). نسأل الله العظيم القدير أن يوفقنا لمطالعة وتفيّض هذا الكتاب المثنويّ النوري ويُيَسِّر لنا فهم معانيه السّرّية العميقة فهماً مستفيضاً ومستقيماً وعملاً به آمين. النّاشر عبد القادر بادللي


مقدمة( ) رسالهء نوركْ برنوع عربي مثنويء شريفى حكمنده اولان بو مجموعه نك مقدّمه سى {بش نقطه} در. برنجى نقطه: قرق أللى سنه أوّل أسكى سعيد, زياده علوم عقليّه وفلسفيّه‌ده حركت ايتديكى ايچون حقيقة الحقائقه قارشو أهل طريقت وأهل حقيقت كبى بر مسلك آرادى. أكثر أهل طريقت كبى يالكز قلباً حركته قناعت ايده’مدى. چونكه: عقلى, فكرى حكمتِ فلسفه ايله بردرجه ياره لى ايدى, تداوى لازمدى. صوكره, هم قلباً هم عقلاً حقيقته كيدن بعض بيوك أهلِ حقيقتك آرقه سنده كيتمك ايسته’دى. باقدى؛ اونلرك هربرينك آيرى جاذبه’دار برخاصّه سى وار. هانكيسينك آرقه سندن كيده’جكينه تحيّرده قالدى. امام ربّانى قدس سره ده اوكاغيبي برطرزده: >توحيد قبله ايت< ديمش. يعنى يالكز براستادك آرقه‌سندن كيت. او چوق ياره‌لي أسكى سعيدك قلبنه كلدى كه: استاد حقيقى قرآندر. توحيد قبله بو استادله اولور. دييه يالكز اواستاد قدسينك ارشاديله هم قلبى هم روحى غايت غريب برطرزده سلوكه باشلاديلر. نفس أمّاره‌سي ده شكوك وشبهاتيله اونى معنوي وعلمي مجاهده‌يه مجبور ايتدى. كوزى قپالى اولارق دكل, بلكه امام غزالى قدس سره، مولانا جلال الدّين قدّس سره وَامام ربّانى قدس سره كبى قلب, روح, عقل كوزلرى آچيق اولارق, أهل استغراقك عقل كوزينى قپاديغى يرلرده, مقاملرده او كوزى آچيق اولارق كزمش, جناب حقّه حدسز شكر اولسون كه: قرآنك درسيله ارشاديله حقيقته بر يول بولمش, كيرمش. حتّى [وفي كلِّ شَيْءٍ له آيةٌ تَدُلُّ على أنه واحِدٌ] حقيقتنه مظهر اولديغنى يكى سعيدك رسالهء نوريله كوسترمش. ايكنجى نقطه: مولانا جلال الدّين قدّس سرّه, امام ربّانى قدّس سرّه وامام غزالى قدّس سرّه كبى عقل وقلب اتّفاقيله كيتديكى ايچون؛ هرشيدن أوّل قلب وروحك ياره لرينى تداوى ونفسنك أوهامندن قورتولمسنى تأمينه چاليشوب, لله الحمد أسكى سعيد يكى سعيده انقلاب ايتمش... أصلى فارسى صوكره توركجه اولان >مثنوئ شريف< كبى, اوده عربجه برنوع مثنوى حكمنده >قطره, حَبَاب, حبّه, زَهْرَه, ذَرّه, شمّه, شعله< كبى درسلرى وتوركجه ده او وقت >نقطه وَلمعاتى< غايت قيصه برصورتده يازمش, فرصت بولدقجه ده طبع ايتمش. يارم عصره يقين اومسلكى رسالهء نور صور تنده, فقط داخلي نفس وَشيطانله مجادله يه بدل؛ خارجده محتاج متحيّر لره وضلالته كيدن أهل فلسفه يه قارشو رسالهء نور كنيش وكلّى مثنويلر حكمنه كيچدى. اوچنجى نقطه: او ايكى سعيدك مناظره سيله, نفس وشيطانك تام مغلوب ايديلمسى وصوصدير يلمسى كبي؛ رسالهء نور دخى ياره لانمش طالبِ حقيقتى قيصه بر زمانده تداوى ايتديكى كبى, أهل إلحاد وضلالتى ده تام الزام واسكات ايدييور. ديمك بو عربي مثنوي مجموعه سى رساله نورك برنوع چكرده’كى وفيدانلغى حكمنده در. بو مجموعه نك يالكز داخلي نفس وشيطانله مجادله سى, نفس أماره نك وشيطان جنّي وإنسي’نك شبها’تندن تماميله قورتارييور. او معلومات ايسه مشهودات حكمنده وعلم اليقين ايسه, عين اليقين درجه سنده بر اطمئنان وبرقناعت ويرييور. دردنجى نقطه: أسكى سعيد, علم حكمت وعلم حقيقتك چوق درين مسئله’لريله مشغول اولمسى وبيوك علما لرله درين مسئله لراوزرنده مناظره سى ومدرسه نك يوكسك در سلرينى كورن أسكى طلبه لرينك فهملرينك درجه سنه كوره يازمسى وأسكى سعيدك ده ترقّيات فكريه وقلبيه سنده يالكز كنديسى آكلاياجق برصورتده غايت قيصه جمله لرله وغايت مختصر برافاده ايله اوزون حقيقتلره قيصه كلمه لرله اشارتلر نوعنده او مجموعه لــي يازديغي ايجون, برقسمنى أك مدقّق عالملرده زورله آكلا يابيلر. اكرتام ايضاح او لسه ايدى؛ رسالهء نورك مهم بر وظيفه سنى كوره جكدي. ديمك اوفيدانلق مثنوى, طُرُق خفيّه كبى أنفسي وداخلي جهتنده چاليشمش, قلب وروح ايچنده يول آچمغه موفّق اولمش. باغچه سى اولان رسالهء نور هم أنفسي هم أكثر جهتنده طُرُق جهريّه كبى آفاقي وخارج دائره يه باقوب, معرفة اللّهه كنيش وهريرده يول آچمش. عادتا موسى عليه السلامك عصاسى كبى نره يه وورمش ايسه صوچيقارمش. هم رسالهء نور, حكماء وعلمانك مسلكنده كيتمه يوب, قرآنك براعجاز معنويسيله هر شيده برپنجرهء معرفت آچمش. برسنه لك ايشى برساعتده كوروركبى قرآنه مخصوص برسرّى آكلا مشدركه: بودهشتلى زمانده حدسز أهل عنادك هجوملرينه قارشو مغلوب اولمايوب غلبه ايمش. بشنجى نقطه: أسكى سعيدك يكى سعيده انقلاب ايتمسى زماننده يوزهر علملرله علاقه دار بيكلر حقيقتلرآيرى آيرى برهر رساله يه موضوع اولاجق قيمتده ايكن؛ او سعيد لر تأليف ايده ركن, مسئله لرك باشنده >اِعْلَمْ اِعْلَمْ اِعْلَمْ< لرله هربر حقيقتى كه, بر رساله اولاجق درجه ده أهميتلي ايكن؛ برقاج سطرده, بعضاً بر صحيفه ده, بعضاً بر سطرده ذكر ايدييورلر. عادتا هربر >اِعْلَمْ< بر رساله نك شفره سيدر. هم >اِعْلَمْ< لر بربرينه باقميارق, مختلف علملرك وحقيقتلرك فهرسته لرى حكمنده يازيلد يغندن, او مجموعه يى اوقويانلر بو نقطه لرى نظره آلوب اعتراض ايتمه سينلر. سعيد النورسي رضي الله عنه.   تَرْجَمَةُ المُقَدِّمَةِ التُّرْكِيَّةِ بِالْعَرَبِيَّةِ( ) هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ لِلْمَجْمُوعَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَفْظاً وَالْمَثْنَوِيِّ حُكْماً مِنَ الرِّسَالَةِ النُّورِيَّةِ فيها نِقَاطٌ خَمْسٌ النُّقْطَةُ الْأُولَى: إِنَّ السَّعِيدَ الْأَوَّلَ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ لِزِيَادَةِ إِشْتِغَالِهِ بِالْفَلْسَفَةِ وَالْعَقْلِيّاتِ، لَا يَزَالُ يَتَحَرَّى مَسْلَكاً وَمَدْخَلاً لِلْوُصولِ إِلَى حَقِيقَةِ الْحَقَائِقِ؛ دَاخِلاً فِي عِدَادِ الْجَامِعِينَ بَيْنَ الطَّريقَةِ وَالْحَقيقَةِ * وَكَانَ لَا يَقْنَعُ وَلَا يَكْتَفِي بِالْحَرَكَةِ القَلْبِيَّةِ وَحْدَهَا كَأَكْثَرِ أَهْلِ الطَّريقَةِ, بَلْ يَجْهَدُ كُلَّ الْجُهْدِ لِإِزالَةِ مَا فِي عَقْلِهِ وَفِكْرِهِ مِنَ السَّقَامَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْفَلْسَفَةِ * ثُمَّ أرَادَ ـ بَعْدَ إِزالَةِ تِلْكَ السَّقَامَةِ ـ أَنْ يَقْتَدِيَ بِبَعْضِ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْحَقيقَةِ المُتَوَجِّهِينَ إِلَى الْحَقِيقَةِ بِالْعَقْلِ وَالْقَلْبِ, فَرَأَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ أُولَئِكَ الْعُظَمَاءِ خَاصِّيَّةً جاذِبَةً خاصَّةً بِهِ, فَتَشَوَّشَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ في تَرْجيحِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ, فَتَخَطَّرَ على قَلْبِهِ (بَعْدَما تَصَوَّرَ ما في مَكْتُوبَاتِ الْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ مِنْ أَمْرِهِ لَهُ غَيْباً: [وَحِّدِ الْقِبْلَةَ])، أَنَّ الأُسْتَاذَ الْحَقيقِيَّ إِنَّمَا هُوَ الْقُرآنُ لَيْسَ إِلاَّ, وَأَنَّ تَوْحِيدَ الْقِبْلَةِ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِأُسْتَاذِيَّةِ القُرْآنِ فَقَطْ, فَأَرْشَدَهُ ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ القُدْسِيُّ إِلَى السُّلوكِ بِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ عَلَى أَغْرَبِ وَجْهٍ, وَإِلى الْمُجَاهَدَةِ عِلْماً وَمَعْنىً مَعَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ في دَفْعِ شُكُوكِهَا وَشُبُهاتِهَا. (فَانْجَرَّ الْحَالُ في تلْكَ الشُّكُوكِ إِلَى أَنْ قَطَعَ تِلْكَ الْمَقاماتِ وَطالَعَ ما فيها)( ) لاَ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْإِسْتِغْرَاقِ مَعَ غَضِّ الْأَبْصَارِ, بَلْ كَمَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ وَالْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ, وَمَوْلَانَا جَلَالُ الدِّينِ الرُّومِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ؛ مَعَ فَتْحِ أَبْصَارِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالْعَقْلِ. فَسارَ فِيهَا وَرَأَى مَا فِيهَا بِتِلْكَ الْأَبْصَارِ كُلِّهَا مُنْفَتِحَةً مِنْ غَيْرِ غَضٍّ وَلاَ غَمْضٍ, فَحَمْداً للهِ عَلَى أَنْ وَفَّقَهُ عَلى جَمْعِ الطَّريقَةِ مَعَ الْحَقيقَةِ بِفَيْضِ الْقُرْآنِ وَإِرْشَادِهِ. النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ السَّعِيدَ في سِياحَتِهِ بذَلِكَ السُّلُوكِ في تِلْكَ الْمَقَامَاتِ كَانَ سَاعِيًا بِالْقَلْبِ تَحْتَ نَظَارَةِ الْعَقْلِ, وَبِالْعَقْلِ فِي حِمَايَةِ الْقَلْبِ, كَالْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ, وَالْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ, وَمَوْلَانَا جَلَالِ الدِّينِ الرُّومِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ, فَخَلَّصَ نَفْسَهُ عَنِ الْوَساوِسِ وَالْأَوْهَامِ؛ فَانْقَلَبَ السَّعِيدُ الْأَوَّلُ بِالسَّعِيدِ الثَّاني. وَأَلَّفَ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ >الَلاَّسِيَّمَاتِ وَاللَّمَعَاتِ وَالْقَطْرَةَ وَالْحَبَابَ وَالْحَبَّةَ وَالزَّهْرَةَ وَالذَّرَّةَ وَالشَّمَّةَ وَالشُّعْلَةَ< وَبِاللِّسَانِ التُّرْكِيِّ >النُّقْطَةَ وَاللَّمَعاتِ< عَلَى أَدَقِّ الْوُجُوهِ وَأَرَقِّهَا وَأَقْصَرِهَا وَأَحْسَنِهَا وَأَشْبَهِهَا بِالْمَثْنَوِيِّ الشَّرِيفِ، [كَأَنَّ المَثْنَوِيَّ قَدْ تَثَنَّى]. وَنَوَّرَ ثَانِيَهُ هَذَا الزَّمَانَ بِالْجِهَادِ مَعَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَإِنْقاذِ الْمُتَحَيِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ إِلَى سَاحِلِ الْهُدَى وَالْأَمَانِ, وَأَضَاءَ الطَّريقَ لِذَوِي الطَّريقَةِ التَّابِعَةِ لِلسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ, وَأَرْشَدَ إِلَى الْحَقِيقَةِ أَرْبَابَ الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ. لِكُلِّ عَصْرٍ مُرْشِدٌ يَسْمُو بِهِ وَهُوَ لِبَاقِي الْعَصْرِ ذَاكَ الْمُرْشِدُ

النُّقْطَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ الْمُناظَرَةَ الْجَارِيَةَ بَيْنَ ذَيْنِكَ السَّعِيدَيْنِ كَانَتْ دافِعَةً لِلشَّيْطَانِ قَاهِرَةً لِلنَّفْسِ؛ طَبِيباً حَاذِقاً لِذَوِي الْجِرَاحَاتِ مِنْ طَالِبِي الْحَقيقَةِ, مُلْزِماً وَمُسْكِتاً لِأَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالضَّلَالَةِ, فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْمَثْنَوِيَّ الْعَرَبِيَّ كانَ نَوَاةً لِرِسَالَةِ النُّورِ وَغَرْساً لَهَا؛ يُخَلِّصُ مِنْ شُبُهَاتِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ فِي حُكْمِ الْمَشْهُودَاتِ, وَأَنَّ يَقِينَ الْعِلْمِ كَعَيْنِ الْيَقِينِ يُورِثُ القَناعَةَ وَيوجِبُ الْإطْمِئْنانَ التَّامَّ. النُّقْطَةُ الرَّابِعَةُ: إِنَّ السَّعيدَ الْقَديمَ لَمَّا كانَ اشْتِغَالُهُ أَكْثَرَ بِأَعْمَقِ مَسَائِلِ عِلْمَيِ الْحِكْمَةِ وَالْحَقيقَةِ, وَكانَ يُناظِرُ مَعَ عُظَمَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي دَقَائِقِ الْمَسَائِلِ, وَكانَ يُمَاشِي فِي كِتابَتِهِ كُلَّ الْمُمَاشَاةِ مَعَ دَرَجَاتِ أَفْهَامِ الطَّلَبَةِ الْمُتَدَارِسِينَ مِنْهُ الدُّرُوسَ الْعَالِيَةَ الْمَدْرَسِيَّةَ, وَكانَ في تَرَقِّيَاتِهِ الْفِكْرِيَّةِ وَسُنوحَاتِهِ الْقَلْبِيَّةِ يُشِيرُ إِلَى الطُّلُوعَاتِ وَالفُيُوضَاتِ بِأَدَقِّ عِبَارَاتٍ وَأقْصَرِ جُمَلٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلاَّ هُوَ، وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يُظْهِرُونَ الْعَجْزَ عَنْ إِدْراكِهَا. فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ السُّنُوحَاتُ مُبَيَّنَةً بِعِبَارَاتٍ سَهْلَةٍ, مُفَصَّلَةً وَمُوَضَّحَةً بِإِيضَاحٍ يُقَرِّبُهَا إِلَى الْأَفْهَامِ؛ لَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ الْعَرَبِيُّ الْمَثْنَوِيُّ مُعِيناً تَامًّا لِرِسَالَةِ النُّورِ وَمُعَاوِناً لَهَا في وَظِيفَتِهَا. فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَثْنَوِيَّ الثَّانِي كَالطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ يَسْعَى في تَطْهيرِ الْأَنْفُسِ وَالدَّاخِلِ, فَاتِحاً لِلطَّرِيقِ مِنَ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ؛ كَمَا أَنَّ رِسالَةَ النُّورِ كَالطُّرُقِ الْجَهْرِيَّةِ نَاظِرَةٌ إِلَى الْآفَاقِ وَالْخَارِجِ، كِلَاهُمَا يُوصِلَانِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ كَمَا قِيلَ: عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إِلَى ذاكَ الْجَمَالِ يُشيرُ

وَكَذَا إِنَّ رِسالَةَ النُّورِ لَيْسَ مَسْلَكُهَا مَسْلَكَ الْعُلَماءِ وَالْحُكَمَاءِ, بَلِ اقْتُبِسَتْ مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مَسْلَكاً يُخْرِجُ زُلَالَ مَعْرِفَةِ اللهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَفيدُ سَالِكُهُ في سَاعَةٍ، مَا لَا يَسْتَفيدُهُ سَالِكُوا سَائِرِ الْمَسالِكِ في سَنَةٍ. ذَلِكَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ القُرْآنِ يُعْطِيهِ اللهُ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْعِبَادِ وَيَدْفَعُ بِهِ هُجُومَ أَهْلِ الْعِنَادِ. النُّقْطَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّ السَّعيدَ الْقَديمَ حِينَمَا إِنْقَلَبَ إِلَى السَّعِيدِ الْجَديدِ قَدْ أَلَّفَا مَعَاً فِي ثَانِي الْمَثْنَوِيِّ هَذَا, أَعْنِي الْمَسائِلَ وَالْحَقائِقَ الدَّقيقَةَ الَّتي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مَوْضُوعاً لِرِسَالَةٍ, قَدْ ذَكَرَهَا وَحَشَّاهَا السَّعِيدَانِ (مَعَ تِلْكَ الْقِيمَةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْحَدِّ وَالْأَهَمِّيَّةِ الْغَيْرِ الدَّاخِلَةِ فِي الْعَدِّ) في ضِمْنِ أَلْفاظٍ ضَيِّقَةٍ لَا تَسَعُهَا, وَفِي سُطُورٍ عَديدَةٍ لَا تَسْتَوْعِبُهَا. وَأَفْرَدَ تِلْكَ الْمَسائِلَ الَّتِي كُلٌّ مِنْهَا مَوْضُوعٌ لِرِسَالَةٍ وَمُشِيرًا إِلَى حَقائِقَ مُتَخالِفَةٍ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ بِكَثيرٍ مِنَ الْإِعْلَامَاتِ (يَعْني اِعْلَمْ اِعْلَمْ اِعْلَمْ). وَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي ضِمْنِ تِلْكَ الْإِعْلَامَاتِ وَفِي أَوَائِلِهَا مِنْ فَنٍّ وَاحِدٍ، أَوْ عائِدٌ إِلى مَقَامٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَاشِفٌ عَنْ جَوْهَرٍ واحِدٍ, قَائِلاً: إِنَّ ذِكْرَ تِلْكَ الْإِعْلَامَاتِ وَتَكْرَارَهَا فِي رُؤُوسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِمَّا لَا فائِدَةَ لَهُ وَلَا طَائِلَ تَحْتَهَ! لِأَنَّ كُلاًّ مِنْ تِلْكَ الْإِعْلَامَاتِ عُنْوَانٌ وَفَهْرِسْتَةٌ لِرِسَالَةٍ. وَتِلْكَ الرَّسَائِلُ الْمَكْنونَةُ أَوِ الْمُعَنْوَنَةُ بِالْإِعْلَامَاتِ عُلُومٌ مُتَفَنِّنَةٌ وَفُنُونٌ مُتَخَالِفَةٌ. فَتَكْرَارُ الْإِعْلَامَاتِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا بَيْنَهَا مِنَ الْمُغايَرَةِ. فَلا تَعْتَرِضْ أَيُّهَا الْمُعارِضُ!

    • ** **

قَدْ تَرْجَمَ الْمُتَرْجِمُ مُقَدِّمَةَ هَذَا الْمَثْنَوِيِّ الثَّانِي قُرْبَ قَبْرِ صَاحِبِ الْمَثْنَوِيِّ الْأوَّلِ. وَهَذا لَيْسَ مِنَ التَّصَادُفِ بَلْ فِيهِ إِشارَةٌ وَحِكْمَةٌ لَا أَقْتَدِرُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْها. الملّا عبد المجيد أخو المؤلّف

    • ** **


تَنْبيهٌ * إِخْطَارٌ * إعْتِذَارٌ( ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّسالَةَ نَوْعُ تَفْسِيرٍ شُهُودِيٍّ لِبَعْضِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ, وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَسَائِلِ أَزَاهِيرٌ اقْتُطِفَتْ مِنْ جِنَانِ الْفُرْقَانِ الْحَكِيمِ * فَلَا يُوحِشُكَ مَا فِي عِبَارَتِهَا مِنَ الْإِشْكَالِ وَالْإِجْمَالِ وَالْإِيجَازِ, فَكَرِّرْ مُطالَعَتَهَا حَتَّى يَنْفَتِحَ لَكَ سِرُّ تَكْرَارِ الْقُرْآنِ أَمْثَالَ {ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ} * وَلا تَخَفْ مِنْ تَمَرُّدِ النَّفْسِ لِأَنَّ نَفْسِيَ الْأمَّارَةَ الْمُتَمَرِّدَةَ المُتَجَبِّرَةَ إنْقَادَتْ وَذُلِّلَتْ( ) تَحْتَ سَطْوَةِ مَا فِي هَذِهِ الرِّسالَةِ مِنَ الْحَقَائِقِ, بَلْ شَيْطانِيَ الرَّجيمُ أُفْحِمَ وَانْخَنَسَ * كُنْ مَنْ شِئْتَ, فَلا نَفْسُكَ أَطْغَى وَأَعْصَى مِنْ نَفْسِي, وَلَا شَيْطَانُكَ أَغْوَى وَأَشْقَى مِنْ شَيْطَانِي * أَيُّها الْقَارِئُ! لَا تَحْسَبَنَّ بَرَاهِينَ التَّوْحِيدِ وَمَظَاهِرَهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ( ) يُغْنِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ مُطْلَقاً * إِذْ شَاهَدْتُ الْإِحْتِياجَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَقَامٍ مَخْصُوصٍ, إِذْ قَدْ تَلْجَأُ الْحَرَكَةُ الْجِهَادِيَّةُ إِلَى مَوْقِعٍ لَا بُدَّ لِلْخَلَاصِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِعِ( ) * إِذْ لَا يَتَيَسَّرُ في ذَلِكَ الآنِ التَّحَوُّلُ إِلَى الْأَبْوَابِ الْأُخَرِ الْمَفْتُوحَةِ( ) * وَكَذَا لَا تَظُنَّنَّ أَنِّي بِإِخْتِيَارِي أَشْكَلْتُ عَلَيْكُمْ عِبَارَةَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ, إِذْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ مُكالَمَاتٌ فُجَائِيَّةٌ مَعَ نَفْسِي فِي وَقْتٍ مُدْهِشٍ؛ وَالْكَلِمَاتُ إِنَّمَا تَوَلَّدَتْ فِي أَثْنَاءِ مُجَادَلَةٍ هَائِلَةٍ, كَأَعْصَارٍ يَتَصَارَعُ فِيهَا الْأَنْوَارُ مَعَ النِّيرَانِ؛ يَتَدَحْرَجُ رَأْسِي فِي آنٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَوْجِ إِلَى الْحَضِيضِ وَمِنَ الْحَضِيضِ إِلَى الْأَوْجِ, مِنَ الثَّرَى إِلَى الثُّرَيَّا * إِذْ سَلَكْتُ طَرِيقاً غَيْرَ مَسْلُوكٍ >فِي بَرْزَخٍ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ< وَدَارَ عَقْلِي مِنْ دَهْشَةِ السُّقُوطِ وَالصُّعُودِ؛ فَكُلَّمَا صَادَفْتُ نُوراً نَصَبْتُ عَلَيْهِ عَلَامَةً لِأَتَذَكَّرَهُ بِهَا * وَكَثِيراً مَا أَضَعُ كَلِمَةً عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ لِيَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ لِلْإِخْطارِ وَالتَّذْكِيرِ، لَا لِلدَّلَالَةِ * فَكَثِيراً مَا نَصَبْتُ كَلِمَةً وَاحِدَةً عَلَى نُورٍ عَظِيمٍ * ثُمَّ شَاهَدْتُ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَنْوَارَ الَّذِينَ يُمِدُّونَنِي فِي بُطُونِ أَرْضِ الظُّلُمَاتِ مَا هُمْ إِلاَّ شُعَاعَاتُ شَمْسِ القُرْآنِ تَمَثَّلوا لِيَ مَصابِيحَ * الَلَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ نُوراً لِعُقُولِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَرْوَاحِنَا وَمُرْشِداً لِأَنْفُسِنَا آمينَ * يَا مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِي إِنِ اسْتَفَدْتَ مِنْهُ شَيْئاً، لَا بُدَّ أَنْ تُفِيدَنِي فَاتِحَةً أَوْ دُعَاءً خَالِصاً فِي سَبِيلِ اللهِ *

    • ** **  



لَـمَـعَــاتٌ مِنْ شَمْسِ التَّوْحِيدِ


لَمَعَاتٌ مِنْ شَمْسِ التَّوْحِيدِ [وَهُوَ النَّصُّ الْعَرَبِيُّ لِلْكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَكَ يَا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ السَّيَّالَةُ بِتَسْبِيحَاتِ لِسَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ * إِذْ هُوَ الَّذِي تَتَمَوَّجُ أَصْدِيَةُ تَسْبِيحَاتِهِ لَكَ عَلَى أَمْوَاجِ الْأَجْيَالِ وَأَفْوَاجِ الْأَعْصَارِ بِمَرِّ الفُصُولِ وَالْعُصُورِ وَالْأَدْوَارِ * الَلَّهُمَّ فَأَبِّدْ عَلَى صَفَحَاتِ الْكَائِنَاتِ وَعَلَى أَوْرَاقِ الْأَوْقَاتِ أَصْدِيَةَ تَسْبِيحَاتِهِ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْعَرَصَاتِ * سُبْحَانَكَ يَا مَنْ تُسَبِّحُ لَكَ الدُّنْيَا بِآثَارِ دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ * إِذْ هُوَ الَّذِي تَزَيَّنَتِ الدُّنْيَا بِمَعَالِمِ آثَارِ رِسَالَتِهِ وَآثَارِ شَرِيعَتِهِ فِي أَدْوَارِهَا * الَلَّهُمَّ فَزَيِّنِ الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَارِ رِسَالَتِهِ وَآثَارِ شَرِيعَتِهِ * سُبْحَانَكَ يَا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الْأَرْضُ سَاجِدَةً تَحْتَ عَرْشِ عَظَمَةِ قُدْرَتِكَ بِلِسَانِ مُحَمَّدِهَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ صَلَوَاتِكَ وَأَجْمَلُ تَسْلِيمَاتِكَ * إِذْ هُوَ النَّاطِقُ وَالْمُتَرْجِمُ لِتَسْبِيحَاتِ الْأَرْضِ بِأَلْسِنَةِ أَحْوَالِهَا * وَبِرِسَالَتِهِ اسْتَقَرَّتِ الْأَرْضُ فِي مُسْتَقَرِّهَا فِي مَدَارِهَا * الَلَّهُمَّ فَأَنْطِقِ الْأَرْضَ بِأَقْطَارِهَا إِلَى نِهَايَةِ عُمْرِهَا بِتَسْبِيحَاتِ لِسَانِهِ (عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ) * سُبْحَانَكَ يَا مَنْ يُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ جَمِيعُ المُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتِ فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ بِلِسَانِ مُحَمَّدِهِمْ عَلَيْهِ أَكْمَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمَاتِ * إِذْ هُوَ الَّذي تَتَظاهَرُ أَنْوَارُ تَسْبِيحَاتِهِ لَكَ مِنْ أَفْواهِ أَهْلِ الْإِيمَانِ * الَلَّهُمَّ فَأَنْطِقْ بَنِي آدَمَ إِلَى آخِرِ عُمْرِ الْبَشَرِ بِتَسْبِيحَاتِ مُحَمَّدِكَ لَكَ عَلَيْهِ صَلَاتُكَ وَسَلَامُكَ كَمَا يَلِيقُ بِحُرْمَتِهِ وَبِرَحْمَتِكَ وَارْحَمْنَا وَارْحَمْ أُمَّتَهُ * آمين *

    • ** **

اَلدَّرْسُ الرَّابِعَ عَشَرَ( ) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي بَيَانِ جَوَاهِرَ مِنْ خَزَائِنِ هَذِهِ الْآيَاتِ: {ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ} {ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ} {ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ} {ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ} وَ{ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ} * يَا أَيُّهَا الْغَافِلُ الْمُنْغَمِسُ فِي الْأَسْبَابِ! إِنَّ الْأَسْبَابَ حِجَابُ تَصَرُّفِ الْقُدْرَةِ * إِذِ الْعِزَّةُ وَالْعَظَمَةُ تَقْتَضِيَانِ الْحِجَابَ, لَكِنَّ الْمُتَصَرِّفَ الفَعَّالَ هُوَ الْقُدْرَةُ الصَّمَدَانِيَّةُ, إِذِ التَّوْحِيدُ وَالْجَلَالُ هَكَذَا يَقْتَضِيَانِ * إِذْ سُلْطَانُ الْأَزَلِ لَهُ مَأْمُورُونَ( )، لَكِنْ لَيْسُوا وَسَائِطَ الْإِجْرَاءِ حَتَّى يَكُونُوا شُرَكَاءَ سَلْطَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ بَلْ هُمْ مِنَ الدَّلاَّلِينَ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ إِجْرَاءَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ, وَمِنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَ وَيَشْهَدُونَ, وَيَكْتَسِبُونَ فِي الْإِنْقِيَادِ لِلْأَوَامِرِ التَّكْوِينِيَّةِ عِبَادَاتٍ تُنَاسِبُ اِسْتِعْدَادَاتِهِمْ * فَهَذِهِ الْوَسَائِطُ لِإِظْهَارِ عِزَّةِ الْقُدْرَةِ وَحَشْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ * وَأَمَّا السُّلْطَانُ الْإِنْسَانِيُّ فَلِعَجْزِهِ وَاحْتِياجِهِ يَحْتَاجُ إِلَى وَسَائِطَ وَمَأْمُورِينَ يَشْتَرِكُونَ فِي سَلْطَنَتِهِ؛ فَلا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمَأْمُورِ الْإِلَهِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ * نَعَمْ: إِنَّ نَظَرَ الْأَكْثَرِ الْغَافِلينَ لاَ يُدْرِكُ حُسْنَ الْحَادِثَاتِ وَلَا يَعْرِفُ حِكْمَتَهَا؛ فَيَشْتَكِي بِلَا حَقٍّ وَيَعْتَرِضُ جَهْلاً, فَوُضِعَتِ الْأَسْبَابُ لِتَتَوَجَّهَ الشَّكْوىَ( ) إِلَيْهَا * وَإِذَا وُفِّقَ أَحَدٌ لِدَرْكِ الْحِكْمَةِ وَالْحَقِّ اِرْتَفَعَتِ الْأَسْبَابُ عَنْ نَظَرِهِ * وَقَدْ قِيلَ بِتَمْثِيلٍ مَعْنَوِيٍّ: [إِنَّ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اِشْتَكَى إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَنَّ عِبَادَكَ يَشْتَكُونَ مِنِّي فِي قَبْضِ الْأَرْوَاحِ, فَأَلْقَى إِلَيْهِ: >إِنِّي أَضَعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ وَسَائِطَ الْمُصِيبَاتِ؛ حَتَّى يَتَوَجَّهَ شَكْوَاهُمْ إِلَيْهَا لَا إِلَيْكَ<]. الْحَاصِلُ: إِنَّ الْعِزَّةَ وَالْعَظَمَةَ تَقْتَضِيَانِ وَضْعَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرِيَّةِ لِرَدِّ الشِّكَايَاتِ الْبَاطِلَةِ, وَلِئَلَّا يَرَى الْعَقْلُ الظَّاهِرِيُّ مُبَاشَرَةَ يَدِ الْقُدْرَةِ بِالْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ الْجُزْئِيَّةِ * وَلَكِنَّ التَّوْحِيدَ وَالْجَلَالَ يَرُدَّانِ أَيْدِي الْأَسْبَابِ عَنِ التَّأْثِيرِ الْحَقِيقِيِّ * تَنْبِيهٌ إِنَّ التَّوْحِيدَ تَوْحِيدانِ * اَلْأَوَّلُ: تَوْحِيدٌ عَامِّيٌّ يَقُولُ: >لا شَرِيكَ لَهُ, لَيْسَ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ لِغَيْرِهِ< فَيُمْكِنُ تَدَاخُلُ الْغَفَلَاتِ بَلِ الضَّلَالَاتِ فِي أَفْكَارِ لِصَاحِبِهِ * وَالثَّانِي: تَوْحِيدٌ حَقِيقِيٌّ يَقُولُ: >هُوَ اللهُ وَحْدَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْكَوْنُ, لَهُ كُلُّ شَيْءٍ< * فَيَرَى سِكَّتَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَيَقْرَأُ خَاتَمَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ( )؛ فَيُثْبِتُهُ لَهُ إِثْبَاتاً حُضُورِيّاً, لا يُمْكِنُ تَداخُلُ الضَّلالَةِ وَالْأَوْهَامِ فِي هَذَا التَّوْحِيدِ * فَنَحْنُ نُسْمِعُكَ لَمَعَاتٍ مِنْ هَذَا التَّوْحِيدِ الَّتِي اِسْتَفَدْنَاهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * اَللَّمْعَةُ الْأُولَى: إِنَّ لِلصَّانِعِ جَلَّ جَلالُهُ عَلَى كُلِّ مَصْنُوعٍ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ سِكَّةً خَاصَّةً بِمَنْ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ, وَعَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ خَاتَمٌ خَاصٌّ بِمَنْ هُوَ صَانِعُ كُلِّ شَيْءٍ, وَعَلَى كُلِّ مَنْشُورٍ مِنْ مَكْتُوبَاتِ قُدْرَتِهِ طُغْرَاءٌ ([طُرَّةٌ]) غَرَّاءُ لا تُقَلَّدُ خَاصٌّ بِسُلْطانِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ * مَثَلاً: اُنْظُرْ فِيمَا لَا يُعَدُّ مِنْ سِكَّاتِهِ إِلَى هَذِهِ السِّكَّةِ الَّتِي وَضَعَهَا عَلَى الْحَياةِ! اُنْظُرْ إِلَى الْحَياةِ كَيْفَ يَصِيرُ فِيهَا شَيْءٌ كُلَّ شَيْءٍ, وَكَذَا يَصِيرٌ كٌلُّ شَيْءٍ شَيْئاً * نَعَمْ يَصيرُ الْمَاءُ الْمَشْرُوبُ بِإِذْنِ اللهِ مَا لَا يُعَدُّ أَعْضَاءً وَجِهَازَاتٍ حَيَوَانِيَّةٍ؛ فَصَارَ شَيْءٌ بِأَمْرِ اللهِ كُلَّ شَيْءٍ * وَكَذَا يَصِيرُ جَمِيعُ الْأَطْعِمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ بِإِذْنِ اللهِ جِسْماً خَاصّاً وَجِلْداً مَخْصُوصاً وَجِهَازاً بَسِيطاً؛ فَيَصِيرُ كُلُّ شَيْءٍ شَيْئاً لأَمْرِ اللهِ * فَمَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وَشُعُورُ قَلْبٍ يَفْهَمُ أَنَّ جَعْلَ شَيْءٍ كُلَّ شَيْءٍ, وَجَعْلَ كُلِّ شَيْءٍ شَيْئاً؛ سِكَّةٌ خَاصَّةٌ بِصَانِعِ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ جَلَّ جَلالُهُ * اَللَّمْعَةُ الثَّانِيَةُ: اُنْظُرْ إِلَى خَاتَمٍ وَاحِدٍ مِنَ الْخَواتِمِ الْغَيْرِ الْمَعْدُودَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى ذَوِي الْحَياةِ( )! وَهُوَ أَنَّ الْحَيَّ بِجَامِعِيَّتِهِ كَأَنَّهُ مِثَالٌ مُصَغَّرٌ لِلْكائِنَاتِ، وَثَمَرٌ مُزَهَّرٌ لِشَجَرَةِ الْعَالَمِ، وَنُوَاةٌ مُنَوَّرَةٌ لِمَجْمُوعِ الْكَوْنِ؛ أَدْرَجَ الْفَاطِرُ فِيهِ أُنْمُوذَجَ أَكْثَرِ أَنْوَاعِ الْعَالَمِ * فَكَأَنَّ الْحَيَّ قَطْرَةٌ مَحْلُوبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ الْكَوْنِ بِنِظَامَاتٍ حَكِيمَةٍ مُعَيَّنَةٍ * وَكَأَنَّهُ نُقْطَةٌ جَامِعَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمَجْمُوعِ بِمَوَازِينَ حَسَّاسَةٍ عِلْمِيَّةٍ؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَ أَدْنَى ذِي حَيَاةٍ إِلاَّ مَنْ يَأْخُذُ فِي قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ مَجْمُوعَ الْكَائِنَاتِ * فَمَنْ لَهُ عَقْلٌ لَم يَفْسُدْ يَفْهَمُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ النَّحْلَ مَثَلاً, نَوْعَ فَهْرِسْتَةٍ لِأَكْثَرِ الْأَشْياءِ, وَمَنْ كَتَبَ فِي مَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ أَكْثَرَ مَسَائِلِ كِتَابِ الْكائِناتِ, وَمَنْ أَدْرَجَ فِي نُوَاةِ التِّينَةِ هَنْدَسَةَ شَجَرَةِ التِّينِ, وَمَنْ جَعَلَ قَلْبَ الْبَشَرِ أُنْمُوذَجاً وَمِرْصَاداً لِآلَافِ عَوَالِمَ, وَمَنْ كَتَبَ فِي حَافِظَةِ الْبَشَرِ مُفَصَّلَ تَارِيخِ حَيَاتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لَيْسَ إِلاَّ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ, وَأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ خَاتَمٌ مَخْصُوصٌ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * الَلَّمْعَةُ الثَّالِثَةُ: اُنْظُرْ إِلَى نَقْشِ طُغْرَائِهِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَإِعْطَاءِ الْحَيَاةِ! نَذْكُرُ مِمَّا لَا يُعَدُّ وَاحِداً * وَهُوَ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ لِلشَّمْسِ عَلَى كُلِّ شَفَّافٍ أَوْ كَشَفَّافٍ مِنَ السَّيَّارَاتِ إِلَى الْقَطَرَاتِ إِلَى الذَّرَّاتِ الزُّجَاجِيَّةِ وَالزُّجَيْجَاتِ الثَّلْجِيَّةِ سِكَّةً مِثَالِيَّةً مِنْ جَلْوَتِهَا, وَطُغْرَاءَ غَرَّاءَ خَاصَّةً بِهَا * كَذَلِكَ إَِنَّ لِلشَّمْسِ الْأَحَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ عَلَى كُلِّ ذِي حَيَاةٍ مِنْ جِهَةِ الْإِحْيَاءِ وَإِفَاضَةِ الْحَيَاةِ طُرَّةً وَسِكَّةً مِنْ تَجَلِّي الْأَحَدِيَّةِ؛ تَظْهَرُ بِخُصُوصِيَّةٍ لَوِ اجْتَمَعَ الْأَسْبَابُ بِفَرْضِ الْاِقْتِدارِ وَالْاِخْتِيَارِ لَهَا عَلَى أَنْ يُقَلِّدُوا وَيَأْتُوا بِمِثْلِهَا لَمْ يَفْعَلُوا, وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ( ) ظَهِيراً * فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُسْنِدْ تمَاثِيلُ الشَّمْسِ الْمُتَلَأْلِئَةِ فِي الْقَطَرَاتِ إِلَى تَجَلِّي الشَّمْسِ؛ يَلْزَمُ عَلَيْكَ أَنْ تَقْبَلَ شُمَيْسَةً حَقِيقِيَّةً وَبِالْأَصَالَةِ فِي كُلِّ قَطْرَةٍ قَابَلَتْهَا الشَّمْسُ, وَفِي كُلِّ زُجَاجَةٍ أَضَاءَتْهَا( ) الشَّمْسُ، بَلْ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ شَفَّافَةٍ تَشَمَّسَتْ؛ وَمَا هَذَا الْفَرْضُ إِلاَّ بَلاهَةٌ مِنْ أَعْجَبِ الْبَلَاهَاتِ * كَذَلِكَ إِنَّكَ لَوْ لَمْ تُسْنِدْ كُلَّ حَيٍّ وَحَيَاةٍ وَإِحْيَاءٍ بِوَاسِطَةِ تَجَلِّي الْأَحَدِيَّةِ الْجَامِعَةِ, وَبِوَاسِطَةِ كَوْنِ الْحَيَاةِ نُقْطَةً مَرْكَزِيَّةً لِتَجَلِّي الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ أَشِعَّةُ شَمْسِ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ؛ لَزِمَ عَلَيْكَ أَنْ تَقْبَلَ فِي كُلِّ ذِي حَيَاةٍ (وَلَوْ ذُبَابَةً أَوْ زَهْرَةً) قُدْرَةً فَاطِرَةً بِلَا نِهَايَةٍ, وَعِلْماً مُحِيطاً وَإِرَادَةً مُطْلَقَةً * وَكَذا صِفَاتٍ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا إِلاَّ فِي الْوَاجِبِ الوُجُودِ * حَتَّى تَضْطَرُّ أَنْ تُعْطِيَ لُكِلِّ ذَرَّةٍ أُلُوهِيَّةً مُطْلَقَةً إِنْ أَسْنَدْتَ الشَّيْءَ إِلَى نَفْسِهِ, أَوْ تَقْبَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ أُلُوهِيَّةً مُطْلَقَةً إِنْ أَسْنَدْتَ الشَّيْءَ إِلَى الْأَسْبَابِ, وَتَقْبَلَ شُرَكَاءَ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي شَأْنُهَا الْاِسْتِقْلالِيَّةُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الشَّرِكَةَ أَصْلاً * إِذْ أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ ـ’لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْبَذْرَةِ وَالْنُّوَاةِ’ـ لَهَا وَضْعِيَّةٌ مُنْتَظِمَةٌ عَجِيبَةٌ, وَلَهَا مُنَاسَبَةٌ مَعَ أَجْزَاءِ الْحَيِّ( ) الَّذِي هِيَ جُزْءٌ مِنْهُ * بَلْ لَهَا مُنَاسَبَاتٌ مَعَ نَوْعِهِ بَلْ مَعَ الْمَوْجُودَاتِ * وَلَهَا وَظَائِفُ فِي نِسَبِهَا كَالنَّفَرِ فِي الدَّوَائِرِ الْعَسْكَرِيَّةِ * فَلَوْ قَطَعْتَ نِسْبَةَ الذَّرَّةِ عَنِ الْقَدِيرِ المُطْلَقِ؛ لَزِمَكَ أَنْ تَقْبَلَ فِي الذَّرَّةِ عَيْناً تَرَى كُلَّ شَيْءٍ وَشُعُوراً يُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ * اَلْحَاصِلُ: كَمَا أَنَّـهُ لَوْ لَمْ تُسْنِدِ الشُّمَيْسَاتِ الْمَشْهُودَةَ فِي الْقَطَرَاتِ إِلَى جَلْوَةِ الشَّمْسِ فِي ضِيَائِهَا؛ لَزِمَكَ قَبُولُ شُمُوسٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ فِي أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ تَضِيقُ عَنْ نُجَيْمَةِ الذُّبَيْبَةِ الَّتِي تَطِيرُ فِي اللَّيْلِ * كَذَلِكَ، لَوْ لَمْ تُسْنِدْ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ الذَّرَّاتُ وَالشُّمُوسُ, وَالْجُزْءُ وَالكُلُّ, وَالْجُزْئِيُّ وَالْكُلِّيُّ, وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ؛ لَزِمَكَ قَبُولُ آلِهَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، وَسَقَطْتَ فِي بَلاهَةٍ مِنْ أَشْنَعِ الْبَلاهاتِ * اَللَّمْعَةُ الرَّابِعَةُ: فَكَمَا أَنَّ الْكِتَابَ لَوْ كَانَ مَكْتُوباً يَكْفِي لَهُ قَلَمٌ وَاحِدٌ لِوَاحِدٍ * وَلَوْ كَانَ مَطْبُوعاً يَلْزَمُ لِطَبْعِهِ أَقْلامٌ بِعَدَدِ حُرُوفِهِ عَلَى شَكْلِ حُرُوفِهِ, وَاشْتِرَاكُ كَثِيرِينَ لِتَصْنِيعِ تِلْكَ الْأَقْلَامِ، أَيْ الْحُرُوفِ الْحَدِيدِيَّةِ * وَلَوْ كُتِبَ بِخَطٍّ دَقِيقٍ أَكْثَرُ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ (كَمَا قَدْ تُكْتَبُ سُورَةُ يسﹶ فِي كَلِمَةِ يسﹶ) فَحِينَئِذٍ لا بُدَّ لِطَبْعِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ أَقْلَامٌ حَدِيدَةٌ بِعَدَدِ حُرُوفِ أَكْثَرِ الْكِتَابِ * كَذَلِكَ، هَذِهِ الْكَائِنَاتُ إِذَا قُلْتَ أَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِقَلَمِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ سَلَكْتَ طَرِيقاً سَهْلاً مَعْقُولاً فِي نِهَايَةِ السُّهُولَةِ بِدَرَجَةِ الْوُجُوبِ * وَإِذَا أَسْنَدْتَهَا إِلَى الطَّبِيعَةِ وَإِلَى الْأَسْبَابِ سَلَكْتَ طَرِيقاً فِي نِهَايَةِ الصُّعُوبَةِ بِدَرَجَةِ الْامْتِنَاعِ وَفِي نِهَايَةِ عَدَمِ الْمَعْقُولِيَّةِ بِدَرَجَةِ الْمُحَالِيَّةِ * لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الطَّبِيعَةِ أَنْ تُحْضِرَ لِطَبْعِ كُلِّ حَيٍّ كُلَّ مَا يَلْزَمُ لِأَكْثَرِ الْكَائِنَاتِ؛ فَهَذِهِ مِنَ الْخُرَافَاتِ الَّتِي تَمُجُّهَا الْأَوْهَامُ * بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ إِمَّا مَلايِينُ مَطْبَعَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ وَمَاكِينَاتٍ مُسْتَتِرَةٍ فِيهِ, حَتَّى بِعَدَدِ الْأَزْهَارِ وَالْأَثْمَارِ؛ لِيُمْكِنَ تَشَكُّلُ هَاتِيكَ الْأَزَاهِيرِ وَالثَّمَرَاتِ( ) الْمُتَخَالِفَةِ الْجِهَازَاتِ وَالْمَاهِيَاتِ * وَإِمَّا فَرْضُ وُجُودِ قُدْرَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى تَصْنِيعِ جَمِيعِ النَّبَاتَاتِ, وَوُجُودِ عِلْمٍ بِلَا نِهَايَةٍ مُحِيطٍ بِتَفَاصِيلِ جَمِيعِ خَوَاصِّ جَمِيعِ الْأَشْجَارِ الْمُتَزَهِّرَاتِ( ) وَجِهَازَاتِهَا وَمَوَازِينِهَا فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنَ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ * إِذْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ مَنْشَئاً لِتَشَكُّلِ كُلِّ النَّبَاتَاتِ أَوْ أَكْثَرِهَا * فَافْرُضْ قَصْعَةَ تُرَابٍ, ثُمَّ افْرُضْ دُخُولَ كُلِّ بَذْرٍ وَنُوَاةٍ فِيهَا عَلَى التَّعَاقُبِ, ثُمَّ أَفْرِغِ الْقَصْعَةَ وَامْلَأْهَا مِنْ صُبْرَةِ التُّرَابِ حَتَّى تَكِيلَ كُلَّ التُّرَابِ؛ تَرَى النَّتِيجَةَ وَاحِدَةً * عَلَى أَنَّ الْمَشْهُودَ يَكْفِيكَ؛ إِذْ تُشَاهِدُ فِي سَيْرِكَ فِي الْأَرْضِ مَنْشَئِيَّةَ أَكْثَرِ أَجْزَاءِ التُّرَابِ لِأَكْثَرِ النَّبَاتَاتِ, مَعَ أَنَّ تَشَكُّلَ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ النَّبَاتَاتِ الْمُزَهِّرَةِ وَالْمُثَمِّرَةِ مُخَالِفٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا * وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَهُ مِنَ الْانْتِظَامِ وَالْإِتِّزَانِ وَالْاِمْتِيَازِ طَرْزٌ خَاصٌّ وَخُصُوصِيَّةٌ تَسْتَلْزِمُ جِهَازَاتٍ مَخْصُوصَةً وَمَاكِينَةً خَاصَّةً وَمَطْبَعَةً تَخُصُّهُ؛ بَلْ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ كُلِّ جِهَازَاتِ تَشَكُّلِ تَمَامِ الشَّجَرَةِ وَالنَّبَاتِ فِي كُلِّ نُوَاتِهِ وَبَذْرِهِ, مَعَ بَسَاطَةِ الْبُذُورِ وَالنَّوَاتَاتِ وَتَشَابُهِهَا * فَيَلْزَمُ عَلَى الطَّبِيعَةِ أَنْ تُحْضِرَ مَعْنًى جِهَازَاتِ تَشَكُّلِ كُلِّ الْأَشْيَاءِ وَمَاكِينَاتِهَا الْمَعْنَوِيَّةَ وَأَسْبَابَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ شَيْءٍ * فَهَذِهِ سَفْسَطَةٌ يَتَنَفَّرُ مِنْهَا السُّوفِسْطَائِيُّ أَيْضاً, وَخُرَافَةٌ يَخْجَلُ مِنْهَا مَنْ يُضْحِكُ النَّاسَ بِنَقْلِ الْخُرَافَاتِ أَيْضاً * اَللَّمْعَةُ الْخَامِسَةُ: اُنْظُرْ كَمَا أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ كِتَابٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمِقْدَارِ حَرْفٍ وَبِوَجْهٍ وَاحِدٍ * لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى كَاتِبِهِ بِوُجُوهٍ, وَيُعَرِّفُ نَقَّاشَهُ بِمِقْدَارِ سَطْرٍ؛ كَذَلِكَ كُلُّ حَرْفٍ مُجَسَّمٍ مِنْ كِتَابِ الْكَائِنَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمِقْدَارِ جِرْمِهِ, وَيُظْهِرُ ذَاتَهُ بِمِقْدَارِ صُورَتِهِ * لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى صَانِعِهِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ, إِفْرَاداً وَتَرْكِيباً بِدُخُولِهِ فِي الْمُرَكَّبَاتِ * وَيُظْهِرُ أَسْمَاءَ صَانِعِهِ وَيَنْشُدُ فِي بَيَانِهَا بِمِقْدَارِ قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ * فَعَلَى هَذَا: لَوْ تَحَمَّقَ أَحَدٌّ كَالْهَبَنَّقَةِ, فَأَنْكَرَ نَفْسَهُ وَأَنْكَرَ الْكَائِنَاتِ؛ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَتَجَاسَرَ بِإِظْهَارِ نِهَايَةِ الْبَلاهَةِ عَلَى إِنْكَارِ الصَّانِعِ’* اَللَّمْعَةُ السَّادِسَةُ: اُنْظُرْ كَمَا أَنَّ الصَّانِعَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جُزْئِيٍّ جُزْئِيٍّ خَاتَمَهُ الْخَاصَّ, وَضَرَبَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ سِكَّتَهُ الْمَخْصُوصَةَ كَمَا مَرَّ؛ كَذَلِكَ وَضَعَ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ نَوْعٍ وَعَلَى كُلِّ كُلٍّ كُلٍّ خَاتَمَهُ الْخَاصَّ, وَخَتَمَ أَقْطَارَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَاتَمِ الْوَاحِدِيَّةِ, وَضَرَبَ عَلَى مَجْمُوعِ الْعَالَمِ سِكَّةَ الْأَحَدِيَّةِ بِصُورَةٍ جَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ * فَانْظُرْ إِلَى خَاتَمِهِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ آَيَةُ: {ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ} * إِذْ فِي كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ حَشْرٌ عَجِيبٌ وَنَشْرٌ غَرِيبٌ؛ يُحْشَرُ فِي إِحْيَائِهَا أَزْيَدُ مِنْ ثَلاثِمِائَةِ آلَافِ نَوْعٍ, تُسَاوِي أَفْرَادُ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ فِي السَّنَةِ مَجْمُوعَ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا * لَكِنْ لِحِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ لاَ تُعَادُ فِي الْأَكْثَرِ بِأَعْيَانِهَا, بَلْ بِأَمْثَالِهَا بِمِثْلِيَّةٍ كَالْعَيْنِيَّةِ * وَكَيْفَ كَانَ فَلَا بَأْسَ فِي دَلالَتِهَا عَلَى سُهُولَةِ حَشْرِ الْبَشَرِ, وَفِي كَوْنِهَا أَمْثِلَةَ النَّشْرِ وَإِشَارَاتِ الْحَشْرِ * فَإِحْيَاءُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ الْكَثِيرَةِ الْمُخْتَلِطَةِ الْمُشْتَبِكَةِ فِي نِهَايَةِ الْإِخْتِلاطِ وَالْاِشْتِبَاكِ بِنِهَايَةِ الْاِمْتِيَازِ, وَإِعَادَتُهَا فِي كَمَالِ التَّمْيِيزِ( ) بِلَا خَطَأٍ وَلاَ خَلْطٍ, بِلاَ غَلَطٍ وَلاَ سَقَطٍ؛ خَاتَمٌ خَاصٌّ بِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ بِلاَ نِهَايَةٍ وَعِلْمٌ مُحِيطٌ * وَكَذَا: كِتَابَةُ ثَلاثِمِائَةِ آلَافِ كُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ, بَلْ أَزْيَدَ فِي صَحِيفَةِ سَطْحِ الْأَرْضِ مُخْتَلِطَةً, لَكِنْ فِي نِهَايَةِ الْانْتِظَامِ بِلَا سَهْوٍ وَلاَ مَزْجٍ, وَمُشْتَبِكَةً لَكِنْ فِي نِهَايَةِ الْاِنْتِظَامِ بِلاَ نَقْصٍ وَلاَ بَخْسٍ, وَمُمْتَزِجَةً لَكِنْ فِي نِهَايَةِ التَّمْيِيزِ وَالتَّشْخِيصِ بِلاَ قُصُورٍ وَلاَ فُطُورٍ؛ سِكَّةٌ خَاصَّةٌ بِمَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ * وَبِيَدِهِ مَقَالِيدُ كُلِّ شَيْءٍ * وَلاَ يُشْغِلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ * فَيَا مَنْ يَسْتَبْعِدُ الْحَشْرَ مُسْتَنْكِراً لَهُ! اُنْظُرْ كَيْفَ تَرَى فِي كَيْفِيَّةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ مِائَةَ آلاَفِ أَمْثِلَتِهِ وَإِشَارَاتِهِ فِي سِتَّةِ أُسْبُوعٍ * فَمَثَلُكَ فِي اِسْتِبْعَادِكَ الْإِنْكَارِيِّ كَمَثَلِ مَنْ يَرَى ذَاتاً ذَا مُعْجِزَاتٍ يَكْتُبُ فِي آنٍ وَاحِدٍ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ كُتُباً كَثِيرَةً مُنْدَرِسَةً بَقَتْ فِي حَافِظَتِهِ, أَوْ يُؤَلِّفُهَا جَدِيدَةً أَمْثَالَ الْمُنْدَرِسَةِ * فَقِيلَ لَهُ: سَيَكْتُبُ هَذَا الْكَاتِبُ كِتَابَكَ الَّذِي هُوَ أَلَّفَهُ (فَمَحَاهُ الْمَاءُ) فِي صَحِيفَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ * فَقَالَ: كَلاَّ! كَيْفَ يُمْكِنُ كِتَابَةُ كُلِّ مَا إنْدَرَسَ مِنْ حُرُوفَاتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟! فَقَاسَ الكَاتِبَ الْحَفِيظَ الْقَدِيرَ ذَا الْإِعْجَازِ عَلَى نَفْسِهِ الْجَاهِلَةِ الْعَاجِزَةِ * وَمَنْ يَقُولُ لِمَنْ يَرْفَعُ الْجِبَالَ بِالْإِشَارَةِ لِإِظْهَارِ عَظَمَتِهِ وَسَلْطَنَتِهِ, هُوَ لَا يَرْفَعُ هَذِهِ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي سَدَّتِ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسَافِرِينَ الَّذِينَ دَعَاهُمْ إِلَى بُسْتَانِ نِعَمِهِ؛ مَا هُوَ إِلاَّ مَجْنُونٌ أَبْلَهُ * نَعَمْ, لِلرُّبُوبِيَّةِ فِي هَذَا( ) التَّصَرُّفِ الْعَظِيمِ الرَّبِيعِيِّ خَاتَمٌ عَالٍ عَظِيمٌ دَقِيقُ النَّقْشِ: هُوَ الْإِتْقَانُ الْمُطْلَقُ فِي الْانْتِظَامِ الْمُطْلَقِ, فِي الْجُودِ الْمُطْلَقِ, فِي الوُسْعَةِ الْمُطْلَقَةِ, فِي السُّرْعَةِ الْمُطْلَقَةِ, فِي السُّهُولَةِ الْمُطْلَقَةِ, فِي الْاِمْتِيَازِ الْمُطْلَقِ مَعَ الْاِشْتِبَاكِ الْمُطْلَقِ * فَهَذَا الْخَاتَمُ يَخْتَصُّ بِمَنْ لاَ يَمْنَعُهُ فِعْلٌ عَنْ فِعْلٍ, وَلاَ يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ, وَلا يَثْقُلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ * نَعَمْ نُشَاهِدُ فِي الرَّبِيعِ فِي وَجْهِ الْأَرْضِ فَعَّالِيَّةً حَكِيمَةً بَصِيرَةً كَرِيمَةً, وَصَنْعَةً خَارِقَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ مَكَانٍ, وَبِطَرْزٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ فَرْدٍ, وَبِإِتْقَانٍ مُمْتَازٍ فِي جُودٍ مُطْلَقٍ بِانْتِظَامٍ مُكَمَّلٍ؛ فِي سُرْعَةٍ مُطْلَقَةٍ بِإِبْرَازِ خَوَارِقَ مُنْتَظِمَةٍ, فِي سُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ, فِي وُسْعَةٍ مُطْلَقَةٍ * فَمَا هَذِهِ الفَعَّالِيَّةُ إِلاَّ هُوَ خَاتَمُ مَنْ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَكَانٍ, هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَاضِرٌ نَاظِرٌ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ, لا يَؤُودُهُ شَيْءٌ وَلاَ يَسْتَعِينُ بِشَيْءٍ * اَللَّمْعَةُ السَّابِعَةُ: اُنْظُرْ, فَكَمَا يُشَاهَدُ عَلَى صَحِيفَةِ الْأَرْضِ, وَيُتَرَاءَى عَلَى أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَاتَمُ الْأَحَدِ الصَّمَدِ؛ كَذَلِكَ يُشَاهَدُ عَلَى مَجْمُوعِ الْعَالَمِ خَاتَمُ التَّوْحِيدِ وَاضِحُ النَّقْشِ بِدَرَجَةِ كِبَرِهِ * إِذْ هَذَا الْعَالَمُ كَالْقَصْرِ الْمُحْتَشَمِ, كَالفَابْرِيقَةِ الْمُنْتَظَمَةِ, كَالْبَلَدِ الْمُكَمَّلِ؛ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَائِهِ كَأَجْزَائِهَا وَأَفْرَادِهَا مُعَاوَنَةٌ( ) حَكِيمَةٌ وَمُجَاوَبَةٌ كَرِيمَةٌ * إِذْ يَسْرَعُ بَعْضُ الْأَجْزَاءِ لِمُعَاوَنَةِ بَعْضٍ فِي الطُّرُقِ الطَّوِيلَةِ الْمُعَوَّجَّةِ بِلَا انْحِرَافٍ وَبِاِنْتِظَامٍ, وَفِي وَقْتِ الْحَاجَةِ, وَمِنْ حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ * فَانْظُرْ تَرَهَا قَدْ مَدَّ بَعْضٌ يَدَ الْمُعَاوَنَةِ لِحَاجَةِ بَعْضٍ؛ وَفِي هَذَا التَّعَاوُنِ تَجَاوُبٌ بِـ >لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ!< بِأَلْسِنَةِ الْأَحْوَالِ لِأَسْئِلَةِ الْأَغْيَارِ وَالْأَمْثَالِ, قَدْ أَخَذَ بَعْضٌ يَدَ بَعْضٍ فَيَسْعَوْنَ وَيَعْمَلُونَ بِالْاِنْتِظَامِ يَداً فِي يَدٍ * وَيَخْدِمُونَ ذَوِي الْحَيَاةِ رَأْساً مَعَ رَأْسٍ * وَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى غَايَةٍ, وَيُطِيعُونَ مُدَبِّراً وَاحِداً كَتِفاً بِكَتِفٍ * فَانْظُرْ إِلَى دُسْتُورِ التَّعَاوُنِ كَيْفَ يَجْرِي مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ, إِلَى سَعْيِ النَّبَاتَاتِ( ) لِإِمْدَادِ الْحَيَوَانَاتِ بِحَمْلِ أَرْزَاقِهَا وَأَخْذِهَا مِنْ خَزِينَةِ الرَّحْمَةِ * ثُمَّ إِمْدَادِ الْحَيَوَانَاتِ لِلْبَشَرِ لِلْخِدْمَةِ, حَتَّى النَّحْلُ وَالدُّودُ يَأْخُذَانِ الْعَسَلَ وَالْحَرِيرَ مِنْ خَزِينَةِ الرَّحْمَنِ وَيُوصِلَانِهِمَا إِلَى الْإِنْسَانِ * ثُمَّ إِمْدَادِ الذَّرَّاتِ الْغِذَائِيَّةِ لِلثَّمَرَاتِ مَعَ تَخَالُفِ أَغْذِيَتِهَا, وَإِمْدَادِ الْمَوَادِّ الطَّعَامِيَّةِ لِتَغْذِيَةِ حُجَيْرَاتِ الْبَدَنِ بِكَمَالِ الْانْتِظَامِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ * فَمَظْهَرِيَّةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَاسِيَّمَا الْجَامِدَةِ لِهَذَا التَّعَاوُنِ الْحَكِيمِ الْمُنْتَظِمِ الْكَرِيمِ الْمُكَمَّلِ؛ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَبُرْهَانٌ سَاطِعٌ عَلَى أَنَّهَا خُدَّامُ مُرَبٍّ حَكِيمٍ * وَعَمَلَةُ مُدَبِّرٍ كَرِيمٍ، يَتَحَرَّكُونَ بِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ وَقُوَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ * اَللَّمْعَةُ الثَّامِنَةُ: اُنْظُرْ أَنَّ مَا يُشَاهَدُ مِنَ الرِّزْقِ الْمُوَزَّعِ عَلَى الْمُرْتَزِقِينَ عَلَى قَدَرِ حَاجَاتِهِمْ بِطَرْزٍ يُنَاسِبُ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ * وَهَذَا الرِّزْقُ الْعَامُّ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الْمَشْهُودَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّوَدُّدِ وَالتَّعَرُّفِ, وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ فِي هَذِهِ الْعِنَايَةِ التَّامَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّلْطِيفِ وَالْإِكْرَامِ, وَهَذِهِ الْعِنَايَةُ الْمَشْهُودَةُ فِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْعَامَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقَصْدِ وَالْعِلْمِ وَالشُّعُورِ, وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ الْمَشْهُودَةُ فِي هَذَا الْإِنْتِظَامِ الْمَشْهُودِ, وَهَذَا الْاِنْتِظَامُ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْمُسَخَّرِيَّةِ الْمَشْهُودَةِ, وَهَذِهِ الْمُسَخَّرِيَّةُ فِي ضِمْنِ هَذَا التَّعَانُقِ مَعَ التَّجَاوُبِ, وَفِي ضِمْنِ هَذَا التَّسَانُدِ مَعَ التَّعَاوُنِ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ؛ خَاتَمٌ خَاصٌّ بِمَنْ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ * وَمُرَبِّي كُلِّ شَيْءٍ * وَمُدَبِّرُ كُلِّ شَيْءٍ * وَسِكَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَنِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ {ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ}, { ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ} * اَللَّمْعَةُ التَّاسِعَةُ: فَكَمَا رَأَيْتَ خَاتَمَ الْأَحَدِيَّةِ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ وَعَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى الْعَالَمِ؛ فَانْظُرْ تَرَى ذَلِكَ الْخَاتَمَ عَلَى الْأَنْوَاعِ الْمَنْشُورَةِ وَعَلَى الْعَنَاصِرِ الْمُحِيطَةِ * فَكَمَا أَنَّ زَرْعَ بَذْرٍ فِي مَزْرَعَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَزْرَعَةَ فِي تَصَرُّفِ صَاحِبِ الْبَذْرِ, وَأَنَّ الْبَذْرَ لِمُتَصَرِّفِ الْمَزْرَعَةِ * يَشْهَدُ هَذَا لِذَاكَ, وَذَاكَ لِهَذَا * كَذَلِكَ؛ أَنَّ هَذِهِ الْعَنَاصِرَ الَّتِي هِيَ مَزْرَعَةُ الْمَصْنُوعَاتِ بِلِسَانِ وَاحِدِيَّتِهَا وَبَسَاطَتِهَا فِي كُلِّيَّتِهَا, وَإِحَاطَتِهَا بِطَرْزٍ مُتَعَيَّنٍ بِعِلْمٍ, وَبِصُورَةٍ مُحْكَمَةٍ بِحِكْمَةٍ؛ وَأَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي هِيَ ثَمَرَاتُ الرَّحْمَةِ وَمُعْجِزَاتُ الْقُدْرَةِ وَكَلِمَاتُ الْحِكْمَةِ بِلِسَانِ اِنْتِشَارِهَا الْحَكِيمِ مَعَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَشْخَاصِ, وَبِلِسَانِ تَوَطُّنِهَا فِي الْأَطْرَافِ الْمُتَبَاعِدَةِ بِتَوْزِيعٍ عَجِيبٍ حَكِيمٍ مَعَ الْمُشَابَهَةِ فِي الْأَفْرَادِ؛ تَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ الْمُحِيطَ وَالْمُحَاطَ وَالْمَزَارِعَ وَالْبُذُورَ فِي قَبْضَةِ تَصَرُّفِ صَانِعٍ وَاحِدٍ’* فَكُلُّ نَوْعٍ نَوْعٍ وَكُلُّ عُنْصُرٍ عُنْصُرٍ يَشْهَدُ لِكُلٍّ وَلِلْكُلِّ: بِأَنَّكُمْ مَالُ مَنْ, أَنَا مَالُهُ * فَيَصِيرُ كُلُّ زَهْرَةٍ وَكُلُّ ثَمَرَةٍ وَكُلُّ حَيَوَانٍ وَحُوَيْنَةٍ سِكَّةً نَاطِقَةً وَخَاتَمَاً مُتَكَلِّماً( ) وَطُرَّةً مُتَلَفِّظَةً بِلِسَانِ اِنْتِظَامِ الْحَالِ وَحِكْمَةِ الْمَآلِ: بِأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ مُلْكُ مَنْ أَنَا مُلْكُهُ * وَصُنْعُ مَنْ أَنَا صُنْعُهُ * وَمَكْتُوبُ مَنْ أَنَا حَرْفُهُ * وَنَسْجُ مَنْ أَنَا نَقْشُهُ * فَعَلَى هَذَا، فَكَمَا أَنَّ التَّصَرُّفَ الْحَقِيقِيَّ فِي أَدْنَى مَخْلُوقٍ, وَالرُّبُوبِيَّةَ عَلَى أَضْعَفِ مَوْجُودٍ يَخْتَصَّانِ بِمَنْ دَخَلَ فِي قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ جَمِيعُ الْعَنَاصِرِ * كَذَلِكَ أَنَّ تَدْبِيرَ أَيِّ عُنْصُرٍ كَانَ وَتَدْوِيرَهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ يُرَبِّي جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَيُدَبِّرُهَا, وَيَأْخُذُهَا( ) فِي قَبْضَةِ رُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ * فَهَذَا خَاتَمُ تَوْحِيدٍ يُبْصِرُهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهِ غَيْنٌ وَعَلَى قَلْبِهِ رَيْنٌ * أَيُّهَا الْمُتَفَرْعِنُ! جَرِّبْ نَفْسَكَ هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَمْلِكَ شَيْئاً مِنَ الْكَوْنِ! فَاذْهَبْ وَاسْتَمِعْ مَا يَقُولُ كُلُّ فَرْدٍ جُزْئِيٍّ، إِذْ يَقُولُ بِلِسَانِ الْمِثْلِيَّةِ: مَنْ تَمَلَّكَ مَجْمُوعَ نَوْعِي, يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ التَّمَلُّكَ عَلَيَّ وَإِلاَّ فَلاَ * ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى النَّوْعِ تَرَ كُلَّ نَوْعٍ يَقُولُ بِلِسَانِ الْاِنْتِشَارِ: مَنْ تَمَلَّكَ الْأَرْضَ ظَهْراً وَبَطْناً، يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ التَّمَلُّكَ عَلَيَّ وَإِلاَّ فَلاَ * ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى الْأَرْضِ تَرَهَا تَقُولُ بِلِسَانِ التَّسَانُدِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُخْتِهَا السَّمَاءِ: مَنْ تَمَلَّكَ مَجْمُوعَ الْكَائِنَاتِ يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ التَّمَلُّكَ عَلَيَّ وِإلاَّ فَلاَ! * اَللَّمْعَةُ الْعَاشِرَةُ: فَإِذَا رَأَيْتَ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ خَوَاتِمِ التَّوْحِيدِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْجُزْءِ وَالْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّ وَالْكُلِّيِّ وَكُلِّ الْعَالَمِ, وَعَلَى الْحَيَاةِ وَذِي الْحَيَاةِ وَالْإِحْيَاءِ؛ فَانْظُرْ إِلَى سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا لَا تُعَدُّ مِنْ سِكَّاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْأَنْوَاعِ وَالْكُلِّيَّاتِ! نَعَمْ كَمَا أَنَّ كَمِيَّةَ كُلْفَةِ تَرْبِيَةِ الشَّجَرَةِ الْمُثَمَّرَةِ تُسَاوِي كُلْفَةَ ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي السُّهُولَةِ؛ لِوَحْدَةِ التَّرْبِيَةِ وَاتِّحَادِ التَّدْبِيرِ * إِذْ لِاِتِّحَادِ الْمَرْكَزِ وَوَحْدَةِ الْقَانُونِ وَوَحْدَانِيَّةِ التَّرْبِيَةِ تَخَفَّفَتِ الْكُلْفَةُ وَالْمَشَقَّةُ وَالْمَصْرَفُ, وَتَسَهَّلَتْ بِدَرَجَةٍ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ذَاتِ الثَّمَرَاتِ الْغَيْرِ الْمَعْدُودَةِ( ) وَهِيَ فِي يَدِ الْوَحْدَةِ؛ وَبَيْنَ الثَّمَرَةِ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ فِي يَدِ الْكَثْرَةِ * فَالشَّرِكَةُ وَالكَثْرَةُ وَتَعَدُّدُ الْمَرْكَزِ تَحْتَاجُ لِتَرْبِيَةِ ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ تَمَامُ الشَّجَرَةِ بِأَثْمَارِهَا, مِنْ جِهَةِ كَمِيَّةِ الْجِهَازَاتِ * وَلاَ فَرْقَ إِلاَّ فِي الْكَيْفِيَّةِ؛ كَمَا أَنَّ كُلَّ الْفَابْرِيقَاتِ وَالْمَاكِينَاتِ الَّتِي تَعْمَلُ لِاِسْتِحْصَالِ الْجِهَازَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ لِلْجَيْشِ الْعَظِيمِ, تَلْزَمُ بِتَمَامِهَا لِتَجْهِيزَاتِ نَفَرٍ وَاحِدٍ؛ وَالْفَرْقُ فِي الْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ * وَكَمَا أَنَّ أُجْرَةَ طَبْعِ أُلُوفِ نُسْخَةٍ( ) فِي الْمَطْبَعَةِ الَّتِي طَبَعَتْ كِتَابَكَ, تُسَاوِي بَلْ أَقَلَّ مِنَ الْأُجْرَةِ الَّتِي أَعْطَيْتَهَا لِطَبْعِ نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ * وَإِذَا تَرَكْتَ الْمَطْبَعَةَ الْوَاحِدَةَ وَذَهَبْتَ إِلَى الْكَثْرَةِ إضْطَرَرْتَ إِلَى إِعْطَاءِ أُلُوفِ أُجْرَةٍ * اَلْحَاصِلُ: إِذَا تَرَكْتَ إِسْنَادَ الْكَثْرَةِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ إِلَى الْوَاحِدِ؛ فَمَعَ أَنَّكَ تَضْطَرُّ لِإِسْنَادِ شَيْءٍ وَاحِدٍ إِلَى الْكَثْرَةِ الْغَيْرِ الْمَعْدُودَةِ, تَتَزَايَدُ الْكُلْفَةُ بِعَدَدِ الْأَفْرَادِ * فَمَا يُشَاهَدُ فِي إِنْشَاءِ كُلِّ نَوْعٍ مُنْتَشِرٍ مِنَ السُّهُولَةِ الْخَارِقَةِ؛ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ يُسْرِ الْوَحْدَةِ وَالتَّوْحِيدِ * اَللَّمْعَةُ الْحَادِيَةُ عَشَرَ: كَمَا أَنَّ تَوَافُقَ كُلِّ أَفْرَادِ النَّوْعِ وَتَشَابُهَ كُلِّ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَسَاسِيَّةِ؛ يَدُلاَّنِ عَلَى اِتِّحَادِ السِّكَّةِ وَوَحْدَةِ الْقَلَمِ, الشَّاهِدَانِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمُتَوَافِقَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ صُنْعُ وَاحِدٍ’* كَذَلِكَ: هَذِهِ السُّهُولَةُ الْمُطْلَقَةُ الْمَشْهُودَةُ وَخِفَّةُ الْكُلْفَةِ؛ تَسْتَلْزِمَانِ بِدَرَجَةِ الْوُجُوبِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ آثَارَ صَانِعٍ وَاحِدٍ * وَإِلاَّ لَذَهَبَتِ الصُّعُوبَةُ الصَّاعِدَةُ إِلَى دَرَجَةِ الْاِمْتِنَاعِ بِذَلِكَ الْجِنْسِ وَبِذَلِكَ النَّوْعِ إِلَى الْعَدَمِ * فَكَمَا يَمْتَنِعُ شَرِيكُ ذَاتِهِ سُبْحَانَهُ؛ وَإِلاَّ لَفَسَدَ الْعَالَمُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْانْتِظَامِ * كَذَلِكَ، يَمْتَنِعُ شَرِيكُهُ فِي فِعْلِهِ؛ وَإِلاَّ لَانْعَدَمَ الْعَالَمُ وَلَمْ يُوجَدْ * اَللَّمْعَةُ الثَّانِيَةُ عَشَرَ: اُنْظُرْ كَمَا أَنَّ الْحَيَاةَ بُرْهَانُ الْأَحَدِيَّةِ وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْوُجُودِ, كَذَلِكَ إِنَّ الْمَوْتَ( ) بُرْهَانُ الْوَاحِدِيَّةِ وَالْبَقَاءِ * إِذْ كَمَا أَنَّ ظُهُورَ قَطَرَاتِ النَّهْرِ الْجَارِي, وَحَبَابَاتِ الْبَحْرِ الْمُتَمَوِّجِ, وَشَفَّافَاتِ وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُتَجَدِّدَةِ؛ شَاهِدَاتٌ عَلَى الشَّمْسِ بِإِرَاءَةِ تَمَاثِيلِهَا وَضِيَائِهَا’* وَإِنَّ زَوَالَ تِلْكَ الْقَطَرَاتِ وَالْحَبَابَاتِ وَالشَّفَّافَاتِ وَغُرُوبَهَا وَأُفُولَهَا وَفَنَاءَهَا وَمَوْتَهَا مَعَ اسْتِمْرَارِ تَجَلِّي الضِّيَاءِ عَلَى أَمْثَالِهَا الْآتِيَةِ عَقِيبَهَا, وَدَوَامَ جَلَوَاتِ التَّمَاثِيلِ عَلَى كُلِّ قَافِلَةٍ سَيَّارَةٍ خَلْفَهَا؛ شَاهِدَاتٌ عَلَى بَقَاءِ الشَّمْسِ فِي تَجَلِّيَاتِهَا, وَدَوَامِ الضِّيَاءِ فِي جَلَوَاتِهَا * وَعَلَى أَنَّ كُلَّ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ وَالْأَشِعَّاتِ آثَارُ شَمْسٍ وَاحِدَةٍ؛ فَيُظْهِرُونَ وُجُودَهَا بِوُجُودِهِمْ، وَبَقَاءَهَا وَوَحْدَتَهَا بِعَدَمِهِمْ مَعَ اِنْعِدَامِ أَسْبَابِهِمُ الظَّاهِرِيَّةِ مَعَهُمْ’* كَذَلِكَ، هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ تَشْهَدُ بِوُجُودِهَا عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ, وَتَشْهَدُ بِزَوَالِهَا مَعَ أَسْبَابِهَا وَمَجِيءِ أَمْثَالِهَا عَقِيبَهَا عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَسَرْمَدِيَّتِهِ وَأَحَدِيَّتِهِ * إِذْ أَنَّ تَجَدُّدَ الْمَصْنُوعَاتِ الْجَمِيلَةِ, وَتَبَدُّلَ الْمَوْجُودَاتِ اللَّطِيفَةِ, وَغُرُوبَهَا فِي طُلُوعِ أَمْثَالِهَا, وَأُفُولَهَا فِي ظُهُورِ أَشْبَاهِهَا عِنْدَ اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَعِنْدَ تَحَوُّلِ الْفُصُولِ وَتَبَدُّلِ الْعُصُورِ؛ تَشْهَدُ شَهَادَةً قَاطِعَةً عَلَى وُجُودِ ذِي جَمَالٍ( ) مُجَرَّدٍ سَرْمَدِيٍّ عَالٍ دَائِمِ التَّجَلِّي, وَعَلَى بَقَائِهِ وَوَحْدَتِهِ * وَإِنَّ زَوَالَ الْأَسْبَابِ السُّفْلِيَّةِ مَعَ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْاِنْقِلابَاتِ السَّنَوِيَّةِ وَالْعَصْرِيَّةِ, ثُمَّ إِعَادَةَ أَمْثَالِ الْمُسَبَّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ يَشْهَدُ قَطْعاً عَلَى أَنَّ الْأَسْبَابَ كَالْمُسَبَّباتِ عَاجِزَةٌ مَصْنُوعَةٌ؛ قُورِنَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا لِحِكَمٍ دَقِيقَةٍ * بَلْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ اللَّطِيفَةِ السَّيَّالَةِ, وَهَاتِيكَ الْمَوْجُودَاتِ الْجَمِيلَةِ الْجَوَّالَةِ؛ إِنَّمَا هِيَ صَنْعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ لِلذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ ـ الَّذِي جَمِيعُ أَسْمَائِهِ قُدْسِيَّةٌ جَمِيلَةٌ ـ وَنُقُوشُهُ الْمُتَحَوِّلَةُ وَمَرَايَاهُ الْمُتَحَرِّكَةُ وَسِكَّاتُهُ الْمُتَعَاقِبَةُ وَخَوَاتِمُهُ الْمُتَبَدِّلَةُ * اَللَّمْعَةُ الثَّالِثَةُ عَشَرَ: اُنْظُرْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الذَّرَّاتِ إِلَى السَّيَّارَاتِ, وَمِنَ النُّفُوسِ إِلَى الشُّمُوسِ بِلِسَانِ عَجْزِهِ فِي ذَاتِهِ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ خَالِقِهِ, وَيَشْهَدُ بِلِسَانِ حَمْلِهِ مَعَ عَجْزِهِ وَظَائِفَ عَجِيبَةً فِي النِّظَامِ الْعُمُومِيِّ عَلَى وَحْدَةِ خَالِقِهِ * فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَاحِدٌ, وَفِي كُلِّ حَيٍّ لَهُ آيَتَانِ عَلَى أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ * وَلَقَدْ فَهِمْتُ مِنْ فَيْضِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ يَشْهَدُ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ بِقَرِيبٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ لِسَاناً, فَذَكَرْتُهَا إِجْمَالاً فِي رِسَالَةٍ عَرَبِيَّةٍ تُسَمَّى >قَطْرَةٌ<( ) فَإِنْ شِئْتَ فَرَاجِعْهَا * اَللَّمْعَةُ الرَّابِعَةُ عَشَرَ: اِعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ كَمَا تَشْهَدُ عَلَى وُجُوبِهِ وَوَحْدَتِهِ سُبْحَانَهُ؛ كَذَلِكَ تَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ أَوْصَافِهِ الْجَلالِيَّةِ وَالْجَمَالِيَّةِ وَالْكَمَالِيَّةِ * وَكَذَلِكَ تَشْهَدُ عَلَى كَمَالِ ذَاتِهِ, وَعَلَى أَنَّهُ لَا نَقْصَ وَلَا قُصُورَ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي شُؤُونِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ * إِذْ أَنَّ كَمَالَ الْأَثَرِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْفِعْلِ بِالْمُشَاهَدَةِ, وَكَمَالَ الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْاِسْمِ بِالْبَدَاهَةِ, وَكَمَالَ الْإسْمِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الصِّفَةِ بِالضَّرُورَةِ, وَكَمَالَ الصِّفَةِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الشَّأْنِ الذَّاتِيِّ بِالْحَدْسِ الْيَقِينِيِّ, وَكَمَالَ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الذَّاتِ بِحَقِّ الْيَقِينِ * فَكَمَا أَنَّ مُكَمَّلِيَّةَ نُقُوشِ تَزْيِينَاتِ قَصْرٍ بِلَا قُصُورٍ, تُظْهِرُ لَكَ مُكَمِّلِيَّةَ أَفْعَالِ الصَّانِعِ الْمُهَنْدِسِ, الْمُسْتَتِرَةُ تِلْكَ الأَفْعَالُ تَحْتَ النُّقُوشِ وَالْمُتَحَرِّكَةُ تَحْتَ التَّزْيِينَاتِ, وَمُكَمِّلَيَّةُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ تُصَرِّحُ لَكَ بِمُكَمِّلِيَّةِ أَسْمَاءِ ذَلِكَ الْفَاعِلِ، أَيْ >هُوَ صَانِعٌ مَاهِرٌ وَمُهَنْدِسٌ عَلِيمٌ وَنَقَّاشٌ حَكِيمٌ< وَهَكَذَا!. * وَمُكَمِّلِيَّةَ أَسْمَائِهِ تُفْصِحُ لَكَ عَنْ مُكَمَّلِيَّةِ صِفَاتِ الْمُسَمَّى، أَيْ >لَهُ عِلْمٌ وَحِكْمَةٌ وَصَنْعَةٌ وَهَنْدَسَةٌ< * وَمُكَمِّلِيَّةَ صِفَاتِهِ تَشْهَدُ عَلَى مُكَمَّلِيَّةِ شُؤُونِ ذَاتِهِ، أَيْ لَهُ >قَابِلِيَّةٌ فَائِقَةٌ وَاسْتِعْدَادٌ جَيِّدٌ< * وَمُكَمَّلِيَّةَ الشُّؤُونِ تَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ مُكَمَّلِيَّةِ ذَاتِ ذَلِكَ النَّقَّاشِ بِوَجْهٍ يَلِيقُ بِهِ وَيُنَاسِبُ مَقَامَهُ * كَذَلِكَ: أَنَّ مُكَمِّلِيَّةَ هَذِهِ الْآثَارِ الْمَشْهُودَةِ فِي هَذِهِ الْكَائِنَاتِ بِلَا قُصُورٍ وَلاَ فُطُورٍ، تَشْهَدُ بِالْمُشَاهَدَةِ الْحَدْسِيَّةِ عَلَى مُكَمَّلِيَّةِ أَفْعَالِهِ الْمُسْتَتِرَةِ خَلْفَهَا, وَمُكَمِّلِيَّةَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ كَالْمَشْهُودَةِ, تَشْهَدُ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى كَمَالِ أَسْمَاءِ ذَلِكَ الْفَاعِلِ, وَكَمَالَ ذَلِكَ الْأَسْمَاءِ يَشْهَدُ بِالضَّرُورَةِ عَلَى كَمَالِ الصِّفَاتِ( ) * إِذِ الْأَسْمَاءُ نَاشِئَةٌ مِنْ نِسَبِ الصِّفَاتِ, وَكَمَالُ الصِّفَاتِ يَكْشِفُ بِالْيَقِينِ عَنْ كَمَالِ الشُّؤُونِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَبَادِئُ الصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةِ, وَكَمَالَ الشُّؤُونِ يَشْهَدُ بِحَقِّ الْيَقِينِ عَلَى كَمَالِ الذَّاتِ بِمَا يَلِيقُ بِجَنَابِهِ سُبْحَانَهُ * بَلْ مَجْمُوعُ مَا فِي الْكَائِنَاتِ مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ إِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ ضَعِيفٌ مُفَاضٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَّى كَمَالِهِ عَزَّ كَمَالُهُ وَإِلَى جَمَالِهِ جَلَّ جَمَالُهُ *

    • ** ** 


رَشَــحَــاتٌ مِنْ بَحْرِ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ


[تَنْبِيهٌ] إِنَّ مَا يُعَرِّفُ لَنَا رَبَّنَا لاَ يُعَدُّ وَلاَ يُحَدُّ, وَلَكِنَّ الْبَرَاهِينَ الْكَبِيرَةَ وَالْحُجَجَ الْكُلِّيَّةَ ثَلاَثَةٌ * إِحْدَاهَا: هَذِهِ الْكَائِنَاتُ, وَقَدْ سَمِعْتَ بَعْضَ آيَاتِ هَذَا الْكِتَابِ الْكَبِيرِ * وَثَانِيَتُهَا: اَلْآيَةُ الْكُبْرَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ, وَهِيَ خَاتَمُ دِيوَانِ النُّبُوَّةِ وَمِفْتَاحُ الْكُنُوزِ الْخَفِيَّةِ (عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ) * وَثَالِثَتُهَا: مُفَسِّرُ كِتَابِ الْعَالَمِ وَحُجَّةُ اللهِ عَلَى الْأَنَامِ, أَيِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ * فَلا بُدَّ أَنْ نَعْرِفَ هَذَا الْبُرْهَانَ الثَّانِيَ النَّاطِقَ, ثُمَّ نَسْتَمِعَ إِلَيْهِ * فَنَذْكُرُ مِنْ بَحْرِ مَعْرِفَتِهِ رَشَحَاتٍ *

    • ** **

اَلرَّشْحَةُ الْأُولَى: اِعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ الْبُرْهَانَ النَّاطِقَ لَهُ شَخْصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ عَظِيمَةٌ * فَإِنْ قُلْتَ: مَا هُوَ وَمَا مَاهِيَتُهُ؟ قِيلَ لَكَ: هُوَ الَّذِي لِعَظَمَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ صَارَ سَطْحُ الْأَرْضِ مَسْجِدَهُ, وَمَكَّةُ مِحْرَابَهُ, وَالْمَدِينَةُ مِنْبَرَهُ * وَهُوَ إِمَامُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ يَأْتَمُّونَ بِهِ صَافِّينَ خَلْفَهُ * وَخَطِيبُ جَمِيعِ الْبَشَرِ( ) يُبَيِّنُ لَهُمْ دَسَاتِيرَ سَعَادَاتِهِمْ * وَرَئِيسُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ يُزَكِّيهِمْ وَيُصَدِّقُهُمْ بِجَامِعِيَّةِ دِينِهِ لِأَسَاسَاتِ أَدْيَانِهِمْ * وَسَيِّدُ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ يُرْشِدُهُمْ وَيُرَبِّيهِمْ بِشَمْسِ رِسَالَتِهِ * وَقُطْبٌ فِي مَرْكَزِ دَائِرَةِ حَلْقَةِ ذِكْرٍ تَرَكَّبَتْ( ) مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالْأَبْرَارِ الْمُتَّفِقِينَ عَلَى كَلِمَتِهِ, اَلنَّاطِقِينَ بِنُطْقِهِ * وَشَجَرَةٌ نُورَانِيَّةٌ عُرُوقُهَا الْحَيَوِيَّةُ الْمَتِينَةُ هِيَ الْأَنْبِيَاءُ بِأَسَاسَاتِهِمِ السَّمَاوِيَّةِ, وَأَغْصَانُهَا الْخَضِرَةُ الطَّرِيَّةُ وَثَمَرَاتُهَا اللَّطِيفَةُ النَّيِّرَةُ هِيَ الْأَوْلِيَاءُ بِمَعَارِفِهِمِ الْإِلْهَامِيَّةِ * فَمَا مِنْ دَعْوًى يَدَّعِيهِ إِلاَّ وَيَشْهَدُ لَهُ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَنِدِينَ بِمُعْجِزَاتِهِمْ, وَجَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ مُسْتَنِدِينَ بِكَرَامَاتِهِمْ؛ فَكَأَنَّ عَلَى كُلِّ دَعْوًى مِنْ دَعَاوِيهِ خَوَاتِمَ جَمِيعِ الْكَامِلِينَ * إِذْ بَيْنَمَا تَرَاهُ قَالَ: >لَا إِلَـهَ إِلاَّ اللهْ< وَادَّعَى التَّوْحِيدَ؛ فَإِذًا نَسْمَعُ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الصَّفَّيْنِ النُّورَانِيَّيْنِ, أَيْ شُمُوسِ الْبَشَرِ وَنُجُومِهِ (الْقَاعِدَيْنِ فِي دَائِرَةِ الذِّكْرِ) عَيْنَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ؛ فَيُكَرِّرُونَهَا وَيَتَّفِقُونَ عَلَيْهَا مَعَ اِخْتِلَافِ مَسَالِكِهِمْ وَتَبَايُنِ مَشَارِبِهِمْ * فَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْإِجْمَاعِ: >صَدَقْتَ وَبِالْحَقِّ نَطَقْتَ!< وَلاَ حَدَّ لِلْوَهْمِ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ لِرَدِّ دَعْوًى تَأَيَّدَتْ بِشَهَادَاتِ مَنْ لاَ يُحَدُّ مِنَ الشَّاهِدِينَ الَّذِينَ تُزَكِّيهِمْ مُعْجِزَاتُهُمْ وَكَرَامَاتُهُمْ * اَلرَّشْحَةُ الثَّانِيَةُ: اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبُرْهَانَ النُّورَانِيَّ الَّذِي دَلَّ عَلَى التَّوْحِيدِ وَأَرْشَدَ الْبَشَرَ إِلَيْهِ, كَمَا أَنَّهُ يُتَأَيَّدُ بِقُوَّةِ مَا فِي جَنَاحَيْهِ نُبُوَّةً وَوَلَايَةً مِنَ الْإِجْمَاعِ وَالتَّوَاتُرِ؛ كَذَلِكَ تُصَدِّقُهُ إِشَارَاتُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ مِنْ بِشَارَاتِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالزُّبُرِ الأَوَّلِينَ( ) * وَكَذَلِكَ تُصَدِّقُهُ( ) رُمُوزَاتُ الْإِرْهَاصَاتِ الْكَثِيرَةِ الْمَشْهُودَةِ * وَكَذَا تُصَدِّقُهُ بِشَارَاتُ الْهَوَاتِفِ الشَّايِعَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ * وَكَذا تُصَدِّقُهُ شَهَادَاتُ أَهْلِ الْكَهَانَةِ الْمَنْقُولَةُ بِالتَّوَاتُرِ * وَكَذَا تُصَدِّقُهُ دَلاَلاَتُ أَلْفِ مُعْجِزَاتِهِ مِنْ أَمْثَالِ شَقِّ الْقَمَرِ, وَنَبَعَانِ الْمَاءِ مِنَ الْأَصَابِعِ كَالْكَوْثَرِ, وَمَجِيءِ الشَّجَرِ بِدَعْوَتِهِ, وَنُزُولِ الْمَطَرِ فِي آنِ دُعَائِهِ, وَشَبْعِ الْكَثِيرِ مِنْ طَعَامِهِ الْقَلِيلِ, وَتَكَلُّمِ الضَّبِّ وَالذِّئْبِ وَالظَّبْيِ وَالْجَمَلِ وَالْحَجَرِ؛ إِلَى أَلْفٍ مَا بَيَّنَتْهُ( ) الرُّوَاةُ الثِّقَاتُ وَالْمُحَدِّثُونَ الْمُحَقِّقُونَ * وَكَذَا تُصَدِّقُهُ شَرِيعَتُهُ الْجَامِعَةُ لِسَعَادَاتِ الدَّارَيْنِ * وَقَدْ سَمِعْتَ وَرَأَيْتَ فِي الدُّرُوسِ السَّابِقَةِ شُعَاعَاتٍ مِنْ شَمْسِ شَرِيعَتِهِ الْمُفِيضَةِ لِلسَّعَادَاتِ؛ فَيَكْفِيكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَيْنِكَ غَيْنٌ وَفِي قَلْبِكَ رَيْنٌ فَلا نُطَوِّلُ هُنَا * اَلرَّشْحَةُ الثَّالِثَةُ: اِعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا تُصَدِّقُهُ الدَّلائِلُ الْآفَاقِيَّةُ؛ كَذَلِكَ هُوَ كَالشَّمْسِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ, فَتُصَدِّقُهُ الدَّلائِلُ الْأَنْفُسِيَّةُ * إِذِ اِجْتِمَاعُ أَعَالِي جَمِيعِ الْأَخْلاَقِ الْحَمِيدَةِ فِي ذَاتِهِ بِالْاِتِّفَاقِ * وَكَذَا جَمْعُ شَخْصِيَّتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِي وَظِيفَتِهِ أَفَاضِلَ جَمِيعِ السَّجَايَا الْعَالِيَةِ وَالْخَصَائِلِ النَّزِيهَةِ * وَكَذا قُوَّةُ إِيمَانِهِ بِشَهَادَةِ قُوَّةِ زُهْدِهِ وَقُوَّةِ تَقْوَاهُ وَقُوَّةِ عُبُودِيَّتِهِ * وَكَذَا كَمَالُ وُثُوقِهِ بِشَهَادَةِ سِيَرِهِ وَكَمَالِ جِدِّيَّتِهِ وَكَمَالِ مَتَانَتِهِ * وَكَذَا قُوَّةُ أَمْنِيَّتِهِ فِي حَرَكَاتِهِ بِشَهَادَةِ قُوَّةِ اِطْمِئْنَانِهِ؛ تُصَدِّقُهُ فِي دَعْوَى تَمَسُّكِهِ بِالْحَقِّ وَسُلُوكِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ, كَمَا تُصَدِّقُ الْأَوْرَاقُ الْخَضِرَةُ وَالْأَزْهَارُ النَّضِرَةُ وَالْأَثْمَارُ الطَّرِيَّةُ حَيَاةَ شَجَرَتِهَا * اَلرَّشْحَةُ الرَّابِعَةُ: اِعْلَمْ أَنَّ لِلْمُحِيطِ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ تَأْثِيراً عَظِيماً فِي مُحَاكَمَاتِ الْعُقُولِ * فَإِنْ شِئْتَ فَتَعَالَ, نَخْلَعُ هَذِهِ الْخَيَالَاتِ الزَّمَانِيَّةَ وَالْعَصْرِيَّةَ وَالْمُحِيطِيَّةَ وَنَتَجَرَّدُ مِنْ هَذَا اللِّبَاسِ الْمُلَوَّثِ, ثُمَّ نَخُوضُ فِي بَحْرِ الزَّمَانِ السَّيَّالِ وَلْنَسْبَحُ فِيهِ إِلَى أَنْ نَخْرُجَ إِلَى عَصْرِ السَّعَادَاتِ الَّتِي هِيَ >الْجَزِيرَةُ الْخَضْرَاءُ< فِيمَا بَيْنَ الْعُصُورِ وَالدُّهُورِ * فَلْنَنْظُرْ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ الْمَدِينَةُ الشَّهْبَاءُ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الزَّمَانِيَّةِ, وَلْنَلْبَسْ مَا نَسَجَ لَنَا ذَلِكَ الزَّمَانُ وَخَاطَهُ لَنَا ذَلِكَ الْمُحِيطُ؛ حَتَّى نَزُورَ ـ وَلَوْ بِالْخَيَالِ ـ قُطْبَ مَرْكَزِ دَائِرَةِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ عَلَى رَأْسِ وَظِيفَتِهِ يَعْمَلُ * فَافْتَحْ عَيْنَكَ وَانْظُرْ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَتَظَاهَرُ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ شَخْصٌ خَارِقٌ, لَهُ حُسْنُ صُورَةٍ فَائِقَةٍ فِي حُسْنِ سِيرَةٍ رَائِقَةٍ * فَهَا هُوَ أَخَذَ بِيَدِهِ كِتَاباً مُعْجِزاً كَرِيماً, وَبِلِسَانِهِ خِطاباً مُوجَزاً حَكِيماً يُبَلِّغُ خُطْبَةً أَزَلِيَّةً وَيَتْلُوهَا عَلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ, بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ( ), بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ * فَيَا لَلْعَجَبِ مَا يَقُولُ؟ نَعَمْ, يَقُولُ عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ وَيَبْحَثُ عَنْ نَبَأٍ عَظِيمٍ * إِذْ يَشْرَحُ وَيَحُلُّ الْمُعَّمَاءَ الْعَجِيبَةَ فِي سِرِّ خِلْقَةِ الْعَالَمِ, وَيَفْتَحُ وَيَكْشِفُ الطِّلْسِمَ الْمُغْلَقَ فِي سِرِّ حِكْمَةِ الْكَائِنَاتِ, وَيُوضِحُ وَيَبْحَثُ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الثَّلَاثَةِ الْمُعْضَلَةِ الَّتِي أَشْغَلَتِ الْعُقُولَ وَأَوْقَعَتْهَا فِي الْحَيْرَةِ * إِذْ هِيَ الْأَسْئِلَةُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا كُلُّ مَوْجُودٍ وَهِيَ: >مَنْ أَنْتَ؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ وَإِلَى أَيْنَ؟< * اَلرَّشْحَةُ الْخَامِسَةُ: اُنْظُرْ إِلَى هَذَا الشَّخْصِ النُّورَانِيِّ كَيْفَ يَنْشُرُ مِنَ الْحَقِيقَةِ ضِيَاءً نَوَّاراً, وَمِنَ الْحَقِّ نُوراً مُضِيئاً؛ حَتَّى صَيَّرَ لَيْلَ الْبَشَرِ نَهَاراً وَشِتَاءَهُ رَبِيعاً * فَكَأَنَّ الْكَائِنَاتِ تَبَدَّلَ شَكْلُهَا, وَصَارَ الْعَالَمُ( ) ضَاحِكاً مَسْرُوراً بَعْدَ مَا كَانَ عَبُوساً قَمْطَرِيراً * إِذْ إِذَا لَمْ نَسْتَضِئْ بِنُورِهِ؛ نَرَى فِي الْكَائِنَاتِ مَأْتَماً عُمُومِيًّا, وَنَرَى مَوْجُودَاتِهَا كَالْأَجَانِبِ وَالْأَعْدَاءِ، لَا يَعْرِفُ بَعْضٌ بَعْضاً بَلْ يُعَادِيهِ * وَنَرَى جَامِدَاتِهَا جَنَائِزَ دَهَّاشَةً * وَنَرَى حَيَوَانَاتِهَا وَأَنَاسِيَّهَا أَيْتَاماً بَاكِينَ بِضَرَبَاتِ الزَّوَالِ وَالْفِرَاقِ * وَنَرَى الْكَائِنَاتِ بِحَرَكَاتِهَا وَتَنَوُّعَاتِهَا وَتَغَيُّرَاتِهَا وَنُقُوشِهَا مَلْعَبَةَ التَّصَادُفِ مُنْجَرَّةً إِلَى الْعَبَثِيَّةِ, مُهْمَلَةً لَا مَعْنَى لَهَا * وَنَرَى الْإِنْسَانَ قَدْ صَارَ بِعَجْزِهِ الْمُزْعِجِ, وَفَقْرِهِ الْمُعَجِّزِ, وَعَقْلِهِ النَّاقِلِ لِأَحْزَانِ الْمَاضِي وَمَخَاوِفِ الْمُسْتَقْبَلِ إِلَى رَأْسِ الْإِنْسَانِ؛ أَدْنَى وَأَخْسَرَ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ * فَهَذِهِ هِيَ مَاهِيَةُ الْكَائِنَاتِ( ) عِنْدَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي دَائِرَةِ نُورِهِ * ثُمَّ انْظُرِ الْآنَ بِنُورِهِ وَبِمِرْصَادِ دِينِهِ وَفِي دَائِرَةِ شَرِيعَتِهِ إِلَى الْكَائِنَاتِ كَيْفَ تَرَاهَا؟ اُنْظُرْ، قَدْ تَبَدَّلَ شَكْلُ الْعَالَمِ فَتَحَوَّلَ بَيْتُ الْمَأْتَمِ الْعُمُومِيِّ مَسْجِدَ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ, وَمَجْلِسَ الْجَذْبَةِ وَالشُّكْرِ * وَتَحَوَّلَ الْأَعْدَاءُ الْأَجَانِبُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ أَحْبَاباً وَإِخْوَاناً * وَتَحَوَّلَ كُلٌّ مِنْ جَامِدَاتِهَا الْمَيِّتَةِ الصَّامِتَةِ حَيَّا مُؤْنِساً مَأْمُوراً مُسَخَّراً نَاطِقاً بِلِسَانِ حَالِهِ آيَاتِ خَالِقِهِ * وَتَحَوَّلَ ذَوُو الْحَيَاةِ مِنْهَا( ), اَلْأَيْتَامَ الْبَاكِينَ الْمُشْتَكِينَ؛ ذَاكِرِينَ فِي تَسْبِيحَاتِهِمْ شَاكِرِينَ لِتَرْخِيصَاتِهِمْ عَنْ وَظَائِفِهِمْ * وَتَحَوَّلَتْ حَرَكَاتُ الْكَائِنَاتِ وَتَنَوُّعَاتُهَا وَتَغَيُّرَاتُهَا مِنَ الْعَبَثِيَّةِ وَالْمُهْمَلِيَّةِ وَمَلْعَبِيَّةِ التَّصَادُفِ؛ إِلَى صَيْرُورَتِهَا مَكْتُوبَاتٍ رَبَّانِيَّةً, وَصَحَائِفَ آيَاتٍ تَكْوِينِيَّةٍ, وَمَرَايَا أَسْمَاءَ إِلهِيَّةٍ * حَتَّى تَرَقَّى الْعَالَمُ وَصَارَ كِتَابَ الْحِكْمَةِ الصَّمَدَانِيَّةِ * وَانْظُرْ إِلَى الْإِنْسَانِ, كَيْفَ تَرَقَّى مِنْ حَضِيضِ الْحَيَوَانِيَّةِ الْعَاجِزَةِ الْفَقِيرَةِ الذَّلِيلَةِ؛ إِلَى أَوْجِ الْخِلاَفَةِ بِقُوَّةِ ضَعْفِهِ, وَقُدْرَةِ عَجْزِهِ، وَسَوْقِ فَقْرِهِ, وَشَوْقِ فَاقَتِهِ, وَشَوْكَةِ عُبُودِيَّتِهِ, وَشُعْلَةِ قَلْبِهِ, وَحِشْمَةِ إِيمَانِ عَقْلِهِ * ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ صَارَتْ أَسْبَابُ سُقُوطِهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْفَقْرِ وَالْعَقْلِ؛ أَسْبَابَ صُعُودِهِ بِسَبَبِ تَنَوُّرِهَا بِنُورِ هَذَا الشَّخْصِ النُّورَانِيِّ * ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْمَاضِي ذَلِكَ الْمَزَارِ( ) الْأَكْبَرِ فِي ظُلُمَاتِهِ؛ كَيْفَ اسْتَضَاءَ بِشُمُوسِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِنُجُومِ الْأَوْلِيَاءِ * وَإِلَى الْاِسْتِقْبَالِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اللَّيْلاَءِ فِي ظُلُمَاتِهِ؛ كَيْفَ تَنَوَّرَ بِضِيَاءِ الْقُرْآنِ وَتَكَشَّفَ عَنْ بَسَاتِينِ الْجِنَانِ * فَعَلَى هَذَا, لَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الشَّخْصُ لَسَقَطَتِ الْكَائِنَاتُ وَالْإِنْسَانُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَى دَرَجَةِ الْعَدَمِ؛ لاَ قِيمَةَ لَهَا وَلاَ أَهَمِّيَّةَ لَهَا * فَيَلْزَمُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ الْبَدِيعَةِ الْجَمِيلَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ الْخَارِقِ الْفَائِقِ الْمُعَرِّفِ الْمُحَقِّقِ * فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا فَلا تَكُنِ الْكَائِنَاتُ * إِذْ لَا مَعْنَى لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا *.. فَمَا أَصْدَقَ مَا قَالَ مَنْ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ: لَوْلَاكَ لَوْلاَكَ لَمَا خَلَقْتُ الْأَفْلاكْ * اَلرَّشْحَةُ السَّادِسَةُ: فَإِنْ قُلْتَ مَنْ هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي نَرَاهُ قَدْ صَارَ شَمْساً لِلْكَوْنِ؛ كَاشِفاً بِدِينِهِ عَنْ كَمَالَاتِ الْكَائِنَاتِ, وَمَا يَقُولُ؟ قِيلَ لَكَ: اُنْظُرْ وَاسْتَمِعْ مَا يَقُولُ, هَا هُوَ يُخْبِرُ عَنْ سَعَادَةٍ أَبَدِيَّةٍ وَيُبَشِّرُ بِهَا, وَيَكْشِفُ عَنْ رَحْمَةٍ بِلاَ نِهَايَةٍ وَيُعْلِنُهَا, وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا’* وَهُوَ دَلاَّلُ مَحَاسِنِ سَلْطَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَنَظَّارُهَا, وَكَشَّافُ مَخْفِيَّاتِ كُنُوزِ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ وَمُعَرِّفُهَا * فَانْظُرْ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ وَظِيفَتِهِ تَرَهُ بُرْهَانَ الْحَقِّ, وَسِرَاجَ الْحَقِيقَةِ, وَشَمْسَ الْهِدَايَةِ, وَوَسِيلَةَ السَّعَادَةِ * ثُمَّ انْظُرْ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ شَخْصِيَّتِهِ تَرَهُ مِثَالَ الْمَحَبَّةِ الرَّحْمَانِيَّةِ, وَتِمْثَالَ الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ, وَشَرَفَ الْحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ, وَأَنْوَرِ أَزْهَرِ ثَمَرَاتِ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ’* ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ أَحَاطَ نُورُ دِينِهِ بِالشَّرْقِ وَالْغَرْبِ فِي سُرْعَةِ الْبَرْقِ الشَّارِقِ؛ وَقَدْ قَبِلَ بِإِذْعَانِ الْقَلْبِ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ وَمِنْ خُمُسِ بَنِي آدَمَ هَدِيَّةَ هِدَايَتِهِ, بِحَيْثُ تَفْدِي لَهَا أَرْوَاحَهَا * فَهَلْ يُمْكِنُ لِلنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ أَنْ يُنَاقِشَا بِدُونِ مُغَالَطَةٍ فِي مُدَّعَيَاتِ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ؛ لاَ سِيَّمَا فِي دَعْوًى هِيَ أَسَاسُ كُلِّ مُدَّعَيَاتِهِ وَهِيَ: >لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله< بِجَمِيعِ مَرَاتِبِهِ * اَلرَّشْحَةُ السَّابِعَةُ: فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ مَا يُحَرِّكُهُ، إِنَّمَا هُوَ قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ * فَانْظُرْ إِلَى إِجْرَاءَاتِهِ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الْوَاسِعَةِ! أَلاَ تَرَى هَذِهِ الْأَقْوَامَ الْوَحْشِيَّةَ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ الْعَجِيبَةِ الْمُتَعَصِّبِينَ لِعَادَاتِهِمْ, اَلْمُعَانِدِينَ فِي عَصَبِيَّتِهِمْ وَخِصَامِهِمْ, اَلْقَاسِيَةَ قُلُوبُهُمْ بِدَرَجَةٍ يَدْفِنُ أَحَدُهُمْ بِنْتَهُ حَيَّةً بِلاَ تَأَثُّرٍ * كَيْفَ رَفَعَ هَذَا الشَّخْصُ جَمِيعَ أَخْلاَقِهِمِ السَّيِّئَةِ وَالْوَحْشِيَّةِ, وَقَلَّعَهَا فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ؛ وَجَهَّزَهُمْ بِأَخْلاَقٍ حَسَنَةٍ غَالِيَةٍ؛ فَصَيَّرَهُمْ مُعَلِّمِي الْعَالَمِ الْإِنْسَانِيِّ وَأَسَاتِيذَ الْأُمَمِ الْمُتَمَدِّنَةِ * فَانْظُرْ! لَيْسَتْ سَلْطَنَتُهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ بِقُوَّةِ الْخَوْفِ كَسَائِرِ الْمُلُوكِ؛ بَلْ هَا هُوَ يَفْتَحُ الْقُلُوبَ وَالْعُقُولَ, وَيُسَخِّرُ الْأَرْوَاحَ وَالنُّفُوسَ, حَتَّى صَارَ مَحْبُوبَ الْقُلُوبِ وَمُعَلِّمَ الْعُقُولِ وَمُرَبِّي النُّفُوسِ وَسُلْطَانَ الْأَرْوَاحِ * اَلرَّشْحَةُ الثَّامِنَةُ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ رَفْعَ عَادَةٍ صَغِيرَةٍ كَالتُّـتُونِ( ) مَثَلاً مِنْ طَائِفَةٍ صَغِيرَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ, قَدْ يَعْسُرُ عَلَى حَاكِمٍ عَظِيمٍ بِهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ’* مَعَ أَنَّا نَرَى هَذَا الذَّاتَ هَا هُوَ قَدْ رَفَعَ بِالْكُلِّيَّةِ عَادَاتٍ عَظِيمَةً كَثِيرَةً مِنْ أَقْوَامٍ عَظِيمَةٍ مُتَعَصِّبِينَ لِعَادَاتِهِمْ، مُعَانِدِينَ فِي حِسِّيَّاتِهِمْ بِقُوَّةٍ جُزْئِيَّةٍ وَهِمَّةٍ قَلِيلَةٍ وَفِي زَمَانٍ قَصِيرٍ * وَغَرَسَ بَدَلَهَا بِرُسُوخٍ تَامٍّ فِي سَجِيَّتِهِمْ عَادَاتٍ عَالِيَةً وَخَصَائِلَ غَالِيَةً * فَانْظُرْ إِلَى عُمَرَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قَبْلَ الْإِهْتِدَاءِ وَبَعْدَهُ؛ تَرَهُ نُوَاةً قَدْ صَارَ شَجَرَةً بَاسِقَةً * وَهَكَذَا يَتَرَاءَى لَنَا مِنْ خَوَارِقِ إِجْرَاءَاتِهِ الْأَسَاسِيَّةِ أُلُوفُ مَا رَأَيْنَا * فَمَنْ لَمْ يَرَ هَذَا الْعَصْرَ, نُدْخِلْ فِي عَيْنِهِ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ، فَلْيُجَرِّبْ نَفْسَهُ فِيهَا؛ فَلْيَأْخُذُوا مِئَةً مِنْ فَلاسِفَتِهِمْ وَلْيَذْهَبُوا إِلَيْهَا وَلْيَعْمَلُوا مِئَةَ سَنَةٍ, هَلْ يَتَيَسَّرُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ جُزْءٌ مِنْ مِئَةِ جُزْءٍ مِمَّا فَعَلَ سَيِّدُنَا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ فِي سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ * اَلرَّشْحَةُ التَّاسِعَةُ: اِعْلَمْ إِنْ كُنْتَ عَارِفاً بِسَجِيَّةِ الْبَشَرِ: أَنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَدَّعِيَ فِي دَعْوًى (فِيهَا مُنَاظَرَةٌ) كَذِباً يَخْجَلُ بِظُهُورِهِ, وَأَنْ يَقُولَهُ بِلَا حِجَابٍ وَبِلَا مُبَالَاةٍ وَبِلَا تَأَثُّرٍ يُشِيرُ إِلَى حِيلَتِهِ( ), وَبِلَا تَصَنُّعٍ وَتَهَيُّجٍ يُومِيَانِ إِلَى كَذِبِهِ عِنْدَ خُصُومِهِ( ) النَّقَّادَةِ؛ وَلَوْ كَانَ شَخْصَاً صَغِيرًا, وَلَوْ فِي وَظِيفَةٍ صَغِيرَةٍ, وَلَوْ بِحَيْثِيَّةٍ حَقِيرَةٍ, وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ صَغِيرَةٍ, وَلَوْ فِي مَسْأَلَةٍ حَقِيرَةٍ * فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَدَاخُلُ الْحِيلَةِ وَدُخُولُ الْخِلَافِ فِي مُدَّعَيَاتِ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ مُوَظَّفٌ عَظِيمٌ فِي وَظِيفَةٍ عَظِيمَةٍ, بِحَيْثِيَّةٍ عَظِيمَةٍ * (مَعَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِأَمْنِيَّةٍ عَظِيمَةٍ) وَفِي جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ, وَفِي مُقَابَلَةِ خُصُومَةٍ عَظِيمَةٍ, وَفِي مَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ, وَفِي دَعْوًى عَظِيمَةٍ * وَهَا هُوَ يَقُولُ مَا يَقُولُ بِلَا مُبَالَاةٍ بِمُعْتَرِضٍ, وَبِلَا تَرَدُّدٍ وَبِلَا حِجَابٍ وَبِلَا تَخَوُّفٍ وَبِلا تَأَثُّرٍ؛ وَبِصَفْوَةٍ صَمِيمِيَّةٍ وَبِجِدِّيَّةٍ خَالِصَةٍ’* وَبِطَرْزٍ يُحَرِّكُ أَعْصَابَ خُصُومِهِ بِتَزْيِيفِ عُقُولِهِمْ, وَتَحْقِيرِ نُفُوسِهِمْ وَكَسْرِ عِزَّتِهِمْ بِأُسْلُوبٍ شَدِيدٍ عُلْوِيٍّ! فَهَلْ يُمْكِنُ تَدَاخُلُ الْحِيلَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى مِنْ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ؟! [كَلاَّ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] * نَعَمْ! إِنَّ الْحَقَّ أَغْنَى مِنْ أَنْ يُدَلِّسَ, وَنَظَرَ الْحَقِيقَةِ أَعْلَى مِنْ أَنْ يُدَلَّسَ عَلَيْهِ * نَعَمْ: إِنَّ مَسْلَكَهُ الْحَقَّ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّدْلِيسِ, وَنَظَرَهُ النَّقَّادَ مُنَزَّهٌ مِنْ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِ الْخَيَالُ بِالْحَقِيقَةِ! * اَلرَّشْحَةُ الْعَاشِرَةُ: اُنْظُرْ وَاسْتَمِعْ مَا يَقُولُ؟ هَا هُوَ يَبْحَثُ عَنْ حَقَائِقَ مُدْهِشَةٍ عَظِيمَةٍ وَيُنْذِرُ الْبَشَرَ, وَيَبْحَثُ عَنْ مَسَائِلَ جَاذِبَةً لِلْقُلُوبِ لَازِمَةً جَالِبَةً لِلْعُقُولِ إِلَى الدِّقَّةِ( ), فَيُبَشِّرُ الْبَشَرَ * وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ شَوْقَ كَشْفِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ قَدْ سَاقَ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَرَقِ( ) إِلَى فِدَاءِ الْأَرْوَاحِ * أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَكَ: >إِنْ أَفْدَيْتَ نِصْفَ عُمْرِكَ أَوْ نِصْفَ مَالِكَ لَنَزَلَ مِنَ الْقَمَرِ أَوِ الْمُشْتَرِي شَخْصٌ يُخْبِرُكَ بِغَرَائِبِ أَحْوَالِهِمَا وَيُخْبِرُكَ بِحَقِيقَةِ اِسْتِقْبَالِكَ< أَظُنُّكَ تَرْضَى بِالْفِدَاءِ * فَيَا لَلْعَجَبِ تَرْضَى لِدَفْعِ مَرَقِكَ بِتَرْكِ نِصْفِ الْعُمْرِ وَالْمَالِ, وَلَا تَهْتَمُّ بِمَا يَقُولُهُ هَذَا وَيُصَدِّقُهُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الشُّهُودِ وَتَوَاتُرُ أَهْلِ الْإخْتِصَاصِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْمُحَقِّقِينَ؛ فَيَبْحَثُ عَنْ شُؤُونِ سُلْطَانٍ لَيْسَ الْقَمَرُ فِي مَمْلَكَتِهِ إِلاَّ كَذُبَابٍ يَطِيرُ حَوْلَ فِرَاشٍ, يَطِيرُ ذَلِكَ الْفِرَاشُ حَوْلَ سِرَاجٍ مِنَ الْقَنَادِيلِ الَّتِي أَسْرَجَهَا فِي مَنْزِلٍ أَعَدَّهُ لِضُيُوفِهِ الْمُسَافِرِينَ مِنْ أُلُوفِ مَنَازِلِهِ * وَكَذَا يُخْبِرُ عَنْ عَالَمٍ هُوَ مَحَلُّ الْخَوَارِقِ وَالْعَجَائِبِ, وَعَنْ اِنْقِلَابٍ عَجِيبٍ؛ فَرَضاً لَوِ انْفَلَقَتِ الْأَرْضُ وَتَطَايَرَتْ جِبَالُهَا كَالسَّحَابِ مَا سَاوَتْ عُشْرَ مِعْشَارِ عَشِيرِ غَرَائِبِ ذَلِكَ الْإنْقِلابِ!. * فَإِنْ شِئْتَ فَاسْتَمِعْ مِنْ لِسَانِهِ أَمْثَالَ: {ﭑ ﭒ ﭓ} وَ{ ﭑ ﭒ ﭓ} وَ{ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ} وَ{الْقَارِعَةُ} * وَكَذَا يُخْبِرُ بِتَحْقِيقٍ عَنِ اِسْتِقْبَالٍ لَيْسَ الْإسْتِقْبَالُ الدُّنْيَوِيُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ إِلاَّ كَقَطْرَةِ سَرَابٍ بِلاَ طَائِلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَحْرٍ بِلاَ سَاحِلٍ * وَكَذَا يُبَشِّرُ عَنْ شُهُودٍ بِسَعَادَةٍ لَيْسَتِ السَّعَادَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا إِلاَّ كَبَرْقٍ زَائِلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَمْسٍ سَرْمَدِيَّةٍ * نَعَمْ, تَحْتَ حِجَابِ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ ذَاتِ الْعَجَائِبِ عَجَائِبُ تَنْتَظِرُنَا وَتَنْظُرُ إِلَيْنَا, وَلاَ بُدَّ لِإِخْبَارِ تِلْكَ الْعَجَائِبِ وَالْخَوَارِقِ شَخْصٌ عَجِيبٌ خَارِقٌ؛ يُشَاهِدُ ثُمَّ يَشْهَدُ, وَيُبْصِرُ ثُمَّ يُخْبِرُ * نَعَمْ، نُشَاهِدُ مِنْ شُؤُونِهِ وَأَطْوَارِهِ أَنَّهُ يُشَاهِدُ ثُمَّ يَشْهَدُ؛ فَيُنْذِرُ وَيُبَشِّرُ * وَكَذَا يُخْبِرُ عَنْ مَرْضِيَّاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَطَالِبِهِ مِنَّا * وَهَكَذَا مِنْ عَظَائِمِ مَسَائِلَ لَا مَفَرَّ مِنْهَا, وَعَجَائِبِ حَقَائِقَ لَا مَنْجَى مِنْهَا, وَلا سَعَادَةَ بِدُونِهَا * فَيَا حَسْرَةً عَلَى الْغَافِلِينَ، وَيَا خَسَارَةً عَلَى الضَّالِّينَ, وَيَا عَجَباً مِنْ بَلاهَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ كَيْفَ تَعَامُوا عَنْ هَذَا الْحَقِّ وَتَصَامُّوا عَنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ؛ لَا يَهْتَمُّونَ بِمِثْلِ هَذَا الذَّاتِ فِي عَجَائِبِهِ!. * مَعَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ مِثْلِهِ أَنْ تُفْدَى لَهُ الْأَرْوَاحُ وَيُسْرَعَ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا * اَلرَّشْحَةُ الْحَادِيَةُ عَشَرَةُ: اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الْمَشْهُودَ لَنَا بِشَخْصِيَّتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ, اَلْمَشْهُورَ فِي الْعَالَمِ بِشُؤُونِهِ العُلْوِيَّةِ: كَمَا أَنَّهُ بُرْهَانٌ نَاطِقٌ صَادِقٌ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ, وَدَلِيلٌ حَقٌّ بِدَرَجَةِ حَقَّانِيَّةِ التَّوْحِيدِ؛ كَذَلِكَ هُوَ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ وَدَلِيلٌ سَاطِعٌ عَلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ * بَلْ كَمَا أَنَّهُ بِدَعْوَتِهِ وَبِهِدَايَتِهِ سَبَبُ حُصُولِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَوَسِيلَةُ وُصُولِهَا؛ كَذَلِكَ هُوَ بِدُعَائِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ سَبَبُ وُجُودِ تِلْكَ السَّعَادَةِ وَوَسِيلَةُ إِيجَادِهَا * فَإِنْ شِئْتَ فَانْظُرْ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ الْكُبْرَى الَّتِي بِعَظَمَةِ وُسْعَتِهَا صَيَّرَتْ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ بَلِ الْأَرْضَ مُصَلِّينَ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الْكُبْرَى * ثُمَّ انْظُرْ أَنَّهُ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلاةَ بِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ الْعُظْمَى بِدَرَجَةٍ كَأَنَّهُ هُوَ إِمَامٌ فِي مِحْرَابِ عَصْرِهِ وَاصْطَفَّ خَلْفَهُ مُقْتَدِينَ بِهِ جَمِيعُ أَفَاضِلِ بَنِي آدَمَ مِنْ آدَمَ إِلَى هَذَا الْعَصْرِ, إِلَى آخِرِ الدُّنْيَا فِي صُفُوفِ الْأَعْصَارِ؛ مُؤْتَمِّينَ بِهِ وَمُؤَمِّنِينَ عَلَى دُعَائِهِ * ثُمَّ اسْتَمِعْ مَا يَفْعَلُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِتِلْكَ الْجَمَاعَةِ؟ فَهَا هُوَ يَدْعُو لِحَاجَةٍ شَدِيدَةٍ عَظِيمَةٍ عَامَّةٍ بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ مَعَهُ فِي دُعَائِهِ الْأَرْضُ بَلِ السَّمَاءُ, بَلْ كُلُّ الْمَوْجُودَاتِ فَيَقُولُونَ بِأَلْسِنَةِ الْأَحْوَالِ: >أوُخْ!.. ( )< نَعَمْ يَا رَبَّنَا تَقَبَّلْ دُعَاءَهُ * فَنَحْنُ أَيْضاً نَطْلُبُهُ, بَلْ مَعَ جَمِيعِ مَا تَجَلَّى عَلَيْنَا مِنْ أَسْمَائِكَ نَطْلُبُ حُصُولَ مَا يَطْلُبُ هُوَ * ثُمَّ انْظُرْ إِلَى طَوْرِهِ فِي طَرْزِ تَضَرُّعَاتِهِ كَيْفَ يَتَضَرَّعُ بِاِفْتِقَارٍ عَظِيمٍ فِي اِشْتِيَاقٍ شَدِيدٍ, وَبِحُزْنٍ عَمِيقٍ فِي مَحْبُوبِيَّةٍ حَزِينَةٍ؛ بِحَيْثُ يُهَيِّجُ بُكَاءَ الْكَائِنَاتِ فَيُبْكِيهَا فَيُشْرِكُهَا فِي دُعَائِهِ * ثُمَّ انْظُرْ لِأَيِّ مَقْصِدٍ وَغَايَةٍ يَتَضَرَّعُ؟ هَا هُوَ يَدْعُو لِمَقْصِدٍ؛ لَوْلَا حُصُولُ ذَاكَ الْمَقْصِدِ, لَسَقَطَ الْإِنْسَانُ بَلِ الْعَالَمُ بَلْ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ لَا قِيمَةَ لَهَا( ) وَلا مَعْنَى * وَبِمَطْلُوبِهِ تَتَرَقَّى الْمَوْجُودَاتُ إِلَى مَقَامَاتِ كَمَالاَتِهَا’* ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ يَتَضَرَّعُ بِاسْتِمْدَادٍ مَدِيدٍ فِي غِيَاثٍ شَدِيدٍ فِي اِسْتِرْحَامٍ بِتَوَدُّدٍ حَزِينٍ؛ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْعَرْشَ وَالسَّمَاوَاتِ وَيُهَيِّجُ وَجْدَهَا’* حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ الْعَرْشُ وَالسَّمَاوَاتُ: >آمِينْ اَللَّهُمَّ آمِينْ< * ثُمَّ انْظُرْ مِمَّنْ يَطْلُبُ مَسْئُولَهُ( )؟!. نَعَمْ, يَطْلُبُ مِنَ الْقَدِيرِ السَّمِيعِ الْكَرِيمِ, وَمِنَ الْعَلِيمِ الْبَصِيرِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَسْمَعُ أَخْفَى دُعَاءٍ مِنْ أَخْفَى حَيَوَانٍ فِي أَخْفَى حَاجَةٍ * إِذْ يُجِيبُهُ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ, وَكَذَا يُبْصِرُ أَدْنَى أَمَلٍ فِي أَدْنَى ذِي حَيَاةٍ فِي أَدْنَى غَايَةٍ؛ إِذْ يُوصِلُهُ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ بِالْمُشَاهَدَةِ * وَيُكْرِمُ وَيَرْحَمُ بِصُورَةٍ حَكِيمَةٍ وَبِطَرْزٍ مُنْتَظَمٍ, لا يَبْقَى رَيْبٌ فِي أَنَّ هَذِه التَّرْبِيَةَ وَالتَّدْبِيرَ مِنْ سَمِيعٍ عَلِيمٍ وَمِنْ بَصِيرٍ حَكِيمٍ * اَلرَّشْحَةُ الثَّانِيَةُ عَشَرَةُ: فَيَا لَلْعَجَبِ! مَا يَطْلُبُ هَذَا الَّذِي قَامَ عَلَى الْأَرْضِ وَجَمَعَ خَلْفَهُ جَمِيعَ أَفَاضِلِ بَنِي آدَمَ, وَرَفَعَ يَدَيْهِ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْعَرْشِ الْأَعْظَمِ, وَيَدْعُو دُعَاءً يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ الثَّقَلانِ, (وَيُعْلَمُ مِنْ شُؤُونِهِ أَنَّهُ شَرَفُ نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَفَرِيدُ الْكَوْنِ وَالزَّمَانِ وَفَخْرُ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ فِي كُلِّ آنٍ *) وَيَسْتَشْفِعُ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ الْقُدْسِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُتَجَلِّيَةِ فِي مَرَايَا الْمَوْجُودَاتِ, بَلْ تَدْعُو وَتَطْلُبُ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ عَيْنَ مَا يَطْلُبُ هُوَ * فَاسْتَمِعْ، هَا هُوَ يَطْلُبُ الْبَقَاءَ وَاللِّقَاءَ وَالْجَنَّةَ وَالرِّضَاءَ * فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ مَا لَا يُعَدُّ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِإِعْطَاءِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدَالَةِ الْمَشْهُودَاتِ( )، الْمُتَوَقِّفِ كَوْنُهَا رَحْمَةً وَعِنَايَةً وَحِكْمَةً وَعَدَالَةً عَلَى وُجُودِ الْآخِرَةِ؛ وَكَذَا جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْقُدْسِيَّةِ أَسْبَابٌ مُقْتَضِيَةٌ لَهَا؛ لَكَفَى دُعَاءُ هَذَا الشَّخْصِ النُّورَانِيِّ لِأَنْ يَبْنِيَ رَبُّهُ لَهُ وَلِأَبْنَاءِ جِنْسِهِ الْجَنَّةَ * كَمَا يُنْشِئُ لَنَا فِي كُلِّ رَبِيعٍ جِنَاناً مُزيَّنَةً بِمُعْجِزَاتِ مَصْنُوعَاتِهِ * فَكَمَا صَارَتْ رِسَالَتُهُ سَبَباً لِفَتْحِ هَذِهِ الدَّارِ الدُّنْيَا لِلْامْتِحَانِ وَالْعُبُودِيَّةِ؛ كَذَلِكَ صَارَ دُعَاؤُهُ فِي عُبُودِيَّتِهِ سَبَباً لِفَتْحِ دَارِ الْآخِرَةِ لِلْمُكَافَأَةِ وَالْمُجَازَاةِ * فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَدَاخَلَ فِي هَذَا الْإنْتِظَامِ الْفَائِقِ، وَفِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ, وَفِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ الْحَسَنَةِ بِلا قُصُورٍ, وَفِي هَذَا الْجَمَالِ بِلا قُبْحٍ بِدَرَجَةٍ أَنْطَقَ أَمْثَالَ الْغَزَالِيِّ: بِـ’>لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ<، وَأَنْ يَتَغَيَّرَ هَذِهِ الْحَقَائِقُ بِقُبْحٍ خَشِينٍ وَبِظُلْمٍ مُوحِشٍ وَبِتَشَوُّشٍ عَظِيمٍ * إِذْ سَمَاعُ أَدْنَى صَوْتٍ فِي أَدْنَى خَلْقٍ فِي أَدْنَى حَاجَةٍ وَقَبُولُهَا بِأَهَمِّيَّةٍ تَامَّةٍ, مَعَ عَدَمِ سَمَاعِ أَرْفَعِ صَوْتٍ وَدُعَاءٍ فِي أَشَدِّ حَاجَةٍ, وَعَدَمِ قَبُولِ أَحْسَنِ مَسْؤُولٍ فِي أَجْمَلِ أَمَلٍ وَرَجَاءٍ؛ قُبْحٌ لَيْسَ مِثْلَهُ قُبْحٌ, وَقُصُورٌ لَا يُسَاوِيهِ قُصُورٌ؟ حَاشَا ثُمَّ حَاشَا وَكَلاَّ!... لا يَقْبَلُ مِثْلُ هَذَا الْجَمَالِ الْمَشْهُودِ بِلَا قُصُورٍ, مِثْلَ هَذَا الْقُبْحِ الْمَحْضِ * وَإِلاَّ لَإِنْقَلَبَ الْحَقَائِقُ بِاِنْقِلابِ الْحُسْنِ الذَّاتِيِّ قُبْحاً ذَاتِيَّاً * اَلرَّشْحَةُ الثَّالِثَةُ عَشَرَةُ: يَا رَفِيقِي فِي هَذِهِ السِّيَاحَةِ الْعَجِيبَةِ, أَلاَ يَكْفِيكَ مَا رَأَيْتَ؟! فَإِنْ أَرَدْتَ الْإِحَاطَةَ فَلا يُمْكِنُ * بَلْ لَوْ بَقَيْنَا فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ مِائَةَ سَنَةٍ مَا أَحَطْنَا وَلَا مَلَلْنَا مِنَ النَّظَرِ لِجُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ عَجَائِبِ وَظَائِفِهِ وَغَرَائِبِ إِجْرَاءاتِهِ * فَلْنَرْجِعْ قَهْقَرِيَّاً وَلْنَنْظُرْ عَصْرَاً عَصْراً كَيْفَ اِخْضَرَّتْ تِلْكَ الْعُصُورُ وَاسْتَفَاضَتْ مِنْ فَيْضِ هَذَا الْعَصْرِ! نَعَمْ نَرَى( ) كُلَّ عَصْرٍ نَمُرُّ عَلَيْهِ قَدِ انْفَتَحَتْ أَزَاهِيرُهُ بِشَمْسِ عَصْرِ السَّعَادَةِ, وَأَثْمَرَ كُلُّ عَصْرٍ مِنْ أَمْثَالِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَأَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَالْجُنَيْدِ الْبَغْدَادِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْكَيْلاَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَالْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَمُحْيِ الدِّينِ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَأَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَشَاهِ نَقْشِبَنْد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, وَالْإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَنَظَائِرِهِمْ أُلُوفَ ثَمَرَاتٍ مُنَوَّرَاتٍ مِنْ فَيْضِ هِدَايَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ النُّورَانِيِّ * فَلْنُؤَخِّرْ تَفْصِيلَاتِ مَشْهُودَاتِنَا فِي رُجُوعِنَا إِلَيْهَا في وَقْتٍ آخَرَ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى ذَلِكَ الذَّاتِ( ) النُّورَانِيِّ ذِي الْمُعْجِزَاتِ, أَعْنِي سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * أَعْنِي سَيِّدَنَا مُحَمَّداً أَلْفُ أَلفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ * عَلَى مَنْ بَشَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالزُّبُرُ, وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ الْإِرْهَاصَاتُ وَهَوَاتِفُ الْجِنِّ وَأَوْلِيَاءُ الْإِنْسِ وَكَوَاهِنُ الْبَشَرِ, وَانْشَقَّ بِإِشَارَتِهِ الْقَمَرُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ أُمَّتِهِ * عَلَى مَنْ جَاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الشَّجَرُ وَنَزَلَ سُرْعَةً بِدُعَائِهِ الْمَطَرُ, وَأَظَلَّتْهُ الْغَمَامَةُ مِنَ الْحَرِّ, وَشَبِعَ مِنْ صَاعٍ مِنْ طَعَامِهِ مِئَاتٌ مِنَ الْبَشَرِ, وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ كَالْكَوْثَرِ, وَسَبَّحَ فِي كَفِّهِ الْحَصَاةُ وَالْمَدَرُ, وَأَنْطَقَ اللهُ لَهُ الضَّبَّ وَالظَّبْيَ وَالذِّئْبَ وَالْجِذْعَ وَالذِّرَاعَ وَالْجَمَلَ وَالْجَبَلَ وَالْحَجَرَ وَالْمَدَرَ وَالشَّجَرَ, صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَمَا زَاغَ الْبَصَرُ, سَيِّدِنَا وَشَفِيعِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ كُلِّ الْحُرُوفِ الْمُتَشَكِّلَةِ فِي الْكَلِمَاتِ الْمُتَمَثِّلَةِ بِإِذْنِ الرَّحْمَنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الْهَوَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ مِنْ أَوَّلِ النُّزُولِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ * وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا يَا إِلَهَنَا بِكُلِّ صَلاةٍ مِنْهَا * آمِينَ آمِينَ آمِينَ * اَلرَّشْحَةُ الرَّابِعَةُ عَشَرَةُ: اِعْلَمْ أَنَّ دَلاَئِلَ النُّبُوَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى * وَقَدْ ذَكَرْنَا قِسْماً مِنْهَا فِي الرِّسَالَةِ التَّاسِعَةَ عَشَرَةَ الْمُسَمَّاةِ بِـ >اون طقوزنجى سوز واون طقوزنجى مكتوب<( ) فَمَعَ شَهَادَةِ مُعْجِزَاتِهِ الْبَالِغَةِ إِلَى أَلْفٍ, وَمَعَ شَهَادَةِ الْقُرْآنِ الْبَالِغِ وُجُوهُ إِعْجَازِهِ إِلَى أَرْبَعِينَ (السَّابِقِ تَفْصِيلُهَا فِي >الرِّسَالَةِ الْخَامِسَةِ وَالعِشْرِينَ< عَلَى رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ)؛ كَذَلِكَ تَشْهَدُ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ بِآيَاتِهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ * إِذْ كَمَا( ) أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْكَائِنَاتِ آيَاتٍ لَا تُحَدُّ تَشْهَدُ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ الذَّاتِ الْأَحَدِيَّةِ؛ كَذَلِكَ فِيهَا بَيِّنَاتٌ لَا تُعَدُّ تَشْهَدُ عَلَى رِسَالَةِ الذَّاتِ الْأَحْمَدِيَّةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ * مِنْهَا: كَمَالُ حُسْنِ الصَّنْعَةِ * إِذْ كَمَالُ حُسْنِ الصَّنْعَةِ فِي هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ يَدُلُّ عَلَى الرِّسَالَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ دَلالَةً قَطْعِيَّةً * لِأَنَّ جَمَالَ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمُزَيَّنَاتِ يُظْهِرُ لِلنَّاظِرِ حُسْنَ صَنْعَةٍ وَزِينَةَ صُورَةٍ بِالْمُشَاهَدَةِ * وَأَنَّ حُسْنَ الصَّنْعَةِ وَزِينَةَ الصُّورَةِ يَدُلاَّنِ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى أَنَّ فِي صَانِعِهَا إِرَادَةَ تَحْسِينٍ وَطَلَبَ تَزْيِينٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ * وَأَنَّ إِرَادَةَ التَّحْسِينِ وَطَلَبَ التَّزْيِينِ يَدُلاَّنِ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ فِي صَانِعِهَا مَحَبَّةً عُلْوِيَّةً لِصَنْعَتِهِ, وَرَغْبَةً قُدْسِيَّةً لِإِظْهَارِ كَمَالاتِ صَنْعَتِهِ * وَأَنَّ تِلْكَ الْمَحَبَّةَ وَالرَّغْبَةَ تَدُلاَّنِ بِالْقَطْعِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ الْمَصْنُوعَاتِ وَأَبْدَعُهَا, وَأَجْمَلُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَجْمَعُهَا؛ هُوَ الْمَظْهَرُ الْجَامِعُ وَالْمَدَارُ الْبَارِعُ لِتِلْكَ الْمَحَبَّةِ وَالرَّغْبَةِ, وَهُوَ الَّذِي تَتَمَرْكَزَانِ فِيهِ * وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لِكَوْنِهِ أَجْمَعَ وَأَبْدَعَ الْمَصْنُوعَاتِ؛ فَهُوَ الثَّمَرَةُ الشُّعُورِيَّةُ لِشَجَرَةِ الْخِلْقَةِ, أَيْ هُوَ لَهَا كَثَمَرَةٍ ذَاتِ شُعُورٍ * فَلِكَوْنِهِ كَالثَّمَرَةِ فَهُوَ مَا بَيْنَ( ) أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ جُزْءٌ أَجْمَعُ وَأَبْعَدُ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ * فَلِكَوْنِهِ أَجْمَعَ وَأَبْعَدَ وَذَا شُعُورٍ؛ فَلَهُ نَظَرٌ عَامٌّ وَشُعُورٌ كُلِّيٌّ’* فَلِكَوْنِ نَظَرِهِ عَامّاً يَرَى مَجْمُوعَ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ, وَلِكَوْنِ شُعُورِهِ كُلِّيَّاً يَعْرِفُ مَقَاصِدَ الصَّانِعِ؛ فَهُوَ الْمُخَاطَبُ الْخَاصُّ لِلصَّانِعِ * فَلِكَوْنِ عُمُومِ النَّظَرِ وَكُلِّيَّةِ الشُّعُورِ, سَبَباً لِخُصُوصِيَّةِ الْخِطَابِ * فَالْفَرْدُ الَّذِي يَصْرِفُ كُلَّ نَظَرِهِ الْعَامِّ وَعُمُومَ شُعُورِهِ الْكُلِّيِّ إِلَى التَّعَبُّدِ لِلصَّانِعِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ؛ وَيُوَجِّهُ تَمَامَ شُعُورِهِ وَدِقَّةَ نَظَرِهِ إِلَى اِسْتِحْسَانِ صَنْعَةِ الصَّانِعِ وَتَقْدِيرِهَا وَتَشْهِيرِهَا, وَيَسْتَعْمِلُ جَمِيعَ نَظَرِهِ وَشُعُورِهِ وَمَجْمُوعَ قُوَّتِهِ وَهِمَّتِهِ إِلَى شُكْرِ نِعْمَةِ ذَلِكَ الصَّانِعِ, الَّذِي يَطْلُبُ الشُّكْرَ فِي مُقَابَلَةِ إِنْعَامِهِ, وَإِلَى دَعْوَةِ النَّاسِ كَافَّةً إِلَى التَّعَبُّدِ وَالْاِسْتِحْسَانِ وَالشُّكْرِ؛ فَبِالْبَدَاهَةِ يَكُونُ ذَلِكَ الْفَرْدُ الْفَرِيدُ هُوَ الْمُخَاطَبُ الْمُقَرَّبُ وَالْحَبِيبُ الْمُحَبَّبُ * فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلْ يُمْكِنُ عِنْدَكُمْ أَنْ لَا يَكُونَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ الْفَرْدَ الْفَرِيدَ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ تَارِيخُكُمْ أَنْ يُظْهِرَ فَرْداً آخَرَ أَلْيَقَ بِهَذَا الْمَقَامِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟! * فَيَا مَنْ لَهُ بَصَرٌ بِلَا رَمَدٍ وَبَصِيرَةٌ بِلَا عَمْىٍ! اُنْظُرْ إِلَى عَالَمِ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْكَائِنَاتِ حَتَّى تُشَاهِدَ بِالْعَيَانِ دَائِرَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ, وَلَوْحَيْنِ مُتَنَاظِرَيْنِ * فَأَمَّا إِحْدَى الدَّائِرَتَيْنِ: فَدَائِرَةُ رُبُوبِيَّةٍ مُحْتَشَمَةٍ مُنْتَظِمَةٍ فِي غَايَةِ الْإِحْتِشَامِ وَالْإِنْتِظَامِ * وَأَمَّا أَحَدُ اللَّوْحَيْنِ: فَلَوْحُ صَنْعَةٍ مُصَنَّعٍ مُرَصَّعٍ فِي غَايَةِ الْإِتِّقَانِ وَالْاِتِّزَانِ * وَأَمَّا الدَّائِرَةُ الأُخْرَى: فَهِيَ دَائِرَةُ عُبُودِيَّةٍ مُنَوَّرَةٍ مُزَهَّرَةٍ فِي غَايَةِ الْاِنْقِيَادِ وَالْاِسْتِقَامَةِ * وَأَمَّا اللَّوْحُ الْآخَرُ: فَهُوَ لَوْحُ تَفَكُّرٍ وَاسْتِحْسَانٍ فِي غَايَةِ الْوُسْعَةِ, وَصَحِيفَةُ تَشَكُّرٍ وَإِيمَانٍ فِي غَايَةِ الْجَمْعِ * فَإِذْ شَاهَدْتَ هَاتَيْنِ الدَّائِرَتَيْنِ وَهَذَيْنِ اللَّوْحَيْنِ؛ فَانْظُرْ إِلَى مُنَاسَبَةِ الدَّائِرَتَيْنِ وَاللَّوْحَيْنِ حَتَّى تُشَاهِدَ بِالْعَيَانِ؛ أَنَّ دَائِرَةَ الْعُبُودِيَّةِ تَتَحَرَّكُ جَمِيعُ( ) جِهَاتِهِ( ) بِاسْمِ الدَّائِرَةِ الْأُولَى, وَتَعْمَلُ بِجَمِيعِ قُوَّتِهِ بِحِسَابِهَا * وَحَتَّى تُشَاهِدَ بِأَدْنَى دِقَّةٍ أَنَّ لَوْحَ التَّفَكُّرِ وَالتَّشَكُّرِ وَالْإسْتِحْسَانِ وَالْإِيمَانِ يَنْظُرُ بِجَمِيعِ مَعَانِيهِ وَإِشَارَاتِهِ إِلَى لَوْحِ الصَّنْعَةِ وَالنِّعْمَةِ * فَإِذْ شَاهَدَتْ( ) عَيْنُكَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، فَهَلْ يُمْكِنُ لِعَقْلِكَ أَنْ يُنْكِرَ أَعْظَمَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ رَئِيسِ دَائِرَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَصَاحِبِ دَائِرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِقَلْبِكَ أَنْ لَا يُوقِنَ بِأَنَّ ذَلِكَ الرَّئِيسَ (الَّذِي يَخْدُمُ بِالْإِخْلَاصِ لِمَقَاصِدِ الصَّانِعِ فِي تَشْهِيرِ صَنْعَتِهِ وَتَقْدِيرِهَا) لَهُ مُنَاسَبَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ الصَّانِعِ وَانْتِسَابٌ قَوِيٌّ إِلَيْهِ, وَلَهُ مَعَهُ مُكَالَمَةٌ، وَمِنْهُ إِلَيْهِ رِسَالَةٌ؟ * نَعَمْ, فَبِالْبَدَاهَةِ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَحْبُوبٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ مَالِكِ الْمُلْكِ, بَلْ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ * فَيَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ! هَلْ يُمْكِنُ فِي عَقْلِكَ أَنْ لَا يُبَالِي وَلاَ يَهْتَمَّ صَانِعُ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمُزَيَّنَاتِ بِأَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ, وَمُنْعِمُ هَذِهِ النِّعَمِ الْمُرَاعِي لِدَقَائِقِ الْأَذْوَاقِ فِي أَفْوَاهِ الْخَلْقِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَصْنُوعِ الْأَجْمَلِ الْأَكْمَلِ, الْمُتَوَجِّهِ إِلَيْهِ بِكَمَالِ الْاِشْتِيَاقِ وَالتَّعَبُّدِ وَالتَّحَبُّبِ, وَبِمِثْلِ هَذَا الْمَخْلُوقِ الَّذِي طَنَّ( ) الْفَرْشَ وَالْعَرْشَ بِوَلْوَلَةِ اسْتِحْسَانَاتِهِ وَدَمْدَمَةِ تَقْدِيرَاتِهِ لِمَحَاسِنِ صَنْعَةِ ذَلِكَ الصَّانِعِ * وَاهْتَزَّ الْبَرُّ وَالْبَحْرُ جَذْبَةً مِنْ زَمْزَمَةِ تَشُكُّرَاتِهِ لِإِحْسَانَاتِ ذَلِكَ الْفَاطِرِ، وَمِنْ شَعْشَعَةِ تَكْبِيرَاتِهِ لِعَظَمَةِ ذَلِكَ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ * فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يُبَالِيَ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّانِعِ الْمُحْسِنِ الْمُقْتَدِرِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَصْنُوعِ الْمُسْتَحْسِنِ الْمُتَشَكِّرِ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ مَعَهُ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يُحِبَّهُ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يُقَرِّبَهُ إِلَيْهِ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يُرِيدَ سِرَايَةَ وَضْعِيَّتِهِ الْحَسَنَةِ وَحَالَتِهِ الْجَمِيلَةِ إِلَى عُمُومِ الْخَلْقِ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ قُدْوَةً لِلنَّاسِ, حَتَّى يَنْصَبِغُونَ بِصِبْغَتِهِ وَوَضْعِيَّتِهِ وَحَالَتِهِ؟! وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَجْعَلَهُ رَسُولاً إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؟! أَمْ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ لِصَانِعِ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمُنْتَظِمَةِ الدَّالَّةِ نُقُوشُ صَنْعَتِهَا عَلَى عِلْمٍ بِلَا نِهَايَةٍ, وَعَلَى حِكْمَةٍ بِلَا غَايَةٍ؛ شُعُورٌ وَاِطِّلاعٌ عَلَى الْفَرْدِ الْأَكْمَلِ وَالْأَجْمَلِ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ؟! أَمْ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَ وَيَبْصُرَ( ) وَلَا يَتَكَلَّمَ مَعَهُ؟!.. أَمْ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَدَّدَ وَيَتَعَرَّفَ بِتَزْيِينَاتِ مَصْنُوعَاتِهِ وَلَا يَوَدَّ وَلا يَعْرِفَ مَنْ يَوَدُّهُ كَمَا يَحِقُّ, وَيَعْرِفُهُ كَمَا يَلِيقُ, وَيَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ بِالصِّدْقِ وَيَتَعَبَّدُ لَهُ بِالْحَقِّ؟! *

اَلرَّشْحَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ( ) [الْمُتَضَمِّنَةُ لِقَطَرَاتٍ مِنْ بَحْرِ الْمُعْجِزَةِ الْكُبْرَى] اَلْقَطْرَةُ الْأُولَى: اِعْلَمْ أَنَّ دَلاَئِلَ النُّبُوَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحَدُّ( )’* وَلَقَدْ صَنَّفَ فِي بَيَانِهَا أَعَاظِمُ الْمُحَقِّقِينَ, وَأَنَا مَعَ عَجْزِي وَقُصُورِي قَدْ بَيَّنْتُ شُعَاعَاتٍ مِنْ تِلْكَ الشَّمْسِ فِي رِسَالَةٍ تُرْكِيَّةٍ مُسَمَّاةٍ بِـ >شُعَاعَاتْ< * وَكَذَا بَيَّنْتُ فِيهَا إِجْمَالاً وُجُوهَ إِعْجَازِ مُعْجِزَتِهِ الْكُبْرَى >أَيِ الْقُرْآنِ< * وَقَدْ أَشَرْتُ بِفَهْمِيَ الْقَاصِرِ إِلَى مِقْدَارِ أَرْبَعِينَ وَجْهٍ( ) مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ فِي >لَمَعَاتْ<( ) * وَقَدْ بَيَّنْتُ إِعْجَازَهُ النَّظْمِيُّ( ) مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ وَاحِداً، وَهُوَ الْبَلاغَةُ الفَائِقَةُ النَّظْمِيَّةُ فِي مِقْدَارِ أَرْبَعِينَ صَحِيفَةً مِنْ تَفْسِيرِيَ الْعَرَبِيِّ الْمُسَمَّى بِـ >إِشَارَاتُ الْإِعْجَازِ< * فَإِنْ شِئْتَ فَرَاجِعْ إِلَى هَذِهِ الْكُتُبِ( ) الثَّلاثَةِ. اَلْقَطْرَةُ الثَّانِيَةُ: اِعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ تَفَهَّمْتَ مِنَ الدُّرُوسِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ مِنْ خَالِقِ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَجْرَامِ العُلْوِيَّةِ, وَهَذِهِ الْأَرْضِ وَالْمَوْجُودَاتِ السُّفْلِيَّةِ, وَيُعَرِّفُ لَنَا رَبَّنَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, لَهُ مَقَامَاتٌ وَوَظَائِفُ كَثِيرَةٌ * فَإِنْ قُلْتَ: الْقُرْآنُ مَا هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: هُوَ التَّرْجَمَةُ الْأَزَلِيَّةُ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ، وَالتَّرْجُمَانُ الْأَبَدِيُّ لِأَلْسِنَتِهَا التَّالِيَاتِ لِلْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ, وَمُفَسِّرُ كِتَابِ الْعَالَمِ * وَكَذَا هُوَ كَشَّافٌ لِمَخْفِيَّاتِ كُنُوزِ الْأَسْمَاءِ الْمُسْتَتِرَةِ فِي صَحَائِفِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ * وَكَذَا هُوَ مِفْتَاحٌ لِحَقَائِقِ الشُّؤُونِ الْمُضْمَرَّةِ فِي سُطُورِ( ) الْحَادِثَاتِ * وَكَذَا هُوَ لِسَانُ الْغَيْبِ فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ * وَكَذَا هُوَ خَزِينَةُ الْمُخَاطَبَاتِ الْأَزَلِيَّةِ السُّبْحَانِيَّةِ, وَالْإِلْتِفَاتَاتِ الْأَبَدِيَّةِ الرَّحْمَانِيَّةِ * وَكَذَا هُوَ أَسَاسٌ وَهَنْدَسَةٌ وَشَمْسٌ لِهَذَا الْعَالَمِ الْمَعْنَوِيِّ الْإِسْلَامِيِّ * وَكَذَا هُوَ خَرِيطَةٌ لِلْعَالَمِ الْأُخْرَوِيِّ * وَكَذَا هُوَ قَوْلٌ شَارِحٌ وَتَفْسِيرٌ وَاضِحٌ وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ وَتَرْجُمَانٌ سَاطِعٌ لِذَاتِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَشُؤُونِهِ * وَكَذَا هُوَ مُرَبٍّ لِلْعَالَمِ الْإِنْسَانِيِّ، وَكَالْمَاءِ وَكَالضِّيَاءِ لِلْإِنْسَانِيَّةِ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ الْإِسْلامِيَّةُ * وَكَذَا هُوَ الْحِكْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِنَوْعِ الْبَشَرِ, وَهُوَ الْمُرْشِدُ الْمُهْدِيُّ إِلَى مَا خُلِقَ الْبَشَرُ لَهُ * وَكَذَا هُوَ لِلْإِنْسَانِ كَمَا أَنَّهُ كِتَابُ شَرِيعَةٍ؛ كَذَلِكَ كِتَابُ حِكْمَةٍ * وَكَمَا أَنَّهُ كِتَابُ دُعَاءٍ وَعُبُودِيَّةٍ؛ كَذَلِكَ هُوَ كِتَابُ أَمْرٍ وَدَعْوَةٍ * وَكَمَا أَنَّهُ كِتَابُ ذِكْرٍ؛ كَذَلِكَ هُوَ كِتَابُ فِكْرٍ * وَكَما أَنَّهُ كِتَابٌ وَاحِدٌ، لَكِنَّ فِيهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ حَاجَاتِ الْإِنْسَانِ الْمَعْنَوِيَّةِ * كَذَلِكَ هُوَ كَمَنْزِلٍ مُقَدَّسٍ مَشْحُونٍ بِالْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ, حَتَّى إِنَّهُ قَدْ أَبْرَزَ لِمَشْرَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَشَارِبِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلِمَسْلَكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسَالِكِ الْمُتَبَايِنَةِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ, وَمِنَ الْعُرَفَاءِ وَالْمُحَقِّقِينَ رِسَالَةً لائِقَةً لِمَذَاقِ ذَلِكَ الْمَشْرَبِ وَتَنْوِيرِهِ, وَلِمَسَاقِ ذَلِكَ الْمَسْلَكِ وَتَصْوِيرِهِ * حَتَّى كَأَنَّهُ مَجْمُوعَةُ الرَّسَائِلِ *

مَبْحَثٌ عَظِيمٌ فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ تَفَوُّقِ قِيمَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْكُلِّ, مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ: { ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ... ( )}؟ قِيلَ لَكَ: إِنَّ الْقُرْآنَ( ) كَلَامَ اللهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ, وَبِعُنْوَانِ إِلَهِ الْعَالَمِينَ, وَبِاسْمِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ * وَمِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ, وَمِنْ جِهَةِ السَّلْطَنَةِ العَامَّةِ( ), وَمِنْ جَانِبِ الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ, وَمِنْ حَيْثِيَّةِ حَشْمَةِ عَظَمَةِ الْأُلُوهِيَّةِ, وَمِنْ مُحِيطِ اِسْمِهِ الْأَعْظَمِ إِلَى مُحَاطِ عَرْشِهِ الأَعْظَمِ * وَأَمَّا سَائِرُ الْكَلِمَاتِ الْإِلهِيَّةِ؛ فَمِنْهَا مَا هُوَ بِاعْتِبَارٍ خَاصٍّ, وَبِعُنْوَانٍ خَاصٍّ (جُزْئِيٍّ), وَبِاسْمٍ جُزْئِيٍّ فِي تَجَلٍّ جُزْئِيٍّ, وَمِنْ جِهَةِ رُبُوبِيَّةٍ خَاصَّةٍ, وَسَلْطَنَةٍ مَخْصُوصَةٍ, وَرَحْمَةٍ خُصُوصِيَّةٍ كَأَكْثَرِ الْإِلْهَامَاتِ * وَمِنْ هَذَا السِّرِّ يَقُولُ الْوَلِيُّ: >حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي<، وَلاَ يَقُولُ: >عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ< * نَعَمْ, أَيْنَ فَيْضُكَ بِمِقْدَارِ قَابِلِيَّتِكَ مِنْ تَجَلِّي رَبِّكَ فِي مِرْآةِ قَلْبِكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ؟ ثُمَّ أَيْنَ فَيْضُ النَّبِيِّ مِنْ تَجَلِّي رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْاِسْمِ الْأَعْظَمِ فِي مِرْآةِ الْعَرْشِ الْأَعْظَمِ الْأُمِّ لِجَمِيعِ الْعُرُوشِ بِاعْتِبَارِ الْأَسْمَاءِ بِجَلَوَاتِهَا؟ كَمَا أَيْنَ فَيْضُكَ مِنْ شَمْسِكَ فِي مِرْآتِكَ الصَّغِيرَةِ الْمُكَدَّرَةِ؟ ثُمَّ أَيْنَ الْفَيْضُ مِنْ شَمْسِ الْعَالَمِ فِي سَقْفِ السَّمَاءِ؟! * وَكَمَا أَيْنَ خِطَابُ مَلِكٍ لِأَحَدِ رَعِيَّتِهِ بِأَمْرٍ جُزْئِيٍّ لِحَاجَةٍ خُصُوصِيَّةٍ بِتَلِفُونِهِ الْخَاصِّ؟ ثُمَّ أَيْنَ فَرْمَانُ ذَلِكَ الْمَلِكِ بِعُنْوَانِ السَّلْطَنَةِ الْعُظْمَى, وَبِاسْمِ الْخِلاَفَةِ الْكُبْرَى, وَمِنْ حَيْثِيَّةِ حَشْمَةِ مَالِكِيَّتِهِ الْعُلْيَا, وَبِقَصْدِ تَشْهِيرِ أَوَامِرِهِ فِي أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ بِوَاسِطَةِ سُفَرَائِهِ وَأُمَنَائِهِ؟!. فَمِنْ هَذَا السِّرِّ الْعَظِيمِ يُفْهَمُ سِرُّ كَوْنِ أَكْثَرِ الْوَحْيِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ, وَأَكْثَرِ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ بِدُونِهِ * وَسِرُّ عَدَمِ بُلُوغِ أَعْلَى وَلِيٍّ دَرَجَةَ أَحَدِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ * وَسِرُّ عَظَمَةِ الْقُرْآنِ وَعِزَّةِ قُدْسِيَّتِهِ, وَعُلْوِيَّةِ إِعْجَازِهِ فِي غُلُوِّ إِيجَازِهِ * وَسِرُّ لُزُومِ الْمِعْرَاجِ إِلَى السَّمَاءِ, إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى, إِلَى قَابَ قَوْسَيْنِ لِمُنَاجَاةِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ, ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْرَارِ * ثُمَّ إِنَّ الْكَلامَ النَّفْسِيَّ كَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ بَسِيطَةٌ مَعْلُومَةُ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ, مَجْهُولَةُ الْكُنْهِ وَالْكَيْفِيَّةِ * وَإِنَّ الْكَلِمَاتِ لَا نِهَايَةَ لَهَا’* سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *

    • ** **

[أيُّها النَّاظِرُ هَذا المبحثَ العظيمَ من تتمات >القطرة الثانية< من >الرشحة الرابعة عشرة<] بديع الزمان سعيد النورسي.   اَلْقَطْرَةُ الثَّالِثَةُ: (فِي بَيَانِ لَمْعَةِ الْإِعْجَازِ فِي تَكْرَارَاتِ الْقُرْآنِ) * وَفِي هَذِهِ اللَّمْعَةِ سِتَّةُ( ) نُقَطٍ * اَلنُّقْطَةُ الْأُولَى: اِعْلَمْ: أَنَّ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ كِتَابُ ذِكْرٍ وَكِتَابُ دُعَاءٍ وَكِتَابُ دَعْوَةٍ؛ يَكُونُ تَكْرَارُهُ أَحْسَنَ وَأَبْلَغَ, بَلْ أَلْزَمَ * إِذِ الذِّكْرُ يُكَرَّرُ, وَالدُّعَاءُ يُرَدَّدُ, وَالدَّعْوَةُ تُؤَكَّدُ * إِذْ فِي تَكْرِيرِ الذِّكْرِ تَنْوِيرٌ, وَفِي تَرْدِيدِ الدُّعَاءِ تَقْرِيرٌ, وَفِي تَكْرَارِ الدَّعْوَةِ تَأْكِيدٌ * النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: اِعْلَمْ: أَنَّ الْقُرْآنَ خِطَابٌ وَدَوَاءٌ لِجَمِيعِ طَبَقَاتِ الْبَشَرِ مِنْ أَذْكَى الْأَذْكِيَاءِ إِلَى أَغْبَى الْأَغْبِيَاءِ, وَمِنْ أَتْقَى الْأَتْقِيَاء إِلَى أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ, وَمِنَ الْمُوَفَّقِينَ الْمُجِدِّينَ الْفَارِغِينَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْمَخْذُولِينَ الْمُتَهَاوِنِينَ الْمَشْغُولِينَ بِالدُّنْيَا * فَإِذاً لا يُمْكِنُ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ قِرَاءَةُ تَمَامِ الْقُرْآنِ, الَّذِي هُوَ دَوَاءٌ وَشِفَاءٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ * (في نسخة) قِرَاءَةُ تَمَامِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ دَوَاءٌ وَشِفَاءٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ * فَلِهَذَا أَدْرَجَ الْحَكِيمُ الرَّحِيمُ أَكْثَرَ الْمَقَاصِدِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي أَكْثَرِ سُوَرٍ, لَا سِيَّمَا الطَّوِيلَةَ؛ حَتَّى صَارَتْ كُلُّ سُورَةٍ قُرْآناً صَغِيراً * فَسَهَّلَ السَّبِيلَ لِكُلِّ أَحَدٍ, وَيُنَادِي مُشَوِّقاً: {ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ} * اَلنُّقْطَةُ الثَّالِثَةُ: اِعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْحَاجَاتِ الْجِسْمَانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْأَوْقَاتِ؛ فَإِلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ آنٍ كَالْهَوَاءِ, وَإِلَى قِسْمٍ فِي كُلِّ وَقْتِ حَرَارَةِ الْمَعِدَةِ كَالْمَاءِ, وَإِلَى صِنْفٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَالْغِذَاءِ, وَإِلَى نَوْعٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ كَالضِّيَاءِ, وَإِلَى طَائِفَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ( ), وَإِلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَالدَّوَاءِ؛ كُلُّهَا فِي الْأَغْلَبِ, وَقِسْ عَلَيْهَا * كَذَلِكَ، أَنَّ الْحَاجَاتِ الْمَعْنَوِيَّةَ الْإِنْسَانِيَّةَ أَيْضاً مُخْتَلِفَةُ الْأَوْقَاتِ؛ فَإِلَى قِسْمٍ فِي كُلِّ آنٍ كَـ >هُوَ وَاَللهِ<، وَإِلَى قِسْمٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَـ >بِسْمِ اللهِ<, وَإِلَى قِسْمٍ فِي كُلِّ سَاعَةٍ كَـ >لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ< وَهَكَذَا فَقِسْ * فَتَكْرَارُ الْآيَاتِ وَالْكَلِمَاتِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ الْاِحْتِيَاجِ, وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى شِدَّةِ الْاِحْتِيَاجِ إِلَيْهَا, وَلِتَنْبِيهِ عِرْقِ الْاِحْتِيَاجِ وَإِيقَاظِهِ, وَلِلتَّشْوِيقِ عَلَى الْاِحْتِيَاجِ, وَلِتَحْرِيكِ اِشْتِهَاءِ الْاِحْتِيَاجِ إِلَى تِلْكَ الْأَغْذِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ’* اَلنُّقْطَةُ الرَّابِعَةُ: اِعْلَمْ: أَنَّ الْقُرْآنَ مُؤَسِّسٌ لِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ الْمَتِينِ وَوَاضِعٌ لِأَسَاسَاتِهِ, وَأَسَاسَاتٌ لِهَذَا الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ, وَمُقَلِّبٌ لِإِجْتِمَاعِيَّةِ الْبَشَرِ وَمُحَوِّلُهَا وَمُبَدِّلُهَا * وَلَا بُدَّ لِلْمُؤَسِّسِ مِنْ التَّكْرِيرِ لِلتَّثْبِيتِ, وَمِنَ التَّرْدِيدِ لِلتَّأْكِيدِ, وَمِنَ التَّكْرَارِ لِلتَّقْرِيرِ( ) * وَكَذَا إِنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ أَجْوِبَةٌ لِمُكَرَّرَاتِ( ) أَسْئِلَةِ الطَّبَقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْبَشَرِيَّةِ بِأَلْسِنَةِ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ * اَلنُّقْطَةُ الْخَامِسَةُ: اِعْلَمْ: أَنَّ الْقُرْآنَ يَبْحَثُ عَنْ مَسَائِلَ عَظِيمَةٍ وَيَدْعُو الْقُلُوبَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهَا * وَعَنْ حَقَائِقَ دَقِيقَةٍ وَيَدْعُو الْعُقُولَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا * فَلَا بُدَّ لِتَقْرِيرِهَا فِي الْقُلُوبِ وَتَثْبِيتِهَا فِي أَفْكَارِ الْعَامَّةِ مِنَ التَّكْرَارِ فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَسَالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ * اَلنُّقْطَةُ السَّادِسَةُ: اِعْلَمْ: أَنَّ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْراً وَبَطْناً, وَحَدَّاً وَمُطَّلَعاً, وَلِكُلِّ قِصَّةٍ وُجُوهَاً وَأَحكَامَاً وَفَوَائِدَ وَمَقَاصِدَ * فَتُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ لِوَجْهٍ, وَفِي آخَرَ لِأُخْرَى( ), وَفِي مَقَامٍ لِحُكْمٍ, وَفِي آخَرَ لِآخَرَ, وَفِي مَحَلٍّ لِفَائِدَةٍ, وَفِي أُخْرَى لِأُخْرَى( ), وَفِي سُورَةٍ لِمَقْصِدٍ وَفِي أُخْرَى لآخَرَ وَهَكَذَا! * فَعَلَى هَذَا, لَا تَكْرَارَ إِلاَّ فِي الصُّورَةِ *

    • ** **

اَلْقَطْرَةُ الرَّابِعَةُ فِي بَيَانِ لَمْعَةِ الْإِعْجَازِ فِي إِهْمَالِ الْقُرْآنِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَوْنِيَّةِ الْفَلْسَفِيَّةِ, وَإِبْهَامِهِ فِي بَعْضٍ آخَرَ مِنْهَا, وَإِجْمَالِهِ فِي قِسْمٍ مِنْهَا * وَفِي هَذِهِ اللَّمْعَةِ سِتُّ( ) نُكَتٍ: اَلنُّكْتَةُ الْأُولَى: فَإِنْ قُلْتَ: لِأَيِّ شَيْءٍ لَا يَبْحَثُ الْقُرْآنُ عَنِ الْكَائِنَاتِ كَمَا يَبْحَثُ عَنْهَا فَنُّ الْحِكْمَةِ وَالْفَلْسَفَةِ؟ قِيلَ لَكَ: لِأَنَّ الْفَلْسَفَةَ عَدَلَتْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ, فَاسْتَخْدَمَتِ الْمَوْجُودَاتِ لِأَنْفُسِهَا >بِالْمَعْنَى الْاِسْمِيِّ< * وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَبِالْحَقِّ أُنْزِلَ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَإِلَى الْحَقِيقَةِ يَذْهَبُ؛ فَيَسْتَخْدِمُ الْمَوْجُودَاتِ >بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ< لَا لِأَنْفُسِهَا، بَلْ لِخَالِقِهَا * فَإِنْ قُلْتَ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَبْهَمَ الْقُرْآنُ وَأَجْمَلَ فِي أَمْثَالِ مَاهِيَّةِ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَشَكْلِهَا وَحَرَكَتِهَا عَلَى مَا بَيَّنَهَا الْفَنُّ؟ قِيلَ لَكَ: لِأَنَّ الْإِبْهَامَ أَهَمُّ وَالْإِجْمَالَ أَجْمَلُ * فَأَوَّلاً: لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا يَبْحَثُ عَنِ الْكَائِنَاتِ اِسْتِطْرَاداً لِلْاسْتِدْلالِ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَصِفَاتِهِ * وَمِنْ شَرْطِ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِراً وَأَظْهَرَ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ وَالنَّتِيجَةُ مَعْرِفَةُ ذَاتِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ * فَلَوْ قَالَ عَلَى مَا يَشْتَهِيهِ أَهْلُ الْفَنِّ: >يَا أَيُّهَا النَّاسُ! فَانْظُرُوا إِلَى الشَّمْسِ فِي سُكُونِهَا, وَإِلَى الْأَرْضِ فِي حَرَكَتِهَا لِتَعْرِفُوا عَظَمَةَ قُدْرَةِ خَالِقِهَا<, لَصَارَ الدَّلِيلُ أَخْفَى وَأَغْمَضَ مِنَ النَّتِيجَةِ, وَأَبْعَدَ بِمَرَاتِبَ مِنْ فَهْمِ أَكْثَرِ الْبَشَرِ فِي أَكْثَرِ الْأَزْمَانِ وَالْأَعْصَارِ * مَعَ أَنَّ حَقَّ الْأَكْثَرِ الْمُطْلَقِ أَهَمُّ فِي نَظَرِ الْإِرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ, فَمُرَاعَاةُ فَهْمِهِمْ لَا تُنَافِي اِسْتِفَادَةَ الْمُتَفَلْسِفِينَ الْمُتَعَمِّقِينَ الْقَلِيلِينَ؛ وَلَكِنَّ فِي مُرَاعَاةِ هَذَا الْأَقَلِّ مَحْرُومِيَّةَ الْأَكْثَرِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ’* وَثَانِياً: إِنَّ مِنْ شَأْنِ الْبَلاغَةِ الْإِرْشَادِيَّةِ مُمَاشَاةَ نَظَرِ الْعُمُومِ, وَمُرَاعَاةَ حِسِّ الْعَامَّةِ, وَمُؤَانَسَةَ فِكْرَ الْجُمْهُورِ؛ لِئَلاَّ يَتَوَحَّشَ نَظَرُهُمْ بِلا طَائِلٍ * وَلاَ يَتَشَوَّشَ فِكْرُهُمْ بِلاَ فَائِدَةٍ * وَلا يَتَشَرَّدَ حِسُّهُمْ بِلاَ مَصْلَحَةٍ * فَأَبْلَغُ الْخِطَابِ مَعَهُمْ وَالْإِرْشَادِ( ) أَنْ يَكُونَ ظَاهِراً بَسِيطاً سَهْلاً لَا يُعَجِّزُهُمْ, وَجِيزاً لَا يُمِلُّهُمْ, مُجْمَلاً فِيمَا لَا يَلْزَمُ تَفْصِيلُهُ لَهُمْ * وَثَالِثاً: أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَذْكُرُ أَحْوَالَ الْمَوْجُودَاتِ لَهَا( ), بَلْ لِمُوجِدِهَا * فَالْأَهَمُّ عِنْدَهُ أَحْوَالُهَا النَّاظِرَةُ إِلَى مُوجِدِهَا * وَأَمَّا فَنُّ الْحِكْمَةِ فَتَبْحَثُ عَنْهَا لَهَا, فَالْأَهَمُّ عِنْدَهُ أَحْوَالُهَا النَّاظِرَةُ إِلَى أَنْفُسِهَا؛ فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الثُّرَيَّا وَالثَّرَى * وَكَذَا إِنَّ التَّنْزِيلَ يُخَاطِبُ كُلَّ النَّاسِ وَيُرَاعِى فَهْمَ الْأَكْثَرِ لِيَعْرِفُوا تَحْقِيقاً لَا تَقْلِيداً * وَالْفَنُّ يَتَكَلَّمُ بِالْأَصَالَةِ مَعَ أَهْلِ الْفَنِّ, وَأَمَّا مَعَ الْعُمُومِ فَلِلتَّقْلِيدِ * فَمَا فَصَّلَ فِيهِ الْفَنُّ بِشَرْطِ الصِّدْقِ, لَا بُدَّ أَنْ يُجْمِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أَوْ يُبْهِمَ أَوْ يُهْمِلَ عَلَى دَرَجَاتِ نَفْعِ الْعَامَّةِ * وَرَابِعاً: إِنَّ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ مُرْشِدٌ لِكُلِّ طَبَقَاتِ الْبَشَرِ؛ تَسْتَلْزِمُ بَلاَغَةُ الْإِرْشَادِ أَنْ لَا يَذْكُرَ مَا يُوقِعُ الْأَكْثَرَ فِي الْمُغَالَطَةِ وَالْمُكَابَرَةِ مَعَ الْبَدِيهِيَّاتِ فِي نَظَرِهِمِ الظَّاهِرِيِّ * وَأَنْ لَا يُغِيِّرَ بِلاَ لُزُومٍ مَا هُوَ مِنَ الْمُتَعَارِفَاتِ الْمَحْسُوسَةِ عِنْدَهُمْ * وَأَنْ يُهْمِلَ أَوْ يُجْمِلَ مَا يَلْزَمُ لَهُمْ فِي وَظِيفَتِهِمِ الْأَصْلِيَّةِ * مَثَلاً: يَبْحَثُ عَنِ الشَّمْسِ؛ لاَ لِلشَّمْسِ وَلاَ مِنْ( ) مَاهِيَّتِهَا, بَلْ لِمَنْ نَوَّرَهَا وَجَعَلَهَا سِرَاجاً * وَعَنْ وَظِيفَتِهَا بِصَيْرُورَتِهَا زَنْبَرَكَ اِنْتِظَامِ صَنْعَةٍ, وَمَرْكَزَ نِظَامِ خِلْقَةٍ, وَمَكُّوكَ اِنْسِجَامِ صِبْغَةٍ فِي نَسْجِ النَّقَّاشِ الْأَزَلِيِّ لِهَذِهِ الْمَنْسُوجَاتِ بِخُيُوطِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي اخْتِلافِ الْفُصُولِ, اَلْمَفْرُوشَاتِ تِلْكَ الْمَنْسُوجَاتِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؛ لِيُعَرِّفَنَا الْقُرْآنُ بِإِرَاءَةِ نِظَامِ النَّسْجِ وَانْتِظَامِ الْمَنْسُوجَاتِ كَمَالاَتِ فَاطِرِهَا الْحَكِيمِ وَصَانِعِهَا الْعَلِيمِ * وَحَرَكَةَ الشَّمْسِ سَوَاءً كَانَتْ ظَاهِرِيَّةً أَوْ حَقِيقِيَّةً لَا تُؤَثِّرُ فِي مَقْصِدِ الْقُرْآنِ * إِذِ الْمَقْصِدُ إِرَاءَةُ نَسْجِ النِّظَامِ الْحَكِيمِ فِي ضِمْنِ إِرَاءَةِ جَرَيَانِ الشَّمْسِ الْمَشْهُودِ؛ فَالنَّسْجُ مَشْهُودٌ بِكَمَالِ حَشْمَتِهِ, فَلا يَضُرُّهُ سُكُونُ الشَّمْسِ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا يَزْعَمُهُ الْفَنُّ * النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ: {وَجَعَلْنَا الْشَّمْسَ سِرَاجًا} وَ{وَتَجْرِي الْشَّمْسُ لِمُسْتَقِرٍّ} ( ) * فَإِنْ قُلْتَ: لأَيِّ شَيْءٍ عَبَّرَ عَنِ الشَّمْسِ بِالسِّرَاجِ؟ مَعَ أَنَّهَا عِنْدَ الْفَنِّ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِلْأَرْضِ, بَلْ هِيَ مَرْكَزُ الْأَرْضِ مَعَ السَّيَّارَاتِ؟ قِيلَ لَكَ: إِنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالسِّرَاجِ تَصْوِيرَ الْعَالَمِ بِصُورَةِ قَصْرٍ, وَتَصْوِيرَ الْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِيهِ فِي صُورَةِ لَوَازِمَاتِ ذَلِكَ الْقَصْرِ وَمُزَيَّنَاتِهِ وَمَطْعُومَاتِهِ لِسُكَّانِ الْقَصْرِ وَمُسَافِرِيهِ؛ وَإِحْسَاسٌ أَنَّهُ قَدْ أَحْضَرَتْهَا لِضُيُوفِهِ وَخُدَّامِهِ يَدُ كَرِيمٍ رَحِيمٍ, وَمَا الشَّمْسُ إِلاَّ مَأْمُورٌ مُسَخَّرٌ وَسِرَاجٌ مُنَوَّرٌ * فَفِي تَعْبِيرِ >السِّرَاجِ< إِخْطَارُ رَحْمَةِ الْخَالِقِ فِي عَظَمَةِ رُبُوبِيَّتِهِ, وَإِفْهَامُ إِحْسَانِهِ فِي وُسْعَةِ رَحْمَتِهِ, وَإِحْسَاسُ كَرَمِهِ فِي حَشْمَةِ سَلْطَنَتِهِ, وَإِعْلانُ وَحْدَانِيَّتِهِ بِإِرَاءَةِ أَعْظَمِ مَا يَتَوَهَّمُهُ الْمُشْرِكُ مَعْبُوداً؛ أَنَّهُ مَا هُوَ إِلاَّ سِرَاجٌ مُسَخَّرٌ * إِذْ أَيْنَ السِّرَاجُ الْمُسَخَّرُ الْجَامِدُ, وَأَيْنَ لَيَاقَةُ الْعِبَادَةِ؟! * وَفِي تَعْبِيرِ >الْجَرَيَانِ< إِخْطَارُ التَّصَرُّفَاتِ الْمُنْتَظِمَةِ الْعَجِيبَةِ فِي مَا بَيْنَ اِخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَدَوَرَانِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ * وَفِي إِخْطَارِهَا إِفْهَامُ عَظَمَةِ قُدْرَةِ الصَّانِعِ فِي اِنْفِرَادِهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ؛ فَمِنْ نُقْطَتَيِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يُوَجِّهُ الذِّهْنَ إِلَى صَحَائِفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ, وَمِنْهَا( ) إِلَى سُطُورِ الْحَادِثَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي أَجْوَافِهَا * فَتَعْبِيرُ >الْجَرَيَانِ< عُنْوَانٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي, فَيَكْفِي ظَاهِرُ الْعُنْوَانِ وَلاَ تَعَلُّقَ لِلْمَقْصِدِ بِحَقِيقَتِهِ * فَانْظُرْ إِلَى كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهَا سَهْلاً بَسِيطاً مَعْرُوفاً( )؛ كَيْفَ صَارَتْ أَبْوَاباً وَمَفَاتِحَ لِخَزَائِنِ لَطَائِفِ الْمَعَانِي * ثُمَّ انْظُرْ إِلَى مُطَنْطَنَاتِ كَلِمَاتِ الْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ؛ كَيْفَ أَنَّهَا مَعَ شَعْشَعَتِهَا لَا تُفِيدُكَ كَمَالاً عِلْمِيَّاً, وَلَا ذَوْقاً رُوحِيَّاً, وَلاَ غَايَةً إِنْسَانِيَّةً, وَلَا فَائِدَةً دِينِيَّةً * بَلْ إِنَّمَا تُفِيدُكَ حَيْرَةً مُدْهِشَةً وَدَهْشَةً مُوحِشَةً * وَتُسْقِطُكَ مِنَ سَمَاءِ التَّوْحِيدِ الْمُضِيءِ فِي أَوْدِيَةِ الْكَثْرَةِ الْمُظْلِمَةِ * فَاسْتَمِعْ بَعْضَ مَا يَقُولُ الْفَلْسَفِيُّ فِي الشَّمْسِ, يَقُولُ: >هِيَ كُتْلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْمَائِعِ النَّارِيِّ أَعْظَمُ مِنْ أَرْضِنَا بِمَلْيُونٍ وَثَلاثِمَائَةِ أَلْفِ مَرَّةٍ؛ تَدُورُ عَلَى نَفْسِهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا, تَطَايَرَتْ مِنْهَا شَرَارَاتٌ وَهِيَ أَرْضُنَا وَسَيَّارَاتٌ أُخْرَى * فَتَدُورُ هَذِهِ الْأَجْرَامُ الْعَظِيمَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الْجَسَامَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْبُعْدِ مِنْهَا بِالْجَاذِبِ الْعُمُومِيِّ حَوْلَ الشَّمْسِ فِي الفَضَاءِ الْخَالِي * فَإِنْ خَرَجَ أَحَدُهَا مِنْ مَدَارِهِ بِالتَّصَادُفِ بِحَادِثَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ـ كَمُرُورِ النَّجْمِ ذِي الذَّنَبِ ـ بِهِ لَحَصَلَ هَرْجٌ وَمَرْجٌ فِي الْمَنْظُومَةِ الشَّمْسِيَّةِ, وَفِي الدُّنْيَا بِدَرَجَةٍ تَتَدَهَّشُ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ< * فَانْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ مَا أَفَادَتْكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؟.. فَيَا سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ تُقَلِّبُ الضَّلالَةُ شَكْلَ الْحَقِيقَةِ * وَمَا >الشَّمْسُ مَعَ سَيَّارَاتِهَا< إِلاَّ مَصْنُوعَةٌ مُوَظَّفَةٌ وَمَخْلُوقَةٌ مُسَخَّرَةٌ بِأَمْرِ فَاطِرِهَا الْحَكِيمِ وَبِقُوَّةِ خَالِقِهَا الْقَدِيرِ * وَمَا هِيَ مَعَ عَظَمَتِهَا إِلاَّ قَطْرَةٌ مُتَلَمِّعَةٌ فِي وَجْهِ بَحْرِ السَّمَاءِ يَتَجَلَّى شُعَاعٌ( ) مِنْ اِسْمِ النُّورِ عَلَيْهَا< * وَالفَلاسِفَةُ لَوْ أَدْرَجُوا فِي مَسَائِلِهِمْ قَبَساً مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالُوا: >يَفْعَلُ اللهُ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْمُدْهِشَةِ الْجَامِدَةِ وَظَائِفَ فِي غَايَةِ الْإِنْتِظَامِ وَالْحِكْمَةِ, وَهِيَ فِي غَايَةِ الْإِطَاعَةِ لِأَمْرِهِ< لَكَانَ لِعِلْمِهِمْ مَعْنًى, وَإِلاَّ ـ بِأَنْ أَسْنَدُوا إِلَى أَنْفُسِهَا وَإِلَى الْأَسْبَابِ ـ صَارُوا كَمَا قَالَ الْقُرْآنُ: >وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ< * وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَائِرَ الْمَسَائِلِ * النُّكْتَةُ الثَّالِثَةُ: اِعْلَمْ أَنَّ مَقَاصِدَ الْقُرْآنِ الْأَسَاسِيَّةَ وَعَنَاصِرَهُ الْأَصْلِيَّةَ أَرْبَعَةٌ: التَّوْحِيدُ, وَالرِّسَالَةُ, وَالْحَشْرُ, وَالْعَدَالَةُ مَعَ الْعُبُودِيَّةِ * فَيَصِيرُ سَائِرُ الْمَسَائِلِ وَسَائِلَ هَذِهِ الْمَطَالِبِ * وَمِنَ الْقَوَاعِدِ: عَدَمُ التَّعَمُّقِ فِي تَفْصِيلِ الْوَسَائِلِ؛ لِئَلاَّ يَنْتَشِرَ الْبَحْثُ بِالْاِشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِي, فَيَفُوتُ الْمَقْصِدُ * فَلِهَذَا قَدْ أَبْهَمَ الْقُرآنُ وَقَدْ أَهْمَلَ, وَقَدْ أَجْمَلَ الْقُرْآنُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَوْنِيَّةِ * وَكَذَا: إِنَّ الْأَكْثَرَ الْمُطْلَقَ مِنْ مُخَاطَبِ الْقُرْآنِ عَوَامُّ, وَهُمْ لَا يَقْتَدِرُونَ عَلَى فَهْمِ الْحَقَائِقِ الْغَامِضَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِدُونِ تَوْسِيطِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ بِالْإِجْمَالِ, وَلَا يَسْتَعِدُّونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِمَعْرِفَةِ مَسَائِلَ لَمْ يُوصِلْ إِلَيْهَا( ) بَعْدَ الْقُرُونِ الطَّوِيلَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنَ الْفَلاَسِفَةِ * فَلِهَذَا, أَكْثَرَ الْقُرْآنُ مِنَ التَّمْثِيلِ * وَمِنَ التَّمْثِيلِ بَعْضُ الْمُتَشَابِهَاتِ, فَإِنَّهَا تَمْثِيلاتٌ لِحَقَائِقَ غَامِضَةٍ إِلَهِيَّةٍ * وَأَجْمَلَ فِيمَا كَشَفَهُ الزَّمَانُ بَعْدَ عُصُورٍ( )، وَبَعْدَ حُصُولِ مُقَدَّمَاتٍ مُرَتَّبَةٍ( ) * اَلنُّكْتَةُ الرَّابِعَةُ: اِعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّاعَةَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ, بَلْ مُتَزَلْزِلَةٌ مُضْطَرِبَةُ الْآلاَتِ؛ كَذَلِكَ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ سَاعَةٌ كُبْرَى أَيْضاً مُتَزَلْزِلَةٌ؛ فَبِإِدْرَاجِ الزَّمَانِ فِيهَا صَارَ >اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ< كَمِيلَيْنِ يَعُدَّانِ ثَوَانِيهَا * وَ>السَّنَةُ< إِبْرَةٌ تَعُدُّ دَقَائِقَهَا * وَ>الْعَصْرُ< كَإِبْرَةٍ تَعُدُّ سَاعَاتِهَا * وَبِإِدْرَاجِ الْمَكَانِ فِيهَا صَارَ >الْجَوُّ< بِسُرْعَةِ تَغَيُّرِهِ وَتَحَوُّلِهِ وَتَزَلْزُلِهِ كَمِيلِ الثَّوَانِي * وَ>الْأَرْضُ< بِتَبَدُّلِ وَجْهِهَا نَبَاتاً وَحَيْوَاناً, مَوْتاً وَحَيَاةً كَمِيلِ الدَّقَائِقِ؛ وَبِتَزَلْزُلِ بَطْنِهَا وَتَوَلُّدِ جِبَالِهَا كَمِيلِ السَّاعَاتِ * وَ>السَّمَاءُ< بِتَغَيُّرَاتِهَا بِحَرَكَاتِ أَجْرَامِهَا وَظُهُورِ ذَوِي الْأَذْنَابِ وَالْكُسُوفَاتِ وَالشِّهَابَاتِ كَالْمِيلِ الَّذِي يَعُدُّ الْأَيَّامَ * فَالدُّنْيَا الْمَبْنِيَّةُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ السَّبْعَةِ ـ مَعَ أَنَّهَا وَاصِفَةٌ لِشُؤُونِ الْأَسْمَاءِ وَلِكِتَابَةِ قَلَمِ الْقَدَرِ وَالْقُدْرَةِ ـ فَانِيَةٌ هَالِكَةٌ مُتَزَلْزِلَةٌ رَاحِلَةٌ كَالْمَاءِ السَّيَّالِ فِي الْحَقِيقَةِ, لَكِنْ تَجَمَّدَتْ صُورَةً بِالْغَفْلَةِ وَتَكَدَّرَتْ بِالطَّبِيعَةِ فَصَارَتْ حِجَاباً عَنِ الْآخِرَةِ * فَالْفَلْسَفَةُ السَّقِيمَةُ وَالْمَدَنِيَّةُ السَّفِيهَةُ تَزِيدَانِ جُمُودَتَهَا وَكُدُورَتَهَا بِالتَّدْقِيقَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَالْمَبَاحِثِ الطَّبِيعِيَّةِ * وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَيُنَفِّشُ الدُّنْيَا كَالْعِهْنِ بِآيَاتِهِ, وَيُشَفِّفُهَا بِبَيِّنَاتِهِ, وَيُذِيبُهَا بِنَيِّرَاتِهِ, وَيُمَزِّقُ أَبَدِيَّتَهَا الْمَوْهُومَةَ بِنَعَيَاتِهِ, وَيُفَرِّقُ الْغَفْلَةَ الْمُوَلِّدَةَ لِلطَّبِيعَةِ بِرَعَدَاتِهِ * فَحَقِيقَةُ الدُّنْيَا الْمُتَزَلْزِلَةِ تَقْرَأُ بِلِسَانِ حَالِهَا آيَةَ: {ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ} * فَلِهَذَا, أَجْمَلَ الْقُرْآنُ فِيمَا فَصَّلَتْ فِيهِ الْفَلْسَفَةُ مِنْ مَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ وَخَوَاصِّهَا, وَفَصَّلَ فِيمَا أَجْمَلَتْ أَوْ أَهْمَلَتْ فِيهِ مِنْ وَظَائِفِهَا فِي اِمْتِثَالِ الْأَوَامِرِ التَّكْوِينِيَّةِ * وَدَلَالَاتِهَا عَلَى أَسْمَاءِ فَاطِرِهَا وَأَفْعَالِهِ وَشُؤُونِهِ * الْحَاصِلُ: إِنَّ الْقُرْآنَ يَبْحَثُ عَنْ مَعَانِي كِتَابِ الْكَائِنَاتِ وَدَلالاتِهَا’* وَأَمَّا الْفَلْسَفَةُ فَإِنَّمَا يَبْحَثُ( ) عَنْ نُقُوشِ الْحُرُوفِ وَوَضْعِيَّاتِهَا وَمُنَاسَبَاتِهَا؛ وَلَا تَعْرِفُ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ كَلِمَاتٌ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ * فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَرَى فَرْقَ حِكْمَةِ الْفَلْسَفَةِ وَحِكْمَةِ الْقُرْآنِ, فَرَاجِعْ آخِرَ رِسَالَةِ >شَمَّةَ< مَا بَعْدَ >الدَّرْسِ الْخَامِسِ< فِي بَيَانِ آيَةِ: { ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ} * اَلنُّكْتَةُ الْخَامِسَةُ( ): اِعْلَمْ أَنَّ فِي خَتْمِ الْآيَاتِ فِي الْأَغْلَبِ بِفَذْلَكَاتٍ مُتَضَمَّنَةٍ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَوْ بِعَيْنِهَا, أَوْ مُتَضَمِّنَةٍ لِلْأَمْرِ بِالتَّفَكُّرِ وَالْحَوَالَةِ عَلَى الْعَقْلِ, أَوْ مُتَضَمِّنَةٍ لِأَمْرٍ كُلِّيٍّ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْقُرْآنِيَّةِ؛ شَرَارَاتٍ مِنْ نُورِ حِكْمَةِ الْعُلْوِيَّةِ وَرَشَاشَاتٍ مِنْ مَاءِ الْهِدَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ * إِذِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ بِبَيَانِهِ الْإِعْجَازِيِّ يَبْسُطُ الْآثَارَ وَأفْعَالَ الصَّانِعِ لِلنَّظَرِ, ثُمَّ يَسْتَخْرِجُ مِنْهَا الْأَسْمَاءَ أَوْ ثُبُوتَ الْحَشْرِ والتَّوحِيدِ * كَأَمْثَالِ: {ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ} وَ{ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ} إِلَى {ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ} * وَكَذَا يَنْشُرُ لِلْبَشَرِ مَنْسُوجَاتِ صُنْعِهِ, ثُمَّ يُطَوِّيهَا فِي الْأَسْمَاءِ, أَوْ الْحَوَالَةِ عَلَى الْعَقْلِ * كَأَمْثَالِ: {ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ} وَ{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ}’* وَكَذَا يُفَصِّلُ أَفَاعِيلَهُ ثُمَّ يُجْمِلُهَا بِأَسْمَائِهِ أَوْ بِصِفَاتِهِ * كَأَمْثَالِ: {ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ} وَ{ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ} إلى {ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ} * وَكَذَا يُرَتِّبُ الْمَخْلُوقَاتِ وَيُشَفِّفُهَا بِإِرَاءَةِ نِظَامِهَا وَمِيزَانِهَا وَثَمَرَاتِهَا, ثُمَّ يُرِيكَ فِيهَا الْأَسْمَاءَ الْمُتَجَلِّيَةِ عَلَيهَا؛ كَأَنَّ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ أَلْفَاظٌ وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيهَا أَوْ مَاؤُهَا أَوْ نَوَاتُهَا أَوْ خُلَاصَتُهَا * كَأَمْثَالِ: {ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ} وَ{ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ} إِلَى {وﮣ ﮤ ﮥ ﮦ} * وَكَذَا قَدْ يَذْكُرُ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَادِيَّةِ الْمُتَكَيِّفَةِ الْمُتَغَيِّرَةِ, ثُمَّ يُجْمِلُهَا بِالْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ النُّورَانِيَّةِ الثَّابِتَةِ, أَوْ بِفَذْلَكَةٍ مُشَوِّقَةٍ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالْعِبْرَةِ’* كَأَمْثَالِ: {ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ} وَ{ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ} إِلَى {ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ}. وَكَذَا يُفَرِّشُ الْكَثْرَةَ الْمُتَوَسِّعَةَ, ثُمَّ يَضَعُ عَلَيْهَا مَظَاهِرَ الْوَحْدَةِ كَجِهَةِ الْوَحْدَةِ وَيَلِفُّهَا بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ * كَأَمْثَالِ: {ﯲ ﯳ ﯴ ﯵﯶ ﯷ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼ ﯽ} وَ{ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ...}’* وَكَذَا قَدْ يُظْهِرُ بُعْدَ السَّبَبِ الظَّاهِرِيَّ عَنْ قَابِلِيَّةِ إِيجَادِ الْمُسَبَّبِ وَثَمَرَاتِهَا؛ إِذْ أَيْنَ السَّبَبُ الْجَامِدُ مِنْ قَصْدِ غَايَاتٍ عَالِيَةٍ حَكِيمَةٍ؟! وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَسْبَابَ وَإِنْ قَارَنَتْ وَاتَّصَلَتْ فِي النَّظَرِ بِالْمُسَبَّبَاتِ, لَكِنَّ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ؛ مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ تَظْهَرُ مَطَالِعُ الْأَسْمَاءِ * إِذْ لَا طَاقَةَ لِأَعْظَمِ الْأَسْبَابِ عَلَى حَمْلِ أَخَفِّ الْمُسَبَّبَاتِ وَقَابِلِيَّتِهَا لِإِيجَادِ الْمُسَبَّبِ وَثَمَرَاتِهَا؛ إِذْ أَيْنَ لِأَعْظَمِ الْأَسْبَابِ عَلَى حَمْلِ أَخَفِّ الْمُسَبَّبَاتِ؟ كَمَا تُرَى تَمَاسَّ دَائِرَةِ الْأُفُقِ مِنَ الْجِبَالِ بِالسَّمَاءِ, مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَسَافَاتِ الْعَظِيمَةِ الّتِي تَطْلُعُ فِيهَا النُّجُومُ * كَأَمْثَالِ: {ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ...} نَعَمْ أَشَارَ بِلَفْظِ >مَتَاعاً< وَبِذِكْرِ الثَّمَرَاتِ الْعَجِيبَةِ الصَّنْعَةِ وَالْحِكْمَةِ, إِلَى عَزْلِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرِيَّةِ الْجَامِدَةِ مِنَ التَّأْثِيرِ الْحَقِيقِيِّ * وَكَذَا {ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ..} إِلَى {ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ} * وَكَذَا قَدْ يَعُدُّ عَجَائِبَ أَفْعَالِهِ تَعَالَى لِيُعِدَّ الذِّهْنَ وَيُحْضِرَهُ لِقَبُولِ خَوَارِقِ أَفْعَالِهِ الْأُخْرَوِيَّةِ, أَوْ يَذْكُرُ أَفْعَالَهُ الْاِسْتِقْبَالِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِصُورَةٍ تُشِيرُ إِلَى نَظَائِرِهَا الْمَشْهُودَةِ لَنَا * كَأَمْثَالِ: {ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ...} إِلَى { ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ} وَ{’ﭑ ﭒ ﭓ} وَ{ﭑ ﭒ ﭓ} وَ{ﭜ ﭝ ﭞ} * فَإِنَّا نَرَى فِي الْحَشْرِ الرَّبِيعِيِّ كَثِيراً مِنْ نَظَائِرِ الْحَشْرِ الْأُخْرَوِيِّ، مَثَلاً: {ﭵ ﭶ ﭷ} نَرَى نَظِيرَهَا بَلْ نَظَائِرَهَا فِي نَشْرِ الْبُذُورَاتِ وَالنَّوَاتَاتِ صَحَائِفَ أَعْمَالِ أُمَّهَاتِهَا وَأُصُولِهَا وَتَارِيخَ حَيَاتِهَا فِي الْحَشْرِ الرَّبِيعِيِّ * وَكَذَا قَدْ يَذْكُرُ مَقَاصِدَ جُزْئِيَّةً ثُمَّ يُقَرِّرُهَا وَيُحَقِّقُهَا بِأَسْمَاءٍ هِيَ كَالْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ, كَأَمْثَالِ: { ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ} وَ{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ} وَ{ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ} * وَكَذَا قَدْ يَذْكُرُ أَفْعَالَ الْخَلْقِ فَيُهَدِّدُ ثُمَّ يُسَلِّي بِأَسْمَاءٍ تُشِيرُ إِلَى الرَّحْمَةِ, كَأَمْثَالِ: {ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ} وَ{ﮒ ﮓ...} إِلَى {ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ} * النُّكْتَةُ السَّادِسَةُ: اِعْلَمْ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ دَلَالَاتِ الْآثَارِ عَلَى أَفْعَالِهِ تَعَالَى, وَإِلَى وُجُوهِ إِظْهَارِ الْأَفْعَالِ لِأَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ, وَإِلَى صُوَرِ اِنْصِبَابِ الْأَفْعَالِ إِلَى الْأَسْمَاءِ أَوْ جَرَيَانِهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ, وَإِلَى وُجُوهِ إِحَاطَةِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ أَشِعَّةُ الصِّفَاتِ بِالْأَشْيَاءِ * الْحَاصِلُ: إِنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا يَنْظُرُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ إِلَى وُجُوهِهَا النَّاظِرَةِ إِلَى فَاطِرِهَا * وَأَمَّا الْفَلْسَفَةُ فَإِنَّمَا تَنْظُرُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ إِلَى وُجُوهِهَا النَّاظِرَةِ إِلَى أَنْفُسِهَا، وَأَسْبَابِهَا وَغَايَاتِهَا النَّاظِرَةِ إِلَى مَصَالِحَ جُزْئِيَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ أَوْ صَنْعَوِيَّةٍ * فَمَا أَجْهَلَ مَنِ اغْتَرَّ بِالْفُنُونِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَصَيَّرَهَا مِحَكَّاً لِمَبَاحِثِ الْقُرْآنِ الْقُدْسِيَّةِ * وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: >إِنَّ الفُنُونَ جُنُونٌ, كَمَا أَنَّ الْجُنُونَ فُنُونٌ< *

    • ** **

الْقَطْرَةُ الْخَامِسَةُ اِعْلَمْ: أَنَّ مِنْ لَمَعَاتِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ ـ كَمَا ذَكَرْتُ فِي >حَبَّةْ< ـ أَنَّهُ جَمَعَ السَّلاَسَةَ الرَّائِقَةَ وَالسَّلامَةَ الْفَائِقَةَ وَالتَّسَانُدَ الْمَتِينَ وَالتَّنَاسُبَ الرَّصِينَ وَالتَّعَاوُنَ بَيْنَ الْجُمَلِ وَهَيْئَاتِهَا, وَالتَّجَاوُبَ بَيْنَ الْآيَاتِ وَمَقَاصِدِهَا بِشَهَادَةِ عِلْمِ الْبَيَانِ وَعِلْمِ الْمَعَانِي * مَعَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً نَجْمًا نَجْمًا لِمَوَاقِعِ الْحَاجَاتِ؛ نُزُولاً مُتَفَرِّقاً مُتَقَاطِعاً مَعَ كَمَالِ التَّلَاؤُمِ كَأَنَّهُ نَزَلَ دَفْعَةً * وَلِأَسْبَابِ نُزُولٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَبَايِنَةٍ مَعَ كَمَالِ التَّسَانُدِ كَأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ * وَجَاءَ جَوَاباً لِأَسْئِلَةٍ مُكَرَّرَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ, مَعَ نِهَايَةِ الْاِمْتِزَاجِ وَالْاِتِّحَادِ كَأَنَّ السُّؤَالَ وَاحِدٌ * وَجَاءَ بَيَاناً لِحَادِثَاتِ أَحْكَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَغَايِرَةٍ, مَعَ كَمَالِ الْاِنْتِظَامِ كَأَنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ * وَنَزَلَ مُتَضَمِّناً لِتَنَزُّلَاتٍ إِلَهِيَّةٍ فِي أَسَالِيبَ تُنَاسِبُ أَفْهَامَ الْمُخَاطَبِينَ, لَا سِيَّمَا فَهْمَ الْمُنْزَلِ عَلَيْهِ (عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ) بِحَالَاتٍ فِي التَّلَقِّي مُتَنَوِّعَةٍ مُتَخَالِفَةٍ, مَعَ حُسْنِ التَّمَاثُلِ وَالسَّلاسَةِ كَأَنَّ الْحَالَةَ وَاحِدَةٌ * وَجَاءَ مُتَكَلِّماً مُتَوَجِّهاً إِلَى أَصْنَافِ مُخَاطَبِينَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ, مَعَ سُهُولَةِ الْبَيَانِ وَجَزَالَةِ النِّظَامِ وَوُضُوحِ الْإِفْهَامِ كَأَنَّ الْمُخَاطَبَ وَاحِدٌ؛ بِحَيْثُ يَظُنُّ كُلُّ صِنْفٍ أَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِالْأَصَالَةِ * وَنَزَلَ مُهْدِيًّا وَمُوصِلاً لِغَايَاتٍ إِرْشَادِيَّةٍ مُتَدَرِّجَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ, مَعَ كَمَالِ الْاِسْتِقَامَةِ وَالْمُوَازَنَةِ وَالنِّظَامِ كَأَنَّ الْمَقْصِدَ وَاحِدٌ * فَمَنْ كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ سَلِيمَةٌ فِي بَصِيرَتِهِ؛ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَرَى فِي الْقُرْآنِ عَيْناً تَرَى( ) كُلَّ الْكَائِنَاتِ ظَاهِراً وَبَاطِناً كَصَحِيفَةٍ مُبَصَّرَةٍ وَاضِحَةٍ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ؛ فَيُعَرِّفُ مَعَانِيهَا عَلَى مَا يَشَاءُ * الْقَطْرَةُ السَّادِسَةُ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ الْقُرْآنُ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ * (كَمَا ذَكَرْتُ فِي رِسَالَةِ >الْقَطْرَةِ<) * اِعْلَمْ: أَنَّ مَنَابِعَ عُلُوِّ طَبَقَةِ الْكَلامِ وَقُوَّتِهِ وَحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ أَرْبَعَةٌ: >الْمُتَكَلِّمُ, وَالْمُخَاطَبُ, وَالْمَقْصِدُ, وَالْمَقَامُ< * لَا الْمَقَامُ فَقَطْ, كَمَا ضَلَّ فِيهِ الْأُدَبَاءُ * فَانْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ؟ وَلِمَنْ قَالَ؟ وَلِمَا قَالَ؟ وَفِيمَا قَالَ؟! فَالْكَلامُ إِنْ كَانَ أَمْراً وَنَهْياً فَقَدْ يَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ بِحَسَبِ دَرَجَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَتَتَضَاعَفُ عُلْوِيَّتُهُ وَقُوَّتُهُ * نَعَمْ أَيْنَ صُورَةُ أَمْرٍ فُضُولِيٍّ نَاشِئٍ أَمْرُهُ مِنْ أَمَانِيِّ التَّمَنِّي وَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ؟ وَأَيْنَ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ النَّافِذُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ؟! * فَانْظُرْ أَيْنَ: {ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ}, وَإِذْ قُلْنَا لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ {’ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ}؟ وَأَيْنَ خِطَابُ الْبَشَرِ لِلْجَمَادَاتِ بِصُورَةِ هَذَيَانَاتِ الْمُبَرْسِمِينَ فِي الْمَرَضِ: >اُسْكُنِي يَا أَرْضُ وَانْشَقِّي يَا سَمَاءُ وَقُومِي أَيُّهَا( ) الْقِيَامَةُ؟! وَكَذَا أَيْنَ أَمْرُ أَمِيرٍ مُطَاعٍ لِجَيْشٍ عَظِيمٍ مُطِيعٍ بِـ (آرْش!..) وَاهْجُمُوا عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ؟ وَأَيْنَ هَذَا الْأَمْرُ إِذَا صَدَرَ مِنْ حَقِيرٍ لَا يُبَالَى بِهِ وَبِأَمْرِهِ؟! أَيْنَ( ): {ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ} وَأَيْنَ كَلَامُ الْبَشَرِ؟! * وَكَذَا أَيْنَ تَصْوِيرُ مَالِكٍ حَقِيقِيٍّ وَآمِرٍ مُؤَثِّرٌ أَمْرُهُ, وَنَافِذٌ حُكْمُهُ؟ وَبَيَانُ صَانِعٍ وَهُوَ يَصْنَعُ, وَمُنْعِمٍ وَهُوَ يُحْسِنُ؛ قَدْ شَرَعَ فِي آنِ الصَّنْعَةِ وَالْإِحْسَانِ يُصَوِّرُ أَفَاعِيلَهُ يَقُولُ: >فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا, وَأَفْعَلُ هَذَا وَذَاكَ...< اُنْظُرْ إِلَى {ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ( )... ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗﯘ ﯙ ﯚ} * ثُمَّ أَيْنَ تَصْوِيرُ فُضُولِيٍّ فِي بَحْثِهِ عَنْ أَفَاعِيلَ لَا تَمَاسَّ لَهُ بِهَا؟! * نَعَمْ أَيْنَ أَعْيَانُ النُّجُومِ, ثُمَّ أَيْنَ تَمَاثِيلُهَا الصَّغِيرَةُ السَّيَّالَةُ ـ الَّتِي لَا هِيَ مَوْجُودَةٌ وَلَا مَعْدُومَةٌ ـ الْمَرْئِيَّةُ فِي الزُّجَيْجَاتِ؟. * نَعَمْ أَيْنَ مَلائِكَةُ كَلِمَاتِ كَلَامِ خَالِقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ الْمُلْهِمَةِ لِأَنْوَارِ الْهِدَايَةِ؟ ثُمَّ أَيْنَ زَنَابِيرُ مُزَوِّرَاتِ الْبَشَرِ, النَّفَّاثَاتِ فِي عُقَدِ الْهَوَسَاتِ؟! * نَعَمْ أَيْنَ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ أَصْدَافُ جَوَاهِرِ الْهِدَايَةِ, وَمَنْبَعُ الْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ, وَمَعْدِنُ الْأَسَاسَاتِ الْإِسْلاَمِيَّةِ الْمُنْبَثَّةِ مِنْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ؛ مَعَ تَضَمُّنِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لِلْخِطَابِ الْأَزَلِيِّ وَلِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ؟! ثُمَّ أَيْنَ أَلْفَاظُ الْإِنْسَانِ الْهَوَائِيَّةُ الْوَاهِيَةُ الْهَوَسِيَّةُ؟! * نَعَمْ أَيْنَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ كَشَجَرَةٍ تَفَرَّعَتْ وَأَوْرَقَتْ وَأَزْهَرَتْ وَأَثْمَرَتْ هَذَا الْعَالَمَ الْإِسْلامِيَّ بِمَعْنَوِيَّاتِهِ وَشَعَائِرِهِ وَكَمَالاَتِهِ وَدَسَاتِيرِهِ وَأَصْفِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ؛ حَتَّى انْقَلَبَ كَثِيرَةٌ( ) مِنْ نُوَاةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الطُّوبَائِيَّةِ دَسَاتِيرَ عَمَلِيَّةً وَأَشْجَاراً مُثْمِرَةً( ) اَلَّذِي قِيلَ فِي حَقِّهِ: {ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ( ) ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ} * وَقَدْ أَفْحَمَ بِجَزَالَةِ نَظْمِهِ, وَبَلاغَةِ مَعْنَاهُ, وَبَدَاعَةِ أُسْلُوبِهِ, وَبَرَاعَةِ بَيَانِهِ, وَفَصَاحَةِ لَفْظِهِ فِي جَامِعِيَّةِ اللَّفْظِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مَقْبُولَةٍ * وَحُسْنِ دَلالَتِهِ فِي جَامِعِيَّتِهِ لِبَحْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْحَقِيقَةِ وَالطَّرَائِقِ بِمَأْخَذِ الْمُجْتَهِدِينَ * وَأَذْوَاقِ الْعَارِفِينَ * وَمَشَارِبِ الْوَاصِلِينَ * وَمَسَالِكِ الْكَامِلِينَ * وَمَذَاهِبِ الْمُحَقِّقِينَ * وَبِطَرَاوَةِ شَبَابِيَّتِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ, وَبِلَيَاقَتِهِ( ) وَمُوَافَقَتِهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ لِكُلَّ طَبَقَةٍ * وَأَلْزَمَ مَصَاقِعَ الْخُطَبَاءِ وَنَوَابِغَ الْعُلَمَاءِ, بَلْ أَعْجَزَ جَمِيعَ الْبَشَرِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ؟! ثُمَّ أَيْنَ كَلَامُ الْبَشَرِ؟ أَيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيَّا؟!’* الَلَّهُمَّ بِحَقِّ الْقُرْآنِ وَبِحَقِّ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ, نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الْقُرْآنِ * وَاجْعَلِ الْقُرْآنَ شِفَاءً لَنَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ * وَمُؤْنِساً لَنَا فِي حَيَاتِنَا وَبَعْدَ مَمَاتِنَا * وَاجْعَلْهُ لَنَا فِي الدُّنْيَا قَرِيناً وَفِي الْقَبْرِ مُؤْنِساً وَفِي الْقِيَامَةِ شَفِيعاً وَعَلَى الصِّرَاطِ نُوراً وَمِنَ النَّارِ سِتْراً وَحِجَاباً * وَإِلَى الْجَنَّةِ رَفِيقاً وَإِلَى الْخَيْرَاتِ( ) دَلِيلاً وَإِمَاماً بِفَضْلِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ * وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أَنْزَلْتَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَأَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ صَلَاةً تُرْضِيكَ وَتُرْضِيهِ( ) وَتَرْضَى بِهَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ * آمِينْ * فَيَا مُنْزِلَ الْقُرْآنِ, بِحَقِّ الْقُرْآنِ اِجْعَلْ هَذَا الْكِتَابَ نَائِباً عَنِّي نَاطِقاً بِهَذَا الدُّعَاءِ بَدَلاً عَنِّي, إِذَا أَسْكَتَ الْمَوْتُ لِسَانِي, آمِينَ أَلْفَ آمينَ * تمّ الكتاب بعون الملك الوهّاب على يد أضعف الخلق خادم العلماء راجياً منهم الدّعاء في الصّباح والمساء( ).

    • ** ** 



ـ لاَ سِيَّمَاتٌ ـ (مِنْ بَرَاهِينِ الْحَشْرِ وَالآخِرَةِ)

(وهي المقام الثاني العربي >للكلمة الثامنة والعشرون< وأساس >الكلمة العاشرة<)

بديع الزّمان  

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ] الْحَمْدُ للهِ الَّذِي شَهِدَتْ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ وَوَحْدَتِهِ ذَرَّاتُ الْكَائِنَاتِ وَمُرَكَّبَاتُهَا بِلِسَانِ عَجْزِهَا وَفَقْرِهَا * وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي هُوَ كَشَّافُ طِلْسِمِ الْكَائِنَاتِ وَمِفْتَاحُ آيَاتِهَا * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ *

    • اعْلَمْ **

يَا مَنْ سَدَّتْ عَلَيْهِ الطَّبِيعَةُ وَالْأَسْبَابُ بَابَ الشُّكْرِ, وَفَتَحَتْ لَهُ بَابَ الشِّرْكِ! إِنَّ الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ وَالْكُفْرَانَ تَأَسَّسَتْ عَلَى مُحَالَاتٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ’* فَانْظُرْ مِنْ تِلْكَ الْمُحَالاَتِ إِلَى هَذَا الْمُحَالِ الْوَاحِدِ: وَهُوَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا تَرَكَ سُكْرَ الْجَهَالَةِ وَنَظَرَ إِلَى كُفْرِهِ بِعَيْنِ الْعِلْمِ يَضْطَرُّ لِلْإِذْعَانِ بِكُفْرِهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِ ذَرَّةٍ وَاحِدَةٍ أُلُوفَ قِنْطَارٍ, وَأَنْ يَقْبَلَ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ ذَرَّةٍ مَلَايِينَ( ) مَطْبَعَاتٍ لِلطَّبِيعَةِ, وَاِطِّلَاعٍ مَعَ مَهَارَةٍ عَلَى جَمِيعِ دَقَائِقِ الصَّنْعَةِ فِي جَمِيعِ الْمَصْنُوعَاتِ * إِذْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِنَ الْهَوَاءِ مَثَلاً, تَصْلُحُ أَنْ تَمُرَّ( ) عَلَى كُلِّ نَبَاتٍ وَزَهْرَةٍ وَشَجَرَةٍ وَثَمَرَةٍ وَأَنْ تَعْمَلَ فِي بُنْيَتِهَا * فَلَا بُدَّ لِهَذِهِ الذَّرَّةِ وَالْقُوَّةِ الْبَسِيطَةِ الْمُسْتَتِرَةِ فِيهَا؛ (إِنْ لَمْ تَكُنْ مَأْمُورَةً تَعْمَلُ بِاسْمِ مَنْ >بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ<) أَنْ تَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ جِهَازَاتِ كُلِّ مَا دَخَلَتِ الذَّرَّةُ فِي بُنْيَتِهَا وَكَيْفِيَّةَ صَنْعَتِهِ وَتَشْكِيلِهِ * مَعَ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَثَلاً مُتَضَمِّنَةٌ لِمِثَالٍ مُصَغَّرٍ لِلشَّجَرِ؛ وَأَنَّ نَوَاتَهَا كَصَحِيفَةِ أَعْمَالِ الشَّجَرِ وَفِيهَا تَارِيخُ حَيَاتِهِ * فَالثَّمَرَةُ تَنْظُرُ إِلَى كُلِّ الشَّجَرَةِ, بَلْ إِلَى نَوْعِهَا, بَلْ إِلَى الْأَرْضِ أَيْضاً * وَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَالثَّمَرَةُ بِعَظَمَةِ صَنْعَتِهَا وَمَعْنَاهَا فِي جَسَامَةِ صَنْعَةِ الْأَرْضِ بِوَجْهٍ * فَمَنْ بَنَاهَا بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ الصَّنْعَوِيَّةِ؛ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَعْجِزَ عَنْ حَمْلِ الْأَرْضِ وَبِنَائِهَا * فَيَا عَجَباً لِلْكَافِرِ الْمُنْكِرِ كَيْفَ يَدَّعِي الْعَقْلَ وَالذَّكَاءَ مَعَ أَنَّهُ يَتَبَطَّنُ بِكُفْرِهِ فِي قَلْبِهِ مِثْلَ هَذَا الْحُمْقِ وَالْبَلاهَةِ وَهَكَذَا!.’*

    • اعْلَمْ( ) **
أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ صُورَتَيْنِ * أَمَّا إِحْدَاهُمَا: فَمَادِّيَّةٌ مَحْسُوسَةٌ كَقَمِيصٍ قُدَّتْ عَلَى مِقْدَارِ قَامَةِ الشَّيْءِ بِتَقْدِيرِ الْقَدَرِ بِغَايَةِ الْاِنْتِظَامِ * وَأَمَّا الْأُخْرَى( ): فَمَعْقُولَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَشْتَاتِ صُوَرِ الشَّيْءِ فِي حَرَكَتِهِ فِي بَحْرِ الزَّمَانِ أَوْ مُرُورِ نَهْرِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ؛ كَصُورَةِ الدَّائِرَةِ النُّورَانِيَّةِ الْمُخَيَّلَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ جَوَلَانِ الشُّعْلَةِ * فَهَذِهِ الصُّورَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ لِلشَّيْءِ هِيَ تَارِيخُ حَيَاةِ الشَّيْءِ وَهِيَ مَدَارُ الْقَدَرِ الْمَشْهُورِ, وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِـ >مُقَدَّرَاتِ الْأَشْيَاءِ< * فَكَمَا أَنَّ الشَّيْءَ كَالشَّجَرَةِ ـ مَثَلاً ـ فِي الصُّورَةِ الْمَادِيَّةِ لَهُ نِهَايَاتٌ مُنْتَظِمَةٌ مُثْمِرَةٌ وَلَهُ غَايَاتٌ مَوْزُونَةٌ مُتُضَمِّنَةٌ لِمَصَالِحَ حِكَمِيَّةٍ؛ كَذَلِكَ لَهُ فِي صُورَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَيْضاً نِهَايَاتٌ مُنْتَظِمَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَصَالِحَ, وَلَهُ حُدُودٌ مُعَيَّنَةٌ تَعَيَّنَتْ لِحِكَمٍ خَفِيَّةٍ * فَكَأَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى كَالْبَانِي, وَالْقَدَرُ كَالْهَنْدَسَةِ * وَفِي الثَّانِيَةِ كَالْمَصْدَرِ, وَالْقَدَرُ كَالْمِسْطَرِ’* فَتَكْتُبُ الْقُدْرَةُ كِتَابَ الْمَعَانِي عَلَى رُسُومِ مِسْطَرِ الْقَدَرِ *

فَيَا أَيُّهَا الْكَافِرُ! تَضْطَرُّ فِي كُفْرَانِكَ وَكُفْرِكَ عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ إِلَى الْعِلْمِ وَالْحَقِيقَةِ؛ أَنْ تَقْبَلَ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ وَقُوَّتِهَا الْجُزْئِيَّةِ الصَّغِيرَةِ مَعْرِفَةَ( ) صَنْعَةِ خِيَاطَةٍ بِدَرَجَةٍ تَقْتَدِرُ تِلْكَ الذَّرَّةُ وَطَبِيعَةُ السَّبَبِ عَلَى أَنْ تَقُدَّ وَتَخِيطَ أَلْبِسَةً وَأَقْمِصَةً مُخْتَلِفَةً مُتَنَوِّعَةً بِعَدَدِ أَشْتَاتِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهَا الذَّرَّةُ مَعَ اِقْتِدَارِهَا عَلَى تَجْدِيدِ الصُّوَرِ الْمُتَخَرِّقَةِ بِأَشْوَاكِ الْحَادِثَاتِ فِي مُرُورِ الزَّمَانِ * مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ وَأَقْدَرُ الْأَسْبَابِ بِزُعْمِهِ وَأَوْسَعُهَا اِخْتِيَاراً؛ لَوْ جَمَعَ كُلَ قَابِلِيَّةِ صَنْعَةِ خِيَاطَتِهِ, ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَخِيطَ قَمِيصاً لِشَجَرَةٍ ذَاتِ أَشْوَاكٍ عَلَى مِقْدَارِ أَعْضَائِهَا مَا اقْتَدَرَ * مَعَ أَنَّ صَانِعَهَا الْحَكِيمَ يُلْبِسُهَا فِي وَقْتِ نَمَائِهَا أَقْمِصَةً مُتَجَدِّدَةً مُنْتَظِمَةً طَرِيَّةً لَا تُشَفِّفُهَا( ) الشَّمْسُ وَحُلَلاً خَضِرَةً مُتَزَيِّنَةً مَوْزُونَةً بِكَمَالِ السُّهُولَةِ وَالسُّرْعَةِ بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا مُعَالَجَةٍ * فَسُبْحَانَ مَنْ {ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ} *

    • اِعْلَمْ **

أَنَّ لِلْأَحَدِ الصَّمَدِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ سِكَّةً وَخَاتَماً وَآيَةً بَلْ آيَاتٍ تَشْهَدُ بِأَنَّهُ لَهُ وَمُلْكُهُ وَصُنْعُهُ * فَإِنْ شِئْتَ فَانْظُرْ مِمَّا لَا يُحَدُّ وَلَا يُعَدُّ مِنْ سِكَّاتِ أَحَدِيَّتِهِ وَخَوَاتِمِ صَمَدِيَّتِهِ إِلَى هَذِهِ السِّكَّةِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى صَحِيفَةِ الْأَرْضِ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ بِمِرْصَادِ هَذِهِ الْفِقَرَاتِ الْآتِيَةِ الْمُتَسَلْسِلَةِ الْمُتَعَانِقَةِ الْمُتَدَاخِلَةِ! لِتَرَى السِّكَّةَ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ * وَهِيَ: أَنَّا نُشَاهِدُ فِي صَحِيفَةِ الْأَرْضِ إِيجَاداً بَدِيعاً حَكِيماً؛ فِي جُودٍ وَاسِعٍ عَظِيمٍ * فِي سَخَاوَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي إِتْقَانٍ مُطْلَقٍ * فِي سُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي انْتِظَامٍ مُطْلَقٍ * فِي سُرْعَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي اِتَّزَانٍ مُطْلَقٍ * فِي وُسْعَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي حُسْنِ صُنْعٍ مُطْلَقٍ * فِي رَخِيصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ * وَالْقِيمَةُ فِي غُلُوٍّ مُطْلَقٍ( ) * فِي خَلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي اِمْتِيَازٍ مُطْلَقٍ * فِي بُعْدَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي اِتِّفَاقٍ مُطْلَقٍ * فِي كَثْرَةٍ مُطْلَقَةٍ * فِي أَحْسَنِ خِلْقَةٍ *** عَلَى أَنَّ كُلاًّ مِنْ هَذِهِ الْفِقَرَاتِ بِاِنْفِرَادِهَا تَكْفِي لِإِظْهَارِ السِّكَّةِ * إِذْ نِهَايَةُ السَّخَاوَةِ نَوْعاً مَعَ غَايَةِ الْإِتِّقَانِ, وَحُسْنِ الصَّنْعَةِ فِي فَرْدٍ فَرْدٍ تَخْتَصُّ بِمَنْ لَا يُشْغِلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ, وَلَهُ قُدْرَةٌ بِلَا نِهَايَةٍ * وَكَذَا إِنَّ نِهَايَةَ السُّهُولَةِ مَعَ غَايَةِ الْاِنْتِظَامِ تَخْتَصُّ بِمَنْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَهُ عِلْمٌ بِلَا نِهَايَةٍ * وَكَذَا: أَنَّ نِهَايَةَ السُّرْعَةِ مَعَ غَايَةِ الْاِتِّزَانِ وَالْمَوْزُونِيَّةِ, تَخْتَصُّ بِمَنِ اسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ وَأَمْرِهِ * وَكَذَا أَنَّ نِهَايَةَ وُسْعَةِ التَّصَرُّفِ بِاِنْتِشَارِ النَّوْعِ مَعَ غَايَةِ حُسْنِ صُنْعِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ, تَخْتَصُّ بِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَهُوَ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ’* وَكَذَا أَنَّ نِهَايَةَ الرَّخِيصِيَّةِ وَالْمَبْذُولِيَّةِ مَعَ غَايَةِ غُلُوِّ قِيمَةِ الْفَرْدِ بِاِعْتِبَارِ الصَّنْعَةِ؛ تَخْتَصُّ بِمَنْ لَهُ غِنَاءٌ بِلَا غَايَةٍ وَخَزَائِنُ بِلَا نِهَايَةٍ * وَكَذَا أَنَّ نِهَايَةَ الْإِخْتِلَاطِ وَالْاِشْتِبَاكِ فِي أَفْرَادِ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ مَعَ غَايَةِ الْاِمْتِيَازِ وَالتَّشْخِيصِ بِلَا مَرَجٍ وَمَزْجٍ, وَبِلَا خَلْطٍ وَغَلَطٍ؛ تَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ بَصِيرٌ بِكُلِّ شَيْءٍ * وَشَهِيدُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ * لَا يَمْنَعُهُ فِعْلٌ عَنْ فِعْلٍ * وَلَا يَخْتَلِطُ عَلَيْهِ سُؤَالٌ عَنْ سُؤَالٍ * وَكَذَا أَنَّ الْفَعَّالِيَّةَ مَعَ نِهَايَةِ التَّبَاعُدِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مَعَ غَايَةِ التَّوَافُقِ فِي الصُّورَةِ وَالتَّشْكِيلِ وَالْإِيجَادِ وَالْوُجُودِ؛ حَتَّى كَأَنَّ أَفْرَادَ كُلِّ نَوْعٍ نَوْعٍ مُنْتَظِرٌ( ) أَمْراً يَخُصُّهَا مِنْ مُدَبِّرٍ وَاحِدٍ تَخْتَصُّ بِمَنِ الْأَرْضُ جَمِيعاً فِي قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ وَعِلْمِهِ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ * وَكَذَا أَنَّ نِهَايَةَ الْكَثْرَةِ فِي أَفْرَادِ النَّوْعِ مَعَ غَايَةِ مُكَمَّلِيَّةِ خِلْقَةِ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَحُسْنِ إِيجَادِ جُزْءٍ جُزْءٍ؛ تَخْتَصُّ بِالْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ * عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ فِقْرَةٍ آيَةً أُخْرَى عَلَى أَنَّهَا صُنْعُ الْقَدِيرِ الْمُطلَقِ: وَهِيَ التَّضَادُّ بَيْنَ السَّخَاوَةِ وَالْإِتِّقَانِ الْاِقْتِصَادِيِّ, وَبَيْنَ السُّرْعَةِ وَالْمَوْزُونِيَّةِ, وَبَيْنَ الرَّخِيصِيَّةِ وَغُلُوِّ الْقِيمَةِ, وَبَيْنَ الْاِخْتِلَاطِ الْأَطَمِّ وَالْاِمْتِيَازِ الْأَتَمِّ, وَهَكَذَا!. * فَإِذَا كَانَ كُلُّ فِقْرَةٍ بِاِنْفِرَادِهَا كَافِيَةً لِإِظْهَارِ خَاتَمِ الْأَحَدِيَّةِ, فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَتْ مُتَدَاخِلَةً مُتَآخِذَةً فِي فَعَّالِيَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَمِنْ هَذَا تَرَى سِرَّ {ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ}، أَيْ إِنَّ الْمُنْكِرَ الْمُتَعَنِّدَ( ) إِذَا سُئِلَ مِنْهُ بِتَنْبِيهِ عَقْلِهِ؛ يَضْطَرُّ لِأَنْ يَقُولَ: اَللهُ!...

    • اِعْلَمْ **

أَنَّ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ وَالْإِيمَانِ بِالْحَشْرِ وَالتَّصْدِيقِ بِوُجُودِ الْكَائِنَاتِ تَلَازُماً قَطْعِيَّاً وَإِرْتِبَاطاً تَامَّاً لِلتَّلَازُمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ وُجُوبِ الْأُلُوهِيَّةِ وَثُبُوتِ الرِّسَالَةِ وَوُجُودِ الْآخِرَةِ وَشُهُودِ الْكَائِنَاتِ بِدُونِ غَفْلَةٍ * إِذْ كَمَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ كِتَابٍ ـ لَا سِيَّمَا إِذَا تَضَمَّنَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهُ كِتَاباً وَكُلُّ حَرْفٍ قَصِيدَةً مُنْتَظِمَةً ـ بِلَا كَاتِبٍ؛ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ شُهُودُ كِتَابِ الْكَائِنَاتِ ـ بِدُونِ سُكْرٍ ـ بِلَا إِيمَانٍ بِوُجُوبِ وُجُودِ نَقَّاشِهِ الْأَزَلِيِّ’* وَكَمَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ بَيْتٍ ـ لَا سِيَّمَا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى خَوَارِقِ الصَّنْعَةِ وَعَجَائِبِ النُّقُوشِ وَغَرَائِبِ التَّزْيِينَاتِ , حَتَّى فِي كُلِّ حَجَرٍ مِنْهُ ـ بِلَا بَانٍ وَصَانِعٍ وَبِلَا مُنْشِئٍ وَصَاحِبٍ؛ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِ هَذَا الْعَالَمِ ـ بِدُونِ سُكْرِ الضَّلَالَةِ ـ بِلَا تَصْدِيقٍ بِوُجُودِ صَانِعِهِ * وَكَمَا لَا يُمْكِنُ شُهُودُ تَلَمُّعَاتِ الْحَبَابَاتِ فِي وَجْهِ الْبَحْرِ, وَتَلَأْلُئِ الْقَطَرَاتِ الْمَائِيَّةِ, وَتَشَعْشُعِ الزُّجَيْجَاتِ الثَّلْجِيَّةِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ مَعَ إِنْكَارِ وُجُودِ الشَّمْسِ * إِذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ قَبُولُ وُجُودِ شُمَيْسَاتٍ بِالْأَصَالَةِ بِعَدَدِ الْحَبَابَاتِ وَالْقَطَرَاتِ وَالزُّجَيْجَاتِ الثَّلْجِيَّةِ * كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ لِمَنْ لَهُ عَقْلٌ لَمْ يَفْسُدْ شُهُودُ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ الْمُتَحَوِّلَةِ دَائِماً فِي اِنْتِظَامٍ, اَلْمُتَجَدِّدَةِ فِي اِنْسِجَامٍ؛ بِلا تَصْدِيقٍ بِوُجُوبِ وُجُودِ خَالِقِهَا وَبَانِيهَا, اَلَّذِي أَسَّسَ ذَلِكَ الْبَيْتَ الْمُحْتَشَمَ, وَالشَّجَرَ الْمُعَظَّمَ بِأُصُولِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ * وَفَصَّلَهُ بِدَسَاتِيرِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ * وَنَظَّمَهُ بِقَوَانِينِ عَادَتِهِ وَسُنَّتِهِ * وَزَيَّنَهُ بِنَوَامِيسِ عِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ * وَنَوَّرَهُ بِجَلَوَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ * نَعَمْ, وَبِعَدَمِ قَبُولِ الْخَالِقِ الْوَاحِدِ يُضْطَرُّ إِلَى قَبُولِ آلِهَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ الْكَائِنَاتِ وَمُرَكَّبَاتِهَا؛ بِحَيْثُ يَقْتَدِرُ إِلَهُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى خَلْقِ الْكُلِّ * بِسِرِّ أَنَّ كُلَّ جُزْئِيٍّ ذِي حَيَاةٍ كَأُنْمُوذَجٍ لِلْكُلِّ, فَخَالِقُهُ لَابُدَّ أَنْ يَقْتَدِرَ عَلَى خَلْقِ الْكُلِّ * ثُمَّ إِنَّهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الشَّمْسِ بِلَا نَشْرِ ضِيَاءٍ؛ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْأُلُوهِيَّةُ بِلاَ تَظَاهُرٍ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ * وَلَا يُمْكِنُ جَمَالٌ فِي نِهَايَةِ الْكَمَالِ بِلَا تَبَارُزٍ وَبِلَا تَعَرُّفٍ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ مُعَرِّفٍ * وَلَا يُمْكِنُ كَمَالُ صَنْعَةٍ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ بِلَا تَشْهِيرٍ بِوَاسِطَةِ دَلاَّلٍ يُنَادِي عَلَيْهِ * وَلَا يُمْكِنُ سَلْطَنَةُ رُبُوبِيَّةٍ عَامَّةٍ بِلَا عُبُودِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ بِإِعْلَانِ وَحْدَانِيَّتِهِ وَصَمَدِيَّتِهِ فِي طَبَقَاتِ الْكَثْرَةِ بِوَاسِطَةِ مَبْعُوثٍ ذِي الْجَنَاحَيْنِ * وَلَا يُمْكِنُ حُسْنٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، بِلَا طَلَبِ ذِي الْحُسْنِ وَمَحَبَّتِهِ لِمُشَاهَدَةِ مَحَاسِنِ جَمَالِهِ وَلَطَائِفِ حُسْنِهِ فِي مِرْآةٍ * وَبِلَا إِرَادَتِهِ لِإِشْهَادِ أَنْظَارِ الْمُسْتَحْسِنِينَ عَلَيْهِ وَإِرَاءَتِهِ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ عَبْدٍ حَبِيبٍ يَتَحَبَّبُ إِلَيْهِ * وَرَسُولٍ يُحَبِّبُهُ إِلَى النَّاسِ * أَيْ هُوَ بِعُبُودِيَّتِهِ مِرْآةٌ لِشُهُودِ ذِي الْجَمَالِ, جَمَالِ رُبُوبِيَّتِهِ * وَبِرِسَالَتِهِ مَدَارُ إِشْهَادِهِ * وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ كُنُوزٍ مَشْحُونَةٍ بِعَجَائِبِ الْمُعْجِزَاتِ وَغَرَائِبِ الْمُرَصَّعَاتِ بِلَا إِرَادَةِ صَاحِبِهَا وَمَحَبَّتِهِ لِعَرْضِهَا عَلَى الْأَنْظَارِ, وَإِظْهَارِهَا عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ؛ لِتُبَيِّنَ كَمَالَاتِهِ الْمَسْتُورَةَ بِوَاسِطَةِ مُعَرِّفٍ صَرَّافٍ وَمُشَهِّرٍ وَصَّافٍ * فَإِذْ هَذَا هَكَذَا, فَهَلْ ظَهَرَ فِي الْعَالَمِ أَجْمَعُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟! كَلاَّ! بَلْ هُوَ أَجْمَعُ وَأَكْمَلُ وَأَرْفَعُ وَأَفْضَلُ * فَهُوَ سُلْطَانُ الرُّسُلِ الْمُظْهِرِينَ الْمُبَلِّغِينَ الْمُعَرِّفِينَ الْمُشَهِّرِينَ الدَّلاَّلِينَ الْعَابِدِينَ الْمُعْلِنِينَ الْمُرْشِدِينَ الشَّاهِدِينَ الْمُشْهِدِينَ الْمَشْهُودِينَ الْمَحْبُوبِينَ الْمُحَبِّينَ الْمُحَبِّبِينَ الْهَادِينَ الْمَهْدِيِّينَ الْمُهْتَدِينَ * عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى آلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَجْمَلُ التَّسْلِيمَاتِ مَا دَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ * ثُمَّ انْظُرْ إِلَى قُوَّةِ حَقَّانِيَّةِ الْحَشْرِ وَالْآخِرَةِ! وَهِيَ أَنَّهُ كَمَا لَا يُمْكِنُ سُلْطَانٌ بِلَا مُكَافَأَةٍ لِلْمُطِيعِينَ, وَبِلَا مُجَازَاةٍ لِلْعَاصِينَ * لَا سِيَّمَا: إِذَا كَانَ لَهُ كَرَمٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي الْإِحْسَانَ, وَعِزَّةٌ عَظِيمَةٌ تَقْتَضِي الْغَيْرَةَ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا كَانَ لَهُ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ تَقْتَضِي فَضْلاً يَلِيقُ بِوُسْعَةِ رَحْمَتِهِ, وَلَهُ جَلَالُ حَيْثِيَّةٍ تَقْتَضِي تَرْبِيَّةَ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِهِ وَلَا يُوَقِّرُهُ * وَلاَ سِيَّمَا: إِذَا كَانَ لَهُ حِكْمَةٌ عَالِيَةٌ تَقْتَضِي حِمَايَةَ شَأْنِ سَلْطَنَتِهِ بِتَلْطِيفِ الْمُلْتَجِئِينَ إِلَى جَنَاحِهِ, وَلَهُ عَدَالَةٌ مَحْضَةٌ تَقْتَضِي مُحَافَظَةَ حَشْمَةِ مَالِكِيَّتِهِ بِمُحَافَظَةِ حُقُوقِ رَعِيَّتِهِ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا كَانَ لَهُ خَزَائِنُ مَشْحُونَةٌ مَعَ سَخَاوَةٍ مُطْلَقَةٍ تَقْتَضِي وُجُودَ دَارِ ضِيَافَةٍ دَائِمَةٍ, وَتَقْتَضِي دَوَامَ وُجُودِ مُحْتَاجِينَ بِأَنْوَاعِ الْحَاجَاتِ فِيهَا * وَكَذَا لَهُ كَمَالَاتٌ مَسْتُورَةٌ تَقْتَضِي التَّشْهِيرَ عَلَى رُؤُوسِ الْمُشَاهِدِينَ الْمُقَدِّرِينَ الْمُسْتَحْسِنِينَ * وَكَذَا لَهُ مَحَاسِنُ جَمَالٍ مَعْنَوِيٍّ بِلَا مِثْلٍ, وَلَهُ لَطَائِفُ حُسْنٍ مَخْفِيٍّ بِلَا نَظِيرٍ تَقْتَضِي الشُّهُودَ لِحُسْنِهِ بِنَفْسِهِ فِي مِرْآةٍ, وَالْإِشْهَادَ لِغَيْرِهِ, وَالْإِرَاءَةَ بِوُجُودِ مُسْتَحْسِنِينَ مُتَنَزِّهِينَ وَمُشْتَاقِينَ مُتَحَيِّرِينَ؛ بَلْ بِدَوَامِ( ) وُجُودِهِمْ * إِذِ الْجَمَالُ الدَّائِمُ لَا يَرْضَى بِالْمُشْتَاقِ الزَّائِلِ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا كَانَ لَهُ شَفَقَةٌ رَحِيمَةٌ فِي إِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ, وَإِجَابَةِ الدَّاعِي بِدَرَجَةٍ يُرَاعِى أَدْنَى حَاجَةٍ مِنْ أَدْنَى رَعِيَّةٍ؛ تَقْتَضِي تِلْكَ الشَّفَقَةُ اِقْتِضَاءً قَطْعِيًّا يَقِيناً( ) أَنْ تُسْعِفَ أَعْظَمَ الْحَاجَةِ مِنْ مَقْبُولِ السُّلْطَانِ * وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ عَامَّةً, مَعَ أَنَّهَا يَسِيرَةٌ سَهْلَةٌ عَلَيْهِ * وَمَعَ اشْتِرَاكِ الْعُمُومِ فِي تَضَرُّعٍ مَقْبُولِ السُّلْطَانِ * وَلَا سِيَّمَا: شُوهِدَ مِنْ إِجْرَاآتِهِ آثَارُ سَلْطَنَةٍ فِي نِهَايَةِ الْاِحْتِشَامِ, مَعَ أَنَّ مَا يُرَى مِنْ رَعِيَّتِهِ إِنَّمَا اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلٍ مُعَدٍّ لِلْمُسَافِرِينَ يَمْلَأُ وَيَفْرَغُ فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ وَحَضَرُوا فِي مَيْدَانِ اِمْتِحَانٍ, يَتَبَدَّلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ وَتَوَقَّفُوا قَلِيلاً فِي مَشْهَرٍ قَدْ أُعِدَّ لِإِرَاءَةِ أُنْمُوذَجَاتِ غَرَائِبِ صَنْعَةِ الْمَلِكِ وَنَمُونَاتِ إِحْسَانَاتِهِ * وَهَذَا الْمَشْهَرُ يَتَحَوَّلُ فِي كُلِّ زَمَانٍ * فَهَذِهِ الْحَالَةُ تَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ أَنْ يُوجَدَ خَلْفَ هَذَا الْمَنْزِلِ وَالْمَيْدَانِ وَالْمَشْهَرِ وَبَعْدَهَا، قُصُورٌ دَائِمَةٌ وَمَسَاكِنُ مُسْتَمِرَّةٌ وَخَزَائِنُ مُفَتَّحَةَ الْأَبْوَابِ مَشْحُونَةٌ بِجَيِّدَاتِ أُصُولِ الْأُنْمُوذَجَاتِ الْمَغْشُوشَاتِ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا كَانَ الْمَلِكُ فِي نِهَايَةِ الدِّقَّةِ فِي وَظِيفَةِ الْحَاكِمِيَّةِ بِحَيْثُ يَكْتُبُ وَيَسْتَكْتِبُ أَدْنَى حَاجَةٍ وَأَهْوَنَ عَمَلٍ وَأَقَلَّ خِدْمَةٍ, وَيَأْمُرُ بِأَخْذِ صُورَةِ كُلِّ مَا يَجْرِي فِي مُلْكِهِ وَيَسْتَحْفِظُ كُلَّ فِعْلٍ وَعَمَلٍ * فَهَذِهِ الْحَفِيظِيَّةُ تَقْتَضِي الْمُحَاسَبَةَ, وَبِالْخَاصَّةِ فِي أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ مِنْ أَعَاظِمِ الرَّعِيَّةِ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا كَانَ الْمَلِكُ قَدْ وَعَدَ وَأَوْعَدَ مُكَرَّراً، بِمَا إِيجَادُهُ عَلَيْهِ هَيِّنٌ يَسِيرٌ, وَوُجُودُهُ لِلرَّعِيَّةِ فِي نِهَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ؛ وَخُلْفُ الْوَعْدِ فِي غَايَةِ الضِّدِّيَّةِ لِعِزَّةِ اِقْتِدَارِهِ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا أَخْبَرَ كُلُّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى حُضُورِ ذَلِكَ الْمَلِكِ أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ دَارَ مُكَافَأَةٍ وَمُجَازَاةٍ * وَأَنَّهُ يَعِدُ وَعْداً قَوِيًّا وَيُوعِدُ وَعِيداً شَدِيداً, وَهُوَ أَجَلُّ وَأَعَزُّ مِنْ أَنْ يَذِلَّ وَيَتَنَزَّلَ بِخُلْفِ الْوَعْدِ؛ مَعَ أَنَّ الْمُخْبِرِينَ المُتَوَاتِرِينَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَدَارَ سَلْطَنَتِهِ الْعَظِيمَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي تِلْكَ الْمَمْلَكَةِ الْبَعِيدَةِ عَنَّا * وَمَا هَذِهِ الْمَنَازِلُ فِي مَيْدَانِ الْإِمْتِحَانِ إِلاَّ مُؤَقَّتَةٌ سَيُبَدَّلُهَا اَلْبَتَّةَ بِقُصُورٍ دَائِمَةٍ * إِذْ لَا يَقُومُ مِثْلُ هَذِهِ السَّلْطَنَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ الْمُحْتَشَمَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الزَّائِلَةِ الْوَاهِيَةِ الْمُتَبَدِّلَةِ السَّيَّالَةِ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ الْمُؤَقَّتِ كَثِيراً مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ الْمَيْدَانِ الْأَكْبَرِ وَنُمُونَاتِهِ؛ فَيُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ أَنَّ مَا يُشَاهَدُ مِنْ هَذِهِ الْاِجْتِمَاعَاتِ وَالْاِفْتِرَاقَاتِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا * بَلْ إِنَّمَا هِيَ تَمْثِيلٌ وَتَقْلِيدٌ لِتُؤْخَذَ صُوَرُهَا, وَتُرَكَّبَ وَتُحْفَظَ نَتَائِجُهَا, وَتُكْتَبَ لِتَدُومَ وَتَدُورَ الْمُعَامَلَةُ فِي الْمَجْمَعِ الْأَكْبَرِ, وَالْمُشَاهَدَةُ فِي ذَلِكَ الْمَحْضَرِ عَلَيْهَا؛ فَتُثْمِرَ الْفَانِيَةُ صُوَراً ثَابِتَةً وَأَثْمَاراً بَاقِيَةً * وَلَا سِيَّما: إِذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فِي تِلْكَ الْمَنَازِلِ الزَّائِلَةِ وَالْمَيَادِينِ الْهَائِلَةِ وَالْمَشَاهِرِ الرَّاحِلَةِ آثَارَ حِكْمَةٍ بَاهِرَةٍ, وَعِنَايَةٍ ظَاهِرَةٍ, وَعَدَالَةٍ عَالِيَةٍ, وَمَرْحَمَةٍ وَاسِعَةٍ؛ بِدَرَجَةٍ يَعْرِفُ بِالْيَقِينِ مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ أَكْمَلُ مِنْ حِكْمَتِهِ, وَأَجْمَلُ مِنْ عِنَايَتِهِ, وَأَشْمَلُ مِنْ مَرْحَمَتِهِ, وَأَجَلُّ مِنْ عَدَالَتِهِ * فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي دَائِرَةِ مَمْلَكَتِهِ أَمَاكِنُ دَائِمَةٌ عَالِيَةٌ, وَمَسَاكِنُ قَائِمَةٌ غَالِيَةٌ, وَسَوَاكِنُ مُقِيمَةٌ خَالِدَةٌ؛ لِتَكُونَ مَظَاهِرَ لِحَقِيقَةِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْمَرْحَمَةِ وَالْعَدَالَةِ: لَلَزِمَ حِينَئِذٍ إِنْكَارُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْمَشْهُودَةِ * وَإِنْكَارُ هَذِهِ الْعِنَايَةِ الْمُبْصَرَةِ * وَإِنْكَارُ هَذِهِ الْمَرْحَمَةِ الْمَنْظُورَةِ * وَإِنْكَارُ هَذِهِ الْعَدَالَةِ الْمَرْئِيَّةِ * وَلَلَزِمَ قَبُولُ كَوْنِ صَاحِبِ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ الْحَكِيمَةِ الْكَرِيمَةِ سَفِيهاً لَعَّاباً, وَظَالِماً غَدَّاراً * فَيَلْزَمُ اِنْقِلَابُ الْحَقَائِقِ بِأَضْدَادِهَا وَهُوَ مُحَالٌ بِاِتِّفَاقِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَقْلِ غَيْرِ السُّوفِسْطَائِيّْ الَّذِي يُنْكِرُ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى وُجُودَ نَفْسِهِ * وَهَكَذَا مِمَّا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى مِنْ دَلَائِلٍ أَنَّهُ سَيَنْقُلُ رَعِيَّتَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ الْمُؤَقَّتَةِ إِلَى مَقَرِّ سَلْطَنَتِهِ الدَّائِمَةِ * وَمِمَّا لَا يُحَدُّ وَلَا يُسْتَقْصَى مِنْ أَمَارَاتِ تَبْدِيلِهِ( ) هَذِهِ الْمَمْلَكَةَ السَّيَّارَةَ بِتِلْكَ الْمَمْلَكَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ * كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ قَطْعاً وَأَصْلاً أَنْ يُوجِدَ هَذَا الْعَالَمَ وَلَا يُوجِدَ ذَلِكَ الْعَالَمَ * وَأَنْ يُبْدِعَ الْفَاطِرُ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ وَلَا يُبْدِعَ تِلْكَ الْكَائِنَاتِ * وَأَنْ يَخْلُقَ الصَّانِعُ هَذِهِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْلُقَ تِلْكَ الْآخِرَةَ * إِذْ شَأْنُ سَلْطَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الْمُكَافَأَةَ وَالْمُجَازَاةَ * وَلَا سِيَّمَا: يُعْلَمُ بِالْآثَارِ أَنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الدَّارِ( ) كَرَماً عَظِيماً( ) وَمِثْلُ هَذَا الْكَرَمِ يَقْتَضِي كَمَالَ الْإِحْسَانِ بِحُسْنِ الْمُكَافَأَةِ, وَأَنَّ لَهُ عِزَّةً عَظِيمَةً تَقْتَضِي كَمَالَ الْغَيْرَةِ وَشِدَّةَ الْمُجَازَاةِ * مَعَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِ عَشِيرِ مَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْكَرَمُ وَتِلْكَ الْعِزَّةُ * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْعَالَمِ رَحْمَةً وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ * وَمِنْ لَطَائِفِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ شَفَقَةُ الْوَالِدَاتِ مُطْلَقاً, حَتَّى النَّبَاتَاتِ( ) عَلَى أَوْلَادِهَا, وَسُهُولَةُ أَرْزَاقِ أَطْفَالِ الْحَيَوَانَاتِ وَضُعَفَائِهَا * وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ تَقْتَضِي فَضْلًا وَإِحْسَانًا يَلِيقَانِ بِهَا * اُنْظُرْ أَيْنَ مُقْتَضَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ؟ ثُمَّ أَيْنَ هَذِهِ التَّنَعُّمَاتُ الزَّائِلَةُ الْمُنَغَّصَةُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ فِي هَذَا الْعُمُرِ الْقَصِيرِ, اَلَّتِي لَا تَفِي بِقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ؟! بَلِ الزَّوَالُ بِلَا إِعَادَةٍ يُصَيِّرُ( ) النِّعْمَةَ نِقْمَةً, وَالشَّفَقَةَ مُصِيبَةً, وَالْمَحَبَّةَ حِرْقَةً, وَالْعَقْلَ عِقَاباً, وَاللَّذَّةَ أَلَماً * فَتَنْقَلِبُ حَقِيقَةُ الرَّحْمَةِ؛ فَتَلْزَمُ الْمُكَابَرَةُ بِإِنْكَارِ الرَّحْمَةِ الْمَشْهُودَةِ كَإِنْكَارِ الشَّمْسِ مَعَ شُهُودِ اِمْتِلَاءِ النَّهَارِ مِنْ ضِيَائِهَا * وَكَذَا يُعْلَمُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ صَاحِبِ هَذَا الْعَالَمِ أَنَّ لَهُ جَلَالَ حَيْثِيَّةٍ وَعِزَّةٍ يَقْتَضِيَانِ تَأْدِيبَ مَنْ لَا يُوَقِّرُهُ، وَقَهْرَ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِهِ؛ كَمَا فَعَلَ بِالْقُرُونِ السَّالِفَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا, مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُهْمِلُ وَإِنْ أَمْهَلَ * وَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ إِجْرَاآتِهِ أَنَّ لَهُ غَيْرَةً عَظِيمَةً عَلَى اِسْتِخْفَافِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ’* نَعَمْ وَمِنْ شَأْنِ مَنْ يَتَعَرَّفُ إِلَى النَّاسِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْمَنْظُومَاتِ, وَيَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمْ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَزَاهِيرِ الْمَوْزُونَاتِ, وَيَتَرَحَّمُ إِلَيْهِمْ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الثَّمَرَاتِ الْمُزَيَّنَاتِ؛ ثُمَّ لَا يَعْرِفُونَهُ بِالْإِيمَانِ, وَلَا يَتَحَبَّبُونَ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ, وَلَا يَحْتَرِمُونَهُ بِالشُّكْرِ إِلاَّ قَلِيلٌ؛ أَنْ يُعِدَّ لَهُمْ فِي مَقَرِّ رُبُوبِيَّتِهِ الْأَبَدِيَّةِ دَارَ مُجَازَاةٍ وَمُكَافَأَةٍ * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ لِمُتَصَرِّفِ هَذَا الْعَالَمِ حِكْمَةً عَامَّةً عَالِيَةً بِشَهَادَاتِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَالْفَوَائِدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ, وَبِدَلَالَاتِ الْاِنْتِظَامَاتِ وَالْاهْتِمَامَاتِ وَحُسْنِ الصَّنْعَةِ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ * فَهَذِهِ الْحِكْمَةُ الْحَاكِمَةُ فِي سَلْطَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ تَقْتَضِي تَلْطِيفَ الْمُطِيعِينَ الْمُلْتَجِئِينَ إِلَى جَنَاحِهَا * وَكَذَا يُشَاهَدُ أَنَّ لَهُ عَدَالَةً مَحْضَةً حَقيقِيَّةً بِشَهَادَاتِ وَضْعِهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَوْضِعِ اللَّائِقِ, وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ الَّذِي يَسْتَعِدُّ لَهُ, وَإِسْعَافِ كُلِّ ذِي حَاجَةً حَاجَتَهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا لِوُجُودِهِ أَوْ حِفْظِ بَقَائِهِ، وَإِجَابَةِ كُلِّ ذِي سُؤَالٍ سُؤَالَهُ * وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا سُئِلَ بِلِسَانِ الْاِسْتِعْدَادِ, أَوْ بِلِسَانِ الْاِحْتِيَاجِ الْفِطْرِيِّ, أَوْ بِلِسَانِ الْاِضْطِرَارِ! * فَهَذِهِ الْعَدَالَةُ تَقْتَضِي مُحَافَظَةَ حَشْمَةِ مَالِكِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ بِمُحَافَظَةِ حُقُوقِ عِبَادِهِ فِي مَحْكَمَةٍ كُبْرَى * مَعَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْفَانِيَةَ أَقَلُّ وَأَحْقَرُ وَأَضْيَقُ وَأَصْغَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَظْهَراً لِحَقِيقَةِ تِلْكَ الْعَدَالَةِ * فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ لِهَذَا الْمَلِكِ الْعَادِلِ وَالرَّبِّ الْحَكِيمِ ذِي الْجَمَالِ الْجَلِيلِ وَالْجَلَالِ الْجَمِيلِ مِنْ جَنَّةٍ بَاقِيَةٍ, وَجَهَنَّمَ دَائِمَةٍ * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْعَالَمِ وَالْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ سَخَاوَةً مُطْلَقَةً وَجُوداً عَظِيماً وَخَزَائِنَ مَشْحُونَةً * وَمِنْ ظَرَائِفِ ظُرُوفِ تِلْكَ الْخَزَائِنِ هَذِهِ الشُّمُوسُ الْمَمْلُوءَةُ مِنَ الْأَنْوَارِ, وَهَاتِيكَ الْأَشْجَارُ الْمَشْحُونَةُ مِنَ الْأَثْمَارِ, وَهَذِهِ السَّخَاوَةُ السَّرْمَدِيَّةُ مَعَ هَذِهِ الثَّرْوَةِ الْأَبَدِيَّةِ؛ تَقْتَضِيَانِ وُجُودَ دَارِ ضِيَافَةٍ أَبَدِيَّةٍ, وَدَوَامَ وُجُودِ مُحْتَاجِينَ بِأَنْوَاعِ الْحَاجَاتِ فِيهَا * إِذِ الْكَرَمُ بِلَا نِهَايَةٍ يَقْتَضِي الْاِمْتِنَانَ وَالتَّنْعِيمَ بِلَا نِهَايَةٍ’* وَهُمَا يَقْتَضِيَانِ قَبُولَ الْمِنَّةِ وَالتَّنَعُّمِ بِلَا نِهَايَةٍ * وَهُمَا يَقْتَضِيَانِ دَوَامَ وُجُودِ الشَّخْصِ الْمُكْرَمِ عَلَيْهِ؛ لِيُقَابِلَ بِدَوَامِهِ فِي التَّنَعُّمِ شُكْرَ الْمِنَّةِ الدَّائِمَةِ * وَإِلاَّ لَإِنْحَصَرَ مُقَابَلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي دَقَائِقِ عُمْرِهِ الزَّائِلِ, وَلَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَهْتَمُّ بِمَا لَا يُرَافِقُهُ, بَلْ يَتَنَغَّصُ عَلَيْهِ ذَلِكَ التَّنَعُّمُ الْجُزْئِيُّ أَيْضاً * وَكَذَا لِفَاعِلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْحَكِيمَةِ الْكَرِيمَةِ كَمَالَاتٌ مَسْتُورَةٌ؛ يُفْهَمُ مِنْ تَظَاهُرِهِ( ) بِهَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ الْمُزَيَّنَاتِ أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُشَهِّرَ تِلْكَ الْكَمَالَاتِ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ الْمُسْتَحْسِنِينَ الْمُقَدِّرِينَ * نَعَمْ, أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَمَالِ الدَّائِمِ اَلتَّظَاهُرُ بِالدَّوَامِ, وَوُجُودِ نَظَرِ الْمُسْتَحْسِنِ الدَّائِمِيِّ’* فَالنَّاظِرُ الَّذِي لَا يَدُومُ، يَسْقُطُ مِنْ نَظَرِ مَحَبَّتِهِ قِيمَةُ الْكَمَالَاتِ * وَكَذَا لِصَانِعِ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْجَمِيلَاتِ الْمَلِيحَاتِ الْمُزَيَّنَاتِ الْمُنَوَّرَاتِ مَحَاسِنُ جَمَالٍ مُجَرَّدٍ مَعْنَوِيٍّ بِلَا مِثْلٍ, وَلَهُ لَطَائِفُ حُسْنٍ مَخْفِيٍّ يَلِيقُ بِهِ بِلَا نَظِيرٍ؛ بَلْ فِي كُلِّ اِسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كُنُوزٌ مَخْفِيَّةٌ مِنْ جِلَوَاتِ ذَلِكَ الْحُسْنِ الْمُنَزَّهِ وَالْجَمَالِ الْمُجَرَّدِ * نَعَمْ: أَيْنَ عُقُولُنَا؟ وَأَيْنَ فَهْمُ جَمَالِ مَنْ مِنْ بَعْضِ مَرَايَاهُ الْكَثِيفَةِ وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُتَجَدِّدَةِ (الَّتِي تُظْهِرُ وَتَصِفُ لَنَا فِي كُلِّ عَصْرٍ, بَلْ فِي كُلِّ فَصْلٍ, بَلْ فِي كُلِّ وَقْتٍ ظِلَالَ جِلَوَاتِ ذَلِكَ الْجَمَالِ الدَّائِمِ التَّجَلِّي؛ مَعَ تَفَانِي الْمَرَايَا وَسَيَّالِيَةِ الْمَظَاهِرِ) وَمِنْ بَعْضِ أَزَاهِيرِهِ وَنَقْشِهِ >الرَّبِيعُ< * ثُمَّ إِنَّهُ مِنَ الْحَقَائِقِ الْمُسْتَمِرَّةِ الثَّابِتَةِ أَنَّ كُلَّ ذِي جَمَالٍ فَائِقٍ يُحِبُّ أَنْ يُشَاهِدَ جَمَالَهُ بِنَظَرِهِ وَبِنَظَرِ غَيْرِهِ, وَيَنْظُرَ إِلَى مَحَاسِنِهِ بِالذَّاتِ وَبِالْوَاسِطَةِ, وَيَشْتَاقُ إِلَى مِرْآةٍ فِيهَا جِلْوَةُ جَمَالِهِ الْمَحْبُوبِ, وَإِلَى مُشْتَاقٍ فِيهِ مَقَايِيسُ دَرَجَاتِ حُسْنِهِ الْمَرْغُوبِ! * فَالْحُسْنُ وَالْجَمَالُ يَقْتَضِيَانِ الشُّهُودَ وَالْإِشْهَادَ * وَهُمَا يَقْتِضِيَانِ وُجُودَ مُسْتَحْسِنِينَ مُتَنَزِّهِينَ فِي مَنَاظِرِهِمَا, وَوُجُودَ مُشْتَاقِينَ مُتَحَيِّرِينَ فِي لَطَائِفِهِمَا * ثُمَّ لِأَنَّ الْجَمَالَ سَرْمَدِيٌّ( ) يَقْتَضِي أَبَدِيَّةَ الْمُسْتَحْسِنِ الْمُتَحَيِّرِ * إِذِ الْجَمَالُ الدَّائِمُ الْكَامِلُ لَا يَرْضَى بِالْمُشْتَاقِ الزَّائِلِ الْآفِلِ’* إِذْ بِسِرِّ أَنَّ الشَّخْصَ الْمُقَيَّدَ بِنَفْسِهِ لَهُ نَوْعُ عَدَاوَةٍ لِمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ فَهْمُهُ أَوْ يَدُهُ, وَلِمَنْ يَرُدُّهُ أَوْ يَطْرُدُهُ مِنْ دَائِرَةِ حُضُورِهِ؛ فَيَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَابِلَ هَذَا الشَّخْصُ ذَلِكَ الْجَمَالَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَابَلَ بِمَحَبَّةٍ بِلَا نِهَايَةٍ, وَشَوْقٍ بِلَا غَايَةٍ, وَاسْتِحْسَانٍ بِلَا حَدٍّ بِعَدَاوَةٍ وَحِقْدٍ وَإِنْكَارٍ * اَلْحَاصِلُ: أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ كَمَا يَسْتَلْزِمُ صَانِعَهُ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ؛ كَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ صَانِعُهُ الْآخِرَةَ بِلَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ!. * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ لِمَالِكِ هَذَا الْعَالَمِ رَحِيمِيَّةً شَفِيقَةً فِي سُرْعَةِ إِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالْمُسْتَغِيثِ, وَفِي إِجَابَةِ الدَّاعِي الْمُسْتَجِيرِ * إِذْ قَدْ نَرَى أَنَّهُ يُرَاعِي أَدْنَى حَاجَةٍ مِنْ أَدْنَى خَلْقِهِ، بِدَلِيلِ قَضَائِهَا وَقْتَ وُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ لَا يُحْتَسَبُ * وَأَنَّهُ يَسْمَعُ أَخْفَى نِدَاءٍ مِنْ أَخْفَى خَلْقِهِ بِدَلِيلِ إِسْعَافِ مَسْؤُولِهِ وَلَوْ بِلِسَانِ حَالِهِ * فَانْظُرْ إِلَى حُسْنِ تَرْبِيَةِ أَطْفَالِ ذَوِي الْحَيَاةِ وَضُعَفَائِهَا! كَيْ تَرَى هَذِهِ الشَّفَقَةَ كَالشَّمْسِ فِي ضِيَائِهَا * فَهَذِهِ الشَّفَقَةُ الرَّحِيمَةُ الْكَرِيمَةُ تَقْتَضِي اِقْتِضَاءً ضَرُورِيًّا قَطْعِيَّاً أَنْ تُسْعِفَ أَعْظَمَ حَاجَةٍ وَأَشَدَّهَا مِنْ أَعْظَمِ عِبَادِهِ وَأَحَبِّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ * وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ عَامَّةً بِحَيْثُ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ ذَلِكَ الْحَبِيبِ جَمِيعُ الْخَلْقِ بِأَلْسِنَةِ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْوَالِ, وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا كَانَتْ مُهِمَّةً عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِكَوْنِهَا سَبَباً لِصُعُودِ قِيمَةِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ, وَبِدُونِهَا تَسْقُطُ قِيمَةُ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ * فَحِينَئِذٍ يَشْتَرِكُ فِي تَضَرُّعِ ذَلِكَ الْحَبِيبِ جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ بِأَلْسِنَةِ اِسْتِعْدَادَاتِهَا * وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا كَانَتْ مَطْلُوبَةً لِكُلِّ الْأَسْمَاءِ الْمُتَجَلِّيَةِ فِي الْكَائِنَاتِ * نَعَمْ: تِلْكَ الْحَاجَةُ كَمَخْزَنٍ لِغَايَاتِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَلِكَمَالَاتِهَا فِي ظُهُورِهَا بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِهَا؛ فَحِينَئِذٍ تَشْفَعُ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ مُسَمَّاهَا لِإِسْعَافِ حَاجَةِ ذَلِكَ الْحَبِيبِ * وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْحَاجَةُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ سَهْلَةً يَسِيرَةً عَلَى مَالِكِهِ الْكَرِيمِ * وَبِالْخَاصَّةِ إِذَا تَضَرَّعَ ذَلِكَ الْحَبِيبُ بِأَنْوَاعِ التَّضَرُّعَاتِ الْحَزِينَةِ؛ مُتَذَلِّلاً بِأَنْوَاعِ الْاِفْتِقَارَاتِ الْمُشَفِّعَةِ؛ مُتَحَبِّباً بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْبُولَةِ * وَقَدْ اِصْطَفَّ خَلْفَهُ مُؤْتَمِّينَ بِهِ مُؤَمِّنِينَ عَلَى دُعَائِهِ جَمِيعُ أَفَاضِلِ ثَمَرَاتِ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ؛ وَهُوَ إِنَّمَا يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ الْكَرِيمِ >اَلْجَنَّةَ, وَالْبَقَاءَ, وَالسَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ, وَالرِّضَاءَ< * فَبِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَنْ يَقْبَلَ جَمَالُ هَذِهِ الشَّفَقَةِ الشَّامِلَةِ الْمَشْهُودَةِ بِآثَارِهَا؛ قُبْحَاً غَدَّاراً بِعَدَمِ قَبُولِ مِثْلِ هَذَا الْمَطْلُوبِ الْمَعْقُولِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ الْمَقْبُولِ * نَعَمْ: كَمَا أَنَّ ذَلِكَ الْحَبِيبَ ـ الَّذِي هُوَ مَدَارُ الشُّهُودِ وَالْإِشْهَادِ لِلشَّاهِدِ الْأَزَلِيِّ ـ رَسُولٌ, وَبِرِسالَتِهِ كَاشِفُ طِلْسِمِ الْكَائِنَاتِ وَدَلاَّلُ الْوَحْدَةِ فِي غَمَرَاتِ الْكَثْرَةِ وَسَبَبٌ لِوُصُولِ السَّعَادَةِ فِي الْجَنَّةِ * كَذَلِكَ عَبْدٌ, فَبِعُبُودِيَّتِهِ كَشَّافُ خَزَائِنِ الرَّحْمَةِ, وَمِرْآةٌ لِجَمَالِ الرُّبُوبِيَّةِ, وَسَبَبٌ لِحُصُولِ مَدَارِ السَّعَادَةِ، وَسَبَبٌ لِوُجُودِ الْجَنَّةِ * فَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجَنَّةِ؛ إِلاَّ مِثْلَ هَذِهِ( ) الطَّلَبِ( ) مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْحَبِيبِ, لَكَفَى لِإِيجَادِ هَذِهِ الْجَنَّةِ وَوُجُودِهَا مِنْ جُودِ جَوَّادٍ, يُوجِدُ فِي كُلِّ رَبِيعٍ جِنَاناً مُزَيَّنَةً كَأُنْمُوذَجَاتِ تِلْكَ الْجَنَّةِ * فَمَا هَذِهِ بِأَسْهَلَ مِنْ تِلْكَ, وَمَا هِيَ بِأَصْعَبَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ * فَكَمَا يَحِقُّ وَحَقٌّ أَنْ يُقَالَ, وَقَدْ قِيلَ: >لَوْلَاكَ لَوْلَاكَ لَمَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ!< يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ دُعَاؤُكَ لَخَلَقْتُ الْجَنَّةَ لِأَجْلِكَ! * اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى ذَلِكَ الْحَبِيبِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَفَخْرُ الْعَالَمَيْنِ وَحَيَاةُ الدَّارَيْنِ وَوَسِيلَةُ السَّعَادَتَيْنِ وَذُوالْجَنَاحَيْنِ وَرَسُولُ الثَّقَلَيْنِ * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ * وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ * آمِينَ * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّهُ يُشَاهَدُ فِي جَرَيَانِ هَذَا الْعَالَمِ آثَارُ سَلْطَنَةٍ مُحْتَشَمَةٍ فِي تَسْخِيرِ الشُّمُوسِ وَالْأَقْمَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ؛ فَيُعْلَمُ أَنَّ لِمُتَصَرِّفِ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ سَلْطَنَةً مُحْتَشَمَةً فِي رُبُوبِيَّةٍ مُعَظَّمَةٍ * مَعَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ بِسُرْعَةِ تَحَوُّلِهَا وَزَوَالِهَا كَمَنْزِلٍ فِي >خَانٍ< أُعِدَّ لِلْمُسَافِرِينَ يُمْلَأُ وَيُفْرَغُ فِي كُلِّ يَوْمٍ * وَكَمَيْدَانِ اِمْتِحَانٍ يَتَبَدَّلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ * وَكَمَشْهَرٍ أُحْضِرَ لِإِرَاءَةِ أُنْمُوذَجَاتِ غَرَائِبِ صَنْعَةِ صَاحِبِ الْمَوْجُودَاتِ وَنُمُونَاتِ إِحْسَانَاتِهِ * وَهَذَا الْمَشْهَرُ يَتَحَوَّلُ فِي كُلِّ زَمَانٍ؛ مَعَ أَنَّ الْخَلْقَ وَالْعِبَادَ الَّذِينَ هُمْ كَالرَّعِيَّةِ وَمَدَارِ السَّلْطَنَةِ اِجْتَمَعُوا فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ وَهُمْ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ فِي كُلِّ آنٍ * وَحَضَرُوا ذَلِكَ( ) الْمَيْدَانَ مُسْتَمِعِينَ نَاظِرِينَ بِمِقْدَارِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ, وَهُمْ عَلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ فِي كُلِّ زَمَانٍ * وَتَوَقَّفُوا قَلِيلاً فِي ذَلِكَ الْمَشْهَرِ وَهُمْ عَلَى قَصْدِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ * فَهَذِهِ الْحَالَةُ تَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ أَنْ يُوجَدَ خَلْفَ هَذَا الْمَنْزِلِ الْفَانِي وَالْمَيْدَانِ الْمُتَغَيِّرِ, وَبَعْدَ هَذَا الْمَشْهَرِ الْمُتَبَدِّلِ قُصُورٌ دَائِمَةٌ وَمَسَاكِنُ أَبَدِيَّةٌ وَخَزَائِنُ مُفَتَّحَةُ الْأَبْوَابِ مَشْحُونَةٌ مِنْ جَيِّدَاتِ أُصُولِ تِلْكَ الْأُنْمُوذَجَاتِ الْمَغْشُوشَاتِ، لِتَقُومَ تِلْكَ السَّلْطَنَةُ السَّرْمَدِيَّةُ الْمَشْهُودَةُ عَلَيْهَا * إِذْ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ قِيَامُ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ الْمُحْتَشَمَةِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْفَانِيَاتِ الْوَانِيَاتِ الزَّائِلَاتِ الذَّلِيلاتِ * نَعَمْ: كَمَا يَتَفَطَّنُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شُعُورٍ؛ إِذَا صَادَفَ فِي طَرِيقِهِ مَنْزِلاً أَعَدَّهُ مَلِكٌ كَرِيمٌ فِي الطَّرِيقِ لِمُسَافِرِيهِ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ قَدْ صَرَفَ مَلَايِينَ دِيْنَارَاً لِتَزْيِينِ الْمَنْزِلِ لِتَنَزُّهِ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ, ثُمَّ رَأَى أَنَّ أَكْثَرَ الْمُزَيَّنَاتِ صُوَرٌ وَأُنْمُوْذَجٌ, ثُمَّ رَأَى الْمُسَافِرِينَ يَذُوقُونَ مِنْ هَذَا, وَذَلِكَ لِلطَّعْمِ لَا لِلشَّبْعِ, إِذْ لَا يَشْبَعُونَ مِنْ شَيْءٍ * وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ( ) بِفُطُوغْرَافِهِ الْمَخْصُوصِ صُوَرَ مَا فِي الْمَنْزِلِ, وَيَأْخُذُ خُدَّامُ الْمَلِكِ أَيْضاً صُوَرَ مُعَامَلَاتِهِمْ بِغَايَةِ الدِّقَّةِ * ثُمَّ رَأَى أَنَّ الْمَلِكَ يُخَرِّبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرَ تِلْكَ الْمُزَيَّنَاتِ الْغَالِيَاتِ الْقِيمَةِ, وَيُجَدِّدُ لِضُيُوفِهِ الْجَدِيدِينَ مُزَيَّنَاتٍ أُخْرَى * وَيَتَفَهَّمُ بِلَا شَكٍّ أَنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْمَنْزِلِ الْمُؤَقَّتِ مَنَازِلَ عَالِيَةً دَائِمَةً, وَثَرْوَةً غَالِيَةً مَخْزُونَةً, وَسَخَاوَةً عَظِيمَةً كَرِيمَةً؛ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُشَوِّقُ إِلَى مَا عِنْدَهُ وَيُرَغِّبَهُمْ فِيمَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ * كَذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَفَطَّنَ الْإِنْسَانُ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لِذَاتِهَا وَبِذَاتِهَا, بَلْ إِنَّمَا هِيَ مَنْزِلٌ تُمْلَأُ وَتُفْرَغُ بِحُلُولٍ وَارْتِحَالٍ, وَأَنَّ سَاكِنِيهَا مُسَافِرُونَ يَدْعُوهُمْ رَبٌّ كَرِيمٌ إِلَى دَارِ السَّلَامِ * وَأَنَّ هَذِهِ التَّزْيِينَاتِ لَيْسَتْ لِلتَّلَذُّذِ بِالتَّنَزُّهِ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُلِذُّكَ آناً, ثُمَّ تُؤَلِّمُكَ بِفِرَاقِهَا أَزْمَاناً * وَتُذِيقُكَ وَتَفْتَحُ اِشْتَهَاءَكَ, ثُمَّ لَا تُشْبِعُكَ لِقَصْرِ عُمُرِهَا أَوْ قَصْرِ عُمُرِكَ * بَلْ إِنَّمَا هِيَ لِلْعِبْرَةِ وَلِلشُّكْرِ وَلِلشَّوْقِ إِلَى أُصُولِهَا الدَّائِمَةِ, وَلِغَايَاتٍ عُلْوِيَّةٍ * وَأَنَّ هَذِهِ الْمُزَيَّنَاتِ صُوَرٌ وَأُنْمُوذَجَاتٌ لِمَا ادَّخَرَهُ الرَّحْمَنُ فِي الْجِنَانِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ * وَأَنَّ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ الْفَانِيَاتِ لَيْسَتْ لِلْفَنَاءِ؛ بَلِ اجْتَمَعَتْ اِجْتِمَاعاً قَصِيراً لِتُؤْخَذَ صُوَرُهَا وَتَمَاثِيلُهَا وَمَعَانِيهَا وَنَتَائِجُهَا؛ فَيُنْسَجَ مِنْهَا مَنَاظِرَ دَائِمَةً لِأَهْلِ الْأَبَدِ * أَوْ يَصْنَعَ مِنْهَا مُحَوِّلُهَا مَا يَشَاءُ فِي عَالَمِ الْبَقَاءِ * وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ؛ ـ بَلِ الْفَنَاءُ الصُّورِيُّ تَمَامُ الْوَظِيفَةِ وَتَرْخِيصٌ لَهُ ـ أَنَّ الْفَانِيَ يَفْنَى بِوَجْهٍ وَيَبْقَى بِوُجُوهٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ *! مَثَلاً: اُنْظُرْ مِنْ كَلِمَاتِ الْقُدْرَةِ إِلَى هَذِهِ الزَّهْرَةِ الَّتِي تَنْظُرُ إِلَيْنَا فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ ثُمَّ تَفْنَى * تَرَاهَا كَالْكَلِمَةِ الَّتِي تَزُولُ, لَكِنْ تُودِعُ بِإِذْنِ اللهِ فِي الْآذَانِ أُلُوفَ تَمَاثِيلِهَا, وَفِي الْعُقُولِ بِعَدَدِ الْعُقُولِ مَعَانِيَهَا * إِذْ هِيَ وَقْتَ تَمَامِ الْوَظِيفَةِ تُبْقِى وَتُودِعُ فِي حَافِظَتِنَا وَفِي حَافِظَةِ كُلِّ مَنْ رَآهَا فِي الشَّهَادَةِ, وَفِي بُذُورِهَا فِي الْغَيْبِ صُوَرَهَا وَمَعَانِيَهَا * حَتَّى كَأَنَّ حَافِظَةَ كُلِّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا, وَكُلَّ بُذُورَاتِهَا (بُذُورَاتُ الزَّهْرَةِ) فُوطُوغْرَافَاتُهَا لِحِفْظِ زِينَةِ صُوَرِهَا( ) وَمَنَازِلُ لِبَقَائِهَا * وَقِسْ عَلَيْهَا مَا فَوْقَهَا, وَمَا فَوْقَ مَا فَوْقَهَا مِنْ ذَوِي الْأَرْوَاحِ الْبَاقِيَةِ * وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ سُدًى غَارِبُهُ عَلَى عُنُقِهِ يَسْرَحُ كَيْفَ يَشَاءُ, بَلْ تُؤْخَذُ صُوَرُ أَعْمَالِهِ وَتُكْتَبُ وَتُحْفَظُ نَتَائِجُ أَفْعَالِهِ لِيُحَاسَبَ * وَأَنَّ التَّخْرِيبَاتِ الْخَرِيفِيَّةَ لِلْمَصْنُوعَاتِ الْجَمِيلَاتِ الرَّبِيعِيَّةِ؛ إِنَّمَا هِيَ تَرْخِيصَاتٌ بِتَمَامِ الْوَظِيفَاتِ وَتَفْرِيغَاتٌ لِوُفُودِ الْمَخْلُوقَاتِ الْجَدِيدَاتِ( ) * وَإِحْضَارَاتٌ لِنُزُولِ مَصْنُوعَاتٍ مُوَظَّفَاتٍ * وَتَنْبِيهَاتٌ لِلْغَفَلَاتِ( ) وَالسَّكَرَاتِ * وَأَنَّ لِصَانِعِ هَذَا الْعَالَمِ عَالَماً آخَرَ بَاقِياً يَسُوقُ إِلَيْهِ عِبَادَهُ وَيُشَوِّقُهُمْ إِلَيْهِ * وَأَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُمْ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ لِمُتَصَرِّفِ هَذَا الْعَالَمِ حَفِيظِيَّةً تَامَّةً بِحَيْثُ لَا تُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ تُحَافِظُهَا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ؛ وَمِنْ أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبِينِ >اَلنِّظَامُ وَالْمِيزَانُ< الْمَشْهُودَانِ * إِذْ نُشَاهِدُ أَنَّ كُلَّ مَا تَمَّ عُمْرُهُ بِتَمَامِ وَظِيفَتِهِ وَذَهَبَ عَنِ الْوُجُودِ فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ؛ يُثْبِتُ فَاطِرَهُ كَثِيراً مِنْ صُوَرِهِ فِي أَلْوَاحٍ مَحْفُوظَةٍ * وَيُنَقِّشُ أَكْثَرَ تَارِيخِ حَيَاتِهِ فِي نُوَاتَاتِهِ وَنَتَائِجِهِ * وَيُبْقِيهِ فِي مَرَايَا مُتَعَدِّدَةٍ غَيْباً وَشَهَادَةً * حَتَّى كَأَنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَشْيَاءِ مُوَظَّفُونَ بِأَخْذِ صُورَةِ جَرَيَانِ مُعَامَلَةِ الْأَشْيَاءِ الْمُجَاوِرِينَ لَهَا * فَإِنْ شِئْتَ فَانْظُرْ إِلَى حَافِظَةِ الْبَشَرِ, وَثَمَرَةِ الشَّجَرِ, وَنُوَاةِ الثَّمَرِ, وَبَذْرِ الزُّهَرِ؛ لِتَفْهَمَ عَظَمَةَ إِحَاطَةِ قَانُونِ الْحِفْظِ وَالْحَفِيظِيَّةِ, حَتَّى فِي السَّيَّالَاتِ الزَّائِلَاتِ * فَقِسْ مِنْ هَذَا قُوَّةَ جَرَيَانِ هَذِهِ الْحَفِيظِيَّةِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الْمُثْمِرَةِ فِي الْعَوَالِمِ الْغَيْبِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ * فَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمُحَافَظَةِ التَّامَّةِ؛ أَنَّ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ اِهْتِمَاماً عَظِيماً بِاِنْضِبَاطِ مَا يَجْرِي فِي مُلْكِهِ * وَأَنَّ لَهُ نِهَايَةَ دِقَّةٍ فِي وَظِيفَةِ حَاكِمِيَّتِهِ * وَانْتِظَاماً تَامَّاً فِي سَلْطَنَةِ رُبُوبِيَّتِهِ؛ بِحَيْثُ يَكْتُبُ وَيَسْتَكْتِبُ أَدْنَى حَادِثَةٍ وَأَهْوَنَ عَمَلٍ وَأَقَلَّ خِدْمَةٍ * وَيَأْمُرُ بِالْأَمْرِ التَّكْوِينِيِّ بِأَخْذِ صُورَةِ كُلِّ مَا يَجْرِي فِي مُلْكِهِ, وَيَحْفَظُ وَيَسْتَحْفِظُ كُلَّ فِعْلٍ وَعَمَلٍ * فَهَذِهِ الْحَفِيظِيَّةُ تُشِيرُ بَلْ تُصَرِّحُ بَلْ تَسْتَلْزِمُ >الْمُحَاسَبَةَ< * وَبِالْخَاصَّةِ فِي أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ وَأَهَمِّهَا مِنْ أَكْرَمِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَشْرَفِهَا، أَيِ الْإِنْسَانِ * لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَالشَّاهِدِ عَلَى كُلِّيَّاتِ شُؤُونِ الرُّبُوبِيَّةِ * وَكَالدَّلاَّلِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي دَوَائِرِ الْكَثْرَةِ * وَكَالْمُشَاهِدِ وَالضَّابِطِ عَلَى تَسْبِيحَاتِ الْمَوْجُودَاتِ * وَهَكَذَا مِمَّا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْبَابِ تَكْرِيمِهِ بِالْأَمَانَةِ وَتَقْلِيدِهِ بِالْخِلَافَةِ * فَمَعَ هَذَا {ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ}، وَلَا يُسْأَلَ غَداً, كَلاَّ!. * بَلْ لَيُحَاسَبُ عَلَى السَّبَدِ وَاللَّبَدِ, وَسَيَذْهَبُ إِلَى الْحَشْرِ وَالْأَبَدِ’* وَمَا الْمَحْشَرُ( ) وَالْقِيَامَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ إِلاَّ كَالرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ * فَكُلُّ الْوُقُوعَاتِ الْمَاضِيَةِ مُعْجِزَاتُ قُدْرَتِهِ, تَشْهَدُ قَطْعاً عَلَى أَنَّهُ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ الْإِمْكَانَاتِ الْاِسْتِقْبَالِيَّةِ * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ مَالِكَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ وَعَدَ مُكَرَّرَاً؛ بِمَا إِيجَادُهُ عَلَيْهِ هَيِّنٌ سَهْلٌ يَسِيرٌ * وَوُجُودُهُ لِخَلْقِهِ وَعِبَادِهِ مُهِمٌّ بِلَا نِهَايَةٍ * وَغَالٍ( ) بِلَا غَايَةٍ * مَعَ أَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ فِي غَايَةِ الضِّدِّيَّةِ لِعِزَّةِ اِقْتِدَارِهِ وَمَرْحَمَةِ رُبُوبِيَّتِهِ * إِذْ خُلْفُ الْوَعْدِ نَتِيجَةُ الْجَهْلِ أَوَّلاً, وَالْعَجْزِ آخِراً * فَخُلْفُ الْوَعْدِ مُحَالٌ عَلَى الْعَلِيمِ الْمُطْلَقِ وَالْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ * فَلَيْسَ إِيجَادُ الْحَشْرِ بِانْقِلَابَاتِهِ وَبِجَنَّاتِهِ بِأَعْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ إِيجَادِ الرَّبِيعِ بِتَحَوُّلَاتِهِ وَبِجِنَانِهِ * وَأَمَّا وَعْدُهُ سُبْحَانَهُ فَثَابِتٌ بِتَوَاتُرِ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ وَبِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْأَصْفِيَاءِ’* اِسْتَمِعْ قُوَّةَ وَعْدِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: { ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ}، {ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ..} لَا يُصَدِّقُ حَدِيثَ مَنْ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ كَلِمَاتُهُ الصَّادِقَةُ بِالْحَقِّ, وَهَذِهِ الْكَائِنَاتُ آيَاتُهُ النَّاطِقَةُ بِالصِّدْقِ؛ وَيَعْتَمِدُ عَلَى هَذَيَانَاتِ وَهْمِهِ, وَحَمَاقَاتِ نَفْسِهِ, وَأَبَاطِيلَ شَيْطَانِهِ * نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخِذْلَانِ وَمِنْ شَرِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ * وَلَا سِيَّمَا: إِنَّا نُشَاهِدُ فِي هَذَا الْعَالَمِ تَظَاهُرَاتِ رُبُوبِيَّةٍ مُحْتَشَمَةٍ سَرْمَدِيَّةٍ وَآثَارَ سَلْطَنَةٍ مُشَعْشَعَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ * وَقِسْ عَظَمَةَ صَاحِبِ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ الْأَرْضِ بِسَكَنَتِهَا كَحَيَوَانٍ مُسَخَّرٍ مُذَلَّلٍ تَحْتَ أَمْرِهِ, يُحْيِيهَا وَيُمِيتُ وَيُرَبِّيهَا وَيُدَبِّرُ * وَالشَّمْسِ بِسَيَّارَاتِهَا مُسَخَّرَةً مُنَظَّمَةً بِقُدْرَتِهِ يُنَظِّمُهَا وَيُدَوِّرُ, وَيُقَدِّرُهَا وَيُكَوِّرُ * مَعَ أَنَّ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةَ السَّرْمَدِيَّةَ الْمُسْتَمِرَّةَ, وَالسَّلْطَنَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ الْمُحِيطَةَ بِشَهَادَةِ تَصَرُّفَاتِهَا الْعَظِيمَةِ الْمُحَيِّرَةِ لِلْعُقُولِ لَا تَقُومَانِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الزَّائِلَةِ الْوَاهِيَةِ الْمُتَبَدِّلَةِ السَّيَّالَةِ, وَلَا تُبْنَيَانِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الْمُغَيَّرَةِ الْمُتَخَاذِلَةِ الْمُنَغَّصَةِ * بَلْ لا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الدُّنْيَا فِي سُرَادِقَاتِ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ إِلاَّ كَمَيْدَانٍ بُنِيَتْ فِيهَا مَنَازِلُ مُوَقَّتَةٌ لِلتَّجْرِبَةِ وَالْامْتِحَانِ وَالتَّشْهِيرِ وَالْإِعْلَانِ * ثُمَّ تُخَرَّبُ وَتُبَدَّلُ بِقُصُورٍ دَائِمَةٍ وَيُسَاقُ إِلَيْهَا الْخَلْقُ * فَبِالضَّرُورَةِ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ لِرَبِّ هَذَا الْعَالَمِ الْفَانِي الْمُتَغَيِّرِ, عَالَمٌ آخَرٌ بَاقٍ مُسْتَقَرٌّ * وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَ كُلُّ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ ذَوِي الْأَرْوَاحِ النَّيِّرَةِ, وَالْقُلُوبِ الْمُنَوَّرَةِ, وَالْعُقُولِ النُّورَانِيَّةِ وَدَخَلَ فِي حُضُورِ قُرْبِهِ سُبْحَانَهُ: أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ دَارَ مُكَافَأَةٍ وَمُجَازَاةٍ * وَأَنَّهُ يَعِدُ وَعْداً قَوِيَّاً وَيُوعِدُ وَعِيداً شَدِيداً * وَهُوَ أَجَلُّ وَأَقْدَسُ مِنْ أَنْ يَذِلَّ وَيَتَذَلَّلَ بِخُلْفِ الْوَعْدِ * وَأَعْلَى وَأَعَزُّ مِنْ أَنْ يَعْجِزَ مِنْ إِنْجَازِ الْوَعِيدِ * مَعَ أَنَّ الْمُخْبِرِينَ (الَّذِينَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَصْفِيَاءُ) مُتَوَاتِرُونَ وَأَهْلُ اخْتِصَاصٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَقَدْ أَجْمَعُوا وَاتَّفَقُوا مَعَ تَخَالُفِهِمْ فِي الْمَسَالِكِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَذَاهِبِ عَلَى هَذَا الْإِخْبَارِ الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الْكَائِنَاتُ بِآيَاتِهَا * فَهَلْ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ حَدِيثٌ أَصْدَقُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ, فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَبَرٌ أَصْدَقَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ وَأَحَقَّ! * وَلَا سِيَّمَا: أَنَّ مُتَصَرِّفَ هَذَا الْعَالَمِ يُظْهِرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ـ يَوْماً, وَسَنَةً, وَقَرْناً, وَدَوْراً فِي مَيْدَانِ الْأَرْضِ الْمُؤَقَّتِ الضَّيِّقِ ـ كَثِيراً مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ الْمَيْدَانِ الْأَكْبَرِ الْأَوْسَعِ, وَمِنْ نُمُونَاتِهِ وَمِنْ إِشَارَاتِهِ * فَإِنْ شِئْتَ فَتَأَمَّلْ فِي كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي الْحَشْرِ الرَّبِيعِيِّ! كَيْ تَرَى قَرِيباً مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ حَشْرٍ وَنَشْرٍ بِكَمَالِ الْاِنْتِظَامِ فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَيَّامٍ, وَبِكَمَالِ الْاِمْتِيَازِ وَالتَّشْخِيصِ؛ مَعَ غَايَةِ اِخْتِلَاطِ تِلْكَ الْأَمْوَاتِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورَاتِ( ) الْمُشْتَبِكَةِ الْمُنْتَشِرَةِ مُتَدَاخِلَةً فِي صَحِيفَةِ الْأَرْضِ * فَمَنْ يَفْعَلُ هَذَا كَيْفَ يَؤُودُهُ شَيْءٌ؟! وَكَيْفَ لَا يَخْلُقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ؟! وَكَيْفَ لَا يَكُونُ حَشْرُ الْإِنْسَانِ كَلَمْحِ الْبَصَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؟! * نَعَمْ, مَنْ يَكْتُبُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ كِتَابٍ (قَدِ انْمَحَتْ حُرُوفُهَا) فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ مَعًا, وَمُخْتَلِطَةً بِلَا خَلْطٍ وَلاَ غَلَطٍ, بِلَا مَزَجٍ وَمَزْجٍ؛ كَيْفَ يَعْجِزُ عَنِ اِسْتِنْسَاخِ كِتَابٍ عَنْ حَافِظَتِهِ هُوَ أَلَّفَهُ أَوَّلاً, ثُمَّ مَحَاهُ كِتَابَةً ثَانِيَةً؟! فَإِنْ شِئْتَ فَانْظُرْ إِلَى آيَةِ: {ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ} لِتَرَى فِي تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ حَقِيقَةَ هَذَا التَّمْثِيلِ * فَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَيُتَحَدَّسُ مِنْ هَاتِيكَ الشُّؤُونَاتِ؛ أَنَّ مَا يُشَاهَدُ مِنْ هَذِهِ الْاِجْتِمَاعَاتِ وَالْاِفْتِرَاقَاتِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا, لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ تِلْكَ الْاِحْتِفَالَاتِ الْمُهِمَّةِ وَبَيْنَ الثَّمَرَاتِ الْجُزْئِيَّةِ الْفَانِيَةِ فِي زَمَانٍ قَصِيرٍ’* بَلْ إِنَّمَا هِيَ تَمْثِيلٌ وَتَقْلِيدٌ لِتُؤْخَذَ صُوَرُهَا وَتُرَكَّبَ وَتُحْفَظَ نَتَائِجُهَا وَتُكْتَبَ؛ لِتَدُورَ الْمُعَامَلَةُ فِي الْمَجْمَعِ الْأَكْبَرِ عَلَيْهَا * وَتَدُومَ الْمُشَاهَدَةُ فِي الْمَحْضَرِ الْأَشْهَرِ بِهَا * فَتُثْمِرَ هَذِهِ الْفَانِيَاتُ صُوَراً دَائِمَةً وَأَثْمَاراً بَاقِيَةً وَمَعَانِيَ أَبَدِيَّةً وَتَسْبِيحَاتٍ ثَابِتَةً * فَمَا هَذِهِ الدُّنْيَا إِلاَّ مَزْرَعَةٌ * وَالْبَيْدَرُ، الْحَشْرُ * وَالْمَخْزَنُ، الْجَنَّةُ وَالنَّارُ * وَلَا سِيَّمَا: إِذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ الرَّبُّ السَّرْمَدِيُّ وَالسُّلْطَانُ الْأَزَلِيُّ الْأَبَدِيُّ فِي تِلْكَ الْمَنَازِلِ الزَّائِلَةِ وَالْمَيَادِينِ الْآفِلَةِ وَالْمَشَاهِرِ الرَّاحِلَةِ آثَارَ حِكْمَةٍ بَاهِرَةٍ مَاهِرَةٍ, وَعِنَايَةٍ ظَاهِرَةٍ زَاهِرَةٍ, وَعَدَالَةٍ عَالِيَةٍ غَالِيَةٍ, وَمَرْحَمَةٍ وَاسِعَةٍ جَامِعَةٍ بِدَرَجَةٍ يَعْرِفُ بِالْيَقِينِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَيْنِهِ غَيْنٌ وَفِي قَلْبِهِ رَيْنٌ؛ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَكْمَلُ مِنْ حِكْمَتِهِ * وَأَجْمَلُ مِنْ عِنَايَتِهِ * وَأَشْمَلُ مِنْ مَرْحَمَتِهِ * وَأَجَلُّ مِنْ عَدَالَتِهِ * فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي دَائِرَةِ مَمْلَكَتِهِ فِي مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ أَمَاكِنُ دَائِمَةٌ عَالِيَةٌ, وَمَسَاكِنُ قَائِمَةٌ غَالِيَةٌ, وَسَوَاكِنُ مُقِيمَةٌ خَالِدَةٌ؛ لِتَكُونَ تِلْكَ الْأُمُورُ مَظَاهِرَ لِتَظَاهُرِ حَقَائِقِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدَالَةِ * لَلَزِمَ حِينَئِذٍ إِنْكَارُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْمَشْهُودَةِ لِذِي عَقْلٍ * وَإِنْكَارُ هَذِهِ الْعِنَايَةِ الْمُبْصَرَةِ لِذِي بَصِيرَةٍ * وَإِنْكَارُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الْمَنْظُورَةِ لِذِي قَلْبٍ * وَإِنْكَارُ هَذِهِ الْعَدَالَةِ الْمَرْئِيَّةِ لِذِي فِكْرٍ * وَلَلَزِمَ قَبُولُ كَوْنِ صَاحِبِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْحَكِيمَةِ الْكَرِيمَةِ الرَّحِيمَةِ الْعَادِلَةِ ـ حَاشَا ثُمَّ حَاشَا! ـ سَفِيهاً لَعَّاباً وَظَالِماً غَدَّاراً؛ فَيَلْزَمُ اِنْقِلَابُ الْحَقَائِقِ بِأَضْدَادِهَا وَهُوَ مُحَالٌ بِاِتِّفَاقِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَقْلِ، غَيْرِ السُّوفِسْطَائِيِّ الَّذِي يُنْكِرُ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى وُجُودَ نَفْسِهِ * فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ فَهُوَ كَالسُّوفِسْطَائِيِّ أَحْمَقُ مِنْ هَبَنَّقَةِ الْمَشْهُورِ, اَلَّذِي كَانَ لَا يَعْرِفُ إِلاَّ نَفْسَهُ * وَلَا يَعْرِفُ نَفْسَهُ إِلاَّ بِقَلَنْسُوَتِهِ’* حَتَّى إِذَا رَآهَا عَلَى رَأْسِ أَحَدٍ ظَنَّ أَنَّهُ نَفْسُهُ * فَفِكْرُ الْمُنْكِرِ كَقَلَنْسُوَةِ هَذَا!. * فَيَا مَنْ رَافَقَنِي بِفَهْمِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى هُنَا! لَا تَظُنَّنَّ اِنْحِصَارَ الدَّلَائِلِ فِيمَا سَبَقَ, كَلاَّ! بَلْ يُشِيرُ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ إِلَى مَا لاَ يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى مِنْ أَمَارَاتٍ أَنَّ خَالِقَنَا سَيَنْقُلُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَشْهَرِ الْمُؤَقَّتِ إِلَى مَقَرِّ سَلْطَنَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الدَّائِمَةِ * وَيُلَوِّحُ إِلَى مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُسْتَقْصَى مِنْ عَلَامَاتٍ أَنَّهُ سَيُبَدِّلُ هَذِهِ الْمَمْلَكَةَ السَّيَّالَةَ السَّيَّارَةَ بِتِلْكَ الْمَمْلَكَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ * وَكَذَا لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ مَا يَقْتَضِي الْآخِرَةَ وَالْحَشْرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مُنْحَصِرٌ عَلَى الْحَكِيمِ وَالْكَرِيمِ وَالرَّحِيمِ وَالْعَادِلِ وَالْحَفِيظِ, كَلاَّ! بَلْ كُلُّ الْأَسْمَاءِ الْمُتَجَلِّيَةِ فِي تَدْبِيرِ الْكَائِنَاتِ تَقْتَضِيهَا, بَلْ تَسْتَلْزِمُهَا * اَلْحَاصِلُ: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَشْرِ, مَسْأَلَةً قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِجَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمِيعِ أَسْمَائِهِ * وَالْقُرْآنُ الْمُبِينُ الْمُتَضَمِّنُ لِإِجْمَاعِ كُلِّ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ * وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ)، اَلْحَامِلُ لِسِرِّ اتِّفَاقِ ذَوِي الْأَرْوَاحِ النَّيِّرَةِ الصَّافِيَةِ الْعَالِيَةِ مِنَ الرُّسُلِ وَالنَّبِيِّينَ * وَمِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ وَالصِّدِّيقِينَ * وَهَذِهِ الْكَائِنَاتُ بِآيَاتِهَا * حَتَّى أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ كُلاًّ وَجُزْءاً وَكُلِّيَّاً وَجُزْئِيَّاً وَجْهَيْنِ: فَوَجْهٌ يَنْظُرُ إِلَى خَالِقِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَلْسِنَةٌ كَثِيرَةٌ تَشْهَدُ وَتُشِيرُ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ * وَوَجْهٌ آخَرُ يَنْظُرُ إِلَى الْغَايَةِ وَالْآخِرَةِ, وَفِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضَاً أَلْسِنَةٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ وَتَشْهَدُ عَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ * مَثَلاً: كَمَا تَدُلُّ أَنْتَ بِوُجُودِكَ فِي حُسْنِ صَنْعَةٍ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ صَانِعِكَ وَوَحْدَتِهِ؛ كَذَلِكَ تَدُلُّ بِزَوَالِكَ سُرْعَةً مَعَ جَامِعِيَّةِ اِسْتِعْدَادِكَ الْمُمْتَدِّ آمَالُهُ إِلَى الْأَبَدِ عَلَى الْآخِرَةِ, فَتَأَمَّلْ!. * وَقَدْ يَتَّحِدُ الْوَجْهَانِ * مَثَلاً: أَنَّ مَا يُشَاهَدُ عَلَى كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ اِنْتِظَامِ الْحِكْمَةِ, وَتَزْيِينِ الْعِنَايَةِ, وَتَلْطِيفِ الرَّحْمَةِ, وَتَوْزِينِ الْعَدَالَةِ, وَحُسْنِ الْحِفْظِ؛ كَمَا تَشْهَدُ عَلَى الصَّانِعِ الْحَكِيمِ الْكَرِيمِ الْعَادِلِ الْحَفِيظِ * كَذَلِكَ تُشِيرُ بَلْ تُصَرِّحُ بِحَقَّانِيَّةِ الْآخِرَةِ وَبِقُرْبِ السَّاعَةِ وَبِتَحَقُّقِ السَّعَادَةِ’* اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا سُعَدَاءَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ السُّعَدَاءِ’* وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّكَ الْمُخْتَارِ * فَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ كَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ وَبِحُرْمَتِهِ وَسَلِّمْ * وَسَلِّمْنَا وَسَلِّمْ دِينَنَا آمِينْ *

وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

    • ** ** 


قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِ التَّوْحِيدِ (اِقْرَأْ بِدِقَّةٍ تَقِرُّ عَيْنُكَ بِإِذْنِ اللهِ) مِفْتَاحُ حَلِّ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ فَيْضِ الْقُرْآنِ, إِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ مُطَالَعَتِهَا بِتَمَامِهَا مَرَّةً بِدِقَّةٍ!

بديع الزمان   إِفَادَةُ الْمَرَامِ اِعْلَمْ: أَيُّهَا النَّاظِرُونَ! إِنِّي قَدْ سَاقَنِيَ الْقَدَرُ الْإِلَهِيُّ إِلَى طَرِيقٍ عَجِيبٍ’* صَادَفْتُ فِي سَيْرِي فِيهِ مَهَالِكَ وَمَصَائِبَ وَأَعْدَاءً هَائِلَةً؛ فَاضْطَرَبْتُ, فَالْتَجَأْتُ بِعَجْزِي إِلَى رَبِّي * فَأَخَذَتِ الْعِنَايَةُ الْأَزَلِيَّةُ بِيَدِي’* وَعَلَّمَنِيَ الْقُرْآنُ رُشْدِي * وَأَغَاثَتْنِي الرَّحْمَةُ؛ فَخَلَّصَتْنِي مِنْ تِلْكَ الْمَهَالِكِ * فَبِحَمْدِ اللهِ صِرْتُ مُظَفَّراً فِي تِلْكَ الْمُحَارَبَاتِ مَعَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ, اَلَّذَيْنِ صَارَا وَكِيلَيْنِ فُضُولِيَّيْنِ لِأَنْوَاعِ أَهْلِ الضَّلَالَاتِ’* فَأَوَّلاً: اِبْتَدَأَ( ) الْمُشَاجَرَةُ بَيْنَنَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمُبَارَكَةِ, وَهِيَ: [سُبْحَانَ اللهِ, وَالْحَمْدُ للهِ, وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ, وَاللهُ أَكْبَرُ, وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ] * فَوَقَعَ تَحْتَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْحِصَانِ الْحَصِينَةِ ثَلَاثُونَ حَرْباً’* فَكُلُّ جُمْلَةٍ, بَلْ كُلُّ قَيْدٍ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ نَتِيجَةُ مُظَفَّرِيَّةٍ لِحَرْبٍ, لَمْ يَبْقَ لِلْعَدُوِّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَطْمَعٌ وَأَدْنَى مَمْسَكٌ * فَمَا كَتَبْتُ إِلاَّ مَا شَاهَدْتُ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِنَقِيضِهِ عِنْدِي إِمْكَانٌ وَهْمِيٌّ * فَأُشِيرُ بَعْضاً إِلَى حَقِيقَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ دَلِيلِهَا بِقَيْدٍ أَوْ صِفَةٍ؛ اِنْدَمَجَ دَلِيلُ الْحُكْمِ فِيهِمَا، يُعْرَفُ بِالدِّقَّةِ * وَمَا صَرَّحْتُ لِيُحِسَّ بِالْمَرَامِ مَنِ احْتَاجَ, وَلَا يَشْتَغِلَ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ, فَيَحْتَاجَ * أَظُنُّ أَنَّ جَرَيَانَ هَذَا الزَّمَانِ يُلْقِي الْعُقُولَ وَالْقُلُوبَ فِي الْمَهَالِكِ الَّتِي أَمَرَّنِي الْقَدَرُ عَلَيْهَا * فَهَذَا الْأَثَرُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَافِعاً بِإِذْنِهِ تَعَالَى لِبَعْضِ الْمُصَابِينَ * وَمِنَ اللهِ التَّوْفِيقُ *

    • ** **

  

اَلْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ( ) عَلَى نَبِيِّهِ [فَهَذَا الْأَثَرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ وَخَاتِمَةٍ وَمُقَدِّمَةٍ] اَلْمُقَدِّمَةُ اِعْلَمْ: أَنِّي حَصَّلْتُ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي سَفَرِ الْعُمْرِ, وَثَلَاثِينَ سَنَةً فِي سَيْرِ الْعِلْمِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ وَأَرْبَعَ جُمَلٍ, سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهَا * أُشِيرُ هُنَا إِلَى الْإِجْمَالِ * أَمَّا الْكَلِمَةُ: هِيَ الْمَعْنَى الْحَرْفِيُّ, وَالْمَعْنَى الْاِسْمِيُّ, وَالنِّيَّةُ, وَالنَّظَرُ * أَعْنِي: أَنَّ النَّظَرَ إِلَى مَا سِوَاهُ تَعَالَى لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ وَبِحِسَابِهِ تَعَالَى * وَأَنَّ النَّظَرَ إِلَى الْكَائِنَاتِ بِالْمَعْنَى الْاِسْمِيِّ, أَيْ بِحِسَابِ الْأَسْبَابِ خَطَأٌ * فَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَجْهَانِ: وَجْهٌ إِلَى الْحَقِّ, وَوَجْهٌ إِلَى الْكَوْنِ * فَالتَّوَجُّهُ إِلَى وَجْهِ الْكَوْنِيِّ, لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَرْفِيَّاً وَعِنْوَاناً لِلْمَعْنَى الْاِسْمِيِّ الَّذِي هُوَ جِهَةُ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ تَعَالَى * مَثَلاً: لاَ بُدَّ أَنْ يُرَى النِّعْمَةُ مِرْآةً لِلْإِنْعَامِ, وَالْوَسَائِطُ وَالْأَسْبَابُ مَرَايَا لِتَصَرُّفِ الْقُدْرَةِ’* وَكَذَا إِنَّ النَّظَرَ وَالنِّيَّةَ يُغَيِّرَانِ مَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ فَيُقَلِّبَانِ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ, كَمَا يُقَلِّبَانِ الْإِكْسِيرُ التُّرَابَ ذَهَباً * كَذَلِكَ تُقَلِّبُ النِّيَّةُ الْحَرَكَاتِ الْعَادِيَةَ عِبَادَاتٍ * وَالنَّظَرُ يُقلِّبُ عُلُومَ الْأَكْوَانِ مَعَارِفَ إِلَهِيَّةً * فَإِنْ نُظِرَ بِحِسَابِ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِطِ فَجَهَالَاتٌ، وَإِنْ نُظِرَ بِحِسَابِ اللهِ فَمَعَارِفُ إِلَهِيَّةٌ * وَأَمَّا الْكَلَامُ, فَالْأَوَّلُ: >إِنِّي لَسْتُ مَالِكِي< وَإِنَّ مَالِكِي هُوَ مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ فَتَوَهَّمْتُنِي مَالِكاً, لِأَفْهَمَ صِفَاتِ مَالِكِي بِالْمُقَايَسَةِ * فَفَهِمْتُ بِالْمُتَنَاهِي الْمَوْهُومِ الْغَيْرَ الْمُتَنَاهِي * فَجَاءَ الصَّبَاحُ وَانْطَفَأَ الْمِصْبَاحُ الْمُتَخَيَّلُ * اَلثَّانِي: >الْمَوْتُ حَقٌّ< * فَهَذِهِ الْحَيَاةُ وَهَذَا الْبَدَنُ لَيْسَا بِقَابِلَيْنِ لِأَنْ يَصِيرَا عَمُودَيْنِ تُبْنَى عَلَيْهِمَا هَذِهِ الدُّنْيَا الْعَظِيمَةُ * إِذْ مَا هُمَا بِأَبَدِيَّيْنِ, وَلَا مِنْ حَدِيدٍ وَلَا مِنْ حَجَرٍ, بَلْ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ وَعَظْمٍ. وَمُتَخَالِفَاتٍِ تَوَافَقُوا فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ, هُمْ عَلَى جَنَاحِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ آنٍ * فَكَيْفَ يُبْنَى بِالْآمَالِ قَصْرٌ يَسَعُ الدُّنْيَا عَلَى هَذَا الْأَسَاسِ الرَّخْوِ الْفَاسِدِ وَالْعَمُودِ الْمُدَوَّدِ الْكَاسِدِ؟! اَلثَّالِثُ: >رَبِّي وَاحِدٌ< وَكُلُّ السَّعَادَاتِ لِكُلِّ وَاحِدٍ, هُوَ التَّسْلِيمُ لِرَبٍّ وَاحِدٍ * وَإِلاَّ لَاِحْتَاجَ إِلَى الْأَرْبَابِ الْمُتَشَاكِسِينَ مِنْ مَجْمُوعِ الْكَائِنَاتِ * إِذْ لِجَامِعِيَّةِ الْإِنْسَانِ لَهُ اِحْتِيَاجَاتٌ إِلَى كُلِّ الْأَشْيَاءِ, وَعَلاقَاتٌ مَعَهَا, وَتَأَلُّمَاتٌ وَتَأَثُّرَاتٌ شُعُورِيَّاً وَغَيْرَ شُعُورِيٍّ بِكُلٍّ مِنْهَا * فَهَذِهِ حَالَةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ * فَمَعْرِفَةُ الرَّبِّ الْوَاحِدِ [الَّذِي كُلُّ هَذِهِ الْأَرْبَابِ الْمَوْهُومَةِ حِجَابٌ رَقِيقٌ عَلَى يَدِ قُدْرَتِهِ] هِيَ حَالَةٌ فِرْدَوْسِيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ * اَلرَّابِعُ: إِنَّ >أَنَا< نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ وَوَاحِدٌ قِيَاسِيٌّ؛ اِلْتَفَّتْ عَلَى رَأْسِهِ خُطُوطَ الصَّنْعَةِ الشُّعُورِيَّةِ, تُشَاهَدُ فِيهَا أَنَّ مَالِكَهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُ * سَيَجِيءُ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمَلِ فِي خَاتِمَةِ الْبَابِ الْأَوَّلِ *

    • ** **

  اَلْبَابُ الْأَوَّلُ فِي [لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهْ] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ * أُشْهِدُ كُلَّ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ * اَلَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ, وَدَلَّ عَلَى أَوْصَافِ كَمَالِهِ, وَشَهِدَ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ؛ اَلشَّاهِدُ الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ, وَالْبُرْهَانُ النَّاطِقُ الْمُحَقَّقُ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ, اَلْحَامِلُ لِسِرِّ إِجْمَاعِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ * وَإِمَامُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ, اَلْحَاوِي لِسِرِّ اِتِّفَاقِهِمْ وَتَحْقِيقِهِمْ * ذُو الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَةِ الْمُحَقَّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ, وَالسَّجَايَا السَّامِيَةِ, وَالْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ الْمُكَمَّلَةِ الْمُنَزَّهَةِ * مَهْبِطُ الْوَحْيِ الرَّبَّانِيِّ, سَيَّارُ عَالَمِ الْغَيْبِ وَالْمَلَكُوتِ, مُشَاهِدُ الْأَرْوَاحِ وَمُصَاحِبُ الْمَلَائِكَةِ * مُرْشِدُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ, أُنْمُوذَجُ كَمَالِ الْكَائِنَاتِ بِشَخْصِيَّتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ, اَلْمُشِيرَةِ إِلَى أَنَّهُ نَصْبَ عَيْنِ فَاطِرِ الْكَوْنِ * ذُو الشَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ أُنْمُوذَجُ دَسَاتِيرِ السَّعَادَاتِ اَلْمُرْمِزَةِ بِأَنَّهَا نِظَامُ نَاظِمِ الْكَوْنِ؛ سَيِّدُنَا وَمُهْدِينَا إِلَى الْإِيمَانِ مُحَمَّدٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمَاتِ * فَإِنَّهُ يَشْهَدُ عَنِ الْغَيْبِ فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ بَشِيراً وَنَذِيراً * وَمُنَادِياً لِأَجْيَالِ الْبَشَرِ خَلْفَ الْأَعْصَارِ وَالْأَقْطَارِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَبِجَمِيعِ قُوَّتِهِ وَكَمَالِ جِدِّيَّتِهِ وَغَايَةِ وُثُوقِهِ وَنِهَايَةِ اِطْمِئْنَانِهِ وَكَمَالِ إِيمَانِهِ بِأَنَّهُ: >لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ< الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ وَصَرَّحَ بِأَوْصَافِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ * وَشَهِدَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ الْفُرْقَانُ الْحَكِيمُ الْمُتَضَمِّنُ لِسِرِّ إِجْمَاعِ كُلِّ كُتُبِ( ) الْأَنْبِيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَعْصَارِ، وَكُلِّ كُتُبِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَشَارِبِ، وَكُلِّ كُتُبِ الْمُوَحِّدِينَ الْمُبَرْهِنِينَ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَسَالِكِ * فَقَدْ أَجْمَعَ الْكُلُّ (أَيِ الْعُقُولُ وَالْقُلُوبُ فِي هَؤُلَاءِ) عَلَى تَصْدِيقِ( ) حُكْمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ, الْمُنَوَّرِ جِهَاتُهُ السِّتُّ >كَلامُ اللهِ<, اَلْمُحَافِظُ لَيَاقَتَهُ لِهَذَا الْاِسْمِ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ * مَحْضُ الْوَحْيِ بِإِجْمَاعِ مَهْبِطِ الْوَحْيِ وَأَهْلِ الْكَشْفِ وَالْإِلْهَامِ * عَيْنُ الْهِدَايَةِ بِالْبَدَاهَةِ, مَعْدِنُ الْإِيمَانِ( ) بِالضَّرُورَةِ, مَجْمَعُ الْحَقَائِقِ بِالْيَقِينِ, مُوصِلٌ إِلَى السَّعَادَةِ بِالْعَيَانِ, ذُو الثَّمَرَاتِ الْكَامِلِينَ بِالْمُشَاهَدَةِ * مَقْبُولُ الْمَلَكِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِّ بِالْحَدْسِ الصَّادِقِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ تَفَارِيقِ الْأَمَارَاتِ * اَلْمُؤَيَّدُ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ الْكَامِلِينَ * اَلْمُصَدَّقُ بِشَهَادَةِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ عَنِ الْأَمْرَاضِ بِاِطْمِئْنَانِ الْوِجْدَانِ, اَلْمُعْجِزَةُ الْأَبَدِيَّةُ بِالْمُشَاهَدَةِ’* لِسَانُ الْغَيْبِ, يَشْهَدُ فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ شَهَادَةً مُكَرَّرَةً جَازِمَةً بِـ: >فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ< اَلَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ, وَدَلَّ عَلَى أَوْصَافِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ، وَشَهِدَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ الْعَالَمُ (أَيْ هَذَا الْكِتَابُ الْكَبِيرُ) بِجَمِيعِ أَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَصُحُفِهِ وَسُطُورِهِ وَجُمَلِهِ وَحُرُوفِهِ * وَهَذَا الْإِنْسَانُ الْكَبِيرُ بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجَوَارِحِهِ وَحُجَيْرَاتِهِ وَذَرَّاتِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَحْوَالِهِ, أَيْ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعَوَالِمِ تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ * وَبِأَرْكَانِ تِلْكَ الْعَوَالِمِ لَا خَالِقَ إِلاَّ هُوَ * وَبِأَعْضَاءِ تِلْكَ الْأَرْكَانِ لَا صَانِعَ إِلاَّ هُوَ * وَبِأَجْزَاءِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ لَا مُدَبِّرَ إِلاَّ هُوَ * وَبِجُزْئِيَّاتِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ لاَ مُرَبِّيَ إِلاَّ هُوَ * وَبِحُجَيْرَاتِ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ لاَ مُتَصَرِّفَ إِلاَّ هُوَ * وَبِذَرَّاتِ تِلْكَ الْحُجَيْرَاتِ لَا خَالِقَ إِلاَّ هُوَ * وَبِأَثِيرِ تِلْكَ الذَّرَّاتِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * فَتَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ عَلَى أَنَّهُ: هُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ؛ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَأَرْكَانِهَا وَأَعْضَائِهَا وَأَجْزَائِهَا وَحُجَيْرَاتِهَا وَذَرَّاتِهَا وَأَثِيرِهَا إِفْرَاداً وَتَرْكِيباً؛ مُتَصَاعِداً بِتَرْكِيبَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ رَافِعَاتٍ أَعْلَامَ الشَّهَادَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الصَّانِعِ الْأَزَلِيِّ * وَمُتَنَازِلاً بِنُقُوشٍ غَرِيبَةٍ شَاهِدَاتٍ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ النَّقَّاشِ الْأَزَلِيِّ * وَالْكَائِنَاتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مُرَكَّبَاتِهَا وَأَجْزَائِهَا تَشْهَدُ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ لِسَاناً بِأَنَّهُ: وَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ * سَيَجِيءُ تَفْصِيلُ تِلْكَ الْأَلْسِنَةِ, أَمَّا إِجْمَالُهَا فَهِيَ: تُنَادِي بِأَلْسِنَةِ إِفْرَادِهَا وَتَرْكِيبَاتِهَا الْمُنْتَظِمَةِ * وَفَقْرِهَا وَحَاجَاتِهَا الْمَقْضِيَّةِ * وَأَحْوَالِهَا الْمُنْتَظِمَةِ * وَصُوَرِهَا الْمُكَمَّلَةِ الْعَجِيبَةِ اللَّائِقَةِ * وَنُقُوشِهَا الْمُزَيَّنَةِ الْغَرِيبَةِ الْفَائِقَةِ * وَحِكَمِهَا الْعَالِيَةِ * وَفَوَائِدِهَا الْغَالِيَةِ’* وَبِتَخَالُفَاتِهَا الْخَارِقَةِ الْمُتَلَاحِظَةِ * وَتَمَاثُلَاتِهَا الْمُنْتَظِمَةِ الْمُتَنَاظِرَةِ * وَبِأَلْسِنَةِ نِظَامِهَا, وَمُوَازَنَتِهَا جُزْءاً وَكُلاًّ * وَبِاِنْتِظَامِهَا, وَاطِّرَادِهَا * وَبِإِتْقَانِ الصَّنْعَةِ الشُّعُورِيَّةِ وَكَمَالِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ * وَبِتَجَاوُبِ الْمُتَخَالِفَاتِ الْجَامِدَاتِ بَعْضٍ لِحَاجَةِ بَعْضٍ * وَتَسَانُدِ الْمُتَبَاعِدَاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ * وَبِلِسَانِ الْحِكْمَةِ الْعَامَّةِ, وَالْعِنَايَةِ التَّامَّةِ, وَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ, وَالرِّزْقِ الْعَامِّ, وَالْحَيَاةِ الْمُنْتَشِرَةِ * وَبِلِسَانِ الْحُسْنِ وَالتَّحْسِينِ, وَالْجَمَالِ الْمُنْعَكِسِ الْحَزِينِ, وَالْعِشْقِ الصَّادِقِ, وَالْاِنْجِذَابِ وَالْجَذْبَةِ, وَظِلِّيَّةِ الْأَكْوَانِ * وَبِلِسَانِ التَّصْرِيفِ لِمَصَالِحَ, وَالتَّبْدِيلِ لِفَوَائِدَ, وَالتَّحْوِيلِ لِحِكَمٍ, وَالتَّغْيِيرِ لِغَايَاتٍ, وَالتَّنْظِيمِ لِكَمَالاَتٍ * وَبِأَلْسِنَةِ إِمْكَانِهَا وَحُدُوثِهَا وَاِحْتِيَاجَاتِهَا, وَاِفْتِقَارَاتِهَا, وَفَقْرِهَا, وَضَعْفِهَا, وَمَوْتِهَا, وَجَهْلِهَا, وَفَنَائِهَا, وَتَغَيُّرِهَا, وَعِبَادَاتِهَا, وَتَسْبِيحَاتِهَا, وَدَعَوَاتِهَا, وَالْتِجَاءَاتِهَا * فَالْكَائِنَاتُ مُرَكَّبَاتُهَا وَأَجْزَاؤُهَا بِكُلِّ هَذِهِ الْأَلْسِنَةِ شَاهِدَاتٌ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ خَالِقِهَا الْقَدِيمِ الْقَدِيرِ, وَدَالاَّتٌ عَلَى أَوْصَافِ كَمَالِهِ * وَكَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ شَاهِدَاتٌ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى * وَذَاكِرَاتٌ تَالِيَاتٌ لِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى * وَمُسَبِّحَاتٌ بِحَمْدِهِ تَعَالَى * وَمُفَسِّرَاتٌ لِآيَاتِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * وَمُصَدِّقَاتٌ لِإِخْبَارَاتِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ * وَمُوَلِّدَاتٌ لِحَدْسٍ صَادِقٍ مُنَظَّمٍ إِلَى نُورِ الْإِسْلَامِ, اَلْمُنَظَّمِ إِلَى التَّسْلِيمِ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ, اَلْمُنَظِّمِ لِنُورِ الْإِيمَانِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ * فَإِجْمَاعُ الْكَائِنَاتِ بِكُلِّ أَلْسِنَاتِهَا( ) تَحْتَ أَمْرِ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ, وَرِيَاسَةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ وَالْمُرْسَلِينَ, قَائِلَاتٌ نَاطِقَاتٌ: اَللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * فَاسْتَمِعْ تَفْصِيلَ هَذِهِ الْفَقَرَاتِ الْمَذْكُورَةِ * [1ـ2] إِذْ مَا يَتَرَاءَى وَيتَظَاهَرُ فِي الْكَائِنَاتِ مَجْمُوعاً وَأَجْزَاءً مِنْ نَوْعِ التَّنْظِيمَاتِ الْمُتَلَاحِظَةِ, وَالنِّظَامَاتِ الْمُتَنَاظِرَةِ, وَالْمُوَازَنَاتِ الْمُتَسَانِدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ فِي تَصَرُّفِ قَبْضَتَيْ نِظَامِهِ وَمِيزَانِهِ * وَالشَّاهِدَةِ بِالتَّلاَحُظِ وَالتَّنَاظُرِ وَالتَّسَانُدِ عَلَى أَنَّ الْمُقَنِّنَ وَالْأُسْتَاذَ وَالنَّظَّامَ وَاحِدٌ؛ يَفْتَحَانِ مَنْفَذاً نَظَّاراً إِلَى الْمَطْلُوبِ, أَيْ وُجُوبِ الْوُجُودِ وَالْوَحْدَةِ * تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِهَذَا اللِّسَانِ: اَللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [3ـ4] وَإِنَّ مَا فِي بَيْتِ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْاِنْتِظَامِ وَالْاِطِّرَادِ الدَّالَّيْنِ عَلَى عَدَمِ تَدَاخُلِ الْأَيْدِي الْمُتَعَدِّدَةِ, وَأَنَّ الصَّنْعَةَ وَالنَّقْشَ وَالْمُلْكَ لِوَاحِدٍ؛ يَفْتَحَانِ كُوَّةً نَظَّارَةً بِطَرْزٍ آخَرَ أَيْضاً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِهَذَا اللِّسَانِ: اَللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [5ـ6] وَإِنَّ إِتْقَانَ الصَّنْعَةِ الشُّعُورِيَّةَ وَكَمَالَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ ـ بِمَا تَسَعُهُ لِيَاقَةُ قَابِلِيَّتِهِ الْمَجْعُولَةِ بِقَلَمِ الْقَدَرِ مِنْ يَدِ الْفَيَّاضِ الْمُطْلَقِ ـ اَلدَّالَّيْنِ عَلَى اِتِّحَادِ الْقَلَمِ, وَإِنَّ كَاتِبَ صَحِيفَةِ السَّمَاءِ بِنُجُومِهَا وَشُمُوسِهَا هُوَ كَاتِبُ صَحِيفَةِ النَّحْلِ وَالنَّمْلِ بِحُجَيْرَاتِهَا وَذَرَّاتِهَا؛ يَفْتَحَانِ مِشْكَاةً نَظَّارَةً بِطَوْرٍ آخَرَ أَيْضاً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ( ) بِلِسَانِ كُلِّ مَصْنُوعٍ مُنَادِيَةً: اَللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. [7ـ8] وَإِنَّ تَجَاوُبَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَخَالِفَةِ الْجَامِدَةِ فِي الطُّرُقِ الطَّوِيلَةِ الْمُعَوَّجَةِ بَعْضٌ لِحَاجَةِ بَعْضٍ, كَمَادَّةِ غِذَاءِ الْحُجَيْرَاتِ وَالثَّمَرَاتِ؛ وَتَسَانُدَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَبَاعِدَةِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالسَّيَّارَاتِ الَّتِي هِيَ ثَمَرَاتُ الشَّمْسِ, اَلدَّالِّ ذَلِكَ التَّجَاوُبُ وَالتَّسَانُدُ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ خُدَّامُ سَيِّدٍ وَاحِدٍ, وَتَحْتَ أَمْرِ مُدَبِّرٍ وَاحِدٍ, وَمَرْجِعُهُمْ مُرَبٍّ وَاحِدٌ؛ يَفْتَحَانِ مَنْفَذاً نَظَّاراً أَيْضاً بِمَرْتَبَةٍ أُخْرَى, تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِهَذَا اللِّسَانِ: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [9ـ10] وَإِنَّ تَشَابُهَ الْآثَارِ الْمُنْتَظِمَةِ الْمُتَنَاظِرَةِ كَنُجُومِ السَّمَاوَاتِ، وَتَنَاسُبَ الْآثَارِ الْمُتَلَاحِظَةِ كَأَزَاهِيرِ الْأَرَضِينَ, اَلدَّالَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ مَالُ مَالِكٍ وَاحِدٍ, وَتَحْتَ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ وَاحِدٍ, وَمَصْدَرُهُمْ قُدْرَةُ وَاحِدٍ؛ يَفْتَحَانِ مَنْفَذَاً نَظَّاراً أَيْضاً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِهَذَا اللِّسَانِ: اَللهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [11] وَإِنَّ مَظْهَرِيَّةَ كُلِّ حَيٍّ لِتَجَلِّيَاتِ أَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ شُعُورِيَّةٍ ـ مُخْتَلِفَةِ الْآثَارِ وَالْمَجَالِ وَالْمُتَسَانِدَةِ فِي التَّأْثِيرِ, وَالْمُتَشَابِهَةِ الْمُتَشَارِكَةِ حَتَّى فِي حُجَيْرَةٍ وَاحِدَةٍ, وَالْمُتَعَاكِسَةِ كُلٌّ فِي كُلٍّ, وَالْمُتَمَازِجَةِ كَالْأَلْوَانِ السَّبْعَةِ فِي ضِيَاءِ الشَّمْسِ, اَلدَّالَّةِ هَذِهِ الْأَحْوَالُ مَعَ وَحْدَةِ أَثَرِهَا عَلَى أَنَّ مُسَمَّاهَا وَاحِدٌ؛ تَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ خَالِقَ الْحَيِّ هُوَ بَارِئُهُ وَمُصَوِّرُهُ وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ وَرَازِقُهُ * وَأَنَّ رَزَّاقَهُ( ) هُوَ خَالِقُ مَنَابِعِ الرِّزْقِ, وَخَالِقُهَا هُوَ الْحَاكِمُ عَلَى الْكُلِّ؛ فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ مَنْفَذَاً نَظَّاراً أَيْضاً إِلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ, تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِلِسَانِ كُلِّ حَيٍّ: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [12ـ13] وَإِنَّ اِرْتِبَاطَ أَمْثَالِ عَيْنِ النَّحْلِ وَالنَّمْلِ وَمَعِدَتِهِمَا بِالشَّمْسِ وَمَنْظُومَتِهَا, مَعَ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْجَزَالَةِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّلَاحُظِ وَالتَّنَاظُرِ, الدَّالِّ ذَلِكَ الِْارْتِبَاطُ وَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى أَنَّهُمَا كِلَاهُمَا نَقْشَا نَقَّاشٍ وَاحِدٍ؛ يَفْتَحَانِ مَنْفَذاً نَظَّاراً أَيْضاً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ مُنَادِيَةً: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [14] وَإِنَّ أُخُوَّةَ الْجَاذِبَةِ ـ الْمَكْتُوبَةِ الْمَنْسُوجَةِ الْمَنْقُوشَةِ بَيْنَ الذَّرَّاتِ وَالْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ لِلْجَاذِبَةِ الْعُمُومِيَّةِ, اَلْمَكْتُوبَةِ الْمَنْسُوجَةِ الْمُمَدَّدَةِ بَيْنَ النُّجُومِ وَالشُّمُوسِ؛ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمَا كِلَاهُمَا كِتَابَةُ قَلَمٍ وَاحِدٍ وَمِدَادِهِ, وَنَسْجَا نَسَّاجٍ وَاحِدٍ وَأَسْدَائِهِ, وَشُعَاعَا شَمْسٍ وَاحِدٍ وَفَيْضِهِ ـ تَفْتَحُ مِرْصَاداً نَظَّاراً أَيْضاً إِلَى الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ, تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِهَذَا اللِّسَانِ الدَّقِيقِ وَالْعُلْوِيِّ: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [15] وَإِنَّ نِسَبَ كُلِّ ذَرَّةٍ فِي الْمُرَكَّبَاتِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُنْتَظِمَةِ الْمُوَظَّفَةِ ـ تِلْكَ الذَّرَّةُ كَالنَّفَرِ فِي كُلِّ نِسْبَةٍ ـ لَهُ وَظِيفَةٌ( ) لِفَائِدَةٍ, كَذَرَّةِ الْعَيْنِ فِي مُرَكَّبَاتِ الْأَعْصَابِ الْمُحَرِّكَةِ وَالْحَسَّاسَةِ وَالْأَوْرِدَةِ وَالشَّرَايِينِ وَالْبَاصِرَةِ؛ فَتَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ خَالِقَ عَيْنِ الْعَيْنِ, وَالْعَيْنِ, وَعَيْنِ الْعَالَمِ (أَيِ الشَّمْسِ) وَوَاضِعَهَا مَوْضِعَهَا اللَّائِقَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ الْمُرَكَّبَاتِ؛ فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ أَيْضاً مِشْكَاةً نَظَّارَةً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهَا( ) بِلِسَانِ كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِهَا: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [16] وَإِنَّ وُسْعَةَ تَصَرُّفِ الْقُدْرَةِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ ـ الَّذِي لاَ يَصْدُرُ إِلاَّ عَنِ الْوَاحِدِ بِالْبَدَاهَةِ, مَعَ شُمُولِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ أَكْثَرَ الْكَائِنَاتِ؛ ـ كَالْحَيَاةِ وَالْمَلَكِ وَالسَّمَكِ ـ يُتَحَدَّسُ مِنْهُ بِأَنَّ خَالِقَ الْفَرْدِ هُوَ خَالِقُ النَّوْعِ * مَثَلاً: إِنَّ الْقَلَمَ الَّذِي رَسَّمَ تَشَخُّصَ وَجْهِ زَيْدٍ, لاَ بُدَّ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَفْرَادِ الْبَشَرِ مَنْظُوراً لَهُ دَفْعَةً, لِمُخَالَفَةِ تَعَيُّنِهِ لِكُلِّ فَرْدٍ؛ وَإِلاَّ لَوَقَعَ التَّوَافُقُ بِالتَّصَادُفِ * وَخَالِقُ النَّوْعِ بِهَذَا السِّرِّ هُوَ خَالِقُ الْأَجْنَاسِ؛ فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ أَيْضاً مَنْفَذًا نَظَّاراً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [17] وَإِنَّ مَا يُتَوَهَّمُ بِقُصُورِ النَّظَرِ مِنَ الْاِسْتِبْعَادِ وَالْاِسْتِغْرَابِ وَالْحَيْرَةِ وَالْكُلْفَةِ الْمُنْجَرَّةِ إِلَى الْاِسْتِنْكَارِ فِي إِسْنَادِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ, فَتِلْكَ الْاِسْتِبْعَادُ وَالْاِسْتِغْرَابُ وَالْحَيْرَةُ وَالْكُلْفَةُ وَالْمُعَالَجَاتُ تَنْقَلِبُ حَقِيقِيَّةً عِنْدَ عَدَمِ الْإِسْنَادِ إِلَى صَاحِبِ مَرْتَبَةِ الْوُجُودِ وَالْوَحْدَةِ * بَلْ تَتَضَاعَفُ تِلْكَ الْأُمُورُ ـ عِنْدَ إِسْنَادِ الْآثَارِ إِلَى جَانِبِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ وَالْأَسْبَابِ وَأَنْفُسِهَا ـ عَدَدَ أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ’* فَمَا يُتَوَهَّمُ فِي إِسْنَادِ الْكُلِّ إِلَى الْوَاجِبِ, يَتَحَقَّقُ فِي إِسْنَادِ جُزْءٍ وَاحِدٍ إِلَى غَيْرِهِ تَعَالَى, بَلِ الْأَوَّلُ أَسْهَلُ وَأَيْسَرُ * إِذْ صُدُورُ الْكَثِيرِ عَنِ الْوَاحِدِ أَقَلُّ كُلْفَةً مِنْ صُدُورِ الْوَاحِدِ عَنِ الْكَثِيرِ الْمُتَشَاكِسِينَ الْعُمْيِ الَّذِينَ اجْتِمَاعُهُمْ يَزِيدُهُمْ عَمًى * إِذِ النَّحْلَةُ لَوْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِ قُدْرَةِ الْوَاجِبِ, لَزِمَ اِشْتِرَاكُ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ فِي وُجُودِهَا * بَلْ تَتَرَقَّى الْكُلْفَةُ وَالْمُعَالَجَةُ فِي الْجُزْءِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُوبِ إِلَى أَمْثَالِ الْجِبَالِ، وَمِنَ الشَّعْرَةِ إِلَى أَمْثَالِ الْحِبَالِ, لَوْ أُحِيلَ عَلَى الْأَسْبَابِ * إِذِ الْوَاحِدُ بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ يُحَصِّلُ وَضْعِيَّةً وَمَصْلَحَةً لِلْكَثِيرِ, لَا يَصِلُ إِلَى عَيْنِ تِلْكَ الْوَضْعِيَّةِ وَالنَّتِيجَةِ الْكَثِيرُ إِلاَّ بِفِعْلٍ كَثِيرٍ؛ كَالْأَمِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفَرَاتِهِ, وَالْفَوَّارَةِ إِلَى قَطَرَاتِهَا, وَالْمَرْكَزِ إِلَى نِقَاطِ دَائِرَتِهِ * فَبِفِعْلٍ وَاحِدٍ تَصِلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ إِلَى تَحْصِيلِ وَضْعِيَّةٍ لِلْكَثِيرِ وَنَتِيجَةٍ لاَ تَصِلُ النَّفَرَاتُ وَالْقَطَرَاتُ وَالنِّقَاطُ ـ لَوْ أُحِيلَتْ عَلَيْهَا ـ إِلاَّ بِأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ وَتَكَلُّفَاتٍ عَظِيمَةٍ * بَلِ الْاِسْتِغْرَابُ وَالْاِسْتِبْعَادُ الْمَوْهُومَانِ فِي طَرَفِ الْوُجُوبِ، يَنْقَلِبَانِ هُنَا إِلَى مُحَالاَتٍ مُتَسَلْسِلَةٍ * مِنْ بَعْضِ الْمُحَالاَتِ: فَرْضُ صِفَاتِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ, بِضَرُورَةِ اِقْتِضَاءِ النَّقْشِ الْكَامِلِ وَالصَّنْعَةِ الْمُتْقَنَةِ * وَكَذَا تَوَهُّمُ شُرَكَاءَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْوُجُوبِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ أَصْلاً * وَكَذَا فَرْضُ كُلِّ ذَرَّةٍ حَاكِماً عَلَى الْكُلِّ, وَمَحْكُوماً لِكُلٍّ مِنَ الْمَجْمُوعِ, وَلِلْكُلِّ مَعاً بِضَرُورَةِ اِقْتِضَاءِ النِّظَامِ وَالْاِنْتِظَامِ * وَكَذَا فَرْضُ شُعُورٍ مُحِيطٍ وَعِلْمٍ تَامٍّ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ, بِضَرُورَةِ اِقْتِضَاءِ التَّسَانُدِ وَالْمُوَازَنَةِ * فَإِسْنَادُ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْأَسْبَابِ فِي جَانِبِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ يَسْتَلْزِمُ اِلْتِزَامَ هَذِهِ الْمُحَالَاتِ الْمُتَسَلْسِلَةِ، وَالْمُمْتَنِعَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَبَاطِيلِ الَّتِي يَمُجُّهَا الْأَوْهَامُ * وَأَمَّا إِذَا أُسْنِدَ إِلَى صَاحِبِهَا الْحَقِيقِيِّ ـ وَهُوَ صَاحِبُ مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ ـ لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الذَّرَّةُ( ) وَمُرَكَّبَاتُهَا كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ الْمُتَشَمِّسَةِ الْمُتَلَمِّعَةِ بِتَمَاثِيلِ الشَّمْسِ مَظَاهِرَ لِلَمَعَاتِ تَجِلِّيَاتِ الْقُدْرَةِ النُّورَانِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ, اَلْمُتَضَمِّنَةِ لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّيْنِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَيْنِ * فَلَمْعَتُهَا الْمَالِكَةُ لِخَاصِّيَّتِهَا أَجَلُّ مِنْ شَمْسِ الْأَسْبَابِ تَأْثِيراً بِسَبَبِ التَّجَزُّئِ وَالْاِنْقِسَامِ فِي جَانِبِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ, دُونَ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ * فَالْتَّمَاسُّ مَعَ تِلْكَ الْقُدْرَةِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَرَّةٍ اَكْبَرُ تَأْثِيراً مِنْ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فِي جَانِبِ الْكَثْرَةِ, بِسَبَبِ أَنَّ الْجُزْءَ النُّورَانِيَّ مَالِكٌ لِخَاصِّيَّةِ الْكُلِّ؛ كَأَنَّ الْكُلَّ كُلِّيٌّ, وَالْجُزْءَ جُزْئِيٌّ * وَلَوْ كَانَ النُّورُ مُمْكِناً, فَكَيْفَ بِنُورِ الْأَنْوَارِ الْمُتَنَوِّرِ مِنْ جَانِبِ الْوُجُوبِ؟! * وَكَذَا: لاَ كُلْفَةَ وَلاَ مُعَالَجَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الْقُدْرَةِ * إِذْ هِيَ ذَاتِيَّةٌ لِلذَّاتِ, مُحَالٌ تَدَاخُلُ ضِدِّهَا فِيهَا؛ فَتَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَمْعَتِهَا الذَّرَّةُ وَالشُّمُوسُ, وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ, وَالْفَرْدُ وَالنَّوْعُ بِسِرِّ الشَّفَافِيَّةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَازَنَةِ وَالتَّجَرُّدِ وَالْإِطَاعَةِ وَالْاِنْتِظَامِ( ), بَلْ بِالْحَدْسِ وَالْمُشَاهَدَةِ * إِذْ تِلْكَ الْقُدْرَةُ تَفْعَلُ بِأَمْثَالِ الْخُيُوطِ الدَّقِيقَةِ الْجَامِدَةِ أَمْثَالَ الْعَنَاقِيدِ, تِلْكَ الْخَوَارِقُ الْحَيَوِيَّةُ * لَوْ أُحِيلَتْ عَلَى الْأَسْبَابِ لَاُحْتِيجَ لِتَصْنِيعِ عُنْقُودٍ وَاحِدٍ ـ لَوْ أَمْكَنَ ـ إِلَى مَلَايِينِ قِنْطَارٍ مِنْ تِلْكَ الْكُلْفَةِ وَالْمُعَالَجَاتِ * وَكَذَا: إِنَّ تِلْكَ الْقُدْرَةَ تَتَجَلَّى بِجَلَوَاتِ الْوُجُودِ الْمُنْعَكِسِ مِنْ ظِلِّ الْوُجُوبِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ عَلَى صَفَحَاتِ الشَّفَّافَاتِ بِالتَّمَاثِيلِ الْبَرْزَخِيَّةِ؛ وَلَوْ أُحِيلَتْ عَلَى الْأَسْبَابِ لَامْتَنَعَتْ أَوْ اُحْتِيجَتْ إِلَى مَا لاَ يُحَدُّ مِنَ الْمُعَالَجَاتِ *

    • اِعْلَمْ **

أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْوُجُودَ وَالنُّورَ لِشَفَّافِيَّةِ وَجْهَيِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ فِيهَا مَا اسْتَتَرَتِ الْقُدْرَةُ عِنْدَ إِيجَادِهَا تَحْتَ الْوَسَائِطِ الْكَثِيفَةِ فَيَتَرَقَّقَ السَّبَبُ الظَّاهِرِيُّ فِيهَا بِحَيْثُ يُتَرَاءَى تَحْتَهُ تَصَرُّفُ الْقُدْرَةِ * فَمَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي أَطْوَارِ الْحَيَاةِ وَالْأَنْوَارِ يُشَاهِدُ تَصَرُّفَاتِ الْقُدْرَةِ تَحْتَ الْأَسْبَابِ * إِذْ تِلْكَ الْقُدْرَةُ لَا تَصْرِفُ لِتَصْنِيعِ عُنْقُودِ الْعِنَبِ إِلاَّ غُصْناً دَقِيقاً جَامِداً, وَلِتَرْسِيمِ شُمَيْسَةٍ فِي زُجَيْجَةٍ إِلاَّ إِمْرَارَ النُّورِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ, وَلِتَنْوِيرِ الْبَيْتِ إِلاَّ تَوْسِيطَ شَعْرَةٍ فِي زُجَاجَةٍ * وَكَذَا: إِنَّ الْأَرْوَاحَ وَالْعُقُولَ فِي اِضْطِرَابَاتٍ مُزْعِجَةٍ نَاشِئَةٍ مِنْ أَمْرَاضٍ وَضَلاَلاَتٍ نَاشِئَةٍ مِنَ الْاِسْتِنْكَارَاتِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْاِسْتِبْعَادِ وَالْإِسْتِغْرَابِ وَالْحَيْرَةِ فِي إِسْنَادِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَنْفُسِهَا وَأَسْبَابِهَا الْإِمْكَانِيَّةِ؛ فَتُجْبِرُ الْاِضْطِرَابَاتُ الْأَرْوَاحَ ـ لِلْخَلَاصِ وَالتَّشَفِّي ـ إِلَى الْفِرَارِ إِلَى الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ, الَّذِي بِقُدْرَتِهِ يَحْصُلُ إِيضَاحُ كُلِّ مُشْكِلٍ * وَبِإِرَادَتِهِ مِفْتَاحُ كُلِّ مُغْلَقٍ * وَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * فَلاَ مَنْجَى وَلاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنَاصَ وَلاَ مَخْلَصَ إِلاَّ الْاِلْتِجَاءُ وَالْفِرَارُ إِلَى اللهِ, وَالتَّفْوِيضُ إِلَيْهِ * كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {ﰃ ﰄ ﰅ}, { ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ} * فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ أَيْضاً مِشْكَاةً نَظَّارَةً إِلَى الْحَدْسِ الصَّادِقِ الْمُنَظِّمِ إِلَى نُورِ الْإِسْلاَمِ, اَلْمُنَظِّمِ إِلَى التَّسْلِيمِ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ, اَلْمُنَظِّمِ لِنُورِ الْإِيمَانِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ؛ فَتَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ بِلِسَانِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [18] وَإِنَّ بَسَاطَةَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرِيَّةِ (كَالْخُبْزِ وَاللَّبَنِ) وَمَحْدُودِيَّتَهَا وَحَصْرَهَا وَانْضِبَاطَهَا, وَعَرَضِيَّةَ بَعْضِهَا, وَفَقْرَهَا وَضَعْفَهَا وَمَوْتَهَا وَجُمُودَهَا فِي ذَاتِهَا, وَعَدَمَ شُعُورِهَا وَعَدَمَ إِرَادَتِهَا بِالْمُشَاهَدَةِ؛ وَاِعْتِبَارِيَّةَ الْقَوَانِينِ وَمَوْهُومِيَّتَهَا، وَعَدَمَ تَعَيُّنِهَا إِلاَّ بِمُقَنِّنِهَا, وَعَدَمَ وُجُودِهَا الْمَوْهُومِ إِلاَّ بَعْدَ رُؤْيَتِهَا, وَعَدَمَ رُؤْيَتِهَا إِلاَّ بَعْدَ وُجُودِ الْمُسَبَّبِ مَعَ خَوَارِقِ نَقْشِ الْمُسَبَّبَاتِ, وَأَعْجَبِيَّةَ صَنْعَتِهَا (كَتَشْكِيلاَتِ نُسُوجِ حُجَيْرَاتِ الْبَدَنِ بِسَبَبِيَّةِ( ) أَكْلِ الْخُبْزِ, وَكِتَابَةِ النُّقُوشِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ الْمُنْتَظِمَةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي خَرْدَلَةِ الْحَافِظَةِ, >كَأَنَّ تِلْكَ الْخَرْدَلَةَ سَنَدٌ اِسْتَنْسَخَتْهَا يَدُ الْقُدْرَةِ مِنْ صَحِيفَةِ الْأَعْمَالِ وَأَعْطَتْهَا لِيَدِ الْإِنْسَانِ لِيَتَذَكَّرَ بِهِ وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ وَلِيَطْمَئِنَّ أَنَّ خَلْفَ هَذَا الْهَرْجِ وَالْمَرْجِ الْوُجُودِيِّ مَرَايَا لِلْبَقَاءِ يُرَسِّمُ الْعَلِيمُ فِيهَا الْأَشْيَاءَ< بِانْتِظَامٍ بِلاَ اخْتِلاَطٍ >وَلَوْ كَانَتِ الْأَشْيَاءُ كَثِيرَةً مُخْتَلِطَةً, وَكَانَ الْمُرَسَّمُ فِيهِ أَضْيَقَ الْأَشْيَاءِ< بِسَبَبِيَّةِ( ) وَضْعِيَّةِ التَّلَافِيفِ, وَتَشْكِيلاَتِ الْحُرُوفِ وَالصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ فِي التَّكَلُّمِ وَالتَّفَكُّرِ >بِسَبَبِيَّةِ( ) قَرْعِ اللُّهَا وَحَرَكَةِ الذِّهْنِ< الْمُقْتَضِيَّةِ هَذِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِالضَّرُورَةِ لِقُدْرَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ * بَلْ عِلْمٍ وَإِرَادَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَيْنِ * فَتَسْتَلْزِمُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ: أَنَّهُ لاَ مُؤَثِّرَ فِي الْكَوْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلاَّ خَالِقٌ قَدِيرٌ لَا نِهَايَةَ لِقُدْرَتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ * وَمَا الْأَسْبَابُ إِلاَّ بَهَانَاتٌ( ), وَمَا الْوَسَائِطُ إِلاَّ حِجَابَاتٌ ظَاهِرِيَّةٌ, وَمَا الْخَاصِّيَّاتُ وَالْخَوَاصُّ إِلاَّ أَسْمَاءٌ وَعِنْوَانَاتٌ, وَزُجَيْجَاتٌ جَامِدَةٌ لِلَمَعَاتِ تَجَلِّيَاتِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ, اَلْمُسْتَنِدَةِ بَلِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّيْنِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَيْنِ * إِذِ التَّمَاسُ مَعَ تِلْكَ الْقُدْرَةِ بِأَدْنَى شَيْءٍ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَكْبَرُ مِنْ جِبَالِ الْأَسْبَابِ * إِذْ تَفْعَلُ لَمْعَةُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ بِأَمْثَالِ الْخُيُوطِ الدَّقِيقَةِ الْجَامِدَةِ الْيَابِسَةِ أَمْثَالَ الْعَنَاقِيدِ, تِلْكَ الْخَوَارِقَ الْحَيَوِيَّةَ الطَّرِيَّةَ، لَوْ أُحِيلَتْ عَلَى الْأَسْبَابِ وَاجْتَمَعَتِ الْأَسْبَابُ وَالْوَسَائِطُ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ؛ مَا فَعَلُوا, وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً * وَتَسْتَلْزِمُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ أَيْضاً أَنَّ مَا يُسَمَّى بِالْقَوَانِينِ وَالنَّوَامِيسِ: إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ وَزُجَيْجَاتٌ لِتَجَلِّيَاتِ مَجْمُوعِ الْعِلمِ وَالْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ عَلَى الْأَنْوَاعِ * وَمَا الْقَانُونُ إِلاَّ أَمْرٌ مَمْدُودٌ( ) أَوْ أَوَامِرُ مُسَرَّدَةٌ * وَمَا النَّامُوسُ إِلاَّ إِرَادَةٌ مُطَوَّلَةٌ أَوْ تَعْلِيقَاتٌ( ) مُنَضَّدَةٌ * فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ مِشْكَاةً نَظَّارَةً فِي الْإِمْكَانِ إِلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ, تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ بِلِسَانِ كُلِّ مُسَبَّبٍ مِنْ مُسَبَّبَاتِهَا مُنَادِيَةً: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [19] وَإِنَّ عَدَمَ تَنَاهِي خَوَارِقِ نَقْشِ صَنْعَةِ الْكَائِنَاتِ وَإِتْقَانِهَا وَالْاِهْتِمَامِ بِهَا تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةً غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ, بَلْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا أَيْضاً تَسْتَلْزِمُ تِلْكَ الْقُدْرَةَ * فَإِذًا تَسْتَلْزِمُ وَتَقْتَضِي وَتَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ خَالِقاً قَدِيراً لَهُ قُدْرَةٌ كَامِلَةٌ لاَ نِهَايَةَ لِتَجَلِّيَّاتِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ * فَإِذاً اِسْتَغْنَى عَنِ الشُّرَكَاءِ بِالْقَطْعِ, فَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا بِالضَّرُورَةِ * مَعَ أَنَّ الشُّرَكَاءَ الْمَوْهُومَةَ, الْمُسْتَغْنِيَةَ عَنْهَا بِالْقَطْعِ وَالضَّرُورَةِ مُمْتَنِعَةٌ بِالذَّاتِ؛ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ فَرْدٌ مِنْهَا * وَإِلاَّ لَزِمَ تَحْدِيدُ الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ, وَانْتِهَاؤُهُ فِي وَقْتِ عَدَمِ التَّنَاهِي بِالْمُتَنَاهِي بِلَا ضَرُورَةٍ؛ بَلْ مَعَ الضَّرُورَةِ فِي عَكْسِهِ * وَهُوَ مُحَالٌ بِخَمْسِ مَرَاتِبَ بِالضَّرُورَةِ * فَمِنْ هُنَا يَكُونُ الْاِسْتِقْلَالُ وَالْانْفِرَادُ خَاصَّتَيْنِ ذَاتِيَّتَيْنِ لِلْأُلُوهِيَّةِ * مَعَ أَنَّهُ لاَ مَحَلَّ وَلاَ مَوْضِعَ وَلاَ مَكَانَ لِلشَّرِيكِ إِلاَّ فِي الْفَرْضِ الْوَهْمِيِّ * إِذْ مَا نَزَلَ سُلْطَانٌ قَطُّ, وَلَا اِحْتِمَالَ عَنْ دَلِيلٍ، وَلاَ( ) إِمْكَاناً ذَاتِيَّاً, وَلَمْ يُوجَدْ أَمَارَةٌ مَّا قَطُّ عَلَى وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكَائِنَاتِ * وَإِلَى أَيِّ جِهَةٍ رُوجِعَ وَاسْتُفْسِرَ عَنِ الشَّرِيكِ؛ أُعْطِيَ جَوَابُ رَدٍّ بِإِرَاءَةِ سِكَّةِ التَّوْحِيدِ * مَعَ أَنَّهُ لَا مُؤَثِّرَ فِي الْكَوْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ أَحَدٌ * بِسِرِّ أَنَّ أَشْرَفَ الْكَائِنَاتِ وَأَوْسَعَ الْأَسْبَابِ اِخْتِيَاراً اَلْإِنْسَانُ, مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ الْبَشَرِ مِنْ أَظْهَرِ أَفْعَالِهِ الْاِخْتِيَارِيَّةِ ـ كَالْأَكْلِ وَالْكَلَامِ ـ مِنْ مِئَةِ جُزْءٍ إِلاَّ جُزْءٌ وَاحِدٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ * فَإِذَا كَانَ الْأَشْرَفُ وَالْأَوْسَعُ اِخْتِيَاراً هَكَذَا مَغْلُولَ الْأَيْدِي, فَكَيْفَ بِالْأَسْبَابِ الْجَامِدَةِ الْمَيِّتَةِ * فَكَيْفَ يَكُونُ الْمِنْدِيلُ وَالظَّرْفُ الَّذِي لَفَّ فِيهِ السُّلْطَانُ هَدِيَّتَهُ شَرِيكاً لِلسُّلْطَانِ أَوْ مُعِيناً لَهُ؟! فَتُتَحَدَّسُ مِنْ هُنَا قَطْعاً: بِأَنَّ الْأَسْبَابَ حِجَابُ الْقُدْرَةِ فَقَطْ, وَمَنَاطُ الْحِكْمَةِ لَيْسَ إِلاَّ * فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ أَيْضاً مِرْصَاداً نَاظِراً إِلَى الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ؛ فَتَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهِ بِهَذَا اللِّسَانِ مُنَادِيَةً: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [20] وَإِنَّ تَسَانُدَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَجَلِّيَةِ فِي الْكَائِنَاتِ, مَعَ شُمُولِ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ بِظُهُورِ أَثَرِهِ فِيهَا؛ كَـ >الْعَلِيمِ< وَتَشَارُكَهَا وَتَشَابُكَهَا حَتَّى فِي ذَرَّةٍ وَاحِدَةٍ, وَتَعَاكُسَهَا كُلاًّ فِي كُلٍّ, وَتَمَازُجَهَا كَالْأَلْوَانِ السَّبْعَةِ فِي ضِيَاءِ الشَّمْسِ، تَدُلُّ هَذِهِ الْأَحْوَالُ مَعَ وَحْدَةِ أَثَرِهَا عَلَى أَنَّ مُسَمَّاهَا وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ * فَتَفْتَحُ مِشْكَاةً نَظَّارَةً إِلَى الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ؛ تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهَا بِهَذَا اللِّسَانِ النُّورَانِيِّ: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [21] وَإِنَّ مَا يَتَظَاهَرُ فِي مَجْمُوعِ الْكَائِنَاتِ كُلاًّ وَأَجْزَاءً مِنَ الْحِكْمَةِ العَامَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقَصْدِ وَالشُّعُورِ وَالْإِرَادَةِ وَالْاِخْتِيَارِ, اَلدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ حَكِيمٍ مُطْلَقٍ؛ لِاِمْتِنَاعِ الْفِعْلِ بِلاَ فَاعِلٍ, وَلِاِمْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْمَفْعُولِ الْمُنْفَعِلِ الْجَامِدِ فَاعِلاً لِهَذَا الْفِعْلِ الْعَامِّ الشُّعُورِيِّ’* [22] وَمَا يَتَلَأْلَأُ عَلَى وَجْهِ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْعِنَايَةِ التَّامَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْحِكْمَةِ وَاللُّطْفِ وَالتَّحْسِينِ, اَلدَّالَّةِ بِالضَّرُورَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ خَلاَّقٍ كَرِيمٍ؛ لِاِمْتِنَاعِ الْإِحْسَانِ بِلاَ مُحْسِنٍ * [23] وَمَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْكَائِنَاتِ مِنَ الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْحِكْمَةَ وَالْعِنَايَةِ وَالْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ وَالْإِكْرَامِ وَالتَّلْطِيفِ وَالتَّوَدُّدِ وَالتَّحَبُّبِ وَالتَّعَرُّفِ, اَلدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لِاِمْتِنَاعِ الصِّفَةِ بِلاَ مَوْصُوفٍ, وَلِاِمْتِنَاعِ أَنْ يَلْبِسَ هَذِهِ الْحُلَّةَ الَّتِي تَسَعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ غَيْرُهُ تَعَالَى * إِذْ أَيْنَ قَامَةُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْجَامِدَةِ الْمَيِّتَةِ الْقَصِيرَةِ الْحَقِيرَةِ؟ وَأَيْنَ قِيمَةُ هَذِهِ الْحُلَّةِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ؟! * [24] وَمَا وُزِّعَ عَلَى ذَوِي الْحَيَاةِ ـ عَلَى تَنَوُّعِ حَاجَاتِهَا مِنَ الرِّزْقِ الْعَامِّ الْمُتَضَمِّنِ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْحِمَايَةِ وَالْمُحَافَظَةِ وَالتَّعَهُّدِ وَالتَّعَمُّدِ وَالتَّوَدُّدِ وَالتَّعَرُّفِ ـ اَلدَّالِّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ رَزَّاقٍ رَحِيمٍ؛ لِاِمْتِنَاعِ الْفِعْلِ بِلاَ فَاعِلٍ, وَامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْمَفْعُولِ فَاعِلاً لِهَذَا الْفِعْلِ الْعَامِّ * [25] وَمَا انْتَثَرَ وَانْتَشَرَ فِي الْكَائِنَاتِ مِنَ الْحَيِّ وَالْحَيَاةِ الْمُتَضَمِّنَتَيْنِ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالرِّزْقِ وَالصَّنْعَةِ الدَّقِيقَةِ وَالنَّقْشِ الرَّقِيقِ, وَالْإِتْقَانِ وَالْإهْتِمَامِ الْمُتَرَشِّحَةِ بِتَجَلِّيَاتِ قَصْدٍ وَشُعُورٍ وَعِلْمٍ وَإِرَادَةٍ تَامَّةٍ عَلَيْهَا, اَلدَّالَّةِ تِلْكَ الْحَيَاةُ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ قَادِرٍ قَيُّومٍ, مُحْيٍ مُمِيتٍ وَاحِدٍ * وَلأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ وَاحِدٌ فَخَالِقُهُ وَاحِدٌ * >إِذِ الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ إِلاَّ عَنِ الْوَاحِدِ< * فَخَالِقُ الْكُلِّ وَاحِدٌ؛ خِلَافاً لِقَاعِدَةِ الفَلْسَفَةِ الْكَاذِبَةِ الْمُشْرِكَةِ الْقَائِلَةِ: >اَلْوَاحِدُ لاَ يَصْدُرُ عَنْهُ إِلاَّ الْوَاحِدُ< * فَهَذِهِ الْحَقَائِقُ الْخَمْسَةُ ـ الْمُمْتَزِجَةُ كَالْأَلْوَانِ السَّبْعَةِ فِي الضِّيَاءِ, وَكَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ ـ تَدُلُّ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى أَنَّ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ رَبًّا قَدِيراً عَلِيماً حَكِيماً كَرِيماً رَحِيماً رَحْمَاناً رَزَّاقاً حَيَّاً قَيُّوماً, مُتَّصِفاً بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ’* فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْخَمْسَةُ الْمُمْتَزِجَةُ بِضِيَاءٍ وَاحِدٍ مِشْكَاةً نَظَّارَةً إِلَى الْحَدْسِ الصَّادِقِ الْمُنَظِّمِ( ) إِلَى نُورِ الْإِسْلاَمِ, اَلْمُنَظَّمِ إِلَى التَّسْلِيمِ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ, اَلْمُنَظِّمِ لِنُورِ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ: هُوَ اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ * فَتَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِي تِلْكَ الْمِشْكَاةِ بِهَذَا اللِّسَانِ ذِي النَّغَمَاتِ الْخَمْسِ مُنَادِيَةً: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [26] وَكَذَا إِنَّ مَا يَتَلَمَّعُ عَلَى وَجْهِ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْحُسْنِ الْعَرَضِيِّ وَالتَّحْسِينِ الْمُشِيرَيْنِ إِلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ لَهُ الْحُسْنُ الذَّاتِيُّ وَالْإِحْسَانُ’* [27] وَمَا يُرَى فِي خَدِّ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْجَمَالِ الْحَزِينِ الْمُنْعَكِسِ الْمُرْمِزِ إِلَى وُجُوبِ وُجُودِ ذِي الْجَمَالِ الْمُجَرَّدِ * [28] وَمَا يُرَى فِي قَلْبِهَا مِنَ الْعِشْقِ الصَّادِقِ الْمُنَادِي عَلَى الْمَحْبُوبِ الْحَقِيقِيِّ * [29] وَمَا يُحَسُّ بِهِ فِي صَدْرِهَا مِنَ الْاِنْجِذَابِ وَالْجَذْبَةِ الْمُلَوِّحَيْنِ بِالْحَقِيقَةِ الْجَاذِبَةِ الَّتِي تَنْجَذِبُ إِلَيْهَا الْأَسْرَارُ * [30] وَمَا يُسْمَعُ مِنْ كُلِّ الْكُمَّلِينَ مِنْ شَهَادَتِهِمْ بِمُشَاهَدَتِهِمْ: [كَوْنُ كُلِّ الْأَكْوَانِ ظِلاَلُ أَنْوَارِ ذَاتٍ وَاحِدٍ] آيَاتٌ نَيِّرَاتٌ * فَهَذِهِ الْحَقَائِقُ الْخَمْسَةُ تَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْكَوْنِ رَبًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ, مُتَّصِفاً بِأَوْصَافِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَالْكَمَالِ؛ فَتَفْتَحُ كُوَّةً نَظَّارَةً أَيْضاً تَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ فِيهَا بِهَذَا اللِّسَانِ ذِي النَّغَمَاتِ الْخَمْسِ: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [31] وَكَذَا إِنَّ مَا يُرَى فِي جُزْئِيَّاتِ أَنْوَاعِ الْكَائِنَاتِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ( ) الْمُتَنَاظِرَةِ وَالتَّصَرُّفِ لِمَصَالِحَ, الدَّالِّ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مُتَصَرِّفٍ حَكِيمٍ وَاحِدٍ؛ لِاِمْتِنَاعِ الْفِعْلِ بِلاَ فَاعِلٍ, وَامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْمَفْعُولِ الْمُنْفَعِلِ الْجَامِدِ فَاعِلاً لِهَذَا الْفِعْلِ الْعَامِّ الشُّعُورِيِّ الْمُتَلاَحِظِ * [32ـ33] وَمَا يُرَى فِي أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ مِنَ التَّبْدِيلِ لِفَوَائِدَ, وَالتَّحْوِيلِ لِحِكَمٍ, اَلدَّالَّيْنِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ رَبٍّ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ * [34] وَمَا يُرَى فِي أَعْضَاءِ الْكَائِنَاتِ كَكُرَةِ الْأَرْضِ بِلَيْلِهَا وَنَهَارِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ لِغَايَاتٍ, اَلدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ, فَعَّالٍ لِمَا يُرِيدُ * لِاِمْتِنَاعِ الْفِعْلِ بِلاَ فَاعِلٍ, وَلِاِمْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرُ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ الْمُتَنَاظِرَةِ غَيْرَ قُدْرَةِ الْوَاجِبِ * [35] وَمَا يُرَى فِي الْعَالَمِ مِنَ التَّنْظِيمِ لِكَمَالَاتٍ, اَلدَّالِّ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْقَادِرِ الْقَيُّومِ؛ لِاِمْتِنَاعِ التَّنْظِيمِ بِلاَ نَاظِمٍ, وَامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الْكَثِيرِ الْمُمْكِنِ الْمُنْفَعِلِ فَاعِلاً لِهَذَا الْفِعْلِ الْمُحِيطِ الشُّعُورِيِّ’* وَأَيْنَ يَدُ الْعَنْكَبُوتِ مِنْ نَسْجِ حُلَّةٍ قُدَّتْ عَلَى مِقْدَارِ قَامَةِ الْكَائِنَاتِ؟! بَلْ أَيْنَ الْأَعْمَى الْأَشَلُّ الْجَامِدُ, وَأَيْنَ نَسْجُ قَمِيصٍ مُطَرَّزٍ لِهَذَا الْعَالَمِ؟! أَيْضاً آيَاتٌ عَلَى وُجُوبِ الْوُجُودِ وَالْوَحْدَةِ * وَهَذِهِ الْحَقَائِقُ الْخَمْسَةُ فِي الْفَعَّالِيَةِ كَالْأَلْوَانِ السَّبْعَةِ فِي الضِّيَاءِ, وَكَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ؛ تَدُلُّ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى أَنَّ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ رَبَّاً مُتَصِرِّفاً حَكِيماً مُدَبِّراً فَاعِلاً مُخْتَاراً فَعَّالاً لِمَا يُرِيدُ, قَادِراً قَيُّوماً مُتَّصِفاً بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ * فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ الْخَمْسَةُ أَيْضاً بِضِيَاءٍ وَاحِدٍ كُوَّةً نَظَّارَةً إِلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ؛ فَتَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ بِهَذَا اللِّسَانِ ذِي الْأَصْوَاتِ الْخَمْسَةِ مُنَادِيَةً: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * [36] وَكَذا إِنَّ حُدُوثَ الْكَائِنَاتِ كُلاًّ وَجُزْءاً يَسْتَلْزِمُ مُحْدِثاً قَدِيماً’* وَإِنَّ تَرَدُّدَ الْكَائِنَاتِ مَجْمُوعًا وَأَجْزَاءً بَيْنَ الْإِمْكَانَاتِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ ذَوَاتٍ وَصِفَاتٍ( ) وَكَيْفِيَّاتٍ بِمِقْدَارِ تَخَصُّصِهَا تَتَزَايَدُ الْإِمْكَانَاتُ, ثُمَّ أَخْذُهَا هَذَا الشَّكْلَ الْمُنْتَظَمَ الْمُتْقَنَ الْمُحْكَمَ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الطُّرُقِ الْعَقِيمَةِ؛ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ وَيَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ رَبٍّ عَلِيمٍ حَكِيمٍ قَدِيرٍ * [37] وَإِنَّ اِحْتِيَاجَاتِ الْكَائِنَاتِ كُلاًّ وَأَجْزَاءً, وُجُوداً وَبَقَاءً, مَادَّةً وَمَعْنًى, حَيَاةً وَفِكْراً؛ مَعَ فَقْرِهَا وَضَعْفِهَا فِي ذَاتِهَا, وَقَصْرِ يَدِهَا عَنْ أَدْنَى حَاجَاتِهَا, ثُمَّ قَضَاءِ حَاجَاتِهَا عَلَى تَنَوُّعِهَا ـ مِنْ حَيْثُ لَا يُشْعَرُ ـ فِي أَوْقَاتِهَا الْمُنَاسِبَةِ تَسْتَلْزِمُ وَتَقْتَضِي وَتَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ رَبٍّ مُدَبِّرٍ رَزَّاقٍ كَرِيمٍ رَحْمَانٍ رَحِيمٍ * [38] وَإِنَّ اِفْتِقَارَاتِ الْكَائِنَاتِ مَجْمُوعًا وَأَجْزَاءً, وُجُوداً وَبَقَاءً, مَادَّةً وَمَعْنًى؛ مَعَ ضَعْفِهَا فِي ذَاتِهَا وَقَصْرِ يَدِهَا عَنْ أَدْنَى مَطَالِبِهَا, ثُمَّ إِغْنَاءِ مَطَالِبِهَا مِنْ حَيْثُ لاَ يُحْتَسَبُ فِي الْأَوْقَاتِ اللَّائِقَةِ؛ تَسْتَلْزِمُ وَتَقْتَضِي وَتَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ رَحِيمٍ, كَرِيمٍ, فَيَّاضٍ, لَطِيفٍ, وَدُودٍ * [39] وَإِنَّ فَقْرَهَا فِي ذَاتِهَا كَالشَّجَرِ وَالْأَرْضِ الْيَابِسَيْنِ فِي الشِّتَاءِ, مَعَ تَظَاهُرِ الْاِقْتِدَارِ الْمُطْلَقِ فِي مَعْدِنِ ضَعْفِهَا كَحَيَاتِهِمَا فِي الرَّبِيعِ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الذَّرَّاتُ وَالشُّمُوسُ * [40] وَإِنَّ فَقْرَ الْكَائِنَاتِ لِذَاتِهَا مَعَ تَظَاهُرِ آثَارِ الْغِنَاءِ الْمُطْلَقِ, كَظُهُورِ الْأَرْزَاقِ مِنَ التُّرَابِ الْيَابِسِ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْغَنِيِّ الْمُطْلَقِ, الَّذِي مِنْ حُجَيْرَاتِ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ >الشَّمْسُ وَالشَّجَرُ< وَمِنْ مَسِيلاَتِ حَوْضِ رَحْمَتِهِ >الْمَاءُ وَالضِّيَاءُ< * [41] وَإِنَّ مَوْتَهَا فِي ذَاتِهَا مَعَ تَظَاهُرِ أَنْوَارِ الْحَيَاةِ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ * [42] وَإِنَّ جُمُودَهَا وَجَهْلَهَا مَعَ تَظَاهُرِ آثَارِ الشُّعُورِ الْمُحِيطِ, وَإِنَّ ذَا هَذَا الشُّعُورِ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؛ يَدُلاَّنِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ عَلِيمٍ خَبِيرٍ * [43] وَإِنَّ فَنَاءَهَا وَتَغَيُّرَهَا عَلَى الدَّوَامِ بِالْاِنْتِظَامِ؛ يَدُلاَّنِ بِالْحَدْسِ الْقَطْعِيِّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْمُغَيِّرِ الْغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ الدَّائِمِ الْبَاقِيِ * [44] وَإِنَّ مَا لِذَوِي الْأَرْوَاحِ مِنَ الْعِبَادَاتِ النُّورَانِيَّةِ الْمَقْبُولَةِ الْمُثْمِرَةِ, اَلْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمُشَاهَدَاتِ وَالْمُكَالَمَاتِ وَالْفُيُوضَاتِ وَالْمُنَاجَاةِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَعْبُودٍ حَقِيقِيٍّ * [45] وَإِنَّ تَسْبِيحَاتِ الْكَائِنَاتِ الْقَالِيَةَ وَالْحَالِيَةَ؛ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) * إِذْ دَلاَلَةُ الْفِطْرَةِ صَادِقَةٌ وَشَهَادَتُهُ الْفَذَّةُ لاَ تُرَدُّ، فَكَيْفَ بِدَلاَلاَتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ وَشَهَادَاتٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ؛ قَدِ اتَّفَقَتْ كَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بِأَلْسِنَةِ أَقْوَالِهَا وَأَحْوَالِهَا وَبِنُقُوشِ جِبَاهِهَا * [46] وَإِنَّ أَدْعِيَةَ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمَقْبُولَةَ وَالْمُسْتَجَابَةَ وَالْمُؤَثِّرَةَ وَالْمُثْمِرَةَ؛ تَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) * [47] وَإِنَّ اِلْتِجَاءَاتِ ذَوِي الْبَلَايَا شُعَورِيًّا وَغَيْرَ شُعُورِيٍّ عِنْدَ الْاِضْطِرَارِ إِلَى حَامِيهَا الْمَجْهُولِ, بَلْ خَالِقِهَا؛ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَلْجَأِ الْخَائِفِينَ وَغِيَاثِ الْمُسْتَغِيثِينَ * [48] وَإِنَّ مُشَاهَدَةَ كُلِّ الْكُمَّلِينَ الْعَابِرِينَ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ وَاتِّفَاقَهُمْ بِالْكَشْفِ وَالشُّهُودِ وَالذَّوْقِ وَالْمُشَاهَدَةِ: عَلَى أَنَّ كُلَّ الْأَكْوَانِ ظِلاَلٌ لِأَنْوَارِ ذَاتٍ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ شَمْسِ الْأَزَلِ الَّذِي هَذِهِ الْأَكْوَانُ ظِلاَلُ أَنْوَارِهِ * [49] وَكَذَا إِنَّ مَا يُعْلَمُ, بَلْ يُتَحَدَّسُ, بَلْ يُحَسُّ, بَلْ كَأَنَّهُ يُرَى وَيُشَاهَدُ مِلْءَ الْكَوْنِ وَالْفَضَاءِ؛ قَدْ تُوُضِّعَتْ عَلَى مِثْلِ الذَّرَّةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْأَفَاعِيلِ الْمُتَجَلِّيَةِ, وَتَجَلِّيَاتِ الْأَسْمَاءِ السَّيَّالَةِ الْهَابِطَةِ مِنْ مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ؛ تَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ لَيْسَ مَرْتَبَةَ الْإِمْكَانِ, بَلْ هِيَ أَشِعَّةُ مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ, وَتَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ ذَاتٍ مُقَدَّسٍ فَاعِلٍ لِهَذِهِ الْأَفَاعِيلِ, وَمُسَمًّى لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ * [50] وَإِنَّ اِضْطِرَابَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْاِسْتِبْعَادِ وَالْاِسْتِغْرَابِ وَالْحَيْرَةِ وَالْكُلْفَةِ الْمُنْجَرَّةِ إِلَى الْاِسْتِنْكَارِ, ثُمَّ إِلَى مُحَالاَتٍ مُتَسَلْسِلَةٍ فِي تَفْوِيضِ الْأَكْوَانِ إِلَى أَنْفُسِهَا وَأَسْبَابِهَا تُلْجِئُ الْعُقُولَ وَالْأَرْوَاحَ لِلْخَلَاصِ مِنْ مَرَضِ الْاِضْطِرَابِ وَالتَّشَفِّي مِنْهُ إِلَى اِمْتِثَالِ أَمْرِ (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ), (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ), (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) اَلَّذِي بِقُدْرَتِهِ يَحْصُلُ الْإِيضَاحُ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * نَعَمْ لَا مُؤَثِّرَ فِي الْكَوْنِ حَقِيقَةً إِلاَّ اللهُ * [51] وَكَذَا إِنَّ مَا يُرَى مِنَ الْقَدَرِ بِالضَّرُورَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ, وَبِالنَّظَرِ فِي غَيْرِهَا؛ يَدُلاَّنِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ >’ﯬ ﯭ ﯮ ﯞ ﯰ’< إِذْ عَالَمُ الشَّهَادَةِ مَجْمُوعًا وَأَجْزَاءً لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ غَايَاتٌ مُنْتَظِمَةٌ وَنِهَايَاتٌ مُثْمِرَةٌ وَحُدُودٌ كَأَنَّهَا آجَالٌ مُنْتَظِمَةٌ تُسَمَّى بِالْمَقَادِيرِ، اَلَّتِي لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِقَوَالِبَ, وَمَا هِيَ إِلاَّ >الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ< * فَمِقْدَارُهُ( ) اَلَّتِي هِيَ قَوَالِبُ الْقَدَرِ قُدَّتْ عَلَى مِقْدَارِ قَامَاتِ الْأَشْيَاءِ تَعَيَّنَتْ أَوَّلاً, فَبُنِيَتِ الْأَشْيَاءُ عَلَى هَنْدَسَتِهَا * فَإِنْ شِئْتَ مِثَالاً فَانْظُرْ إِلَى بَدَنِكَ بِاِعْوِجَاجَاتِهِ, وَيَدِكَ بِأَصَابِعِهَا * فَيُنْتَقَلُ بِالْحَدْسِ الصَّادِقِ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ الضَّرُورِيِّ إِلَى الْقَدَرِ النَّظَرِيِّ فِي الْمَعْنَوِيَّاتِ وَالْأَحْوَالِ * إِذْ لَهَا أَيْضاً نِهَايَاتٌ وَغَايَاتٌ مُثْمِرَةٌ, وَحُدُودٌ وَآجَالٌ مُنْتَظِمَةٌ هِيَ مَقَادِيرُهَا, هِيَ قَوَالِبُهَا تَرَسَّمَتْ بِيَدِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ؛ فَكَتَبَتِ الْقُدْرَةُ كِتَابَ الْمَعَانِي عَلَى مِسْطَرِ الْقَدَرِ * فَالْقُدْرَةُ مَصْدَرٌ, تَنْظُرُ إِلَى مِسْطَرِ الْقَدَرِ * فَهَذَانِ الْقَدَرَانِ يَدُلاَّنِ بِالضَّرُورَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ آمَنَّا * [52] وَكَذَا: إِنَّ جَامِعِيَّةَ اِسْتِعْدَادِ الْإِنْسَانِ تُخْبِرُنَا بِأَنَّ الْبَشَرَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ، فَيَكُونُ أَكْمَلَ وَأَبْعَدَ * فَوَجْهُهُ الشَّفَّافُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الظُّلْمَةِ وَفَضَاءِ الْعَدَمِ الَّذِي هُوَ بَاطِنُ الدُّنْيَا * وَمَا فِي جَامِعِيَّةِ الْإسْتِعْدَادِ مِنْ قَابِلِيَّةِ الْعِبَادَةِ تُخْبِرُنَا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا خُلِقَ هَكَذَا لِيَكُونَ مَنْكُوسَ الرَّأْسِ يَخْلُدُ إِلَى الْفَانِي؛ بَلْ (قَابِلِيَّةُ الْعِبَادَةِ)( ) لِصَرْفِ وَجْهِهِ الشَّفَّافِ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ, وَمِنْ فَضَاءِ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ, وَمِنَ الْمُنْتَهَى إِلَى الْمَبْدَأِ, وَمِنَ الْفَانِي إِلَى الْبَاقِي, وَمِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ * كَأَنَّ الْعِبَادَةَ حَلْقَةُ اِتِّصَالٍ بَيْنَ الْمُنْتَهَى وَالْمَبْدَأِ فِي دَائِرَةِ الْخِلْقَةِ؛ فَتَشْهَدُ الْفِطْرَةُ بِهَذَا اللِّسَانِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيُعْرَفَ, وَخَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِيُعْبَدَ آمَنَّا * [53] وَكَذَا: إِنَّ مَا يُشَاهَدُ فِي الْكَوْنِ مِنْ مَرْتَبَةِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ وَالْاِنْفِعَالِ؛ يَسْتَلْزِمُ بِالْبَدَاهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ مَرْتَبَةَ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ وَالْفَاعِلِيَّةِ, فَيَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ آمَنَّا * [54] وَكَذَا: يُشَاهَدُ فِي الْكَائِنَاتِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَتَحَرَّكُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى نُقْطَةِ الْكَمَالِ لَهَا, ثُمَّ تَسْكُنُ بَعْدَ الْوُصُولِ وَتَسْتَقِرُّ * فَيُتَحَدَّسُ مِنْ هُنَا: بِأَنَّ الْوُجُودَ يَقْتَضِي الْكَمَالَ, وَالْكَمَالَ يَقْتَضِي الثَّبَاتَ * فَوُجُودُ الْوُجُودِ بِالْكَمَالِ, وَكَمَالُ الْكَمَالِ بِالدَّوَامِ * فَالْوَاجِبُ السَّرْمَدِيُّ هُوَ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ؛ فَكُلُّ كَمَالاَتِ الْمُمْكِنَاتِ ظِلاَلٌ لِتَجَلِّيَاتِ أَنْوَارِ كَمَالِهِ’* فَتَدُلُّ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ: عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ آمَنَّا * [55] وَكَذَا: إِنَّ أَلْطَفِيَّةَ بَاطِنِ الشَّيْءِ مِنْ ظَاهِرِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَانِعَهُ لَيْسَ خَارِجاً بَعِيداً مِنْهُ * كَذَلِكَ مُحَافَظَتُهُ لِنِسَبِ النِّظَامِ وَالْمُوَازَنَةِ مَعَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلاً فِي الشَّيْءِ أَيْضاً’* فَالنَّظَرُ إِلَى الْمَصْنُوعِ فِي ذَاتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَانِعَهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * فَالنَّظَرُ إِلَيْهِ مَعَ الْغَيْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَانِعَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ, فَوْقَ الْكُلِّ يَرَاهُ مَعَ الْغَيْرِ, يُرَسِّمُ بِهِمَا نَقْشاً لِمَصْلَحَةٍ؛ فَيَدُلُّ (هَذِهِ الْحَقِيقَةُ) عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ الصَّانِعِ الَّذِي لَيْسَ دَاخِلاً فِي الْعَالَمِ وَلاَ خَارِجاً * كَمَا هُوَ فِي أَبْطَنِ الْبُطُونِ؛ كَذَلِكَ فَوْقَ الْفَوْقِ * كَمَا يَرَى شَيْئاً يَرَى مَعَهُ كُلَّ الْأَشْيَاءِ آمَنَّا * فَهَذِهِ الْحَقَائِقُ الْعِشْرُونَ الْمُتَمَازِجَةُ كَأَلْوَانِ الْقَوْسِ الْقَزَحِ, وَكَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ؛ آيَاتٌ نَيِّرَاتٌ تَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ رَبَّاً قَدِيماً وَاجِبَ الْوُجُودِ، عَلِيماً حَكِيماً مُرِيداً قَدِيراً رَحْمَاناً رَحِيماً رَزَّاقاً كَرِيماً قَادِراً غَنِيَّاً حَيَّاً قَيُّوماً عَلِيماً خَبِيراً دَائِماً بَاقِياً مَعْبُوداً؛ (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) * (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) مَلْجَأُ الْخَائِفِينَ * غِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِينَ * َالَّذِي هَذِهِ الْكَائِنَاتُ ظِلَالُ أَنْوَارِهِ, وَتَجَلِّيَاتُ أَسْمَائِهِ، وَآثَارُ أَفْعَالِهِ, الَّذِي (بِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) * (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) * خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ لِيَعْبُدوُنَهُ * نَظَّمَ الْكَائِنَاتِ بِقَوَانِينِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ * وَهُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ * وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * فَتَفْتَحُ هَذِهِ الْعِشْرُونَ مِنَ الْحَقَائِقِ الْمُتَمَازِجَةِ بِأَنْوَارٍ مُخَطَّطَةٍ كُوَّاتٍ نَظَّارَةً بِوُجُوهٍ وَجِهَاتٍ وَمَرَاتِبَ إِلَى الْحَدْسِ الصَّادِقِ الْمُنَظِّمِ لِنُورِ الْإِسْلَامِ, اَلْمُنَظِّمِ إِلَى التَّسْلِيمِ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ, اَلْمُنَظِّمِ إِلَى الْإِيمَانِ: بِأَنَّهُ هُوَ اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ؛ فَتَشْهَدُ الْكَائِنَاتُ بِهَذَا اللِّسَانِ ذِي النَّغَمَاتِ الْعِشْرِينَ مُنَادِيَةً: اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * وَاعْلَمْ: أَنَّ (اَللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بِكُلِّ دَلاَئِلِهِ الْمَزْبُورَةِ مُثْبِتٌ لِـ (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) * وَكَذَا فَاعْلَمْ: (أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) بِكُلِّ بَرَاهِينِهِ الْمَذْكُورَةِ يَسْتَلْزِمُ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) * فَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ كَمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْإِيمَانِ خَمْسَةَ أَرْكَانِهِ؛ كَذَلِكَ مَظْهَرٌ وَمِرْآةٌ لِصِفَةِ( ) الرُّبُوبِيَّةِ * فَبِهَذَا السِّرِّ صَارَ قَرِيناً مُوَازِياً لِـ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فِي مِيزَانِ الْإِيمَانِ فَتَأَمَّلْ! * وَلِأَنَّ النُّبُوَّةَ مَظْهَرٌ لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ, تَكُونُ جَامِعَةً وَكُلِّيَّةً * وَالْوَلاَيَةُ خَاصَّةً وَجُزْئِيَّةً * فَنِسْبَتُهَا إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ صِفَةِ >رَبِّ الْعَالَمِينَ< إِلَى >رَبِّي<، وَنِسْبَةِ الْعَرْشِ إِلَى الْقَلْبِ, وَنِسْبَةِ الْمِعْرَاجِ الْمُمْتَدِّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ الْمَارِّ عَلَى طَوَائِفِ الْمَلَكِ وَالْمَلَكُوتِ, إِلَى مِعْرَاجِ الْمُؤْمِنِ فِي سُجُودِهِ بِالْوَجْهِ الْخَاصِّ *

تَنْبِيــهٌ

    • اِعْلَمْ **

أَنَّ هَاتِيكَ الْبَرَاهِينَ مَعَ هَذَا الْمَطْلَبِ الْعَالِي كَالدَّائِرَةِ الْمُحِيطَةِ اَلْمُتَّحِدَةِ( ) بِالْمَرْكَزِ * وَكُلُّ نُقْطَةٍ مِنَ الْمُحِيطِ كَمَنْفَذٍ يَنْظُرُ بِلَوْنِهِ الْمَخْصُوصِ إِلَى الْمَرْكَزِ؛ وَبَيْنَ النِّقَاطِ تَسَانُدٌ يُزِيلُ ضَعْفَ الْأَفْرَادِ الْخُصُوصِيَّةِ * وَيَتَوَلَّدُ مِنْ مَجْمُوعِ الْبَرَاهِينِ حَدْسٌ صَادِقٌ يُنَظِّمُ إِلَى نُورِ الْإِسْلاَمِ * ثُمَّ يُنَظِّمُ إِلَى التَّسْلِيمِ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ * ثُمَّ يُنَظِّمُ لِنُورِ الْإِيمَانِ الْقَيُّومِ لِلْمَطْلُوبِ * وَمَا الْبَرَاهِينُ إِلاَّ مَنَابِعُ لِتَحَلُّبِ هَذَا الْحَدْسِ, فَضَعْفُ الْفَرْدِ يَزُولُ بِسِرِّ التَّسَانُدِ * وَمَعَ فَرْضِ عَدَمِ زَوَالِهِ لاَ يَسْقُطُ الْفَرْدُ عَنِ الْجُزْئِيَّةِ وَعَنِ الْاِعْتِبَارِ، بَلْ عَنِ الْاِسْتِقْلاَلِيَّةِ وَالْبُرْهَانِيَّةِ * وَمَعَ فَرْضِ إِبْطَالِ الْفَرْدِ لاَ تَبْطُلُ الدَّائِرَةُ بَلْ تَتَصَاغَرُ * وَبِفَرْضِ إِبْطَالِهَا لاَ يَزُولُ الْحَدْسُ الصَّادِقُ * وَبِفَرْضِ زَوَالِهِ فَلاَ بَأْسَ أَيْضاً * إِذْ نُورُ الْإِسْلاَمِ قَائِمٌ، وَبَعْدَهُ التَّسْلِيمُ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ لاَ يَتَزَلْزَلُ * وَبَعْدَهُ نُورُ الْإِيمَانِ الْمَوْهُوبِ الْقَيُّومُ( ) * فَطَلَبُ قُوَّةِ وُضُوحِ الْمَطْلُوبِ الْمُرَتَّبِ( ) عَلَى مَجْمُوعِ الْبَرَاهِينِ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ عَلَى حَدَّةٍ بِجُزْئِيَّةِ الذِّهْنِ؛ مِنْ مَرَضِ النَّفْسِ الَّذِي يَزِيدُ مَرَضَهَا وَيُلَقِّنُهَا مَلَكَةَ الرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ * اَلَّلهُمَّ احْفَظْنَا!. فَالْبُرْهَانُ الْوَاحِدُ أَوَّلاً يُنْظَرُ بِهِ إِلَى الْمَطْلُوبِ, ثُمَّ يَتَشَرَّبُ أُنْمُوذَجَ الْمَجْمُوعِ فَتَتَسَاقَطُ عَنْهُ الْأَوْهَامُ * اِعْلَمْ أَيْضاً: أَنَّ مِنَ الْبَرَاهِينِ مَا هُوَ كَالْمَاءِ, وَمِنْهَا مَا هُوَ كَالْهَوَاءِ, وَمِنْهَا مَا هُوَ كَالضِّيَاءِ * لاَ بُدَّ مِنَ التَّوَجُّهِ بِلُطْفٍ وَوُسْعَةِ نَظَرٍ فِي لِينَةٍ * وَإِلاَّ فَبِالْحِرْصِ وَالتَّعَمُّقِ وَالْجَسِّ بِأَصَابِعِ التَّحَرِّي, يَسِيلُ وَيَزُولُ وَيَخْتَفِي’* ثُمَّ اعْلَمْ: أَنَّ النَّظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَفُرُوعٍ وَثَمَرَاتٍ لِمَعْرِفَةِ حَيَاتِهَا وَطَعْمِهَا وَدَرَجَةِ قُوَّتِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: نَظَرٌ مِنْ طَرَفِ الْأَصْلِ وَالْجُرْثُومِ * فَهَذَا نَظَرٌ سَهْلٌ وَبَسِيطٌ مُسْتَقِيمٌ مَتِينٌ * وَالثَّانِي: مِنْ طَرَفِ الثَّمَرَاتِ وَالْفُرُوعَاتِ * وهَذَا النَّظَرُ دُونَ النَّظَرِ الْأَوَّلِ سَقِيمٌ مُوصِلٌ إِلَى الضَّلاَلاَتِ * كَذَلِكَ: إِنَّ شَجَرَةَ الْإِسْلاَمِيَّةِ جُرْثُومُهَا فِي السَّمَاءِ, أَغْصَانُهَا( ) مُنْتَشِرَةٌ فِي آفَاقِ الْكَثْرَةِ * فَلِمَعْرِفَتِهَا نَظَرَانِ وَلِلدُّخُولِ فِي دَائِرَتِهَا طَرِيقَانِ: فَالنَّظَرُ الْأَوَّلُ: هُوَ النَّظَرُ مِنْ جَانِبِ الْأَصْلِ * فَإِذَا نَظَرَ الْمُوَفِّقُ إِلَى الْجُرْثُومِ؛ يَرَى فِيهَا حَوْضاً عَظِيماً مَنْبَعُهُ الصَّافِي هُوَ الْوَحْيُ الْمَحْضُ * فَتَزَايَدَ الْحَوْضُ بِتَحَلُّبِ الْآيَاتِ الْآفَاقِيَّةِ وَالْأَنْفُسِيَّةِ * فَمِنْ ذَلِكَ الْحَوْضِ الْمُمْتَزِجِ مَادَّةُ حَيَاةِ الثَّمَرَاتِ وَغِدَائُهَا * فَإِثْبَاتُ حَيَاةِ ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِي لِإِثْبَاتِ سَائِرِ أَخَوَاتِهَا * بَلْ وَكَذَا تَدُلُّ عَلَى حَيَاةِ شَجَرَتِهَا؛ مَعَ أَنَّ إِثْبَاتَ حَيَاةِ الثَّمَرَةِ سَهْلٌ سَرِيعٌ يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الْإِتِّصَالِ فَقَطْ * وَإِبْطَالَهَا وَزَوَالَهَا عَسِيرٌ بَطِيءٌ؛ لاَ يَقْتَدِرُ عَلَى إِبْطَالِهَا مَعَ بَقَاءِ الْاِتِّصَالِ, وَعَلَى مَنْبَعِ سَرَيَانِ الْحَيَاةِ إِلَيْهَا مَا لَا يَقْتَدِرُ عَلَى قَلْعِ الْأَصْلِ’* وَلَوْ صَادَفَ هَذَا النَّظَرُ( ) بَيْنَ الثَّمَرَاتِ مَيِّتَةً يَابِسَةً؛ حَكَمَ بِأَنَّهَا دَخِيلَةٌ, وَيُحِيلُ مَوْتَهَا عَلَى الْأَسْبَابِ الْخَارِجِيَّةِ * هَذَا النَّظَرُ هُوَ النَّظَرُ الْإِيمَانِيُّ وَالْإِسْلاَمِيُّ, وَالْمُسْتَقِيمُ السَّهْلُ وَالْمُنْقَادُ لِطَوْرِ النُّبُوَّةِ * اَللَّهُمَّ ارْزُقْنَاهُ وَثَبِّتْنَا عَلَيْهِ * وَالنَّظَرُ الثَّانِي: السَّقِيمُ الَّذِي هُوَ مَنْشَأُ الضَّلاَلاَتِ وَمَعْدِنُ الْإضْطِرَابَاتِ؛ هُوَ النَّظَرُ مِنْ جَانِبِ الثَّمَرَاتِ بِنَظَرٍ تَنْقِيدِيٍّ * وَفِي هَذَا النَّظَرِ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ إِلَى الْإِثْبَاتِ وَالذَّوْقِ لِفَقْدِ الْاتِّصَالِ هُنَا * مَعَ أَنَّ إِثْبَاتَ ثَمَرَةٍ فَرْدَةٍ وَإِيصَالَ مَادَّةِ غِدَائِهَا عَسِيرٌ, يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ تَمَامُ الْأَصْلِ * مَعَ أَنَّ زَوَالَهَا وَبُطْلاَنَهَا سَرِيعٌ يَحْصُلُ بِأَدْنَى شَيْءٍ، وَلَوْ صَادَفَ بَيْنَهَا مَيِّتَةً يَابِسَةً أَحَالَهَا عَلَى مَوْتِ الْأَصْلِ * أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ هَذَا النَّظَرِ * لَكِنْ لَوْ كَانَ هَذَا النَّظَرُ تَابِعاً لِلنَّظَرِ الْأَوَّلِ كَانَ حَسَناً وَسَبَباً لِإِطْمِئْنَانِ النَّفْسِ *   [ فاضل محترم, مجلس مصاحف وتدقيق مؤلفات شرعيه رئيس عاليسى شيخ صفوت أفندي حضرتلرينك تقريضيدر ] تَقْرِيظٌ لِلْفَاضِلِ الْمُحْتَرَمِ, رَئِيسِ مَجْلِسِ الْمَصَاحِفِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ حَضْرَةِ الشَّيْخِ صَفْوَت أَفَنْدِي( ) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, وَبِهِ ثِقَتِي أحمد الله سبحانه وأصلي وأسلّم على نبيه الذي أنزل عليه قرآنه, وعلى آله وأصحابه الذين شيدوا معالم الدين ومهدوا بنيانه. وبعد: فقد تجلى لعيني هذه >القطرة من بحر التوحيد<؛ فرأيت لا فرق بينها وبينه. لأنها أظهرت وأفاضت في دين الإسلام عينه, وفي الحقيقة منه بدت وإليه تعود. فشكراً لله تعالى سعي أخينا في رضاعة ثدي الإسلام المغترف من بحار التوحيد >بديع الزمان العلامة سعيد< والغريب في هذه الأيام (فطوبى للغرباء) كما قال عليه الصلاة والسلام, وعلى آله وصحبه أجمعين, والحمد لله رب العالمين. الفقير إليه سبحانه, تراب أقدم العلماء صفوت رحمة الله عليه   خَاتِمَةُ هَذَا الْمَبْحَثِ >فِي أَرْبَعَةِ أَمْرَاضٍ( )< اَلْأَوَّلُ: >اَلْيَأْسُ<: اِعْلَمْ: أَنَّكَ إِذَا تَدَهَّشْتَ مِنَ الْعَذَابِ وَمَا وُفِّقْتَ لِلْعَمَلِ, تَتَمَنَّى عَدَمَ الْعَذَابِ؛ فَتَتَحَرَّى مَا يُنَافِيهِ, فَتَرَى الْأَمَارَاتِ الْمُنَافِيَةَ بَرَاهِينَ, فَتَخْتَطِفُكَ الشَّيَاطِينُ * فَاسْمَعْ( ) بِقَلْبٍ شَهِيدٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: {ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ}. وَالثَّانِي: >اَلْعُجْبُ< نَعَمْ يَا نَفْسُ! أَيِسْتَ( ), ثُمَّ تَحَرَّيْتَ مَا تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَذَابِ؛ فَرَأَيْتَ مَحَاسِنَكَ, فَوَقَعْتَ فِي الضَّلاَلَةِ مِنْ بَابِ الْعُجْبِ * مَعَ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لَكَ قَطْعاً فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَمَالاَتِ * فَتَأَمَّلْ يَا نَفْسِي! هَذَا الْوُجُودُ الَّذِي سَكَنْتَهُ مَا هُوَ صَنْعَتُكَ حَتَّى تَتَمَلَّكَ( ) * وَمَا هُوَ لَقِيطَةٌ اِلْتَقَطْتَهَا حَتَّى يُتَمَلَّكَ * وَمَا هُوَ نَتِيجَةُ تَصَادُفٍ أَعْمَى وَاتِّفَاقِيَّةٍ عَوْرَى وَأَسْبَابٍ جَامِدَةٍ, حَتَّى يُقْتَطَفَ وَيُتَمَلَّكَ * وَلَيْسَ شَيْئاً رَخِيصاً بِلاَ أَهَمِّيَةٍ تَافِهٍ( ) سُدًى؛ أَعْرَضَ عَنْهُ مَالِكُهُ, حَتَّى تَأْخُذَهُ وَتَتَمَلَّكَهُ * بَلْ هَذَا الْوُجُودُ بِعَجَائِبِ صَنْعَتِهِ وَغَرَائِبِ نَقْشِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ يَدِ صَانِعٍ حَكِيمٍ, مُهَيْمِنٍ عَلَيْهِ دَائِماً * أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكَ مِنْ تَصَارِيفِ هَذَا الْوُجُودِ مِنْ مَلاَيِينِ التَّصَرُّفَاتٍ إِلاَّ تَصَرُّفٌ وَاحِدٌ مَشْكُوكٌ؛ هُوَ حُجَّتُهُ عَلَيْكَ * وَكَذَا: أَلاَ تَرَى أَنَّكَ أَشْرَفُ الْأَسْبَابِ وَأَوْسَعُهَا اِخْتِيَاراً؛ وَأَظْهَرُ أَفْعَالِكَ الْاِخْتِيَارِيَّةِ >اَلْأَكْلُ وَالْكَلاَمُ<, مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكَ مِنْ مِئَةِ جُزْءٍ مِنْهُمَا إِلاَّ جُزْءٌ وَاحِدٌ * وَكَذَا: أَنَّ أَضْيَقَ خَاصِّيَّاتِكَ >اَلْاِخْتِيَارُ< وَأَوْسَعَ حَوَاسِّكَ >الْخَيَالُ<؛ مَعَ أَنَّ الْخَيَالَ لاَ يُحِيطُ بِالْعَقْلِ وَثَمَرَاتِهِ, فَكَيْفَ تُدْخِلُهَا تَحْتَ دَائِرَةِ الْاِخْتِيَارِ فَتَفْتَخِرَ بِهَا * وَكَذَا: تُجْرَى فِيكَ وَعَلَيْكَ أَفَاعِيلُ لاَ يَلْحَقُهَا شُعُورُكَ، مَعَ أَنَّهَا شُعُورِيَّةٌ * فَصَانِعُهُمَا( ) ذُو شُعُورٍ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * لاَ أَنْتَ وَلاَ الْأَسْبَابُ الْعُمْيُ الصُّمُّ * فَلاَ بُدَّ أَنْ تَتَبَرَّأَ مِنْ دَعْوَى الْمَالِكِيَّةِ وَتَوَهُّمِ مَصْدَرِيَّةِ الْمَحَاسِنِ, وَتَعْتَرِفَ بِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْكَ مِنْكَ إِلاَّ النُّقْصَانُ وَالْقُصُورُ * إِذْ بِسُوءِ إِخْتِيَارِكَ تَغَيَّرَ صُورَةُ فَيْضِ الْكَمَالِ الْمُفَاضِ عَلَيْكَ * وَبِأَنَّ الْجَسَدَ الَّذِي هُوَ مَنْزِلُكَ عَارِيَةٌ وَأَمَانَةٌ, وَأَنْتَ مُسَافِرٌ * وَمَحَاسِنُكَ هَذِهِ مَوْهُوبَةٌ * وَسَيِّئَآتُكَ مَكْسُوبَةٌ لَكَ * فَلاَ بُدَّ أَنْ تَقُولَ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ, وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ * وَالثَّالِثُ: >الْغُرُورُ< * وَكَذَا مِنْ مَرَضِكَ غُرُورُكَ؛ فَبِحُكْمِهِ نَظَرْتَ إِلَى الْأَسْلاَفِ الْعِظَامِ مِنْ بُعْدٍ, فَتَصَاغَرُوا فِي عَيْنِكَ * فَحُرِمْتَ مَحَاسِنَ إِرْشَادَاتِهِمْ وَابْتُلِيتَ بِالْأَوْهَامِ الْمُتَطَايِرَةِ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ فِي سُلُوكِهِمْ مَعَ أَوْهَامِكَ * فَانْظُرْ إِلَيْهِمْ مِنْ قُرْبٍ تَرَهُمْ( ) أَعَاظِمُ؛ كَشَفُوا فِي أَرْبَعِينَ يَوْماً مَا لَمْ تَقْتَدِرْ عَلَى كَشْفِهِ إِلاَّ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً * وَالرَّابِعُ: >سُوءُ الظَّنِّ< * وَكَذَا مِنْ مَرَضِكَ سُوءُ الظَّنِّ؛ فَبِحُكْمِ >أَنَّ الْجَائِعَ يَتَوَهَّمُ النَّاسَ جِيَاعاً<؛ أَسَأْتَ الظَّنَّ بِسَبَبِ مَرَضِكَ وَرِيَائِكَ بِأُوُلَئِكَ الْأَسْلاَفِ الْعِظَامِ * فَقَدْ رَأَيْتَ أَنَّكَ بِغَمْضِ عَيْنِكَ جَعَلْتَ النَّهَارَ لَيْلاً عَلَى نَفْسِكَ فَقَطْ * اَللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنَ الْيَأْسِ وَسُوءِ الظَّنِّ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ آمِينْ *

    • ** **

ثُمَّ قَدْ شَاهَدْتُ فِي سِيَاحَتِي( ) تَحْتَ الْأَرْضِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَفِي بَطْنِهَا حَقَائِقُ!.. اَلْحَقِيقَةُ الْأُولَى: اِعْلَمْ أَنَّ الْغَفْلَةَ عَنِ الْمَالِكِ الْحَقِيقِيِّ جَلَّ جَلاَلُهُ سَبَبٌ لِفِرْعَوْنِيَّةِ النَّفْسِ؛ فَتَتَوَهَّمُ نَفْسَهَا مَالِكَةً لَهَا, فَيَتَشَكَّلُ فِي وَهْمِهَا دَائِرَةٌ لِحَاكِمِيَّتِهَا * ثُمَّ تَقِيسُ النَّاسَ, بَلِ الْأَسْبَابَ عَلَى نَفْسِهَا؛ فَتُقَسِّمُ مَالَ اللهِ عَلَيْهَا * فَتُعَارِضُ الْأَحْكَامَ الْإِلَهِيَّةَ, وَتُبَارِزُ مَعَ مُقَدَّرَاتِ خَالِقِهَا’* مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِعْطَاءِ أَنَانِيَّةٍ لَهَا؛ أَنْ تَصِيرَ( ) وَاحِداً قِيَاسِيَّاً لِفَهْمِ صِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ * فَأَسَأْتَ بِسُوءِ الْإخْتِيَارِ؛ فَصَرَفْتَهَا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهَا * يَا أَيُّهَا النَّاظِرُ! إِنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الدَّقِيقَةَ الرَّقِيقَةَ صَارَتْ مَشْهُودَةً لِي بِتَمَامِ ظُهُورِهَا؛ فَرَأَيْتُ أَنَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ >أَنَا< الْمُتَنَبِّتَ بِمَاءِ الْغَفْلَةِ, هُوَ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ تَصِيرُ وَاحِداً قِيَاسِيَّاً لِفَهْمِ صِفَاتِ خَالِقِهَا الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ لاَ فِي مُلْكِهِ وَلاَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَلاَ فِي أُلُوهِيَّتِهِ * إِذْ مَعْرِفَةُ النَّاسِ لِلْأَشْيَاءِ أَوَّلاً نِسْبِيَّةٌ وَقِيَاسِيَّةٌ * وَتَفَهُّمُ الصِّفَاتِ( ) الْمُحِيطَةِ الَّتِي لاَ حَدَّ لَهَا يَحْصُلُ بِتَوَهُّمِ الْحَدِّ؛ فَـ >أَنَا< يَتَجَاوَزُ عَنْ حَدِّهِ فَيَتَوَهَّمُ الْحَدَّ, فَيَقِيسُ فَيَفْهَمُ فَيَرْجِعُ إِلَى حَدِّهِ * فَيَزُولُ الْحَدُّ الْمَوْهُومُ فَيَصِيرُ أَوَّلاً سَمَكاً وَثَانِياً حَبَاباً * فَقَدْ مَرَّ أَنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ مَالِكَةً لِنَفْسِهَا وَلاَ لِجِسْمِهَا( ), إِذْ مَا هُوَ( ) لَقِيطَةٌ وَلاَ نَتِيجَةُ تَصَادُفٍ, وَلاَ شَيْءٌ تَافِهٌ وَلاَ مُتَشَكِّلٌ بِنَفْسِهِ؛ بَلْ هُوَ مَاكِينَةٌ دَقِيقَةٌ عَجِيبَةٌ إِلَهِيَّةٌ يَعْمَلُ فِيهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ قَلَمُ الْقُدْرَةِ بِيَدِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ * فَيَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ( )! تَفَرَّغْ( ) مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ وَسَلِّمِي الْمُلْكَ إِلَى مَالِكِهِ, وَكُونِي أَمِينًا عَلَى هَذِهِ الْأَمَانَةِ * فَإِذَا خُنْتِ فِي دِرْهَمٍ وَأَسْنَدْتِهِ لِذَاتِكِ؛ تَشْرَعِينَ بِسِرِّ قِيَاسِ النَّفْسِ تُعْطِينَ مِنْ مَالِ اللهِ لِأَبْنَاءِ جِنْسِكِ, ثُمَّ لِلْأَسْبَابِ قَنَاطِيرَ مُقَنْطَرَةً كَمَا فَعَلَتْهُ الْفَلَاسِفَةُ * أَيَّتُهَا النَّفْسُ( )! لَسْتِ مَالِكَةً لَكِ, وَإِلاَّ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونِي( ) صَانِعَةً وَمُوجِدَةً لِهَذَا الْبَدَنِ, أَوْ صَنَعَتْهُ الْأَسْبَابُ فَاغْتَصَبْتَهُ مِنْهَا * كَيْفَ تَكُونِينَ صَانِعَةً وَأَنْتِ أُخْتُ الْغَنَمِ؛ فَالْغَنَمُ كَيْفَ يَدَّعِي أَنَّهُ صَانِعُ جِسْمِهِ؟ وَالْغَنَمُ أَخُ الرُّمَّانِ؛ وَكَيْفَ تَكُونُ صِبْغَةُ الرُّمَّانِ صَانِعَةَ حَبَّاتِهِ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ الثَّمَرَةُ الْمُتَوَضِّعَةُ عَلَى رَأْسِ الشَّجَرَةِ خَالِقَةً وَصَانِعَةً لِشَجَرَتِهَا؟! * فَإِنْ صَحَّتْ هَذَا، صَحَّتْ لَكَ الْمَالِكِيَّةُ * وَأَمَّا عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي, فَالْمَصْنُوعُ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: بِأَنِّي صَنْعَةُ عَلِيمٍ حَكِيمٍ سَمِيعٍ بَصِيرٍ بِنِظَامٍ وَمِيزَانٍ * مَعَ أَنَّ الْأَسْبَابَ عُمْيٌ صُمٌّ جَامِدَةٌ مَيِّتَةٌ؛ كُلَّمَا اجْتَمَعَتْ وَاخْتَلَطَتْ ـ فَفَضْلاً عَنْ حُصُولِ صَنْعَةِ بَصِيرٍ ـ يَتَزَايَدُ الْعُمْيُ وَالْأَصَمِّيَّةُ * إِذِ اخْتِلاَطُ الْعُمْيِ الصُّمِّ لاَ يَزِيدُهُمْ إِلاَّ عُمْياً وَأَصَمِّيَّةً * مَعَ أَنَّ الْأَسْبَابَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْبَدَنِ، كَنِسْبَةِ زُجَاجَاتِ الْأَدْوِيَةِ فِي >أَجْزَاخَانَةٍ< بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْجُونٍ ذِي خَاصِّيَّةٍ عَجِيبَةٍ؛ يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ بِمِيزَانٍ مَخْصُوصٍ * إِنْ زَادَ( ) أَوْ نَقَصَ دِرْهَمٌ( ) مِنْ مِئَةٍ( ) مِنَ الزُّجَاجَاتِ فَاتَتْ خَاصِّيَّةُ الْمَعْجُونِ * فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُلِّ زُجَاجٍ مِقْدَارٌ مَخْصُوصٌ بِنَفْسِهَا بِلاَ حَكِيمٍ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَقَادِيرِ, ثُمَّ يَتَحَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْجُونُ بِنَفْسِهِ؛ أَمْكَنَ أَنْ تَدَّعِينَ: أَنَّ هَذَا الْبَدَنَ اِخْتَطَفْتَهَا مِنْ أَيْدِي الْأَسْبَابِ فَتَمَلَّكْتَهُ( ) * اَلْحَاصِلُ: تَوَهُّمُ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ حُمْقِكِ وَبَلاَهَتِكِ!. * اَلْحَقِيقَةُ الثَّانِيَةُ: اِعْلَمِي يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ! أَنَّ لَكِ دُنْيًا هِيَ قَصْرٌ( ) وَاسِعَةٌ مَبْنِيَّةٌ بِآمَالِكِ وَتَعَلُّقَاتِكِ وَاحْتِيَاجَاتِكِ إِلَى الْأَكْوَانِ * فَالْحَجَرُ الْأَسَاسُ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ( ), وَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ وَالْعَمُودُ الْفَرِيدُ هُوَ وُجُودُكِ وَحَيَاتُكِ( ) * مَعَ أَنَّ هَذَا الْعَمُودَ مُدَوَّدٌ, وَهَذَا التَّمَلَ (چُورُوكٌ)( ), وَالْأَسَاسَ فَاسِدٌ ضَعِيفٌ مُهَيَّأٌ( ) لِلْخَرَابِ فِي كُلِّ آنٍ * فَلَيْسَ هَذَا الْجِسْمُ بِأَبَدِيٍّ وَلاَ مِنْ حَدِيدٍ وَلاَ حَجَرٍ, بَلْ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ مُهَيَّأٍ لِأَنْ يَتَفَرَّقَ فِي كُلِّ آنٍ * فَبِانْحِلاَلِهِ تَنْغَلِقُ( ) عَنْكِ هَذِهِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَتَخْرُبُ( ) عَلَى رَأْسِكِ دُنْيَاكِ * فَانْظُرِي إِلَى الْمَاضِي! إِذْ هُوَ قَبْرٌ وَاسِعٌ خَرَبَتْ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مَيِّتٍ كَانَ مِثْلُكِ فِي دُنْيَاهُ * فَالْمُسْتَقْبَلُ أَيْضاً قَبْرٌ وَاسِعٌ تَكُونُ مِثْلَهُ * وَأَنْتِ( ) الْآَنُ بَيْنَ ضَغْطَةِ الْقَبْرَيْنِ؛ كَمَا أَنَّ أَمْسِ قَبْرُ أَبِي, وَغَدٍ( ) قَبْرِي, وَأَنَا أَيْضاً بَيْنَ ضَغْطَةِ الْقَبْرَيْنِ * فَالدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ؛ تَدَاخَلَتْ وَانْدَمَجَتْ فِيهَا لِكُلِّ أَحَدٍ دُنْياً بِتَمَامِهَا، فَهِيَ شَخْصِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ * مَنْ مَاتَ قَامَتْ قِيَامَتُهُ * اَلْحَقِيقَةُ الثَّالِثَةُ: قَدْ شَاهَدْتُ أَنَّ الدُّنْيَا بِجَمِيعِ لَذَائِذِهَا حَمْلٌ ثَقِيلٌ, وَقَيْدٌ لَا يَرْضَى بِهَا إِلاَّ الْمَرِيضُ الْفَاسِدُ الرُّوحِ * فَبَدَلاً مِنَ التَّعَلُّقَاتِ بِالْكَائِنَاتِ, وَالْاِحْتِيَاجَاتِ إِلَى كُلِّ الْأَسْبَابِ, وَالتَّمَلُّقِ لِكُلِّ الْوَسَائِطِ وَالتَّذَبْذُبِ بَيْنَ الْأَرْبَابِ الْمُتَشَاكِسِينَ الصُّمِّ الْعُمْيِ؛ لَا بُدَّ مِنَ الْاِلْتِجَاءِ إِلَى الرَّبِّ الْوَاحِدِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ, اَلَّذِي إِنْ تَوَكَّلْتَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَسْبُكَ( ) * اَلْحَقِيقَةُ الرَّابِعَةُ: اِعْلَمْ يَا أَنَا! إِنَّ مَا الْتَفَّتْ عَلَى رَأْسِكَ مِنْ سَلاَسِلِ الْإِيجَادِ الْعِلْمِيَّةِ, وَاتَّصَلَتْ بِأَنَانِيَّتِكَ مِنْ سُطُورِ الصَّنَائِعِ الشُّعُورِيَّةِ, وَمَا أَخَذْتَ بِأَيْدِي حَوَائِجِ ذَاتِكَ مِنْ وَسَائِلِ الْمَدَدِ وَالْإِجَابَةِ؛ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوجِدَكَ وَصَانِعَكَ وَمُغِيثَكَ يَسْمَعُ أَنِينَاتِ فَاقَاتِكَ فَيَتَحَنَّنُ لَهَا, وَنِدَاءَ حَاجَاتِكَ فَيَتَوَدَّدُ بِقَضَائِهَا، وَيَرَى أَشْكَالَ اِحْتِيَاجَاتِكَ وَآمَالِكَ فَيَتَعَرَّفُ بِتَعَهُّدِهَا * إِذْ ذَلِكَ( ) الصَّانِعُ وَالْمُوجِدُ يُغِيثُ وَيُلَبِّي نِدَاءَ حَاجَةِ حُجَيْرَاتِكَ الصَّغِيرَةِ بِالْمُشَاهَدَةِ؛ فَكَيْفَ لَا يُجِيبُ وَلَا يُغِيثُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لِدُعَائِكَ؟!. أَيَّتُهَا( ) الْحُجَيْرَةُ الْكُبْرَى الْمُعَبَّرَةُ بِـ >أَنَا<( ) الْمُرَكَّبَةُ مِنْ تِلْكَ الْحُجَيْرَاتِ! فَقُلْ: يَا إِلَهِي, يَا رَبِّي, يَا خَالِقِي, يَا مُصَوِّرِي, يَا مَالِكِي, يَا سَيِّدِي, يَا مَوْلَايَ لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ!.. أَنَا مُسَافِرٌ فِي وَدِيعَتِكَ وَأَمَانَتِكَ وَمَمْلُوكِكَ الَّذِي هُوَ هَذَا الْجِسْمُ بِمُشْتَمِلاَتِهِ * فَيَا أَنَا! لِمَ تَتَمَلَّكُ مَا لاَ يَصِيرُ لَكَ مِلْكاً؟ فَتَفَرَّغْ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ * إِذْ تَوَهُّمُ التَّمَلُّكِ يُوقِعُكَ فِي أَلَمٍ أَلِيمٍ * فَانْظُرْ إِلَى الشَّفَقَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُزَيَّنَاتِ الرُّوحِ وَمَرَاوِحِهِ؛ لَوْ بُنِيَتْ عَلَى تَوَهُّمِكَ هَذَا, لَاِنْقَلَبَتْ نَكَالاً مُزْعِجاً لِلرُّوحِ * مَثَلاً: إِذَا رَأَيْتَ يَتِيماً وَاحِداً ضَعِيفاً فَقِيراً لَهُ بَيْتٌ صَغِيرٌ وَمُلْكٌ قَلِيلٌ, يَتَهَاجَمُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ الْقَاسِيَةِ الْقُلُوبِ؛ كَيْفَ تَتَأَلَّمُ بِأَلَمِهِ؟. وَلَوْ تَزَايَدَ مِثْلُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ إِلَى مَا لاَ حَدَّ لَهُ, تَتَزَايَدُ الْآلاَمُ الْمُنْعَكِسَةُ إِلَيْكَ بِنِسْبَتِهِ * وَأَمَّا إِذَا رَأَيْتَ أَحَدَ نَفَرِ الْعَسْكَرِ لِلسُّلْطَانِ, قَدِ احْتَرَقَ مَسْكَنُهُ أَوْ غُصِبَ مَرْكَبُهُ (بِغَيْرِ قُصُورِكَ وَبِإِذْنِ السُّلْطَانِ) لاَ تَتَوَجَّعُ عَلَى النَّفَرِ * إِذِ الْمَالُ لِلسُّلْطَانِ الَّذِي لاَ يَتَأَثَّرُ بِمِثْلِ هَذَا النُّقْصَانِ, وَلاَ يَتَأَثَّرُ الْعَسْكَرُ بِضَيَاعِهِ تَأَثُّراً عَمِيقاً * إِذْ لَيْسَ هُوَ مِلْكُهُ وَهُوَ فَقِيرٌ, بَلْ مِلْكُ غَنِيٍّ خَرَّبَ مَالَهُ بِوَاسِطَةٍ أُخْرَى * بَلْ تَتَرَحَّمُ بِحِسَابِ السُّلْطَانِ وَبِنَظَرِ رَحْمَةِ السُّلْطَانِ * فَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَلْقُ اللهِ؛ كُلَّمَا تَزَايَدَتْ تَنْبَسِطُ الرُّوحُ * وَالشَّفَقَةُ النَّاشِئَةُ مِنَ الْغَفْلَةِ وَالْمَبْنِيَّةُ عَلَى تَوَهُّمِ الْمَالِكِيَّةِ؛ بِتَزَايُدِهَا يَنْقَبِضُ الرُّوحُ وَيَتَأَلَّمُ الْقَلْبُ بِظُلْمَةِ الْغُمُومِ * كَذَلِكَ: إِنَّ النَّظَرَ الْإِيمَانِيَّ وَالتَّوْحِيدِيَّ يَرَى كُلَّ ذِي حَيَاةٍ يَتَصَرَّفُ فِي وُجُودِهِ كَالْأَمِيرِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى السَّفِينَةِ لِلسُّلْطَانِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ * فَهَذَا النَّظَرُ لاَ يَرَى النَّمْلَةَ وَلاَ النَّحْلَةَ الصَّغِيرَةَ الْفَقِيرَةَ تُصَارِعُ الْأَسْبَابَ الظَّالِمَةَ الْمُهَاجِمَةَ( ), بَلْ يَرَى النَّمْلَةَ وَالنَّحْلَةَ تُصَرِّفَانِ فِي سَفِينَةٍ بَرِّيَّةٍ وَطَيَّارَةٍ هَوَائِيَّةٍ, زِمَامُهُمَا وَنَاصِيَتُهُمَا تَصِلُ بِيَدِ قُدْرَةِ قَدِيرٍ؛ تَتَصَاغَرُ الْأَسْبَابُ الْهَاجِمَةُ فِي نَظَرِ رَاكِبِهِمَا * إِنَّمَا النَّمْلَةُ وَكَذَا النَّحْلَةُ تُصَارِعُ الْأَسْبَابَ (وَلَوْ عَظُمَتْ) بِالْاِسْتِنَادِ بِمَالِكِهِ الْحَقِيقِيِّ * وَإِذَا قِيلَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: { ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ} فَمَعْنَاهُ: >اَلْمَالُ لَهُ وَأَنَا فِي أَمْرِهِ وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ، مَا عَلَيَّ لَوْ لَمْ أُقَصِّرْ فِي حِفْظِهِ< * مَثَلُهُ كَمَثَلِ نَفَرٍ هَجَمَ عَلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ بَعْضُ النَّاسِ, يَقُولُ النَّفَرُ( ): >أَنَا وَمَا مَعِيَ لِلسُّلْطَانِ وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ؛ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلاَ عَلَيَّ< * وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ بِنَظَرِ تَوَهُّمِ التَّمَلُّكِ اِنْقَلَبَتِ الشَّفَقَةُ نَاراً مُحْرِقَةً( ) لِمَنْ لَهُ قَلْبٌ؛ إِذْ يَصِيرُ كُلُّ الْحَيْوَانَاتِ مِثْلَ الْيَتِيمِ الْمَذْكُورِ, وَيَرَى فِي الْكَوْنِ مَأْتَماً عُمُومِيَّاً *

    • ** **

  اَلْبَابُ الثَّانِي في: >سُبْحَانَ اللهِ<( ) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَ اللهِ الْقَادِرِ الْمُطْلَقِ بِالْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ, وَالْغَنِيِّ الْمُطْلَقِ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ الْعَجْزِ وَالْاِحْتِيَاجِ * سُبْحَانَ اللهِ الْكَامِلِ الْمُطْلَقِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ, الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ الْقُصُورِ وَالنُّقْصَانِ * إِذْ كَمَالُ آثَارِهِ دَالٌّ عَلَى كَمَالِ أَفْعَالِهِ, وَهُوَ عَلَى كَمَالِ أَسْمَائِهِ, وَهُوَ عَلَى كَمَالِ أَوْصَافِهِ, وَهُوَ عَلَى كَمَالِ ذَاتِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ * بَلْ مَجْمُوعُ مَا فِي الْكَائِنَاتِ وَالْمَصْنُوعَاتِ مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ إِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِكَمَالِهِ وَجَمَالِهِ بِالْحَدْسِ الصَّادِقِ, وَبِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ * وَبِإِجْمَاعِ جَمَاعَةِ عِظَامٍ مُتَوَاتِرِينَ مُتَّفِقِينَ بِالْكَشْفِ وَالذَّوْقِ وَالشُّهُودِ وَالْمُشَاهَدَةِ: عَلَى ظِلِّيَّةِ كَمَالِ الْكَائِنَاتِ, بَلْ كُلِّ الأَكْوَانِ لِأَنْوَارِ وَاجِبِ الْوُجُودِ * سُبْحَانَ اللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ الشُّرَكَاءِ, لاَ شَرِيكَ لَهُ لاَ فِي مُلْكِهِ لِوَحْدَانِيَّةِ الْأَثَرِ( ) اَلدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَةِ الْمُؤَثِّرِ * وَلاَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ لِاِتِّحَادِ الْقَلَمِ * وَلاَ فِي أُلُوهِيَّتِهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْانْفِرَادِ وَالْاِسْتِقْلَالِ بِالذَّاتِ * سُبْحَانَ اللهِ الْقَدِيرِ الْأَزَلِيِّ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ الْمُعِينِ وَالْوُزَرَاءِ؛ لِاِمْتِنَاعِ التَّحْدِيدِ وَالْاِنْتِهَاءِ فِي الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ بِوَاسِطَةِ الْمُمْكِنِ الْمُتَنَاهِي * سُبْحَانَ اللهِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمُحْدَثَاتِ * سُبْحَانَ اللهِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنْ لَوَازِمِ مَاهِيَّاتِ الْمُمْكِنَاتِ * سُبْحَانَ اللهِ الَّذِي: { ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ}, اَلْمُتَقَدَِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَمَّا تَصِفُهُ الْعَقَائِدُ الْبَاطِلَةُ الْخَاطِئَةُ’* وَعَمَّا تَتَصَوَّرُهُ الْأَوْهَامُ الْبَاطِلَةُ الْقَاصِرَةُ, وَعَنْ كُلِّ النَّقَائِصِ’* إِذْ هِيَ إِمَّا مِنَ الْأَعْدَامِ أَوْ إِلَى الْأَعْدَامِ, فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى ذَيْلِ الْوُجُودِ الْوَاجِبِ؟ * سُبْحَانَ اللهِ السَّرْمَدِيِّ الْأَبَدِيِّ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ التَّغَيُّرِ وَالتَّبَدُّلِ اللَّازِمَيْنِ لِلْكَثْرَةِ وَالْإِمْكَانِ, وَالْمُنَافِيَيْنِ لِلْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ * سُبْحَانَ اللهِ خَالِقِ الْكَوْنِ وَالْمَكَانِ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ التَّحَيُّزِ وَالتَّجَزُّئِ الْمُنَافِيَيْنِ لِلْغِنَاءِ الذَّاتِيِّ * سُبْحَانَ اللهِ الْقَدِيمِ الْبَاقِي الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَنِ الْحُدُوثِ وَالزَّوَالِ’* سُبْحَانَ اللهِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُتَقَدِّسِ الْمُتَنَزِّهِ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَنَابِهِ مِنَ الْحُلُولِ وَالْاِتِّحَادِ مَا لِلتُّرَابِ، وَلِرَبِّ الْأَرْبَابِ * وَمِنَ الْحَصْرِ وَالتَّحْدِيدِ الْمُسْتَلْزِمَيْنِ لِلْمَحْكُومِيَّةِ * وَمِنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُوا الظَّالِمُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً * سُبْحَانَ اللهِ الَّذِي تُسَبِّحُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ, وَيُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ بِمَا عَلَى جِبَاهِهَا مِنْ نُقُوشِ قَلَمِ الْقَدَرِ *

    • ** **

  الْبَابُ الثَّالِثُ فِي >اَلْحَمْدُ للهِ<( ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحْمَدُ لَهُ وَتُثْنِي عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ صِفَاتِهِ الْكَمَالِيَّةِ هَذِهِ الْعَوَالِمُ بِجَمِيعِ أَلْسِنَتِهَا الْحَالِيَةِ وَالْقَالِيَةِ * إِذِ الْعَوَالِمُ بِأَنْوَاعِهَا وَأَرْكَانِهَا وَأَعْضَائِهَا وَأَجْزَائِهَا وَذَرَّاتِهَا وَأَثِيرِهَا, بِأَلْسِنَةِ حُدُوثِهَا وَإِمْكَانَاتِهَا وَاحْتِيَاجَاتِهَا وَافْتِقَارَاتِهَا وَحِكْمَتِهَا وَصَنْعَتِهَا وَنِظَامِهَا وَمُوَازَنَتِهَا وَإِتِّقَانِهَا وَكَمَالاَتِهَا وَعِبَادَاتِهَا وَتَسْبِيحَاتِهَا؛ أَلْسِنَاتٌ مُسَبِّحَاتٌ تَالِيَاتٌ لِأَوْصَافِ جَلاَلِهِ بِأَنَّهُ هُوَ اللهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْقَدِيمُ السَّرْمَدِيُّ الْأَبَدِيُّ, اَلْوَاحِدُ الْأَحَدُ, الْفَرْدُ الصَّمَدُ, الْعَزِيزُ الْجَبَّاُر الْمُتَكَبِّرُ الْقَهَّارُ * وَكَذَا حَامِدَاتٌ تَالِيَاتٌ لِأَوْصَافِ جَمَالِهِ قَائِلاَتٌ: بِأَنَّ خَالِقَنَا رَحْمَانٌ رَحِيمٌ, رَزَّاقٌ كَرِيمٌ, جَوَادٌ وَدُودٌ, فَيَّاضٌ لَطِيفٌ, مُحْسِنٌ جَمِيلٌ * وَكَذَا ذَاكِرَاتٌ تَالِيَاتٌ لِأَوْصَافِ كَمَالِهِ نَاطِقَاتٌ قَالاً وَحَالاً: بِأَنَّ خَالِقَنَا وَمَالِكَنَا حَيٌّ قَيُّومٌ, عَلِيمٌ حَكِيمٌ, قَدِيرٌ مُرِيدٌ, سَمِيعٌ بَصِيرٌ, مُتَكَلِّمٌ شَهِيدٌ * وَكَذَا أَلْسِنَاتٌ تَالِيَاتٌ لِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُتَجَلِّيَةِ فِي الْكَائِنَاتِ * ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحْمَدُهُ وَتُسَبِّحُ لَهُ وَتُثْنِي عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ صِفَاتِهِ الْكَمَالِيَّةِ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا * إِذْ هَذَا الْكِتَابُ الْكَبِيرُ ـ بِجَمِيعِ أَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَصُحُفِهِ وَسُطُورِهِ وَجُمَلِهِ وَحُرُوفِهِ؛ بِحِكْمَتِهَا وَصَنْعَتِهَا, بِصِفَاتِهَا وَنُقُوشِهَا ـ كُلٌّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِ ـ مَظَاهِرُ مُتَفَاوِتَةٌ وَمَرَايَا مُتَنَوِّعَةٌ لِتَجَلِّيَاتِ بَوَارِقِ أَوْصَافِ جَلاَلِهِ, وَأَضْوَاءِ أَوْصَافِ جَمَالِهِ, وَأَنْوَارِ أَوْصَافِ كَمَالِهِ, وَأَشِعَّاتِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى * اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْوُجُودِ الَّذِي هُوَ الْخَيْرُ الْمَحْضُ, وَعَلَى نِعْمَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ الْوُجُودِ, وَعَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ كَمَالُ الْحَيَاةِ بَلْ حَيَاةُ الْحَيَاةِ * اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نُورِ الْإِيمَانِ الْمُزِيلِ عَنَّا ظُلُمَاتِ الْجِهَاتِ السِّتَّةِ, وَالْمُنَوِّرِ لِلْجِهَاتِ الْآفَاقِيَّةِ وَالْأَنْفُسِيَّةِ, وَالنَّيِّرِ الَّذِي فِيهِ الْأَنْوَارُ السِّتَّةُ, وَمِنْهُ الْأَضْوَاءُ الثَّلاَثَةُ الْمُنْعَكِسَةُ مِنْ شَمْسِ مَعْرِفَةِ سُلْطَانِ الْأَزَلِ * اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ, إِذْ بِهِ يَخْلُصُ الرُّوحُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْأَعَدَامِ وَوَحْشَةِ الْأَكْوَانِ، وَمِنَ الْمَأْتَمِ الْعُمُومِيِّ, وَمِنْ... وَمِنْ... وَمِنْ.... وَمِنْ.... وَمِنْ ...... إِلَى مَا لاَ يُحَدُّ مِنَ الْأَهْوَالِ الْمُحْرِقَةِ لِلرُّوحِ * اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نُورِ الْإِيمَانِ الَّذِي أَرَانَا مَلْجَأً مُحْسِناً كَرِيماً وَدُوداً رَؤُوفاً رَحِيماً * إِذِ الْإِيمَانُ هُوَ الْمُنَوِّرُ لَنَا الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ, وَالْمُبَشِّرُ الْمُضِيءُ لَنَا السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ * وَهُوَ الْمُحْتَوِي عَلَى نُقْطَتَيِ الْاِسْتِنَادِ وَالْإِسْتِمْدَادِ * وَهُوَ الدَّافِعُ لِحِجَابِ الْمَأْتَمِ الْعُمُومِيِّ عَنْ وَجْهِ الرَّحْمَةِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى وَجْهِ الْكَائِنَاتِ * وَهُوَ الْمُزِيلُ لِلْآلاَمِ الْفِرَاقِيَّةِ عَنِ اللَّذَائِذِ الْمَشْرُوعَةِ بِإِرَاءَةِ دَوَرَانِ الْأَمْثَالِ, وَيُدِيمُ النِّعَمَ مَعْنًى بِإِرَاءَةِ شَجَرَةِ الْإِنْعَامِ * وَكَذَا يُبَدِّلُ نُورُ الْإِيمَانِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْكَائِنَاتِ أَعْدَاءً أَجَانِبَ أَمْوَاتاً مُوحِشِينَ, وَيُحَوِّلُهَا أَوِدَّاءَ إِخْوَاناً أَحْيَاءً مُؤْنِسِينَ * وَكَذَا يُصَوِّرُ ذَلِكَ النُّورُ كُلَّ الْكَائِنَاتِ وَمَجْمُوعَ الدَّارَيْنِ مَمْلُوءاً مِنَ الرَّحْمَةِ هَدِيَّةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ حَقَّاً بِلاَ مُزَاحِمٍ, يَسْتَفِيدُ مِنْ جَمِيعِهَا بِوَسَائِطِهَا وَحَوَاسِّهَا الْمُتَنَوِّعَةِ الْكَثِيرَةِ الْمَوْهُوبَةِ * فَحَقٌّ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: >اَلْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ مَصْنُوعَاتِهِ<، وَلاَزِمٌ لَهُ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَرْضَى بِمَنْ لَيْسَ كُلُّ الْكَائِنَاتِ فِي يَدِهِ يُهْدِيهَا لِمَنْ شَاءَ, رَبَّاً وَمَعْبُوداً وَمَحْبُوباً وَمَقْصُوداً * اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى رَحْمَتِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ الَّتِي هِيَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ * إِذْ بِهِ وَبِرِسَالَتِهِ اسْتَثْبَتَ وَاسْتَقَرَّ, وَمَا انْطَفَى تَحْتَ كَثَافَةِ الْفَلْسَفَةِ مَا فِي سَائِرِ الْأَدْيَانِ مِنْ أَنْوَارِ فِكْرِ الْأُلُوهِيَّةِ * وَكَذَا, بِرِسَالَتِهِ تَظَاهَرَ لِلْبَشَرِ مَرْضِيَّاتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَكَذَا, بِهِ اهْتَدَى الْبَشَرُ إِلَى الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ نُورُ الْكَوْنِ وَالْوُجُودِ * اَلْحَمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَرْضِيَّاتُ رَبِّ الْعَالَمِينَ’* إِذِ الْإِسْلاَمُ هُوَ الَّذِي أَرَانَا مَا يَرْضَى بِهِ وَيُرِيدُهُ وَيُحِبُّهُ رَبُّنَا وَرَبُّ الْعَالَمِينَ وَرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ * اَلْحَمْدُ للهِ عَلَى نُورِ الْإِيمَانِ الْمُسْتَضِيءِ بِضِيَاءِ >بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ< لاَ بُدَّ لِلْحَامِدِ أَنْ يَنْظُرَ مِنَ النِّعْمَةِ إِلَى الْإِنْعَامِ, لِيَرَى أَنَّ الْمُنْعِمَ أَبْصَرُ بِهِ وَأَقْرَبُ مِنْهُ إِلَيْهِ؛ يَتَعَرَّفُ بِالْإِنْعَامِ وَيَتَوَدَّدُ بِالْإِحْسَانِ وَيَتَحَبَّبُ بِالْإِكْرَامِ إِلَى الْإِنْسَانِ * فَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَكُونُ شَاكِراً إِذَا اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ التَّعَرُّفَ وَالتَّوَدُّدَ *

    • ** **

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي: >اَللهُ أَكْبَرُ< هَذَا الْبَابُ قِسْمَانِ: هَذَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ بِغَايَةِ الْإِجْمَالِ, وَالْقِسْمُ الثَّانِي فِيهِ إِيضَاحٌ تَامٌّ * بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ * إِذْ هُوَ الْقَدِيرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَةٍ لاَ نِهَايَةَ لَهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؛ تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ وَالْفَرْدُ وَالنَّوْعُ بِسِرِّ {ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ}’* نَعَمْ إِنَّ الذَّرَّةَ وَالْجُزْءَ وَالْفَرْدَ لَيْسَتْ بِأَقَلَّ جَزَالَةً مِنَ النَّجْمِ وَالنَّوْعِ وَالْكُلِّ * اَللهُ أَكْبَرُ! إِذْ هُوَ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمٍ لاَ نِهَايَةَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ, لاَزِمٍ ذَاتِيٍّ لِلذَّاتِ؛ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ شَيْءٌ بِسِرِّ الْحُضُورِ * وَمَا فِي الْكَائِنَاتِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَامَّةِ, وَالْعِنَايَةِ التَّامَّةِ, وَالشُّعُورِ الْمُحِيطِ, وَالْأَقْضِيَةِ الْمُنْتَظَمَةِ, وَالْأَقْدَارِ الْمُثْمِرَةِ, وَالْآجَالِ الْمُعَيَّنَةِ, وَالْأَرْزَاقِ الْمُقَنَّنَةِ, وَالرَّحَمَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ, وَالْإِتْقَانَاتِ الْمُفَنَّنَةِ, وَالْاِهْتِمَامِ الْمُزَيَّنِ؛ شَاهِدَاتٌ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ, بِسِرِّ {ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ} جَلَّ جَلاَلُهُ * اَللهُ أَكْبَرُ! إِذْ هُوَ الْمُرِيدُ لِكُلِّ شَيْءٍ * إِذْ تَرَدُّدُ الْكَائِنَاتِ بَيْنَ الْإِمْكَانَاتِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ, ثُمَّ تَنْظِيمُهَا بِهَذَا النِّظَامِ, وَمُوَازَنَتُهَا بِهَذَا الْمِيزَانِ, وَخَلْقُ الْمُخْتَلِفَاتِ الْمُنْتَظِمَةِ كَالشَّجَرِ بِأَوْرَاقِهَا وَأَزْهَارِهَا وَثَمَرَاتِهَا مَثَلاً مِنَ الْبَسِيطِ الْجَامِدِ؛ شَاهِدَاتٌ عَلَى عُمُومِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى, وَمُسْتَلْزِمَةٌ لِـ >مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ< جَلَّ جَلاَلُهُ * اَللهُ أَكْبَرْ! إِنْ قُلْتَ: لِمَهْ, وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الشَّمْسُ اَلْأَزَلِيُّ الَّذِي هَذِهِ الْكَائِنَاتُ ظِلاَلُ أَنْوَارِهِ, وَتَجَلِّيَاتُ أَسْمَائِهِ, وَآثَارُ أَفْعَالِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الشُّهُودِ * اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ! إِنْ قُلْتَ: لِمَهْ, وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ السُّلْطَانُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي هَذِهِ الْعَوَالِمُ بِتَمَامِهَا فِي تَصَرُّفِ قَبْضَتَيْ نِظَامِهِ وَمِيزَانِهِ * جَلَّ جَلاَلُهُ * اَللهُ أَكْبَرْ! إِنْ قُلْتَ: لِمَهْ, وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الْحَاكِمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي نَظَّمَ الْكَائِنَاتِ بِقَوَانِينِ سُنَّتِهِ, وَدَسَاتِيرِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ, وَنَوَامِيسِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ, وَجَلَوَاتِ عِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ, وَتَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ * وَمَا الْقَوَانِينُ وَالنَّوَامِيسُ إِلاَّ أَسْمَاءٌ لِتَجَلِّي مَجْمُوعِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ عَلَى الْأَنْوَاعِ * اَللهُ أَكْبَرْ! إِنْ قُلْتَ: لِمَهْ, وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الصَّانِعُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي هَذَا الْعَالَمُ الْكَبِيرُ إِبْدَاعُهُ وَإِنْشَاؤُهُ وَصَنْعَتُهُ, وَهَذَا الْعَالَمُ الصَّغِيرُ إِيجَادُهُ وَبِنَاؤُهُ وَصِبْغَتُهُ؛ وَعَلَى جَوَانِبِهِمَا بَلْ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِمَا سِكَّتُهُ * اَللهُ أَكْبَرْ! إِنْ قُلْتَ: لِمَهْ, وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ النَّقَّاشُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي هَذِهِ الْكَائِنَاتُ خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ, وَنُقُوشُ بَرْكَارِ حِكْمَتِهِ, وَثَمَرَاتُ فَيَّاضِ رَحْمَتِهِ, وَتَزْيِينَاتُ يَدِ بَيْضَاءِ عِنَايَتِهِ, وَأَزَاهِيرُ لَطَائِفِ كَرَمِهِ, وَلَمَعَاتُ تَجَلِّيَاتِ جَمَالِهِ * جَلَّ جَلاَلُهُ * تَنْبِيهٌ: أَحْكَامُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلاَثَةِ تَشَرَّبَتْ بَرَاهِينُهَا يُعْرَفُ بِالدِّقَّةِ، فِي قُيُودِهَا دَلاَئِلَ الْأَحْكَامِ * اَللهُ أَكْبَرْ! إِنْ قُلْتَ: مَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الْقَدِيرُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ مُعْجِزَاتُ قُدْرَتِهِ، تَشْهَدُ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتُ عَلَى أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لَمْ يَخْرُجْ وَلَنْ يَخْرُجَ عَنْ حُكْمِ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ, تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الذَّرَّاتُ وَالشُّمُوسُ * اَللهُ أَكْبَرْ! إِنْ قُلْتَ: مَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى, اَلَّذِي هَذِهِ الْأَجْرَامُ الْعُلْوِيَّةُ نَيِّرَاتُ بَرَاهِينِ أُلُوهِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ, وَشُعَاعَاتُ شَوَاهِدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعِزَّتِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ * اَللهُ أَكْبَرُ! إِنْ قُلْتَ: مَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ * إِذْ هُوَ الرَّزَّاقُ لِكُلِّ حَيٍّ * وَهُوَ الْمُنْعِمُ لِكُلِّ النِّعَمِ, وَهُوَ الرَّحْمَنُ فِي الدَّارَيْنِ * مِنْ عَظِيمِ رَحْمَتِهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ, وَالْجَنَّةُ * وَهُوَ الرَّبُّ لِكُلِّ شَيْءٍ, وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ, وَهُوَ الْمُرَبِّي لِكُلِّ شَيْءٍ * اَللهُ أَكْبَرُ! إِنْ قُلْتَ: مَنْ هُوَ؟ قِيلَ لَكَ: إِذْ هُوَ الْمُصَوِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ, وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ, وَهُوَ النَّظَّامُ لِهَذَا الْعَالَمِ * اَللهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ وَالْعُقُولُ, وَأَرْفَعُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ وَأَنْزَهُ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ الْعَجْزُ وَالْقُصُورُ * اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ * أَيْ مَا يَكُونُ لِأَجْلِهِ أَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَحْسَنُ وَأَوْلَى, وَمَا يَكُونُ بِهِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ! * تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الَّتِي تُتَكَرَّرُ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ, شَاهَدْتُ أَنَّهَا لَيْسَتْ تَكْرَاراً بَلْ تَأْسِيسٌ ـ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي الْأَبْوَابِ ـ * أَوْ تَأْكِيدٌ فِي تَأْسِيسِ مَعَانِيهَا مُتَسَانِدَةً لاَ مُتَّحِدَةً * مَثَلاً، رَمَيْتَ حَجَراً فِي وَسَطِ حَوْضٍ كَبِيرٍ, تَقُولُ لِلدَّائِرَةِ الْمُتَشَكِّلَةِ مِنْ وُقُوعِ الْحَجَرِ: >وَاسِعَةٌ, وَاسِعَةٌ, وَاسِعَةٌ< كُلَّمَا تَتَلَفَّظُ بِـ >وَاسِعَةٌ<، يَتَظَاهَرُ دَائِرَةٌ أَوْسَعُ * وَكَذَا تَأْكِيدٌ فِي الْمَعْنَى, تَأْسِيسٌ فِي الْمَقَاصِدِ وَالثَّمَرَاتِ * إِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ مَا قِيمَةُ الْمُمْكِنِ حَتَّى يُقَالَ: >اَلْوَاجِبُ أَكْبَرُ مِنْهُ؟< أَيْنَ الْخَالِقِينَ وَالرَّاحِمِينَ غَيْرُهُ تَعَالَى حَتَّى يُقَالَ: >أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ<؟ قِيلَ لَكَ: أَيْ مَا كَانَ مِنْهُ أَكْبَرُ وَأَعْلَى, وَمَا كَانَ لَهُ أَحْسَنُ وَأَوْلَى, وَمَا كَانَ بِهِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ؛ وَهُوَ فِي ذَاتِهِ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا يَتَصَوَّرُهُ الْعُقُولُ’* وَكَذَا: لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ فِي قُلُوبِكُمْ وَأَهَمَّ مِنْ كُلِّ مَقَاصِدِكُمْ وَمَطَالِبِكُمْ * وَكَذَا: أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَسْتُرَهَ وَيَحْجُبَهُ حِجَابُ الْكَائِنَاتِ * وَأَمَّا >أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ<, أَيْ هُوَ فِي ذَاتِهِ أَحْسَنُ مِنَ الْخَالِقِينَ الَّذِينَ فِي مَرَايَا الْعُقُولِ بِتَجَلِّي صِفَةِ الْخَالِقِيَّةِ فِيهَا, كَالشَّمْسِ فِي الْمَرَايَا’* يُقَالُ: اَلشَّمْسُ فِي ذَاتِهَا أَنْوَرُ مِنْ تَمَاثِيلِهَا الْمُنَوَّرِينَ فِي الْمَرَايَا’* وَكَذَا: أَحْسَنُ فِي مَرْتَبَةِ وُجُوبِهِ مِنَ الْخَالِقِينَ الْمَوْهُومِينَ فِي فَرْضِ الْأَوْهَامِ * وَأَيْضاً: نَظَرُنَا الْوَهْمِيُّ الظَّاهِرِيُّ لَمَّا يَرَى الْآثَارَ مِنَ الْأَسْبَابِ وَيَتَوَهَّمُ الْخَالِقِيَّةَ؛ أَيْ هُوَ أَحْسَنُ خَالِقاً بِلاَ حِجَابِ الْأَسْبَابِ * فَلاَ بُدَّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِالذَّاتِ, وَلاَ يُبَالِي بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرِيَّةِ * وَكَذَا: إِنَّ نِسْبَةَ الْمُفَاضَلَةِ تَنْظُرُ إِلَيْنَا وَإِلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِنَا, لاَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ * كَمَا يُقَالُ لِنَفَرٍ فِي وَظِيفَةٍ جُزْئِيَّةٍ: >اَلسُّلْطَانُ أَحْسَنُ وَأَعْظَمُ, أَيْ مَدْخَلُهُ فِي وَظِيفَتِكَ هَذِهِ أَزْيَدُ * فَلاَ بُدَّ أَنْ تُلاَحِظَهُ أَزْيَدَ مِنْ سَائِرِ أُمَرَائِكَ الظَّاهِرِيَّةِ< * اَللهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْأَفْكَارُ وَالْعُقُولُ * وَأَرْفَعُ وَأَنْزَهُ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ الْعَجْزُ وَالْقُصُورُ * وَهُوَ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ * جَلَّ جَلاَلُهُ! *

    • ** **

  اَلْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ الرَّابِعِ فِي مَرَاتِبِ اَللهُ أَكْبَرْ [الله اكبره دائر اوتوزاوچ مرتبه دن يدى مرتبه يى ذكر ايده جكز. او مرتبه لردن مهم برقسمى يكرمنجى مكتوبك ايكنجى مقامنده واوتوز ايكنجى سوزك ايكنجى موقفنك آخرنده واوچنجى موقفنك أوّلنده بيان ايديلمشدر. بو مرتبه لرك حقيقتنى آكلامق ايسته ينلر, اوايكى سوزه مراجعت ايتسينلر( )]. ـ المؤلف ـ [اَلْمَرْتَبَةُ اَلْأُوْلَى:] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً] لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ! جَلَّ جَلاَلُهُ اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وَعِلْماً * إِذْ هُوَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الَّذِي صَنَعَ الْإِنْسَانَ بِقُدْرَتِهِ كَالْكَائِنَاتِ, وَكَتَبَ الْكَائِنَاتِ بِقَلَمِ قَدَرِهِ كَمَا كَتَبَ الْإِنْسَانَ بِذَلِكَ الْقَلَمِ * إِذْ ذَاكَ الْعَالَمُ الْكَبِيرُ كَهَذَا الْعَالَمِ الصَّغِيرِ مَصْنُوعُ( ) قُدْرَتِهِ, مَكْتُوبُ قَدَرِهِ * إِبْدَاعُهُ لِذَاكَ صَيَّرَهُ مَسْجِداً, إِيجَادُهُ لِهَذَا صَيَّرَهُ سَاجِداً * إِنْشَاؤُهُ لِذَاكَ صَيَّرَ ذَاكَ مِلْكاً, بِنَاؤُهُ لِهَذَا صَيَّرَهُ مَمْلُوكاً * صَنْعَتُهُ فِي ذَاكَ تَظَاهَرَتْ كِتَاباً, صِبْغَتُهُ فِي هَذَا تَزَاهَرَتْ خِطَاباً * قُدْرَتُهُ فِي ذَاكَ تُظْهِرُ حَشْمَتَهُ, رَحْمَتُهُ فِي هَذَا تُنَظِّمُ نِعْمَتَهُ * حَشْمَتُهُ فِي ذَاكَ تَشْهَدُ هُوَ الْوَاحِدُ, نِعْمَتُهُ فِي هَذَا تُعْلِنُ هُوَ الْأَحَدُ * سِكَّتُهُ فِي ذَاكَ فِي الْكُلِّ وَالْأَجْزَاءِ سُكُوناً حَرْكَةً، خَاتَمُهُ فِي هَذَا فِي الْجِسْمِ وَالْأَعْضَاءِ حُجَيْرَةً ذَرَّةً * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِهِ الْمُتَّسِقَةِ كَيْفَ تَرَى كَالْفَلَقِ سَخَاوَةً مُطْلَقَةً, مَعَ انْتِظَامٍ مُطْلَقٍ فِي سُرْعَةٍ مُطْلَقَةٍ, مَعَ اتِّزَانٍ مُطْلَقٍ فِي سُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ, مَعَ إِتِّقَانٍ مُطْلَقٍ فِي وُسْعَةٍ مُطْلَقَةٍ, مَعَ حُسْنِ صُنْعٍ مُطْلَقٍ فِي بُعْدَةٍ مُطْلَقَةٍ, مَعَ اِتِّفَاقٍ مُطْلَقٍ فِي خِلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ, مَعَ اِمْتِيَازٍ مُطْلَقٍ فِي رُخْصَةٍ مُطْلَقَةٍ, مَعَ غُلُوٍّ مُطْلَقٍ * فَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْمَشْهُودَةُ شَاهِدَةٌ لِلْعَاقِلِ الْمُحَقِّقِ, مُجْبِرَةٌ لِلْأَحْمَقِ الْمُنَافِقِ: عَلَى قَبُولِ الصَّنْعَةِ وَالْوَحْدَةِ لِلْحَقِّ ذِي الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ, وَهُوَ الْعَلِيمُ الْمُطْلَقُ * وَفِي الْوَحْدَةِ سُهُولَةٌ مُطْلَقَةٌ, وَفِي الْكَثْرَةِ وَالشَّرِكَةِ صُعُوبَةٌ مُنْغَلِقَةٌ * إِنْ أُسْنِدَ كُلُّ الْأَشْيَاءِ لِلْوَاحِدِ؛ فَالْكَائِنَاتُ كَالنَّخْلَةِ, وَالنَّخْلَةُ كَالثَّمَرَةِ سُهُولَةً فِي الْاِبْتِدَاعِ * إِنْ أُسْنِدَ لِلْكَثْرَةِ؛ فَالنَّخْلَةُ كَالْكَائِنَاتِ, وَالثَّمَرَةُ كَالشَّجَرَاتِ صُعُوبَةً فِي الْاِمْتِنَاعِ * إِذِ الْوَاحِدُ بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ يُحَصِّلُ نَتِيجَةً وَوَضْعِيَّةً لِلْكَثِيرِ بِلاَ كُلْفَةٍ وَلاَ مُبَاشَرَةٍ لَوْ أُحِيلَتْ تِلْكَ الْوَضْعِيَّةُ وَالنَّتِيجَةُ إِلَى الْكَثْرَةِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا إِلاَّ بِتَكَلُّفَاتٍ وَمُبَاشَرَاتٍ وَمُشَاجَرَاتٍ؛ كَالْأَمِيرِ مَعَ النَّفَرَاتِ, وَالْبَانِي مَعَ الْحَجَرَاتِ, وَالْأَرْضِ مَعَ السَّيَّارَاتِ, وَالْفَوَّارَةِ مَعَ الْقَطَرَاتِ, وَنُقْطَةِ الْمَرْكَزِ مَعَ النُّقَطِ فِي الدَّائِرَةِ * بِسِرِّ أَنَّ فِي الْوَحْدَةِ يَقُومُ الْاِنْتِسَابُ مَقَامَ قُدْرَةٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ, وَلاَ يَضْطَرُّ السَّبَبُ لِحَمْلِ مَنَابِعِ قُوَّتِهِ، ويَتَعَاظَمُ الْأَثَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ * وَفِي الشَّرِكَةِ يَضْطَرُّ كُلُّ سَبَبٍ لِحَمْلِ مَنَابِعِ قُوَّتِهِ؛ فَيَتَصَاغَرُ الْأَثَرُ بِنِسْبَةِ جِرْمِهِ * وَمِنْ هُنَا غَلَبَتِ النَّمْلَةُ وَالذُّبَابَةُ عَلَى الْجَبَابِرَةِ, وَحَمَلَتِ النَّوَاةُ الصَّغِيرَةُ شَجَرَةً عَظِيمَةً * وَبِسِرِّ أَنَّ فِي إِسْنَادِ كُلِّ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْوَاحِدِ لاَ يَكُونُ الْإِيجَادُ مِنَ الْعَدَمِ الْمُطْلَقِ, بَلْ يَكُونُ الْإِيجَادُ عَيْنَ نَقْلِ الْمَوْجُودِ الْعِلْمِيِّ إِلَى الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ؛ كَنَقْلِ الصُّورَةِ الْمُتَمَثِّلَةِ فِي الْمِرْآةِ إِلَى الصَّحِيفَةِ الْفُطُوغْرَافِيَّةِ لِتَثْبِيتِ وُجُودٍ خَارِجِيٍّ لَهَا بِكَمَالِ السُّهُولَةِ * أَوْ إِظْهَارِ الْخَطِّ الْمَكْتُوبِ بِمِدَادٍ لاَ يُرَى بِوَاسِطَةِ مَادَّةٍ مُظْهِرَةٍ لِلْكِتَابَةِ الْمَسْتُورَةِ * وَفِي إِسْنَادِ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْأَسْبَابِ وَالْكَثْرَةِ يَلْزَمُ الْإِيجَادُ مِنَ الْعَدَمِ الْمُطْلَقِ * وَهُوَ ـ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَالاً ـ يَكُونُ أَصْعَبَ الْأَشْيَاءِ * فَالسُّهُولَةُ فِي الْوَحْدَةِ وَاصِلَةٌ إِلَى دَرَجَةِ الْوُجُوبِ * وَالصُّعُوبَةُ فِي الْكَثْرَةِ وَاصِلَةٌ إِلَى دَرَجَةِ الْاِمْتِنَاعِ * وَبِحِكْمَةِ أَنَّ فِي الْوَحْدَةِ يُمْكِنُ الْإِبْدَاعُ وَإِيجَادُ الْأَيْسِ مِنَ اللَّيْسِ, يَعْنِي إِبْدَاعَ الْمَوْجُودِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ بِلاَ مُدَّةٍ وَلاَ مَادَّةٍ, وَإِفْرَاغَ الذَّرَّاتِ فِي الْقَالَبِ الْعِلْمِيِّ بِلاَ كُلْفَةٍ وَلاَ خَلْطَةٍ * وَفِي الشَّرِكَةِ وَالْكَثْرَةِ لاَ يُمْكِنُ الْإِبْدَاعُ مِنَ الْعَدَمِ بِاتِّفَاقِ كُلِّ أَهْلِ الْعَقْلِ * فَلاَ بُدَّ لِوُجُودِ ذِي حَيَاةٍ جَمْعُ ذَرَّاتٍ مُنْتَشِرَةٍ فِي الْأَرْضِ وَالْعَنَاصِرِ, وَبِعَدَمِ الْقَالَبِ الْعِلْمِيِّ يَلْزَمُ لِمُحَافَظَةِ الذَّرَّاتِ فِي جِسْمِ ذِي الْحَيَاةِ وُجُودُ عِلْمٍ كُلِّيٍّ وَإِرَادَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ * وَمَعَ ذَلِكَ؛ أَنَّ الشُّرَكَاءَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْهَا, وَمُمْتَنِعَةٌ بِالذَّاتِ, وَتَحَكُّمِيَّةٌ مَحْضَةٌ * لاَ أَمَارَةَ عَلَيْهَا وَلاَ إِشَارَةَ إِلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ * إِذْ خِلْقَةُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةً كَامِلَةً غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ بِالضَّرُورَةِ؛ فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الشُّرَكَاءِ * وَإِلاَّ لَزِمَ تَحْدِيدُ وَانْتِهَاءُ قُدْرَةٍ كَامِلَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فِي وَقْتِ عَدَمِ التَّنَاهِي بِقُوَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ؛ مَعَ الضَّرُورَةِ فِي عَكْسِهِ, وَهُوَ مُحَالٌ فِي خَمْسَةِ أَوْجُهٍ * فَامْتُنِعَتِ الشُّرَكَاءُ مَعَ أَنَّ الشُّرَكَاءَ الْمُمْتَنِعَةَ بِتِلْكَ الْوُجُوهِ؛ لاَ إِشَارَةَ إِلَى وُجُودِهَا وَلاَ أَمَارَةَ عَلَى تَحَقُّقِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ * فَقَدِ اسْتَفْسَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَوْقِفِ الْأَوَّلِ مِنَ الرِّسَالَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنَ الذَّرَّاتِ إِلَى السَّيَّارَاتِ, وَفِي الْمَوْقِفِ الثَّانِي مِنَ السَّمَاوَاتِ إِلَى التَّشَخُّصَاتِ الْوَجْهِيَّةِ؛ فَأَعْطَتْ جَمِيعُهَا جَوَابَ رَدِّ الشِّرْكِ بِإِرَاءَةِ سِكَّةِ التَّوْحِيدِ * فَكَمَا لاَ شُرَكَاءَ لَهُ؛ كَذَلِكَ لاَ مُعِينَ وَلاَ وُزَرَاءَ لَهُ * وَمَا الْأَسْبَابُ إِلاَّ حِجَابٌ رَقِيقٌ عَلَى تَصَرُّفِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ؛ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ إِيجَادِيٌّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ * إِذْ أَشْرَفُ الْأَسْبَابِ وَأَوْسَعُهَا اِخْتِيَاراً هُوَ الْإِنْسَانُ؛ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ مِنْ أَظْهَرِ أَفْعَالِهِ الْاِخْتِيَارِيَّةِ (كَالْأَكْلِ وَالْكَلاَمِ وَالْفِكْرِ) مِنْ مِئَاتِ أَجْزَاءٍ إِلاَّ جُزْءٌ وَاحِدٌ مَشْكُوكٌ * فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ الْأَشْرَفُ وَالْأَوْسَعُ اِخْتِيَاراً مَغْلُولَ الْأَيْدِي عَنِ التَّصَرُّفِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا تَرَى؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَاتُ وَالْجَمَادَاتُ شَرِيكاً فِي الْإِيْجَادِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لِخَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ * فَكَمَا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الَّذِي وَضَعَ السُّلْطَانُ فِيهِ الْهَدِيَّةَ, أَوِ الْمِنْدِيلُ الَّذِي لَفَّ فِيهِ الْعَطِيَّةَ, أَوِ النَّفَرُ الَّذِي أَرْسَلَ عَلَى يَدِهِ النِّعْمَةَ إِلَيْكَ؛ شُرَكَاءَ لِلسُّلْطَانِ فِي سَلْطَنَتِهِ * كَذَلِكَ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى أَيْدِيهِمِ النِّعَمُ إِلَيْنَا, وَالظُّرُوفُ الَّتِي هِيَ صَنَادِيقُ لِلنِّعَمِ الْمُدَّخَرَةِ لَنَا, وَالْأَسْبَابُ الَّتِي الْتُفَّتْ عَلَى عَطَايَا إِلَهِيَّةٍ مُهْدَاةٍ إِلَيْنَا شُرَكَاءَ أَعْوَاناً أَوْ وَسَائِطَ مُؤَثِّرَةً * اَلْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: جَلَّ جَلاَلُهُ اللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وَعِلْماً * إِذْ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ الصَّانِعُ الْحَكِيمُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ, الَّذِي هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ الْأَرْضِيَّةُ وَالْأَجْرَامُ الْعُلْوِيَّةُ فِي بُسْتَانِ الْكَائِنَاتِ مُعْجِزَاتُ قُدْرَةِ خَلاَّقٍ عَلِيمٍ بِالْبَدَاهَةِ * وَهَذِهِ النَّبَاتَاتُ الْمُتَلَوِّنَةُ الْمُتَزَيِّنَةُ الْمَنْثُورَةُ, وَهَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ الْمُتَنَوِّعَةُ الْمُتَبَرِّجَةُ الْمَنْشُورَةُ فِي حَدِيقَةِ الْأَرْضِ؛ خَوَارِقُ صَنْعَةِ صَانِعٍ حَكِيمٍ بِالضَّرُورَةِ * وَهَذِهِ الْأَزْهَارُ الْمُتَبَسِّمَةُ وَالْأَثْمَارُ الْمُتَزَيِّنَةُ فِي جِنَانِ هَذِهِ الْحَدِيقَةِ هَدَايَا رَحْمَةِ رَحْمَانٍ رَحِيمٍ بِالْمُشَاهَدَةِ * تَشْهَدُ هَاتِيكَ, وَتُنَادِي تَاكَ, وَتُعْلِنُ هَذِهِ: بِأَنَّ خَلاَّقَ هَاتِيكَ وَمُصَوِّرَ تَاكَ, وَوَاهِبَ هَذِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * قَدْ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ, وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ, وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ, وَالْمُتَنَاهِي * وَغَيْرُ الْمُتَنَاهِي. وَكُلُّ الْوُقُوعَاتِ الْمَاضِيَةِ وَغَرَائِبُهَا مُعْجِزَاتُ صَنْعَةِ صَانِعٍ حَكِيمٍ؛ تَشْهَدُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الصَّانِعَ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ الْإِمْكَانَاتِ الْاِسْتِقْبَالِيَّةِ وَعَجَائِبِهَا * إِذْ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ وَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ حَدِيقَةَ أَرْضِهِ؛ مَشْهَرَ صَنْعَتِهِ؛ مَحْشَرَ فِطْرَتِهِ, مَظْهَرَ قُدْرَتِهِ, مَدَارَ حِكْمَتِهِ, مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ, مَزْرَعَ جَنَّتِهِ, مَمَرَّ الْمَخْلُوقَاتِ, مَسِيلَ الْمَوْجُودَاتِ, مَكِيلَ الْمَصْنُوعَاتِ * فَمُزَيَّنُ الْحَيَوَانَاتِ, مُنَقَّشُ الطُّيُورَاتِ, مُثَمَّرُ الشَّجَرَاتِ, مُزَهَّرُ النَّبَاتَاتِ؛ مُعْجِزَاتُ عِلْمِهِ, خَوَارِقُ صُنْعِهِ, هَدَايَا جُودِهِ, بَرَاهِينُ لُطْفِهِ * تَبَسُّمُ الْأَزْهَارِ مِنْ زِينَةِ الْأَثْمَارِ, تَسَجُّعُ الْأَطْيَارِ فِي نَسْمَةِ الْأَسْحَارِ, تَهَزُّجُ الْأَمْطَارِ عَلَى خُدُودِ الْأَزْهَارِ, تَرَحُّمُ الْوَالِدَاتِ عَلَى الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ؛ تَعَرُّفُ وَدُودٍ, تَوَدُّدُ رَحْمَنٍ, تَرَحُّمُ حَنَّانٍ, تَحَنُّنُ مَنَّانٍ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسَانِ, وَالرُّوحِ وَالْحَيَوَانِ, وَالْمَلَكِ وَالْجَانِّ * وَالْبُذُورُ وَالْأَثْمَارُ, وَالْحُبُوبُ وَالْأَزْهَارُ؛ مُعْجِزَاتُ الْحِكْمَةِ, خَوَارِقُ الصَّنْعَةِ, هَدَايَاءُ الرَّحْمَةِ, بَرَاهِينُ الْوَحْدَةِ, شَوَاهِدُ لُطْفِهِ فِي دَارِ الْآَخِرَةِ * شَوَاهِدُ صَادِقَةٌ بِأَنَّ خَلاَّقَهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * قَدْ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ, وَالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ, وَالصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ * فَالشَّمْسُ كَالْبَذْرَةِ, وَالنَّجْمُ كَالزَّهْرَةِ, وَالْأَرْضُ كَالْحَبَّةِ لاَ تَثْقُلُ عَلَيْهِ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ, وَالصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ * فَالْبُذُورُ وَالْأَثْمَارُ مَرَايَا الْوَحْدَةِ فِي أَقْطَارِ الْكَثْرَةِ, إِشَارَاتُ الْقَدَرِ, رُمُوزَاتُ الْقُدْرَةِ؛ بِأَنَّ تِلْكَ الْكَثْرَةَ مِنْ مَنْبَعِ الْوَحْدَةِ تَصْدُرُ شَاهِدَةً لِوَحْدَةِ الْفَاطِرِ فِي الصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ * ثُمَّ إِلَى الْوَحْدَةِ تَنْتَهِي ذَاكِرَةً لِحِكْمَةِ الصَّانِعِ فِي الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ * وَتَلْوِيحَاتُ الْحِكْمَةِ؛ بِأَنَّ خَالِقَ الْكُلِّ بِكُلِّيَّةِ النَّظَرِ إِلَى الْجُزْئِيِّ يَنْظُرُ, ثُمَّ إِلَى جُزْئِهِ * إِذْ إِنْ كَانَ ثَمَراً, فَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَظْهَرُ مِنْ خَلْقِ هَذَا الشَّجَرِ * فَالْبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ؛ فَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَظْهَرُ لِخَالِقِ الْمَوْجُودَاتِ * وَالْقَلْبُ كَالنُّوَاةِ, فَهُوَ الْمِرْآةُ الْأَنْوَرُ لِصَانِعِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ * فَالْإِنْسَانُ الْأَصْغَرُ فِي هَذِهِ الْكَائِنَاتِ هُوَ الْمَدَارُ الْأَظْهَرُ لِلنَّشْرِ وَالْمَحْشَرِ فِي هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ, وَالتَّخْرِيبِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْوِيلِ وَالتَّجْدِيدِ لِهَذِهِ الْكَائِنَاتِ * اَللهُ أَكْبَرْ يَا كَبِيرُ! أَنْتَ الَّذِي لاَ تَهْدِي الْعُقُولُ لِكُنْهِ عَظَمَتِهِ، كـْ >لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ( )< بَرَابَرْ مي زَنَنْدْ هَرْشَيْء, دَمَادَمْ جُوَيَدَ نْدْ يَا حَقّ, سَرَاسَرْ كُوَيَدَنْدْ يَا حَيّْ!.. اَلْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ( ): اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وَعِلْماً! إِذْ هُوَ الْقَدِيرُ الْمُقَدِّرُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الْمُصَوِّرُ الْكَرِيمُ اللَّطِيفُ الْمُزَيِّنُ الْمُنْعِمُ الْوَدُودُ الْمُتَعَرِّفُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْمُتَحَنِّنُ الْجَمِيلُ ذُو الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ؛ اَلنَّقَّاشُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي مَا حَقَائِقُ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ كُلاًّ وَأَجْزَاءً وَصَحَائِفَ وَطَبَقَاتٍ, وَمَا حَقَائِقُ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّيَّاً وَجُزْئِيَّاً وَوُجُوداً وَبَقَاءً؛ إِلاَّ خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِتَنْظِيمٍ وَتَقْدِيرٍ وَعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ * وَإِلاَّ نُقُوشُ پَرْكَارِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ بِصُنْعٍ وَتَصْوِيرٍ * وَإِلاَّ تَزْيِينَاتُ يَدِ بَيْضَاءِ صُنْعِهِ وَتَصْوِيرِهِ وَتَزْيِينِهِ وَتَنْوِيرِهِ بِلُطْفٍ وَكَرَمٍ * وَإِلاَّ أَزَاهِيرُ لَطَائِفِ لُطْفِهِ وَكَرَمِهِ وَتَعَرُّفِهِ وَتَوَدُّدِهِ بِرَحْمَةٍ وَنِعْمَةٍ * وَإِلاَّ ثَمَرَاتُ فَيَّاضِ عَيْنِ رَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ وَتَرَحُّمِهِ وَتَحَنُّنِهِ بِجَمَالٍ وَكَمَالٍ * وَإِلاَّ لَمَعَاتُ جَمَالٍ سَرْمَدِيٍّ وَكَمَالٍ دَيْمُومِيٍّ بِشَهَادَةِ تَفَانِيَةِ الْمَرَايَا وَسَيَّالِيَّةِ الْمَظَاهِرِ * مَعَ دَوَامِ تَجَلِّي الْجَمَالِ عَلَى مَرِّ الْفُصُولِ وَالْعُصُورِ وَالْأَدْوَارِ * وَمَعَ دَوَامِ الْإِنْعَامِ عَلَى مَرِّ الْأَنَامِ وَالْأَيَّامِ وَالْأَعْوَامِ * نَعَمْ: تَفَانِي الْمِرْآةِ, زَوَالُ الْمَوْجُودَاتِ؛ مَعَ التَّجَلِّي الدَّائِمِ, مَعَ الْفَيْضِ الْمُلاَزِمِ، مِنْ أَظْهَرِ الظَّوَاهِرِ, مِنْ أَبْهَرِ الْبَوَاهِرِ: إِنَّ الْجَمَالَ الظَّاهِرَ, إِنَّ الْكَمَالَ الزَّاهِرَ لَيْسَا مِلْكَ الْمَظَاهِرِ مِنْ أَفْصَحِ تِبْيَانٍ, مِنْ أَوْضَحِ بُرْهَانٍ لِلْجَمَالِ الْمُجَرَّدِ * لِلْإِحْسَانِ الْمُجَدَّدِ * لِلْوَاجِبِ الْوُجُودِ’* لِلْبَاقِي الْوَدُودِ * نَعَمْ: فَالْأَثَرُ الْمُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالْبَدَاهَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُكَمَّلِ * ثُمَّ الْفِعْلُ الْمُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى الْاسْمِ الْمُكَمَّلِ وَالْفَاعِلِ الْمُكَمَّلِ * ثُمَّ الْاسْمُ الْمُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلاَ رَيْبٍ عَلَى الْوَصْفِ الْمُكَمَّلِ * ثُمَّ الْوَصْفُ الْمُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلاَ شَكٍّ عَلَى الشَّأْنِ الْمُكَمَّلِ * ثُمَّ الشَّأْنُ الْمُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالْيَقِينِ عَلَى كَمَالِ الذَّاتِ بِمَا يَلِيقُ بِالذَّاتِ, وَهُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ * اَلْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: جَلَّ جَلاَلُهُ اللهُ أَكْبَرْ! إِذْ هُوَ الْعَدْلُ الْعَادِلُ, اَلْحَكَمُ الْحَاكِمُ الْحَكِيمُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي أَسَّسَ بُنْيَانَ شَجَرَةَ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ بِأُصُولِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ, وَفَصَّلَهَا بِدَسَاتِيرِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ, وَنَظَّمَهَا بِقَوَانِينِ عَادَتِهِ وَسُنَّتِهِ, وَزَيَّنَهَا بِنَوَامِيسِ عِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ, وَنَوَّرَهَا بِجَلَوَاتِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ بِشَهَادَاتِ اِنْتِظَامَاتِ مَصْنُوعَاتِهِ, وَتَزَيُّنَاتِ مَوْجُودَاتِهِ, وَتَشَابُهِهَا وَتَنَاسُبِهَا وَتَجَاوُبِهَا وَتَعَاوُنِهَا وَتعَانُقِهَا * وَإِتِّقَانُ الصَّنْعَةِ الشُّعُورِيَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مِقْدَارِ قَامَةِ قَابِلِيَّتِهِ الْمُقَدَّرَةِ بِتَقْدِيرِ الْقَدَرِ * فَالْحِكْمَةُ الْعَامَّةُ فِي تَنْظِيمَاتِهَا, وَالْعِنَايَةُ التَّامَّةُ فِي تَزْيِينَاتِهَا, وَالرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ فِي تَلْطِيفَاتِهَا, وَالْإِرْزَاقُ وَالْإِعَاشَةُ الشَّامِلَةُ فِي تَرْبِيَتِهَا, وَالْحَيَاةُ الْعَجِيبَةُ الصَّنْعَةِ بِمَظْهَرِيَّتِهَا لِلشُّؤُونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِهَا, وَالْمَحَاسِنُ الْقَصْدِيَّةُ فِي تَحْسِينَاتِهَا, وَدَوَامُ تَجَلِّي الْجَمَالِ الْمُنْعَكِسِ مَعَ زَوَالِهَا, وَالْعِشْقُ الصَّادِقُ فِي قَلْبِهَا لِمَعْبُودِهَا, وَالْانْجِذَابُ الظَّاهِرُ فِي جَذْبَتِهَا, وَاتِّفَاقُ كُلِّ كُمَّلِهَا عَلَى وَحْدَةِ فَاطِرِهَا, وَالتَّصَرُّفُ لِمَصَالِحَ فِي أَجْزَائِهَا, وَالتَّدْبِيرُ الْحَكِيمُ لِنَبَاتَاتِهَا, وَالتَّرْبِيَةُ الْكَرِيمَةُ لِحَيَوَانَاتِهَا, وَالْانْتِظَامُ الْمُكَمَّلُ فِي تَغَيُّرَاتِ أَرْكَانِهَا, وَالْغَايَاتُ الْجَسِيمَةُ فِي انْتِظَامِ كُلِّيَّتِهَا, وَالْحُدُوثُ دَفْعَةً مَعَ غَايَةِ كَمَالِ حُسْنِ صَنْعَتِهَا بِلاَ احْتِيَاجٍ إِلَى مُدَّةٍ وَمَادَّةٍ, وَالتَّشَخُّصَاتُ الْحَكِيمَةُ مَعَ عَدَمِ تَحْدِيدِ تَرَدُّدِ إِمْكَانَاتِهَا, وَقَضَاءُ حَاجَاتِهَا عَلَى غَايَةِ كَثْرَتِهَا, وَتَنَوُّعِهَا فِي أَوْقَاتِهَا اللَّائِقَةِ الْمُنَاسِبَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُ، مَعَ قَصْرِ أَيْدِيهَا مِنْ أَصْغَرِ مَطَالِبِهَا, وَالْقُوَّةُ الْمُطْلَقَةُ فِي مَعْدِنِ ضَعْفِهَا, وَالْقُدْرَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي مَنْبَعِ عَجْزِهَا, وَالْحَيَاةُ الظَّاهِرَةُ فِي جُمُودِهَا, وَالشُّعُورُ الْمُحِيطُ فِي جَهْلِهَا, وَالْإِنْتِظَامُ الْمُكَمَّلُ فِي تَغَيُّرَاتِهَا الْمُسْتَلْزِمُ لِوُجُودِ الْمُغَيِّرِ الْغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ, وَالْاِتِّفَاقُ فِي تَسْبِيحَاتِهَا كَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ, وَالْمَقْبُولِيَّةُ فِي دَعَوَاتِهَا >الثَّلَاثِ< بِلِسَانِ اِسْتِعْدَادِهَا وَبِلِسَانِ اِحْتِيَاجَاتِهَا الْفِطْرِيَّةِ وَبِلِسَانِ اِضْطِرَارِهَا, وَالْمُنَاجَاةُ وَالشُّهُودَاتُ وَالْفُيُوضَاتُ فِي عِبَادَاتِهَا, وَالْاِنْتِظَامُ فِي قَدَرَيْهَا, وَالْإطْمِئْنَانُ بِذِكْرِ فَاطِرِهَا, وَكَوْنُ الْعِبَادَةِ فِيهَا خَيْطَ الْوُصْلَةِ بَيْنَ مُنْتَهَاهَا وَمَبْدَئِهَا, وَسَبَبُ ظُهُورِ كَمَالِهَا وَلِتَحَقُّقِ مَقَاصِدِ صَانِعِهَا.. وَهَكَذَا، بِسَائِرِ شُؤُونَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا؛ شَاهِدَاتٌ بِأَنَّهَا كُلَّهَا بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ وَاحِدٍ * وَفِي تَرْبِيَةِ مُرَبٍّ كَرِيمٍ أَحَدٍ صَمَدٍ * وَكُلُّهَا خُدَّامُ سَيِّدٍ وَاحِدٍ وَتَحْتَ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ وَاحِدٍ * وَمَصْدَرَهُمْ قُدْرَةُ وَاحِدٍ الَّذِي تَظَاهَرَتْ وَتَكَاثَرَتْ خَوَاتِيمُ وَحْدَتِهِ عَلَى كُلِّ مَكْتُوبٍ مِنْ مَكْتُوبَاتِهِ فِي كُلِّ صَفْحَةٍ مِنْ صَفَحَاتِ مَوْجُودَاتِهِ * نَعَمْ: فَكُلُّ زَهْرَةٍ وَثَمَرٍ, وَكُلُّ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ, بَلْ كُلُّ حَيَوَانٍ وَحَجَرٍ, بَلْ كُلُّ ذَرٍّ وَمَدَرٍ فِي كُلِّ وَادٍ وَجَبَلٍ وَكُلِّ بَادٍ وَقَفَرٍ؛ خَاتَمٌ بَيِّنُ النَّقْشِ وَالْأَثَرِ, يُظْهِرُ لِدِقَّةِ النَّظَرِ: بِأَنَّ ذَا ذَاكَ الْأَثَرُ, هُوَ كَاتِبُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالْعِبَرِ * فَهُوَ كَاتِبُ ظَهْرِ الْبَرِّ وَبَطْنِ الْبَحْرِ * فَهُوَ نَقَّاشُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي صَحِيفَةِ السَّمَاوَاتِ ذَاتِ الْعِبَرِ جَلَّ جَلاَلُ نَقَّاشِهَا * اَللهُ أَكْبَرْ, كِـ >لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ< بَرَابَرْ مي زَنَدْ( ) عَالَمْ * اَلْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ( ): اَللهُ أَكْبَرُ! إِذْ هُوَ الْخَلاَّقُ الْقَدِيرُ الْمُصَوِّرُ الْبَصِيرُ, الَّذِي هَذِهِ الْأَجْرَامُ الْعُلْوِيَّةُ وَالْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ نَيِّرَاتُ بَرَاهِينِ أُلُوهِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ, وَشُعَاعَاتُ شَوَاهِدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعِزَّتِهِ؛ تَشْهَدُ وَتُنَادِي عَلَى شَعْشَعَةِ سَلْطَنَةِ رُبُوبِيَّتِهِ * وَتُنَادِي عَلَى وُسْعَةِ حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ * وَعَلَى حَشْمَةِ عَظَمَةِ قُدْرَتِهِ * فَاسْتَمِعْ إِلَى آيَةِ: {ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ} إلخ... ثُمَّ انْظُرْ إِلَى وَجْهِ السَّمَاءِ! كَيْفَ تَرَى سُكُوتاً فِي سُكُونَةٍ * حَرَكَةً فِي حِكْمَةٍ * تَلَأْلُؤًا فِي حَشْمَةٍ * تَبَسُّماً فِي زِينَةٍ * مَعَ انْتِظَامِ الْخِلْقَةِ, مَعَ اتِّزَانِ الصَّنْعَةِ * تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا لِتَبْدِيلِ الْمَوَاسِمِ * تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا لِتَنْوِيرِ الْمَعَالِمِ, تَلَئْلُأُ نُجُومِهَا لِتَزْيِينِ الْعَوَالِمِ؛ تُعْلِنُ لِأَهْلِ النُّهَى سَلْطَنَةً بِلاَ انْتِهَاءٍ لِتَدْبِيرِ هَذَا الْعَالَمِ * فَذَلِكَ الْخَلاَّقُ الْقَدِيرُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ, وَمُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ شَامِلَةٍ’* مَا شَاءَ اللهُ كَانَ * وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ, وَهُوَ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَةٍ مُطْلَقَةٍ مُحِيطَةٍ ذَاتِيَّةٍ * وَكَمَا لاَ يُمْكِنُ وَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ هَذِهِ الشَّمْسِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِلاَ ضِيَاءٍ وَلاَ حَرَارَةٍ؛ كَذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ وَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إِلَهٍ خَالِقٍ لِلسَّمَاوَاتِ بِلاَ عِلْمٍ مُحِيطٍ وَبِلاَ قُدْرَةٍ مُطْلَقَةٍ * فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمٍ مُحِيطٍ لَازِمٍ ذَاتِيٍّ لِلذَّاتِ * يَلْزَمُ تَعَلُّقُ ذَلِكَ الْعِلْمِ بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ شَيْءٌ؛ بِسِرِّ الْحُضُورِ وَالشُّهُودِ وَالنُّفُوذِ وَالْإِحَاطَةِ النُّورَانِيَّةِ * فَمَا يُشَاهَدُ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الْاِنْتِظَامَاتِ الْمَوْزُونَةِ, وَالْاِتِّزَانَاتِ الْمَنْظُومَةِ, وَالْحِكَمِ الْعَامَّةِ, وَالْعِنَايَاتِ التَّامَّةِ, وَالْأَقْدَارِ الْمُنْتَظِمَةِ, وَالْأَقْضِيَةِ الْمُثْمِرَةِ, وَالْآجَالِ الْمُعَيَّنَةِ, وَالْأَرْزَاقِ الْمُقَنَّنَةِ, وَالْإِتْقَانَاتِ الْمُفَنَّنَةِ, وَالْاِهْتِمَامَاتِ الْمُزَيَّنَةِ, وَغَايَةِ كَمَالِ الْاِمْتِيَازِ وَالْاِتِّزَانِ وَالْاِنْتِظَامِ وَالْإِتِّقَانِ وَالسُّهُولَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ شَاهِدَاتٌ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِ عَلاَّمِ الْغُيُوبِ بِكُلِّ شَيْءٍ * وَإِنَّ آيَةَ: {ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ} تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ فِي الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِهِ, وَنُورَ الْوُجُودِ فِي الْأَشْيَاءِ يَسْتَلْزِمُ نُورَ الْعِلْمِ فِيهَا * فَنِسْبَةُ دَلاَلَةِ حُسْنِ صَنْعَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى شُعُورِهِ إِلَى نِسْبَةِ دَلاَلَةِ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى عِلْمِ خَالِقِهِ؛ كَنِسْبَةِ لُمَيْعَةِ نُجَيْمَةِ الذُّبَيْبَةِ فِي اللَّيْلَةِ الدَّهْمَاءِ إِلَى شَعْشَعَةِ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى وَجْهِ الْغَبْرَاءِ * وَكَمَا أَنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ مُرِيدٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ * وَكَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ تُؤَثِّرُ، وَأَنَّ الْعِلْمَ يُمَيِّزُ؛ كَذَلِكَ أَنَّ الْإِرَادَةَ تُخَصِّصُ, ثُمَّ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ الْأَشْيَاءِ * فَالشَّوَاهِدُ عَلَى وُجُودِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى وَاخْتِيَارِهِ سُبْحَانَهُ بِعَدَدِ كَيْفِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ وَأَحْوَالِهَا وَشُؤُونِهَا * نَعَمْ: فَتَنْظِيمُ الْمَوْجُودَاتِ وَتَخْصِيصُهَا بِصِفَاتِهَا مِنْ بَيْنِ الْإِمْكَانَاتِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ, وَمِنْ بَيْنِ الطُّرُقِ الْعَقِيمَةِ, وَمِنْ بَيْنِ الْاِحْتِمَالاَتِ الْمُشَوَّشَةِ, وَتَحْتَ أَيْدِي السُّيُولِ الْمُتَشَاكِسَةِ بِهَذَا النِّظَامِ الْأَدَقِّ الْأَرَقِّ, وَتَوْزِينُهَا بِهَذَا الْمِيزَانِ الْحَسَّاسِ الْجَسَّاسِ الْمَشْهُودَيْنِ, وَأَنَّ خَلْقَ الْمَوْجُودَاتِ الْمُخْتَلِفَاتِ الْمُنْتَظَمَاتِ الْحَيَوِيَّةِ مِنَ الْبَسَائِطِ الْجَامِدَةِ كَالْإِنْسَانِ بِجِهَازَاتِهِ مِنَ النُّطْفَةِ, وَالطَّيْرِ بِجَوَارِحِهِ مِنَ الْبَيْضَةِ, وَالشَّجَرِ بِأَعْضَائِهِ الْمُتَنَوِّعَةِ مِنَ النُّوَاةِ؛ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَخَصُّصَ كُلِّ شَيْءٍ وَتَعَيُّنَهُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ * فَكَمَا أَنَّ تَوَافُقَ الْأَشْيَاءِ مِنْ جِنْسٍ, وَالْأَفْرَادِ مِنْ نَوْعٍ فِي أَسَاسَاتِ الْأَعْضَاءِ؛ يَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّ صَانِعَهَا وَاحِدٌ أَحَدٌ * كَذَلِكَ أَنَّ تَمَايُزَهَا فِي التَّشَخُّصَاتِ الْحَكِيمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى عَلاَمَاتٍ فَارِقَةٍ مُنْتَظَمَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الصَّانِعَ الْوَاحِدَ الْأَحَدَ هُوَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ مُرِيدٌ, يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ جَلَّ جَلاَلُهُ * وَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ الْخَلاَّقَ الْعَلِيمَ الْمُرِيدَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ, وَمُرِيدٌ لِكُلِّ شَيْءٍ, لَهُ عِلْمٌ مُحِيطٌ وَإِرَادَةٌ شَامِلَةٌ وَاخْتِيَارٌ تَامٌّ؛ كَذَلِكَ لَهُ قُدْرَةٌ كَامِلَةٌ ضَرُورِيَّةٌ ذَاتِيَّةٌ نَاشِئَةٌ مِنَ الذَّاتِ وَلاَزِمَةٌ لِلذَّاتِ * فَمُحَالٌ تَدَاخُلُ ضِدِّهَا, وَإِلاَّ لَزِمَ جَمْعُ الضِّدَّيْنِ الْمُحَالِ بِالْاِتِّفَاقِ * فَلاَ مَرَاتِبَ فِي تِلْكَ الْقُدْرَةِ؛ فَتَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ, وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ, وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ, وَالْجُزْئِيُّ وَالْكُلِّيُّ, وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ, وَالْإِنْسَانُ وَالْعَالَمُ, وَالنُّوَاةُ وَالشَّجَرُ * بِسِرِّ النُّورَانِيَّةِ وَالشَّفَّافِيَّةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَازَنَةِ وَالْاِنْتِظَامِ وَالْاِمْتِثَالِ؛ بِشَهَادَةِ الْاِنْتِظَامِ الْمُطْلَقِ وَالْإتِّزَانِ الْمُطْلَقِ, وَالْاِمْتِيَازِ الْمُطْلَقِ فِي السُّرْعَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالْكَثْرَةِ الْمُطْلَقَاتِ * بِسِرِّ إِمْدَادِ الْوَاحِدِيَّةِ, وَيُسْرِ الْوَحْدَةِ, وَتَجَلِّي الْأَحَدِيَّةِ؛ بِحِكْمَةِ الْوُجُوبِ وَالتَّجَرُّدِ وَمُبَايَنَةِ الْمَاهِيَّةِ بِسِرِّ عَدَمِ التَّقَيُّدِ وَعَدَمِ التَّحَيُّزِ وَعَدَمِ التَّجَزُّءِ * بِحِكْمَةِ اِنْقِلاَبِ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ إِلَى الْوَسَائِلِ فِي التَّسْهِيلِ إِنْ اُحْتِيجَ إِلَيْهِ * وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا اِحْتِيَاجَ كَأَعْصَابِ الْإِنْسَانِ وَالْخُطُوطِ الْحَدِيدِيَّةِ لِنَقْلِ السَّيَّالاَتِ اللَّطِيفَةِ * بِحِكْمَةِ أَنَّ الذَّرَّةَ وَالْجُزْءَ وَالْجُزْئِيَّ وَالْقَلِيلَ وَالصَّغِيرَ وَالْإِنْسَانَ وَالنُّوَاةَ لَيْسَتْ بِأَقَلَّ جَزَالَةً مِنَ النَّجْمِ وَالنَّوْعِ وَالْكُلِّ وَالْكُلِّيِّ وَالْكَثِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْعَالَمِ وَالشَّجَرِ * فَمَنْ خَلَقَ هَؤُلاَءِ, لاَ يُسْتَبْعَدُ مِنْهُ خَلْقُ هَذِهِ * إِذِ الْمُحَاطَاتُ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَكْتُوبَةِ الْمُصَغَّرَةِ, أَوْ كَالنُّقَطِ الْمَحْلُوبَةِ الْمُعَصَّرَةِ * فَلاَ بُدَّ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيطُ فِي قَبْضَةِ تَصَرُّفِ خَالِقِ الْمُحَاطِ؛ لِيُدْرِجَ مِثَالَ الْمُحِيطِ فِي الْمُحَاطَاتِ بِدَسَاتِيرِ عِلْمِهِ * وَأَنْ يَعْصِرَهَا مِنْهُ بِمَوَازِينِ حِكْمَتِهِ * فَالْقُدْرَةُ الَّتِي أَبْرَزَتْ هَاتِيكَ الْجُزْئِيَّاتِ, لاَ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهَا إِبْرَازُ تَاكَ الْكُلِّيَّاتِ * فَكَمَا أَنَّ نُسْخَةَ قُرْآنِ الْحِكْمَةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ بِذَرَّاتِ الْأَثِيرِ, لَيْسَتْ بِأَقَلَّ جَزَالَةً مِنْ نُسْخَةِ قُرْآنِ الْعَظَمَةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى صَحَائِفِ السَّمَاوَاتِ بِمِدَادِ النُّجُومِ وَالشُّمُوسِ؛ كَذَلِكَ لَيْسَتْ خِلْقَةُ نَحْلَةٍ وَنَمْلَةٍ بِأَقَلَّ جَزَالَةً مِنْ خِلْقَةِ النَّخْلَةِ وَالْفِيلِ * وَلاَ صَنْعَةُ وَرْدِ الزَّهْرَةِ بِأَقَلَّ جَزَالَةً مِنْ صَنْعَةِ دُرِّيِّ نَجْمِ الزُّهْرَةِ, وَهَكَذَا فَقِسْ! * فَكَمَا أَنَّ غَايَةَ كَمَالِ السُّهُولَةِ فِي إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ أَوْقَعَتْ أَهْلَ الضَّلاَلَةِ فِي اِلْتِبَاسِ التَّشْكِيلِ بِالتَّشَكُّلِ, اَلْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُحَالاَتِ الْخُرَافِيَّةِ الَّتِي تَمُجُّهَا الْعُقُولُ, بَلْ تَتَنَفَّرُ عَنْهَا الْأَوْهَامُ * كَذَلِكَ، أَثْبَتَتْ بِالْقَطْعِ وَالضَّرُورَةِ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ تَسَاوِيَ السَّيَّارَاتِ مَعَ الذَّرَّاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ خَالِقِ الْكَائِنَاتِ * جَلَّ جَلاَلُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ *!.. اَلْمَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ: جَلَّ جَلاَلُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ, اَللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وَعِلْماً * إِذْ هُوَ الْعَادِلُ الْحَكِيمُ الْقَادِرُ الْعَلِيمُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ السُّلْطَانُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي هَذِهِ الْعَوَالِمُ كُلُّهَا فِي تَصَرُّفِ قَبْضَتَيْ نِظَامِهِ وَمِيزَانِهِ وَتَنْظِيمِهِ وَتَوْزِينِهِ, وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ * وَمَظْهَرِ سِرِّ وَاحِدِيَّتِهِ وَأَحَدِيَّتِهِ بِالْحَدْسِ الشُّهُودِيِّ, بَلْ بِالْمُشَاهَدَةِ * إِذْ لاَ خَارِجَ فِي الْكَوْنِ مِنْ دَائِرَةِ النِّظَامِ وَالْمِيزَانِ وَالتَّنْظِيمِ والتَّوْزِينِ؛ وَهُمَا بَابَانِ مِنَ >الْإِمَامِ الْمُبِينِ< وَ>الْكِتَابِ الْمُبِينِ< * وَهُمَا عُنْوَانَانِ لِعِلْمِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ وَأَمْرِهِ, وَقُدْرَةِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ وَإِرَادَتِهِ * فَذَلِكَ النِّظَامُ مَعَ ذَلِكَ الْمِيزَانِ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مَعَ ذَلِكَ الْإِمَامِ؛ بُرْهَانَانِ نَيِّرَانِ لِمَنْ لَهُ فِي رَأْسِهِ إِذْعَانٌ, فِي وَجْهِهِ الْعَيْنَانِ: أَنْ لاَ شَيْءَ مِنَ الْأَشْيَاءِ( ) فِي الْكَوْنِ وَالزَّمَانِ يَخْرُجُ مِنْ قَبْضَةِ تَصَرُّفِ رَحْمَنٍ, وَتَنْظِيمِ حَنَّانٍ, وَتَزْيِينِ مَنَّانٍ, وَتَوْزِينِ دَيَّانٍ * اَلْحَاصِلُ: أَنَّ تَجَلِّي الْاسْمِ الْأَوَّلِ وَالْآَخِرِ فِي الْخَلاَّقِيَّةِ النَّاظِرَيْنِ إِلَى الْمَبْدَأِ وَالْمُنْتَهَى وَالْأَصْلِ وَالنَّسْلِ وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ وَالْأَمْرِ وَالْعِلْمِ مُشِيرَانِ إِلَى >الْإِمَامِ الْمُبِينِ< * وَتَجَلِّي الْاِسْمِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى الْأَشْيَاءِ فِي ضِمْنِ الْخَلاَّقِيَّةِ يُشِيرَانِ إِلَى >الْكِتَابِ الْمُبِينِ< * فَالْكَائِنَاتُ كَشَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ, وَكُلُّ عَالَمٍ مِنْهَا أَيْضاً كَالشَّجَرَةِ * فَنُمَثِّلُ شَجَرَةً جُزْئِيَّةً لِخِلْقَةِ الْكَائِنَاتِ وَأَنْوَاعِهَا وَعَوَالِمِهَا * وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَهَا أَصْلٌ وَمَبْدَأٌ؛ وَهُوَ النَّوَاةُ الَّتِي تَنْبُتُ عَلَيْهَا * وَكَذَا نَسْلٌ, يُدِيمُ وَظِيفَتَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا؛ وَهُوَ النَّوَاةُ فِي ثَمَرَاتِهَا * فَالْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى مَظْهَرَانِ لِتَجَلِّي الْإسْمِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ * فَكَأَنَّ الْمَبْدَأَ وَالنَّوَاةَ الْأَصْلِيَّةَ بِالْاِنْتِظَامِ وَالْحِكْمَةِ فِهْرِسْتَةٌ وَتَعْرِفَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ دَسَاتِيرَ تُشَكُّلِ الشَّجَرَةَ؛ وَالنَّوَاتَاتِ فِي ثَمَرَاتِهَا الَّتِي فِي نِهَايَاتِهَا، مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الْاِسْمِ الْآخِرِ * فَتِلْكَ النَّوَاتَاتُ فِي الثَّمَرَاتِ بِكَمَالِ الْحِكْمَةِ كَأَنَّهَا صُنَيْدِقَاتٌ صَغِيرَةٌ أُودِعَتْ فِيهَا فِهْرِسْتَةٌ وَتَعْرِفَةٌ لِتشَكُّلِ مَا يُشَابِهُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ, وَكَأَنَّهَا كُتِبَ فِيهَا بِقَلَمِ الْقَدَرِ دَسَاتِيرُ تَشَكُّلِ شَجَرَاتٍ آتِيَةً * وَظَاهِرُ الشَّجَرَةِ مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الْاِسْمِ الظَّاهِرِ؛ فَظَاهِرُهَا بِكَمَالِ الْاِنْتِظَامِ وَالتَّزْيِينِ وَالْحِكْمَةِ كَأَنَّهَا حُلَّةٌ مُنْتَظِمَةٌ مُزَيَّنَةٌ مُرَصَّعَةٌ قَدْ قُدَّتْ عَلَى مِقْدَارِ قَامَتِهَا بِكَمَالِ الْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ * وَبَاطِنُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الْاِسْمِ الْبَاطِنِ؛ فَبِكَمَالِ الْاِنْتِظَامِ وَالتَّدْبِيرِ الْمُحَيِّرِ لِلْعُقُولِ, وَتَوْزِيعِ مَوَادِّ الْحَيَاةِ إِلَى الْأَعْضَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ بِكَمَالِ الْاِنْتِظَامِ؛ كَأَنَّ بَاطِنَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مَاكِينَةٌ خَارِقَةٌ فِي غَايَةِ الْاِنْتِظَامِ وَالْاِتِّزَانِ * فَكَمَا أَنَّ أَوَّلَهَا تَعْرِفَةٌ عَجِيبَةٌ وَآخِرَهَا فِهْرِسْتَةٌ خَارِقَةٌ يُشِيرَانِ إِلَى >الْإِمَامِ الْمُبِينِ< * كَذَلِكَ, إِنَّ ظَاهِرَهَا كَحُلَّةٍ عَجِيبَةِ الصَّنْعَةِ, وَبَاطِنَهَا كَمَاكِينَةٍ فِي غَايَةِ الْاِنْتِظَامِ؛ تُشِيرَانِ إِلَى >الْكِتَابِ الْمُبِينِ< * فَكَمَا أَنَّ الْقُوَّاتِ الْحَافِظَاتِ فِي الْإِنْسَانِ تُشِيرُ إِلَى >اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ< وَتَدُلُّ عَلَيْهِ؛ كَذَلِكَ إِنَّ النَّوَاتَاتِ الْأَصْلِيَّةَ وَالثَّمَرَاتِ تُشِيرَانِ فِي كُلِّ شَجَرَةٍ إِلَى >الْإِمَامِ الْمُبِينِ< * وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ( ) يَرْمُزَانِ إِلَى >الْكِتَابِ الْمُبِينِ< * فَقِسْ عَلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْجُزْئِيَّةِ شَجَرَةَ الْأَرْضِ بِمَاضِيهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا, وَشَجَرَةَ الْكَائِنَاتِ بِأَوَائِلِهَا وَآتِيهَا, وَشَجَرَةَ الْإِنْسَانِ بِأَجْدَادِهَا وَأَنْسَالِهَا وَهَكَذَا! * جَلَّ جَلَالُ خَالِقِهَا وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ * يَا كَبِيرُ أَنْتَ الَّذِي لاَ تَهْدِي الْعُقُولُ لِوَصْفِ عَظَمَتِهِ، وَلاَ تَصِلُ الْأَفْكَارُ إِلَى كُنْهِ جَبَرُوتِهِ * [اَلْمَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ]: جَلَّ جَلاَلُهُ اللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وَعِلْماً’* إِذْ هُوَ الْخَلاَّقُ الْفَتَّاحُ( ) الْفَعَّالُ الْعَلاَّمُ الْوَهَّابُ الْفَيَّاضُ, شَمْسُ الْأَزَلِ الَّذِي هَذِهِ الْكَائِنَاتُ بِأَنْوَاعِهَا وَمَوْجُودَاتِهَا ظِلاَلُ أَنْوَارِهِ * وَآثَارُ أَفْعَالِهِ * وَأَلْوَانُ نُقُوشِ أَنْوَاعِ تَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِهِ * وَخُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ * وَمَرَايَا تَجَلِّيَاتِ صِفَاتِهِ وَجَمَالِهِ وَجَلاَلِهِ وَكَمَالِهِ؛ بِإِجْمَاعِ الشَّاهِدِ الْأَزَلِيِّ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ وَآيَاتِهِ التَّكْوِينِيَّةِ وَالْقُرْآنِيَّةِ * وَبِإِجْمَاعِ الْأَرْضِ مَعَ الْعَالَمِ بِافْتِقَارَاتِهَا وَاحْتِيَاجَاتِهَا فِي ذَاتِهَا وَذَرَّاتِهَا, مَعَ تَظَاهُرِ الْغِنَاءِ الْمُطْلَقِ وَالثَّرْوَةِ الْمُطْلَقَةِ عَلَيْهَا * وَبِإِجْمَاعِ كُلِّ أَهْلِ الشُّهُودِ مِنْ ذَوِي الْأَرْوَاحِ النَّيِّرَةِ, وَالْقُلُوبِ الْمُنَوَّرَةِ, وَالْعُقُولِ النُّورَانِيَّةِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ؛ بِجَمِيعِ تَحْقِيقَاتِهِمْ وَكُشُوفَاتِهِمْ وَفُيُوضَاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ * قَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ مِنْهُمْ وَمِنَ الْأَرْضِ وَالْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ بِمَا لاَ يُحَدُّ مِنْ شَهَادَاتِهِمُ الْقَطْعِيَّةِ وَتَصْدِيقَاتِهِمُ الْيَقِينِيَّةِ بِقَبُولِ شَهَادَاتِ الْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ وَالْقُرْآنِيَّةِ، وَشَهَادَاتِ الصُّحُفِ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي هِيَ شَهَادَةٌ معَ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ: عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ آثَارُ قُدْرَتِهِ * وَمَكْتُوبَاتُ قَدَرِهِ * وَمَرَايَا أَسْمَائِهِ * وَتَمَثُّلاَتُ أَنْوَارِهِ * جَلَّ جَلاَلُهُ وَلاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ *

خَاتِمَةٌ >فِي مَسَائِلَ مَشْهُودَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ< اَلْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اِعْلَمْ أَنِّي أَقُولُ مَا دُمْتُ حَيَّاً كَمَا قَالَ مَوْلاَنَا جَلاَلُ الدِّينِ الرُّومِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَنْ بَنْدَهءِ قُرْآنَمْ اَكَرْجَانْ دَارَمْ * مَنْ خَاكِ رَهِ مُحَمَّدِ مُخْتَارَمْ لِأَنِّي أَرَى الْقُرْآنَ مَنْبَعَ كُلِّ الْفُيُوضِ * وَمَا فِي آثَارِي مِنْ مَحَاسِنِ الْحَقَائِقِ مَا هُوَ إِلاَّ مِنْ فَيْضِ الْقُرْآنِ * فَلِهَذَا لَا يَرْضَى قَلْبِي أَنْ يَخْلُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِي مِنْ ذِكْرِ نَبْذٍ مِنْ مَزَايَا إِعْجَازِ الْقُرْآنِ * وَلَقَدْ ذَكَرْتُ فِي >لَمَعَاتٍ< أَنْوَاعَ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ الْبَالِغَةِ إِلَى نَيْفٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعاً, أَذْكُرُ هُنَا تَبَرُّكاً مَسْأَلَةٌ فَقَطْ * هِيَ هَذَا: اُنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ, وَلِمَنْ قَالَ, وَلِمَا قَالَ, وَفِيمَا قَالَ * نَعَمْ: إِنَّ مَنَابِعَ عُلُوِّ طَبَقَةِ الْكَلاَمِ وَقُوَّتِهِ وَحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ أَرْبَعَةٌُ: اَلْمُتَكَلِّمُ, وَالْمُخَاطَبُ, وَالْمَقْصِدُ, وَالْمَقَامُ * لاَ الْمَقَامُ فَقَطْ كَمَا ضَلَّ فِيهِ الْأُدَبَاءُ * وَكَذَا, إِنَّ الْكَلاَمَ لَفْظَهُ لَيْسَ جَسَداً, بَلْ لِبَاسٌ لَهُ * وَمَعْنَاهُ لَيْسَ رُوحاً, بَلْ بَدَنٌ لَهُ * وَمَا حَيَاتُهُ إِلاَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ وَحِسِّهِ’* وَمَا رُوحُهُ إِلاَّ مَعْنًى مَنْفُوخًا مِنْ طَرَفِ الْمُتَكَلِّمِ * فَالْكَلاَمُ إِنْ كَانَ أَمْراً أَوْ نَهْياً؛ فَقَدْ يَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ بِحَسَبِ دَرَجَةِ الْمُتَكَلِّمِ, فَتَتَضَاعَفُ عُلْوِيَّةُ الْكَلَامِ وَقُوَّتُهُ * نَعَمْ: أَيْنَ صُورَةُ أَمْرٍ فُضُولِيٍّ نَاشِئٍ مِنْ أَمَانِيِّ التَّمَنِّي غَيْرُ مَسْمُوعٍ؟ وَأَيْنَ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ النَّافِذُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ؟! فَانْظُرْ أَيْنَ: {ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ}؟ وَأَيْنَ خِطَابُ الْبَشَرِ لِلْجَمَادَاتِ كَهَذَيَانَاتِ الْمُبَرْسِمِينَ: (اُسْكُنِي يَا أَرْضُ, وَانْشَقِّي يَا سَمَاءُ, وَقُومِي يَا أَيَّتُهَا الْقِيَامَةُ( ))! وَكَذَا, أَيْنَ أَمْرُ أَمِيرٍ مُطَاعٍ لِجَيْشٍ عَظِيمٍ مُطِيعٍ بـ[آرْشْ!] وَاهْجُمُوا عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ, فَهَجَمُوا وَغَلَبُوا؟ ثُمَّ أَيْنَ هَذَا الْأَمْرُ إِذَا صَدَرَ مِنْ حَقِيرٍ لاَ يُبَالَى بِهِ وَبِأَمْرِهِ؟ * وَكَذَا, أَيْنَ تَصْوِيرُ مَالِكٍ حَقِيقِيٍّ, وَآمِرٍ مُؤَثِّرٍ أَمْرُهُ, نَافِذٍ حُكْمُهُ؛ وَصَانِعٍ وَهُوَ يَصْنَعُ, وَمُنْعِمٍ وَهُوَ يُحْسِنُ قَدْ شَرَعَ يُصَوِّرُ أَفَاعِيلَهُ يَقُولُ: >فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا, أَفْعَلُ هَذَا وَذَاكَ * صَيَّرْتُ لِبَيْتِكُمُ الْأَرْضَ فُرُشاً, وَالسَّمَاءَ سَقْفاً؟< ثُمَّ أَيْنَ تَصْوِيرُ فُضُولِيٍّ, وَبَحْثُهُ عَنْ أَفَاعِيلَ لاَ تَمَاسَّ لَهُ بِهَا؟! * وَكَذَا أَيْنَ أَعْيَانُ النُّجُومِ؟ ثُمَّ أَيْنَ تَمَاثِيلُهَا الصَّغِيرَةُ السَّيَّالَةُ الَّتِي لاَ هِيَ مَوْجُودَةٌ وَلاَ مَعْدُومَةٌ الْمَرْئِيَّةُ فِي الزُّجَيْجَاتِ؟! * نَعَمْ: أَيْنَ مَلاَئِكَةُ كَلِمَاتِ كَلَامِ خَالِقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ؟ ثُمَّ أَيْنَ زَنَابِيرُ مَزَامِيرِ مُزَوَّرَاتِ الْبَشَرِ؟! * وَكَذَا أَيْنَ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ أَصْدَافُ الْهُدَى, وَالْحَقَائِقُ الْإِيمَانِيَّةُ, وَالْأَسَاسَاتُ الْمُنْبَثَّةُ مِنْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ؛ مَعَ تَضَمُّنِ اللَّفْظِ لِلْخِطَابِ الْأَزَلِيِّ, وَلِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ؟ ثُمَّ أَيْنَ أَلْفَاظُ الْإِنْسَانِ الْهَوَائِيَّةُ الْوَاهِيَةُ الْهَوَسِيَّةُ؟! * وَكَذَا: أَيْنَ شَجَرَةٌ تَفَرَّعَتْ وَأَوْرَقَتْ وَأَزْهَرَتْ وَأَثْمَرَتْ؟ ثُمَّ أَيْنَ الْمَعْجُونُ الَّذِي اتَّخَذَهُ أَحَدٌ مِنْ بَعْضِ ثَمَرَاتِهَا بِتَغْيِيرِ صُورَةِ الثَّمَرَاتِ, وَإِزَالَةِ الْعُقْدَةِ الْحَيَاتِيَّةِ مِنْهَا, مَعَ مَزْجِهَا بِمَادَّةٍ أُخْرَى؟! * نَعَمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ أَنْبَتَ شَجَرَةً هَكَذَا, وَانْقَلَبَتْ( ) كُلُّ نَوَاتِهِ دَسَاتِيرَ عَمَلِيَّةً, وَأَشْجَاراً مُثْمِرَةً؛ تَشَكَّلَ وَتَرَكَّبَ مِنْهَا هَذَا الْعَالَمُ الْإِسْلاَمِيُّ بِمَعْنَوِيَّاتِهِ وَأَعْمَالِهِ * فَأَخَذَ مِنْهَا كُلَّ الْأَفْكَارِ, فَتَصَرَّفَ فِيهَا إِلَى الْآنِ, حَتَّى صَارَتْ حَقَائِقُهُ الْعُلْوِيَّةُ الْعَالِيَةُ عُلُوماً مُتَعَارِفَةً وَمُسَلَّمَاتٍ * فَيَقُومُ أَحَدٌ وَيَأْخُذُ مِنْ تِلْكَ الْحَقَائِقِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَغْيِيرِ الصُّورَةِ, فَتُزِيلُ مِنْهَا الْعُقْدَةُ الْحَيَاتِيَّةُ * ثُمَّ عَلَى زَعْمِهِ يُزَيِّنُهَا بِتَهَوُّسِهِ, فَيُوَازِنُ ذَوْقُهُ الْفَاسِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَاتِ؛ فَكَيْفَ تَمَكَّنَ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ الصُّورَةِ الْعَرَضِيَّةِ التَّابِعَةِ الْمَنْحُوتَةِ بِهَوَسِ الصِّبْيَانِ فِي جَوَاهِرَ مُنْتَظَمَةٍ وَدُرَرٍ مَنْثُورَةٍ, وَبَيْنَ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ وَالدُّرَرِ نَفْسِهَا؟!. وَلَقَدْ شَاهَدْتُ أَنَّ مُشَاهَدَةَ جَمَالِ الْقُرْآنِ تَابِعَةٌ لِدَرَجَةِ سَلاَمَةِ الْقَلْبِ وَصِحَّتِهِ, فَمَرِيضُ الْقَلْبِ لاَ يُشَاهِدُ إِلاَّ مَا يُشَوِّهُ لَهُ مَرَضُهُ, فَأُسْلُوبُ الْقُرْآنِ وَالْقَلْبِ كِلاَهُمَا مِرْآتَانِ, يَنْعَكِسُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْآخَرِ *

    • نُـكْـتَــةٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ مَا يُرَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَثَرِ الشُّعُورِ وَالْعِلْمِ وَالْبَصَرِ فِيهِ إِطْلاَقٌ، يُشِيرُ إِلَى عَدَمِ التَّنَاهِي * لاَ يَتَيَسَّرُ لِلْمُقَيَّدِ الْمُتَنَاهِي مِنَ الشُّعُورِ وَالْعِلْمِ وَالْبَصَرِ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ * وَأَنَّ ذَرَّةَ الْإِطْلاَقِ وَعَدَمَ التَّنَاهِي أَجَلُّ وَأَعْظَمُ بِلاَ حَدٍّ مِنَ الْمَحْدُودِ الْمُقَيِّدِ * فَإِنْ شِئْتَ تَقْرِيبَ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْفَهْمِ؛ اُنْظُرْ إِلَى >عَالَمِ الْمِثَالِ< الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِطْلاَقِ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ الْمُقَيَّدِ! تَرَى ذَرَّةً مِنْ جِرْمٍ شَفَّافٍ الَّذِي هُوَ مَنْفَذٌ مِنْ هُنَا إِلَى عَالَمِ الْمِثَالِ؛ يُمْكِنُ أَنْ تَسَعَ تِلْكَ الذَّرَّةُ مِنَ الصُّوَرِ الْمِثَالِيَّةِ مَا لاَ تَسَعُ الْأَرْضُ مِنْ أَعْيَانِهَا *

    • نُـكْـتَــةٌ **

وَلِأَنَّ الْإِيمَانَ يُؤَسِّسُ الْأُخُوَّةَ بَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لاَ يَشْتَدُّ الْحِرْصُ وَالْعَدَاوَةُ وَالْحِقْدُ وَالْوَحْشَةُ فِي رُوحِ الْمُؤْمِنِ * إِذْ بِالدِّقَّةِ يَرَى أَعْدَى عَدُوِّهِ نَوْعَ أَخٍ لَهُ * وَلِأَنَّ الْكُفْرَ يُؤَسِّسُ أَجْنَبِيَّةً وَافْتِرَاقاً لاَ إِلَى اِتِّصَالٍ بَيْنَ كُلِّ الْأَشْيَاءِ؛ يَشْتَدُّ فِي الْكَافِرِ الْحِرْصُ وَالْعَدَاوَةُ وَالْتِزَامُ النَّفْسِ وَالْإعْتِمَادُ عَلَيْهَا * وَمِنْ هَذَا السِّرِّ صَارُوا غَالِبِينَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا * وَلِأَنَّ الْكَافِرَ يَرَى فِي الدُّنْيَا مُكَافَأَةَ حَسَنَاتِهِ فِي الْجُمْلَةِ, وَالْمُؤْمِنُ يَرَى جَزَاءَ بَعْضِ سَيِّئَاتِهِ فِي الدُّنْيَا, صَارَتْ( ) سِجْنَ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةَ الْكَافِرِ * وَاعْلَمْ: أَنَّ إِكْسِيرَ الْإِيمَانِ إِذَا دَخَلَ فِي الْقَلْبِ يَصِيرُ الْإِنْسَانُ جَوْهَراً لَائِقاً لِلْأَبَدِيَّةِ وَالْجَنَّةِ * وَبِالْكُفْرِ يَصِيرُ خَزَفاً خَالِياً فَانِياً * إِذِ الْإِيمَانُ يُرِي تَحْتَ الْقِشْرِ الْفَانِي لُبَّاً لَطِيفاً رَصِيناً, وَيُرِي مَا يُتَوَهَّمُ حَبَاباً مُشَمَّساً زَائِلاً, أَلْمَاساً مُتَنَوِّراً( ) * وَالْكُفْرُ يُرِي الْقِشْرَ لُبًّا, فَيَتَصَلَّبُ فِيهِ فَقَطْ * فَتَنَزَّلَ دَرَجَةُ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَلْمَاسِ إِلَى الزُّجَاجَةِ, بَلْ إِلَى الْجَمَدِ, بَلْ إِلَى الْحَبَابِ، هَكَذَا شَاهَدْتُ *

    • نُقْطَـةٌ **

قَدْ شَاهَدْتُ اِزْدِيَادَ الْعِلْمِ الْفَلْسَفِيِّ فِي اِزْدِيَادِ الْمَرَضِ؛ كَمَا رَأَيْتُ ازْدِيَادَ الْمَرَضِ فِي اِزْدِيَادِ الْعِلْمِ الْعَقْلِيِّ * فَالْأَمْرَاضُ الْمَعْنَوِيَّةُ تُوصِلُ إِلَى عُلُومٍ عَقْلِيَّةٍ؛ كَمَا أَنَّ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ تُوَلِّدُ أَمْرَاضاً قَلْبِيَّةً * وَكَذَا شَاهَدْتُ الدُّنْيَا ذَاتَ وَجْهَيْنِ * وَجْهٌ: ظَاهِرُهُ مَأْنُوسٌ فِي الْجُمْلَةِ مُؤَقَّتاً, بَاطِنُهُ مُوحِشٌ إِلَى مَا لاَ يُحَدُّ * وَوَجْهٌ: ظَاهِرُهُ مُوحِشٌ فِي الْجُمْلَةِ, وَبَاطِنُهُ مُونِسٌ إِلَى مَا لاَ نِهَايَةَ * فَالْقُرْآنُ يُوَجِّهُ الْأَنْظَارَ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْآخِرَةِ * وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْعَدَمِ ضِدُّ الْآخِرَةِ وَضَرَّتُهَا وَمَعْكُوسَتُهَا؛ حَسَنُهُ قَبِيحُهَا, وَقَبِيحُهُ حَسَنُهَا * وَكَذَا شَاهَدْتُ أَنَّ مَا فِي الْمُمْكِنِ مِنْ وَجْهِ الْوُجُودِ بِالْأَنَانِيَّةِ؛ يُوصِلُ إِلَى الْعَدَمِ وَيَنْقَلِبُ إِلَيْهِ * وَمَا فِيهِ مِنْ وَجْهِ الْعَدَمِ بِتَرْكِ الْأَنَانِيَّةِ؛ يَنْظُرُ إِلَى الْوُجُودِ الْوَاجِبِ * فَإِنْ أَحْبَبْتَ الْوُجُودَ فَانْعَدِمْ, لِتَجِدَ الْوُجُودَ! *

    • نُـكْـتَــةٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ >النِّيَّةَ< أَحَدُ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ, وَأَنَّهَا مُحْصُولَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِي * نَعَمْ: إِنَّ النِّيَّةَ إِكْسِيرٌ عَجِيبٌ؛ تُقَلِّبُ بِخَاصِّيَّتِهَا الْعَادَاتِ التُّرَابِيَّةَ وَالْحَرَكَاتِ الرَّمْلِيَّةَ إِلَى جَوْهَرِ الْعِبَادَةِ’* وَكَذَا هِيَ رُوحٌ نَافِذٌ تَحْيَى بِهَا الْحَالاَتُ الْمَيِّتَةُ, فَتَصِيرُ عِبَادَاتٍ حَيَوِيَّةً * وَكَذَا فِيهَا خَاصِّيَّةٌ تُقَلِّبُ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ * فَالنِّيَّةُ رُوحٌ, وَرُوحُهَا الْإِخْلاَصُ * فَلاَ خَلاَصَ إِلاَّ بِالْإِخْلاَصِ * وَيُمْكِنُ بِالنِّيَّةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ عَمَلٌ كَثِيرٌ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ؛ فَيُمْكِنُ اِشْتِرَاءُ الْجَنَّةِ بِمَا يُعْمَلُ فِي هَذَا الْعُمُرِ الْقَلِيلِ بِهِمَّةِ تِلْكَ الْخَاصِّيَّةِ * وَبِالنِّيَّةِ يَصِيرُ الْمَرْءُ شَاكِراً دَائِماً *

إِنَّ مَا فِي الدُّنْيَا( ) مِنَ اللَّذَائِذِ وَالنِّعَمِ يُقْتَطَفُ بِوَجْهَيْنِ * اَلْوَجْهُ الْأَوَّلُ: يَقُولُ الْمَرْءُ بِسَبَبِ النِّيَّةِ: >هَذِهِ النِّعْمَةُ مَدَّتْهَا إِلَيَّ يَدُ رَحِيمٍ( ) مُحْسِنٍ<؛ فَيَنْتَقِلُ نَظَرُهُ مِنَ النِّعْمَةِ إِلَى الْإِنْعَامِ، فَيَتَلَذَّذُ بِهِ أَزْيَدَ مِنْ نَفْسِ النِّعْمَةِ * وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَتَحَرَّى اللَّذَّةَ بِتَهَوُّسِ النَّفْسِ, فَلاَ يَتَخَطَّرُ الْإِنْعَامَ’* إِنَّمَا يَنْحَصِرُ نَظَرُهُ عَلَى النِّعْمَةِ وَاللَّذَّةِ؛ فَيَتَلَقَّى اللَّذَّةَ غَنِيمَةً, فَيَقْتَطِفُهَا بِلاَ مِنَّةٍ, بَلْ يَغْتَصِبُهَا * فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَمُوتُ اللَّذَّةُ بِالزَّوَالِ, وَيَبْقَى رُوحُهَا * أَيْ إِنَّ رَحْمَةَ المُنْعِمِ تَخَطَّرَتْنِي فَلاَ تَنْسَانِي * فَهَذَا التَّخَطُّرُ رَابِطَةٌ وَمُنَاسَبَةٌ فِي الْخَاطِرِ * وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي: لاَ تَمُوتُ اللَّذَّةُ الْمُؤَقَّتَةُ لِيَبْقَى رُوحُهَا, بَلْ تَنْطَفِي وَيَبْقَى دُخَانُهَا * وَالْمُصِيبَةُ تُخَمِّدُ( ) دُخَانُهَا وَيَبْقَى نُورُهَا * وَدُخَانُ اللَّذَّةِ زَوَالُهَا وَإِثْمُهَا * وَإِذَا نَظَرَ بِنُورِ الْإِيْمَانِ إِلَى اللَّذَائِذِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الدُّنْيَا, وَالنِّعَمِ فِي الْآخِرَةِ؛ يَرَى فِيهَا حَرَكَةً دَوْرِيَّةً وَوَضْعِيَّةً( ) تَتَعَاقَبُ فِيهَا الْأَمْثَالُ, فَلاَ تَنْطَفِي الْمَاهِيَّةُ * وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْفِرَاقُ وَالْاِفْتِرَاقُ عَنِ التَّشَخُّصَاتِ الْجُزْئِيَّةِ * فَلِهَذَا لاَ يَنْغَصُّ ـ بِأَلَمِ الزَّوَالِ وَالْفِرَاقِ الَلَّذَائِذُ الْإِيمَانِيَّةُ بِخِلاَفِ الْوَجْهِ الثَّانِي * فَإِنَّ لِكُلِّ لَذَّةٍ زَوَالًا وَزَوَالُهَا أَلَمٌ * إِذْ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي لَيْسَتِ الْحَرَكَةُ دَوْرِيَّةً( ), بَلْ حَرَكَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ؛ فَفِيهَا اللَّذَّةُ مَحْكُومَةٌ بِالْمَوْتِ الْأَبَدِيِّ *

    • نُقْطَةٌ **
اِعْلَمْ: (دِقَّتْ!) أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْأَسْبَابِ سَبَبُ الذِّلَّةِ وَالْإِهَانَةِ * أَلاَ تَرَى أَنَّ الْكَلْبَ قَدِ اشْتَهَرَ بِعَشْرِ صِفَاتٍ حَسَنَةٍ, حَتَّى صَارَتْ >صَدَاقَتُهُ وَوَفَاؤُهُ< تُضْرَبُ بِهِمَا الْأَمْثَالُ * فَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّاسِ مُبَارَكاً, فَفَضْلاً مِنَ الْمُبَارَكِيَّةِ يُنْزَلُ عَلَى رَأْسِ الْمِسْكِينِ مِنْ طَرَفِ الْإِنْسَانِ ضَرْبَةُ الْإِهَانَةِ بِالتَّنْجِيسِ * مَعَ أَنَّ الدَّجَاجَةَ وَالْبَقَرَ حَتَّى السِّنَّوْرَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ حِسُّ شُكْرَانٍ وَصَدَاقَةٍ فِي مُقَابَلَةِ إِحْسَانِ الْبَشَرِ؛ يُشَرَّفُونَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمُبَارَكِيَّةِ * أَقُولُ (بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَنْكَسِرَ قَلْبُ الْكَلْبِ وَلاَ يَصِيرَ غِيبَةً) إِنَّ سَبَبَهُ: أَنَّ الْكَلْبَ بِسَبَبِ مَرَضِ الْحِرْصِ اِهْتَمَّ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِيِّ بِدَرَجَةٍ أَغْفَلَتْهُ بِجِهَةٍ عَنِ الْمُنْعِمِ الْحَقِيقِيِّ، فَتَوَهَّمَ الْوَاسِطَةَ مُؤَثِّرَةً؛ فَذَاقَ جَزَاءَ غَفْلَتِهِ بِالتَّنْجِيسِ فَتَطَهَّرَ, وَأَكَلَ ضَرْبَ الْإِهَانَةِ كَفَّارَةً لِلْغَفْلَةِ فَانْتَبَهَ( ) * أَمَّا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الْمُبَارَكَةِ لاَ يَعْرِفُونَ الْوَسَائِطَ وَلاَ يُقِيمُونَ لَهَا وَزْناً أَوْ يُقِيمُونَ لَهَا وَزْناً خَفِيفاً * مَثَلاً: إِنَّ السِّنَّوْرَ يَتَضَرَّعُ حَتَّى يَأْخُذَ الْإِحْسَانَ؛ فَإِذَا أَخَذَ فَكَأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُكَ وَلاَ تَعْرِفُهُ * وَلاَ يَحُسُّ فِي نَفْسِهِ شُكْرَاناً لَكَ, بَلْ إِنَّمَا يَشْكُرُ الْمُنْعِمَ الْحَقِيقِيَّ بِـ>يَا رَحِيمُ يَا رَحِيمُ يَا رَحِيمُ< فَقَطْ * إِذِ الْفِطْرَةُ تَعْرِفُ صَانِعَهَا, وَتَعْبُدُهُ شُعُورِيّاً وَغَيْرَ شُعُورِيٍّ *
    • نُـكْـتَــةٌ **

وَلَقَدْ شَاهَدْتُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْنَدْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ تَعَالَى, لَلَزِمَ إِثْبَاتُ آلِهَةٍ( ) * كُلٌّ مِنْهَا ضِدٌّ لِلْكُلِّ وَمِثْلٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ, يَزِيدُ عَدَدُهَا عَلَى عَدَدِ ذَرَّاتِ الْعَالَمِ وَمُرَكَّبَاتِهَا؛ بِوَجْهٍ يَكُونُ كُلُّ إِلَهٍ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى مَجْمُوعِ الْعَالَمِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ * مَثَلاً: إِنَّ الْقُدْرَةَ الْخَالِقَةَ لِفَرْدِ نَحْلَةٍ أَوْ حَبَّةِ عِنَبٍ؛ لاَ بُدَّ أَنْ يَنْفُذَ وَيَجْرِيَ حُكْمُهَا فِي عَنَاصِرِ الْكَائِنَاتِ * إِذْ هُمَا أُنْمُوذَجَانِ أُخِذَ أَجْزَاؤُهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْكَوْنِ * مَعَ أَنَّهُ لاَ مَحَلَّ فِي الْوُجُودِ إِلاَّ لِلْوَاجِبِ الْأَحَدِ( ) * وَأَمَّا لَوْ أُحِيلَتِ الْأَشْيَاءُ عَلَى أَنْفُسِهَا لَلَزِمَ إِثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ لِكُلِّ ذَرَّةٍ * أَلاَ تَرَى أَنَّ الْأَحْجَارَ الَّتِي فِي قُبَّةِ >آيَا صُوفْيَه< إِذَا انْتَفَى الْبَاني لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَجَرٍ مِنْهَا مِثْلَ >مِعْمَارْسِنَانْ< * فَدَلاَلَةُ الْكَائِنَاتِ عَلَى خَالِقِهَا الْوَاحِدِ أَظْهَرُ وَأَنْوَرُ وَأَجْلَى وَأَفْصَحُ وَأَوْلَى وَأَوْضَحُ مِنْ دَلاَلَتِهَا عَلَى وُجُودِ نَفْسِهَا بِمَرَاتِبَ * فَيُمْكِنُ إِنْكَارُ الْكَوْنِ, وَلاَ يُمْكِنُ إِنْكَارُ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْقَدِيرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ *

    • نُقْطَةٌ **

مَا أَعْجَبَ شَأْنَ الضَّلاَلَةِ بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ؛ كَيْفَ اسْتَخْرَجَتِ الْعِلِّيَّةُ مِنَ الْمُقَارَنَةِ السَّاذِجَةِ وَالدَّوَرَانِ الطَّرَدِيَّةِ بَيْنَ الْمَصْنُوعَاتِ, مَعَ اِرْتِكَابِ مُحَالاَتٍ مَتَسَلْسِلَةٍ * مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَمَارَةٌ صَادِقَةٌ عَلَى وُجُودِ شَرِيكٍ صَانِعٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ, بَلْ تَحْتَ صَنْعَةِ كُلِّ شَيْءٍ مَجْهُولِيَّةٌ تَتَكَشَّفُ عَنْ قُدْرَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ لِقَدِيرٍ وَاجِبِ الْوُجُودِ * فَيَا خَسَارَةَ الْإِنْسَانِ وَيَا جَهَالَتَهُ! كَيْفَ أَخَذَ الشِّرَك لِنَفْسِهِ مَوْقِعاً فِي نَفْسِهِ وَفِي عَقْلِهِ؟! *

    • نُـكْـتَــةٌ **

وَمَا فِي >ن< (نُونِ) {نَعْبُدُ} مِنْ سِرِّ الْجَمَاعَةِ؛ يُصَوَّرُ لِلْمُصَلِّي الْمُتَنَبِّهِ سَطْحُ الْأَرْضِ مَسْجِداً, اِصْطَفَّ فِيهِ مَعَ الْمُصَلِّي جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَيَرَى نَفْسَهُ فِي تِلْكَ الْجَمَاعَةِ الْعُظْمَى * وَبِمَا فِي إِجْمَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى ذِكْرِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مِنْ تَوَافُقِ الْأَصْوَاتِ؛ يَتَيَسَّرُ لِلذَّاكِرِ أَنْ يَرَى الزَّمَانَ >حَلْقَةَ ذِكْرٍ< تَحْتَ رِيَاسَةِ إِمَامِ الْأَنْبِيَاءِ * فِي يَمِينِ الْمَاضِي الْأَنْبِيَاءُ قَاعِدُونَ, وَفِي يَسَارِ الْاِسْتِقْبَالِ الْأَوْلِيَاءُ جَالِسُونَ يَذْكُرُونَ اللهَ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * فَإِنْ كَانَ حَدِيدَ السَّمْعِ وَالْبَصِيرَةِ، اِسْتَمَعَ الذِّكْرَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمَصْنُوعَاتِ أَيْضاً * وَرَأَى نَفْسَهُ فِي حَلْقَةِ ذِكْرِهَا *

    • نُقْطَةٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ مَحَبَّةَ مَا سِوَاهُ تَعَالَى عَلَى وَجْهَيْنِ * وَجْهٌ: يَنْزِلُ مِنْ عُلُوٍّ’* أَيْ يُحِبُّ اللهَ فَبِحُبِّهِ يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ اللهُ * فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ لاَ تَنْقُصُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ بَلْ تَزِيدُهَا * وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَعْرُجُ مِنْ سُفْلٍ, أَيْ يُحِبُّ الْوَسَائِلَ فَيَتَدَرَّجُ فِي مَحَبَّتِهَا لِيَتَوَسَّلَ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ * فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ تَتَفَرَّقُ, وَقَدْ تُصَادِفُ وَسِيلَةً قَوِيَّةً فَتَقْطَعُ عَلَيْهَا الطَّرِيقَ فَتُهْلِكُهَا * وَإِنْ وَصَلَتْ, وَصَلَتْ بِنُقْصَانٍ *

    • نُـكْـتَــةٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ الرَّزَّاقَ جَلَّ شَأْنُهُ تَعَهَّدَ بِآيَةِ {ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ} رِزْقُ كُلِّ دَابَّةٍ * إِلاَّ أَنَّ الرِّزْقَ قِسْمَانِ: حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ * فَالْمُتَكَفَّلُ بِالْآيَةِ هُوَ الْحَقِيقِيُّ * وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ الصُّنْعِيُّ اللاَّزِمُ بِاِلْتِزَامِ مَا لاَ يَلْزَمُ, وَبِالْاِخْتِيَارَاتِ السَّيِّئَةِ وَالْاِعْتِيَادَاتِ الْمُضِرَّةِ حَتَّى صَارَتِ الْحَاجَاتُ الْغَيْرُ الضَّرُورِيَّةُ ضَرُورِيَّةً؛ فَلَبِسَتِ الْحَاجَاتُ الْكَاذِبَةُ صُورَةَ الرِّزْقِ * فَهَذَا الرِّزْقُ غَيْرُ مُتَكَفَّلٍ بِالْآيَةِ * وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي الْبَاذِنْجَانَاتِ الَّتِي هِيَ أَسْمَاكُ الْبَرِّ, وَفِي الْأَسْمَاكِ الَّتِي هِيَ بَاذِنْجَانَاتُ الْبَحْرِ؛ كَيْفَ أَسْمَنَتْهَا الْقُدْرَةُ الْفَاطِرَةُ * إِذْ كُلُّهَا سَمِينَةٌ مَا فِيهِمَا هَزِيلَةٌ؛ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ حَيْثُ لاَ يُحْتَسَبُ * عُلِمَ( ) أَنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي الرِّزْقِ, وَاتِّهَامَ الرَّزَّاقِ مِنَ الْبَلاَهَةِ *

    • نُـكْـتَــةٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ الْمَصَائِبَ الَّتِي تُصِيبُ الْمَعْصُومَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ, يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسْبَابٌ تَدُقُّ عَنْ فَهْمِ الْبَشَرِ * مَثَلاً: إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْفِطْرِيَّةَ الَّتِي هِيَ دَسَاتِيرُ الْمَشِيئَةِ لاَ تَنْظُرُ إِلَى الْعَقْلِ حَتَّى يَسْقُطَ التَّكْلِيفُ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْعَقْلِ * بَلْ تَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ وَالْحِسِّ, بَلْ وَالْاِسْتِعْدَادِ أَيْضاً؛ فَتُجَازَى عَلَى أَفَاعِيلِهَا( ) * وَقَدْ نُشَاهِدُ الْحَيَوَانَ كَامِلاً فِي حِسِّ النَّفْسِ, وَالصَّبِيَّ بَالِغاً فِي حِسِّ الْقَلْبِ؛ بَلْ حِسُّ طِفْلِكَ أَكْمَلُ مِنْ عَقْلِكَ وَأَشَدُّ تَيَقُّظاً * إِذْ تَظْلِمُ يَتِيماً بِالضَّرْبِ لاَ تَمْنَعُكَ عَقْلُكَ( ), وَصَبِيُّكَ النَّاظِرُ إِلَيْكَ يُبْكِيهِ حِسُّ شَفَقَتِهِ, لَوْ كَانَ هُوَ لَإِنْزَجَرَ( ) * فَإِذْ كَانَ هَذَا هَكَذَا؛ فَالصَّبِيُّ الَّذِي يُمَزِّقُ لِلتَّهَوُّسِ وَالتَّلَهِّي نَحْلَةً مِسْكِينَةً, وَلَمْ يَسْمَعْ نَهْيَ حِسِّ شَفَقَتِهِ الْحَسَّاسَةِ، فَأُصِيبَ بِأَنِ انْكَسَرَ رَأْسُهُ اِسْتَحَقَّ * مَثَلاً: إِنَّ النَّمِرَةَ تَحُسُّ فِي نَفْسِهَا عَلَى شِبْلِهَا شَفَقَةً شَدِيدَةً, وَمَعَ رَفِيقِهَا حِسَّ حِمَايَةٍ * فَلاَ يَمْنَعُهَا هَذَانِ الْحِسَّانِ مِنْ تَمْزِيقِ الظَّبْيَةِ الْمِسْكِينَةِ فَمَزَّقَهَا؛ ثُمَّ أُصِيبَتْ هِيَ بِبُنْدُقَةِ الصَّيَّادِ مَثَلاً, أَفَلاَ تَكُونُ مُسْتَحِقَّةً؟ * إِذْ رِزْقُهَا الْحَلاَلُ أَمْوَاتُ الْحَيَوَانَاتِ, لاَ أَحْيَاؤُهَا * عَلَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَوَهُّمِ مَالِكِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنْفُسِهَا, وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا مَرَّ سَابِقاً * وَأَنَّ الْمَالِكَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ مَالِكُ( ) الْمُلْكِ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ * وَهُوَ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ * وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ *

    • ** **  



ذَيْــــلٌ لِلْقَـطْـــرَةِ   بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ الصَّلاَةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالنَّظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ خَيَالاً مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا؛ لِيَرَى الْمُصَلِّي حَوْلَ بَيْتِ اللهِ صُفُوفاً كَالدَّوَائِرِ الْمُتَدَاخِلَةِ الْمُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ * فَكَمَا أَحَاطَ الصَّفُّ الْأَقْرَبُ بِالْبَيْتِ, أَحَاطَ الْأَبْعَدُ بِعَالَمِ الْإِسْلاَمِ؛ فَيَشْتَاقَ إِلَى الْاِنْسِلاَكِ فِي سِلْكِهِمْ * وَبَعْدَ الْاِنْسِلاَكِ يَصِيرُ لَهُ إِجْمَاعُ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ الْعُظْمَى وَتَوَاتُرُهُمْ حُجَّةً وَبُرْهَاناً قَاطِعاً عَلَى كُلِّ حُكْمٍ وَدَعْوىً تَتَضَمَّنُهَا( ) الصَّلاَةُ * مَثَلاً: إِذَا قَالَ الْمُصَلِّي: >اَلْحَمْدُ للهِ<, كَأَنَّهُ يَقُولُ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُومِينَ فِي مَسْجِدِ الْأَرْضِ >نَعَمْ صَدَقْتَ!< فَيَتَضَاءَلُ وَيَضْمَحِلُّ تَكْذِيبُ الْأَوْهَامِ وَوَسْوَسَةُ الشَّيَاطِينِ * وَكَذَا: يَسْتَفِيضُ كُلٌّ مِنَ الْحَوَاسِّ واللَّطَائِفِ حِصَّةً وَذَوْقاً وَإِيمَاناً * وَلاَ يُعَوِّقُهَا >لِمَ؟ كَيْفَ؟< * فَفِي أَوَّلِ الْوَقْتِ تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ الْعُظْمَى >لِلْمُتَّقِينَ< * وَلِاِتِّفَاقِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَرْكَانِ؛ لاَ يُخِلُّ اِخْتِلاَفُ الْمَطَالِعِ خَيَالَ الْمُصَلِّي’* وَلْيَنْظُرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ فِي مَكَانِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَهِيَ فِي مَكَانِهَا, لاَ يَجْذِبْهَا إِلَيْهِ وَلاَ يَذْهَبْ إِلَيْهَا لِيَتَظَاهَرَ لَهُ الصُّفُوفُ * وَلاَ يَشْتَغِلَ بِهَا قَصْداً لِلضَّرَرِ, بَلْ يَكْفِي شُعُورٌ تَبَعِيٌّ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الْقَدَرَ الَّذِي لاَ يُهْمِلُ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ؛ يَكْتُبُ بِأَشْكَالِ هَذِهِ الصُّفُوفِ الْمُبَارَكَةِ الْمُنْتَظَمَةِ فِي حَرَكَتِهَا سُطُوراً عَلَى صَحَائِفِ عَالَمِ الْمِثَالِ, الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ حِفْظُ مَا فِيهِ دَائِماً *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنِّي شَاهَدْتُ فِي سَيْرِي فِي الظُّلُمَاتِ >السُّنَنَ السَّنِيَّةَ< نُجُوماً وَمَصَابِيحَ( )؛ كُلُّ سُنَّةٍ وَكُلُّ حَدٍّ شَرْعِيٍّ يَتَلَمَّعُ بَيْنَ مَا لاَ يُحْصَرُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُظْلِمَةِ الْمُضِلَّةِ * وَبِالْاِنْحِرَافِ مِنَ السُّنَّةِ؛ يَصِيرُ الْمَرْءُ لُعْبَةَ الشَّيَاطِينِ, وَمَرْكَبَ الْأَوْهَامِ, وَمَعْرَضَ الْأَهْوَالِ, وَمَطِيَّةَ الْأَثْقَالِ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، الَّتِي تَحَمَّلَهَا السُّنَّةُ عَنْهُ لَوِ اتَّبَعَهَا * وَشَاهَدْتُ >السُّنَنَ< كَالْحِبَالِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنَ السَّمَاءِ؛ مَنِ اسْتَمْسَكَ وَلَوْ بِجُزْئِيٍّ اِسْتَصْعَدَ وَاسْتَسْعَدَ * وَرَأَيْتُ مَنْ خَالَفَهَا وَاعْتَمَدَ عَلَى الْعَقْلِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّاسِ؛ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ بِالْوَسَائِلِ الْأَرْضِيَّةِ؛ فَيَتَحَمَّقَ كَمَا تَحَمَّقَ فِرْعَوْنُ بِـ{ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ} *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ فِي النَّفْسِ عُقْدَةً مُغَلَّقَةٌ مُدْهِشَةٌ؛ تُصَيِّرُ الضِّدَّ مُوَلِّدَ الضِّدِّ, وَتَرَى مَا عَلَيْهَا كَأَنَّهُ لَهَا * مَثَلاً: إِنَّ الشَّمْسَ تَصِلُ يَدُهَا إِلَيْكَ, تَمْسَحُ أَوْ تَضْرِبُ وَجْهَكَ؛ وَلاَ تَصِلُ يَدُكَ إِلَيْهَا وَلاَ يُؤَثِّرُ كَيْفُكَ فِيهَا * فَهِيَ قَرِيبَةٌ إِلَيْكَ, بَعِيدَةٌ مِنْكَ * فَكَمَا إِنَّ جَعْلَ وَجْهِ الْبُعْدِيَّةِ دَلِيلاً عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِيكَ, وَوَجْهِ الْقُرْبِيَّةِ دَلِيلاً عَلَى تَأَثُّرِهَا مِنْكَ جَهْلٌ * كَذَلِكَ نَظَرُ النَّفْسِ بِعَيْنِ الْهَوَى وَالْأَنَانِيَّةِ إِلَى خَالِقِهَا الْقَرِيبِ إِلَيْهَا، الْبَعِيدِ مِنْهَا سَبَبُ ضَلاَلَتِهَا * وَكَذَا تَرَى النَّفْسُ عَظَمَةَ الْمُكَافَأَةِ؛ فَمِنْ شِدَّةِ الْحِرْصِ تَقُولُ: >لَيْتَ, وَأَنَّى, وَهَيْهَاتَ!< * وَتَسْمَعُ دَهْشَةَ الْمُجَازَاةِ؛ فَمِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَتَسَلَّى بِالتَّعَامِي وَالْإِنْكَارِ * فَيَا أَيَّتُهَا النُّقْطَةُ السَّوْدَاءُ الْحَمْقَاءُ! إِنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى إِنَّمَا تَلِيقُ بِهِ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ تَعَالَى, لاَ بِكَ وَلاَ إِلَى حَوْصَلَتِكَ الضَّيِّقَةِ * وَلاَ بَنَى هَنْدَسَةَ الْكَائِنَاتِ عَلَى هَوَسِكَ, وَلاَ أَشْهَدَكَ خَلْقَهَا * وَلَقَدْ صَدَقَ الْإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ فِي قَوْلِهِ: (لاَ يَحْمِلُ عَطَايَا الْمَلِكِ إِلاَّ مَطَايَاهُ) *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ مَنْ يُزَيِّنُ رَأْسَكَ وَيُحَسِّنُهُ, وَيُعَلِّقُ بِهِ زِينَةَ الْبَصَرِ؛ أَبْصَرُ بِكَ مِنْكَ * فَالصَّانِعُ الَّذِي زَيَّنَ رَأْسَكَ بِفَصَّيِ الْعَيْنَيْنِ وَصَدَفَيِ الْأُذُنَيْنِ, وَعَلَّقَ مَرْجَانَ اللِّسَانِ فِي مَغَارَةِ وَجْهِكَ يَتَلَقْلَقُ؛ لَهُوَ أَبْصَرُ بِكَ مِنْكَ * وَأَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْكَ * وَأَشْفَقُ عَلَيْكَ مِنْكَ * وَأَسْمَعُ مِنْكَ مِنْكَ’*

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ الدُّعَاءَ ـ لاَ سِيَّمَا مِنَ الْمُضْطَرِّينَ ـ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ يُسَخَّرُ بِسَبَبِهِ أَقْوَى الْأَشْيَاءُ وَأَعْظَمُهَا لِأَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ وَأَصْغَرِهَا؛ كَسُكُونِ غَضَبِ الْبَحْرِ لِأَجْلِ مَعْصُومٍ عَلَى لَوْحٍ مُنْكَسِرٍ دَعَا بِقَلْبٍ مُنْكَسَرٍ * فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُجِيبَ يَحْكُمُ عَلَى الْكُلِّ, فَهُوَ رَبُّ الْكُلِّ *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَرَضِ ضَلاَلَةِ النَّفْسِ طَلَبُ شَوْكَةِ الْكُلِّ مِنَ الْجُزْءِ, وَحَشْمَةَ السُّلْطَانِ مِنْ نَفَرٍ؛ فَإِذَا لَمْ تَجِدْهُ فِيهِ تَرُدُّهُ * مَثَلاً: تَطْلُبُ تَمَامَ تَجَلِّيَاتِ الشَّمْسِ فِي تِمْثَالِهَا الْمُرْتَسِمِ فِي حَبَابٍ, فَإِذَا لَمْ تَجِدْ بِالتَّمَامِ تُنْكِرُ أَنَّهُ مِنْهَا * أَيَّتُهَا النَّفْسُ! وَحْدَةُ الشَّمْسِ لاَ تَسْتَلْزِمُ وَحْدَةَ التَّجَلِّيَاتِ * وَإِنَّ الدَّلاَلَةَ لاَ تَسْتَلْزِمُ التَّضَمُّنَ * وَإِنَّ مَا يَصِفُ لاَ يَلْزَمُ أَنْ يَتَّصِفَ * فَالذَّرَّةُ الشَّفَّافَةُ تَصِفُ الشَّمْسَ, وَالنَّحْلَةُ تَصِفُ الصَّانِعَ الْحَكِيمَ *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ الذَّهَابَ فِي طَرِيقِ الْكُفْرِ كَالذَّهَابِ فِي الْجَمَدِ, بَلْ تَحْتَ التُّرَابِ, بَلِ الْحَدِيدِ مَعَ دَفْعِ الدَّافِعَةِ؛ مُشْكِلٌ عَسِيرٌ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَصْداً وَبِالذَّاتِ * وَهَذَا الْإِشْكَالُ يَسْتَتِرُ تَحْتَ النَّظَرِ التَّبَعِيِّ * وَفِي سَبِيلِ الْإِيمَانِ كَالذَّهَابِ فِي الْمَاءِ, بَلِ الْهَوَاءِ, بَلِ الضِّيَاءِ مَعَ جَذْبَةِ( ) الْجَاذِبَةِ؛ سَهْلٌ يَسِيرٌ لِلْمُوَفَّقِ * مَثَلاً: تُرِيدُ أَنْ تُقَابِلَ الشَّمْسُ جِهَاتِكَ السِّتَّ( )؛ فَإِمَّا أَنْ تَتَحَوَّلَ أَنْتَ بِلاَ كُلْفَةٍ, فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ * وَإِمَّا أَنْ تُكَلِّفَ الشَّمْسَ قَطْعَ مَسَافَةٍ مُدْهِشَةٍ لِمَقْصِدٍ جُزْئِيٍّ * فَالْأَوَّلُ مِثَالُ التَّوْحِيدِ سُهُولَةً, وَالثَّانِي مِثَالُ الشِّرْكِ إِشْكَالاً * هَكَذَا شَاهَدْتُ * وَبُرْهَانُ هَذَا الرَّمْزِ فِي قَطْرَةِ الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1921 [فِي صَحِيفَةِ 14 إِلَى 18]. فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ يُقْبَلُ الْكُفْرُ مَعَ هَذَا الْإِشْكَالِ, وَيُتْرَكُ الْإِيمَانُ مَعَ هَذِهِ السُّهُولَةِ؟ قِيلَ لَكَ: إِنَّ الْكُفْرَ لاَ يُقْبَلُ قَصْداً, بَلْ يُزْلَقُ بِسُوءِ الْهَوَى وَيُسْقَطُ فِيهِ وَيُتَلَوَّثُ بِهِ * وَأَمَّا الْإِيمَانُ فَيُقْصَدُ وَيُقْبَلُ وَيُوضَعُ فِي الْقَلْبِ’*

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْكَلِمَةَ الْفَرْدَةَ مَسْمُوعَةٌ لِأُلُوفٍ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ كَوَاحِدٍ, لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْمَلاَيِينِ * كَذَلِكَ نِسْبَةُ الْأَشْيَاءِ إِلَى القُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْدِ وَالنَّوْعِ *

    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ جَامِعِيَّةَ الْقُرْآنِ وَوُسْعَتَهُ وَمُرَاعَتَهُ( ) لِحِسِّيَّاتِ طَبَقَاتِ الْمُخَاطَبِينَ, لاَ سِيَّمَا تَنَزُّلاَتِهِ لِتَأْنِيسِ الْعَوَامِّ الَّذِينَ هُمُ الْأَكْثَرُ الْمُطْلَقُ, وَالْمُخَاطَبُونَ أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ، مَعَ أَنَّهَا سَبَبٌ لِكَمَالِهِ؛ فَالنَّفْسُ الْمَرِيضَةُ تَضِلُّ بِهَا * إِذْ تَتَحَرَّى فِي أَدْنَى طَرْزِ تَفْهِيمِهِ الْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ، أَعْلَى وَأَزْيَنَ صُوَرِ الْإِفَادَةِ * وَتُصَيِّرُ الْأُسْلُوبَ (الَّذِي هُوَ مِيزَانٌ وَمَعْكِسٌ لِحِسِّ الْمُخَاطَبِ وَفَهْمِهِ)، مِيزَاناً وَمِرْصَاداً تَنْظُرُ مِنْهُ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ؛ فَتَضِلُّ ضَلاَلاً بَعِيداً *

    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: كَيْفَ السُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالْفَرَحُ بِهَا؟! إِنَّ الدُّنْيَا لَهَا وُجُوهٌ ثَلاَثَةٌ: وَجْهٌ يَنْظُرُ إِلَى أَسْمَاءِ اللهِ, وَوَجْهٌ هُوَ مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَسَنَانِ * وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: اَلدُّنْيَا فِي ذَاتِهَا بِالْمَعْنَى الْاِسْمِيِّ مَدَارٌ لِلْهَوَسَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَمَطَالِبِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ *

أَنَا رَكِبْتُ نُقْطَةً مَيِّتَةً, وَتَرْكَبُنِي جِيفَةٌ مَيِّتَةٌ * وَيَوْمِي تَابُوتِي بَيْنَ أَمْسٍ وَغَدٍ قَبْرَيْ أَبِي وَابْنِهِ * فَأَنَا بَيْنَ تَضْيِيقِ الْمَيْتَتَيْنِ وَضَغْطَةِ الْقَبْرَيْنِ’* إِلاَّ أَنَّ الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ, وَالنَّظَرَ إِلَيْهَا بِنُورِ الْإِيمَانِ تَصِيرُ كَجَنَّةٍ مَعْنَوِيَّةٍ *

    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ وُجُودَكَ كَالْبُنْدُقَةِ الْمِيرِيَّةِ أَوِ الْفَرَسِ الْمِيرِيِّ فِي يَدِ عَسْكَرٍ * كَمَا أَنَّ الْعَسْكَرَ مُكَلَّفٌ بِتَعَهُّدِ بُنْدُقَتِهِ وَفَرَسِهِ السُّلْطَانِيَّيْنِ؛ كَذَلِكَ أَنْتَ مُكَلَّفٌ بِحِفْظِ أَمَانَتِكَ وَتَعَهُّدِهَا * اِعْلَمْ أَنَّ السَّائِقَ لِهَذَا الْقَوْلِ: أَنِّي رَأَيْتُ النَّفْسَ( ) مَغْرُورَةً بِمَحَاسِنِهَا * فَقُلْتُ: لاَ تَمْلِكِينَ شَيْئاً! فَقَالَتْ: فَإِذاً لاَ أَهْتَمُّ بِمَا لَيْسَ لِي مِنَ الْبَدَنِ * فَقُلْتُ: لاَ بُدَّ أَنْ لَا تَكُونِي أَقَلَّ مِنَ الذُّبَابِ * فَإِنْ شِئْتِ شَاهِداً فَانْظُرِي إِلَى هَذَا الذُّبَابِ؛ كَيْفَ يُنَظِّفُ جَنَاحَيْهِ بِرِجْلَيْهِ, وَيَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَرَأْسَهُ بِيَدَيْهِ * سُبْحَانَ مَنْ أَلْهَمَهُ هَذَا, وَصَيَّرَهُ أُسْتَاذاً لِي وَأَفْحَمُ بِهِ نَفْسِي *
    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ مِنَ الْمَزَالِقِ لِلْأَقْدَامِ؛ خَلْطُ أَحْكَامِ الْاِسْمِ الْبَاطِنِ بِأَحْكَامِ الْاِسْمِ الظَّاهِرِ وَسُؤَالِهَا مِنْهُ * وَلَوَازِمِ الْقُدْرَةِ بِلَوَازِمِ الْحِكْمَةِ، وَطَلَبِ رُؤْيَتِهَا فِيهَا * وَمُقْتَضِيَاتِ دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ بِمُقْتَضِيَاتِ دَائِرَةِ الْاِعْتِقَادِ وَالتَّوْحِيدِ وَطَلَبِهَا مِنْهَا * وَتَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ بِجَلَوَاتِ الْوُجُودِ, أَوْ تَجَلِّيَاتِ سَائِرِ الصِّفَاتِ وَمُلاَحَظَةِ نَوَامِيسِهَا وَحِكَمِهَا فِيهَا * مَثَلاً: وُجُودُكَ هُنَا تَدْرِيجِيٌّ, وَوُجُودُكَ فِي الْمَرَايَا الْبَرْزَخِيَّةِ دَفْعِيٌّ آنِيٌّ؛ لِتَمَايُزِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي التَّعَلُّقَاتِ * وَلِلْفَرْقِ( ) بَيْنَ الْإِيجَادِ وَالتَّجَلِّي *
    • رَمْــــزٌ **

اِعْلَمْ: أَنَّ الْإِسْلاَمِيَّةَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ؛ حَتَّى أَنَّ الْكُفَّارَ سَعَادَةُ حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وَعَدَمُ اِنْقِلاَبِ لَذَائِذِهِمْ إِلَى الْآلاَمِ الْأَلِيمَةِ, سَبَبُهَا الْإِسْلاَمِيَّةُ * إِذِ الْإِسْلاَمِيَّةُ قَلَّبَتِ الْجُحُودَ وَالْكُفْرَ الْمُطْلَقَ وَالْإِنْكَارَ الْمَحْضَ, الْمُتَضَمِّنَيْنِ لِلْيَأْسِ الْأَلِيمِ وَالْأَلَمِ الشَّدِيدِ إِلَى الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ * فَالكَافِرُ بِسَبَبِ تَوَلُّدِ اِحْتِمَالِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي ذِهْنِهِ بِصَيْحَةِ الْقُرْآنِ؛ يَسْتَرِيحُ مِنَ الْأَلَمِ الْمُنَغِّصِ * وَبِعَدَمِ الْيَقِينِ يَسْتَرِيحُ مِنَ الْكُلْفَةِ( ) اللاَّزِمَةِ لِلدِّيَانَةِ * فَهُوَ كَالنَّعَامَةِ وَإِبِلِ الطَّيْرِ؛ إِذَا قِيلَ لَهُ: >طِرْ<! يَقُولُ: >أَنَا إِبِلٌ< * وَإِذَا قِيلَ لَهُ: >اَحْمِلِ الْحَمْلَ<! يَقُولُ: >أَنَا طَيْرٌ< * فَهَذِهِ الدَّسِيسَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الَّتِي صَيَّرَتِ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ مَسْعُودَيْنِ ظَاهِراً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ, بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَافِرِ الْمُطْلَقِ وَالْمُؤْمِنِ الْخَالِصِ *

    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ النَّفْسَ لاَ تُرِيدُ أَنْ تَعْتَرِفَ وَتَتَصَوَّرَ صُدُورَ مَا هُوَ أَصْغَرُ أَوْ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْهَا مِنْ يَدِ قُدْرَةِ الْخَالِقِ لِتُحَافِظَ عَلَى دَائِرَةِ رُبُوبِيَّةِ نَفْسِهَا’* فَتُعْطِي لِلْخَالِقِ مَا فَوْقَهَا, وَتَتَغَافَلُ عَمَّا تَحْتَهَا * فَمَا دَامَتْ لَمْ تَرَ نَفْسَهَا أَصْغَرَ الْأَشْيَاءِ أَوْ لاَ شَيْءَ, لاَ تَخْلُصُ مِنْ مَيْلِ نَوْعِ تَعْطِيلٍ أَوْ شِرْكٍ خَفِيٍّ *
    • رَمْــــزٌ **
وَاعْلَمْ: أَنَّ النَّفْسَ بِسَبَبِ تَكَاسُلِهَا فِي وَظِيفَتِهَا؛ تُرِيدُ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهَا رَقِيبٌ, فَتُحِبُّ التَّسَتُّرَ * فَتُلاَحِظُ عَدَمَ الْمَالِكِ مُكَرَّراً, فَتَعْتَقِدُ حُرِّيَّتَهَا * فَأَوَّلاً تَتَمَنَّى, ثُمَّ تَتَرَجَّى, ثُمَّ تُلاَحِظُ, ثُمَّ تَتَصَوَّرُ, ثُمَّ تَعْتَقِدُ الْعَدَمَ, ثُمَّ تَمْرُقُ مِنَ الدِّينِ * وَلَوِ اسْتَشْعَرَتْ بِمَا تَحْتَ الْحُرِّيَّةِ وَالرَّاحَةِ وَعَدَمِ الْمَسْؤُولِيَّةِ مِنَ الْأَهْوَالِ الْمُدْهِشَةِ الْمُحْرِقَةِ, وَالْيُتْمِ الْحَزِينِ الْأَلِيمِ؛ لَمَا مَالَتْ أَدْنَى مَيْلٍ, بَلْ لَفَرَّتْ وَتَبَرَّأَتْ وَتَابَتْ, أَوْ مَاتَتْ *
    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ مَدَارِ الْاِسْتِنَادِ * مَثَلاً: إِنَّ النَّفَرَ الْمُسْتَنِدَ بِسُلْطَانٍ عَظِيمٍ؛ يَفْعَلُ مَا لاَ يَقْتَدِرُ عَلَيْهِ شَاهٌ عَظِيمٌ * فَالنَّفَرُ يَزِيدُ بِسَبْعِ مَرَاتِبَ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَيْهِ بِسَبْعِينَ مَرَاتِبَ * فَالْبَعُوضَةُ الْمَأْمُورَةُ مِنْ طَرَفِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ, تَغْلِبُ نَمْرُودَ النَّمَارِدِ الْمُتَمَرِّدَةِ * فَالنَّوَاةُ الْمَأْذُونَةُ مِنْ طَرَفِ فَالِقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى, تَتَضَمَّنُ وَتَسَعُ كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّخْلَةُ الْبَاسِقَةُ, وَلاَ تَسَعُهُ فَابْرِيقَاتٌ تَسَعُ قَرْيَةً *
    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ طَرِيقِي (فِي قَطْرَةٍ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْقُرْآنِ), وَطَرِيقِ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْفَلاَسِفَةِ هُوَ: أَنِّي أَحْفِرُ أَيْنَمَا كُنْتُ, فَيَخْرُجُ الْمَاءُ * وَهُمْ تَشَبَّثُوا بِوَضْعِ مَيَازِيبَ وَأَنَابِيبَ لِمَجِيءِ الْمَاءِ مِنْ طَرَفِ الْعَالَمِ, وَيُسَلْسِلُونَ سَلاَسِلَ وَسَلاَلِمَ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ لِجَلْبِ مَاءِ الْحَيَاةِ * فَيَلْزَمُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ قَبُولِ السَّبَبِ وَضْعُ مَلاَيِينَ مِنْ حَفَظَةِ الْبَرَاهِينِ فِي تِلْكَ الطُّرُقِ الطَّوِيلَةِ؛ لِحِفْظِهَا مِنْ تَخْرِيبِ شَيَاطِينِ الْأَوْهَامِ * وَأَمَّا 

مَا عَلَّمَنَا الْقُرْآنُ فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ أُعْطِيَنَا مِثْلَ عَصَى مُوسَى, أَيْنَمَا كُنْتُ وَلَوْ عَلَى الصَّخْرَةِ أَضْرِبُ عَصَايَ فَيَنْفَرِجُ مَاءُ الْحَيَاةِ * وَلاَ أَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ الطَّوِيلِ إِلَى خَارِجِ الْعَالَمِ, وَتَعَهُّدِ الْأَنَابِيبِ الطَّوِيلَةِ مِنَ الْاِنْثِلاَمِ وَالْاِنْكِسَارِ’*

    • رَمْــــزٌ **

أَيْ وَاهْ, وَا أَسَفَا! إِنَّ وُجُودَ النَّفْسِ عَمىً فِي عَيْنِهَا, بَلْ عَيْنِ عُمْيِهَا’* لَوْ بَقِيَ مِنَ الْوُجُودِ مِقْدَارُ جَنَاحِ الذُّبَابِ يَصِيرُ حِجَاباً يَمْنَعُ رُؤْيَتَهَا شَمْسَ الْحَقِيقَةِ( ) * فَقَدْ شَاهَدْتُ أَنَّ النَّفْسَ بِسَبَبِ الْوُجُودِ؛ تَرَى عَلَى صَخْرَةٍ صَغِيرَةٍ فِي قَلْعَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْصُوصَةٍ مِنَ الْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ ضَعْفاً وَرَخَاوَةً، فَتُنْكِرُ وُجُودَ الْقَلْعَةِ بِتَمَامِهَا * فَقِسْ مِنْ هُنَا دَرَجَةَ جَهْلِهَا النَّاشِئِ مِنْ رُؤْيَتِهَا لِوُجُودِهَا( ) *

    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ يَا أَنَا! قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ مَا فِي يَدِكَ مِنْكَ مِنَ الْأُلُوفِ إِلَّا َجُزْءٌ مَشْكُوكٌ؛ فَابْنِ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ الْاِخْتِيَارِيِّ الضَّعِيفِ مَا يُطِيقُ حَمْلَهُ * وَلاَ تَحْمِلْ عَلَى الشَّعْرَةِ الشُّعُورِيَّةِ الصُّخُورَ الْعَظِيمَةَ * وَلاَ تَحْمِلْ عَلَى مَا لَيْسَ إِلَيْكَ إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ * فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِحِسَابِكَ بِالْغَفْلَةِ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَنْ حَدِّكَ, وَمَيْدَانِ جَوَلاَنِكَ شَعْرَةً فَقَطْ * وَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِحِسَابِ مَالِكِ الْمُلْكِ؛ فَاحْمِلْ مَا تَرَى كَيْفَ مَا أَمَرَ، وَكَيْفَ مَا يَشَاءُ * لاَ كَيْفَ مَا تَشَاءُ * وَإِذْنُ الْمَالِكِ وَمَشِيئَتُهُ تُعْرَفُ مِنْ شَرِيعَتِهِ *
    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: أَنَّ الصَّانِعَ جَلَّ جَلاَلُهُ صَنَعَ الْإِنْسَانَ بِكَيْفِيَّةٍ؛ إِذَا طَالَعَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ يُسْهَلُ عَلَيْهِ تَصْدِيقُ الصِّفَاتِ الْمُحِيطَةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ, الَّتِي لاَ مِثْلَ لَهَا وَلاَ ضِدَّ، وَلاَ وَاحِداً قِيَاسِيّاً * مَثَلاً: كَأَنَّهُ يُوجِدُ الْإِنْسَانُ بِخَيَالِهِ -نَوْماً أَوْ يَقَظَةً- فِي آنٍ وَاحِدٍ بَلَداً عَظِيماً مَعَ لَوَازِمَاتِهِ, وَنَفْسُهُ ثَابِتٌ فِيهِ بِنَفْسِهِ * وَيَرَى تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ فِي سُرْعَةِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ, كَأَنَّهَا هِيَ * وَتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ فِي سُرْعَةِ صُدُورِ الْأَمْرِ كَأَنَّهَا هُوَ * وَجَرَيَانَ الْأَمْرِ فِي سُرْعَةِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَعُمُومِهِ كَأَنَّهُ هُوَ * وَمَعَ أَنَّهُ يَرَى سَمْعَهُ وَلِسَانَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَرَكَتَهُ ذِهْنِيَّةً جُزْئِيَّةً مُتَعَاقِبَةً, لاَ تَتَعَلَّقُ إِلاَّ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ * لَكِنْ يَرَى بَصَرَهُ وَخَيَالَهُ وَبَصِيرَةَ قَلْبِهِ كُلِّيَّةً عَامَّةً, لاَ مُزَاحَمَةَ فِيهَا تَتَعَلَّقُ بِالْكَثِيرِ كَالْوَاحِدِ * وَيَفْهَمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ بِالْبَصَرِ, وَيُرِيدَ بِالْخَيَالِ, وَيَنْظُرَ الْعَقْلُ بِبَصَرِ الْقَلْبِ * فَيَنْقَلِبُ الْجُزْئِيُّ كُلِّيّاً, وَالْخَاصُّ عَامّاً, وَالْمُقَيَّدُ مُطْلَقاً * فَيَفْهَمُ مِنَ الْمَوْهُومِ إِمْكَانَ الْمُحَقَّقِ؛ فَتَصِيرُ رُبُوبِيَّتُهُ الْمَوْهُومَةُ وَاحِداً قِيَاسِيّاً *
    • رَمْــــزٌ **
اِعْلَمْ: إِنَّ الْبَابَ الْمُوصِلَ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالْعَيْنِ الْيَقِينِ اِثْنَانِ * أَحَدُهُمَا: وَاسِعٌ آفَاقِيٌّ * إِلاَّ أَنَّهُ مَسْدُودٌ لاَ يَنْفَتِحُ إِلاَّ لِنَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ بِالدَّعْوَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِلاَ كَسْبٍ * وَمَنْ طَلَبَ الذَّهَابَ بِالْكَسْبِ فِي مَيْدَانِ الْآفَاقِ وَمَجَالِ الْاِسْمِ الظَّاهِرِ؛ فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْوُصُولِ الْبُرْهَانِيِّ, وَتَجَلِّي الْمَطْلُوبِ فِي الْبَرَاهِينِ, وَانْقَادَ لِطَوْرِ الْنُبُوَّةِ بِمَا فَوْقَ طَوْرِ عَقْلِهِ, فَلاَ بَأْسَ عَلَيْهِ * وَلَكِنْ كُلَّمَا تَرَقَّى تَبَاعَدَ عَنِ الْمَقْصُودِ * وَإِنْ تَجَاوَزَ, ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً * لاَ سِيَّمَا إِذَا أَرْسَلَ قَلْبَهُ مَعَ عَقْلِهِ فِي تِلْكَ الْمَيَادِينِ, وَجَعَلَ الذَّوْقَ النَّفْسِيَّةَ الْمُتَحَلِّبَ مِنْ أَدَبِيَّاتِ الْأَجَانِبِ الْمُؤَسَّسَةِ عَلَى الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيلِ, مَعَ أَنَانِيَّةِ النَّفْسِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلشِّرْكِ الْخَفِيِّ مِنْ دَرَجَاتِ سُلَّمِ الصُّعُودِ لَهُ؛ تَوَرَّطَ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلاَلَةِ, وَاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ *

وَالْبَابُ الثَّانِي: مَفْتُوحٌ دَائِماً, وَهُوَ مِنْ طَرَفِ اِسْمِ الْبَاطِنِ وَمِنْ طَرَفِ الْقَلْبِ فِي الدَّائِرَةِ الْأَنْفُسِيَّةِ * وَالْمِفْتَاحُ هُوَ >الْمَحْوِيَّةُ< وَتَرْكُ الْأَنَانِيَّةِ * فَيَا أَيُّهَا الْأُدَبَاءُ الْمَغْرُورُونَ الْفَاسِقُونَ! أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ الطَّرِيقُ لَيْسَتْ هُنَاكَ * ضَلَلْتُمْ وَأَضْلَلْتُمْ * {ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ} *

    • رَمْــــزٌ **

يَا مَنْ يَطْلُبُ الشُّهْرَةَ الْمُسَمَّاةَ فِي الْعُرْفِ بِـ >شَانْ وَشَرَفْ<! اِسْمَعْ مِنِّي! فَقَدْ شَاهَدْتُ الشُّهْرَةَ عَيْنَ الرِّيَاءِ وَمَوْتَ الْقَلْبِ * فَلاَ تَطْلُبْهَا لِئَلاَّ تَصِيرَ عَبْدَ النَّاسِ * فَإِنْ أُعْطِيتَهَا, فَقُلْ: >إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ< *

    • ** **  


من المثنويّ العربي النّورِيّ حَبَابٌ مِنْ عُمَّانِ القُرْآنِ الْحَكِيمِ خُدَاي پُـرْكَرَمْ خُوْد مِلْكِ خُوْدْرَامِي خِرَدْاَزْتُو بَرَايِ توُنِكَهْ دَارَدْ بَهَاى بِي كَرَانْ دَادَه.   بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ الْمُصَلِّي الذَّاكِرُ! إِذَا قُلْتَ: >أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ<, أَوْ >مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ<, أَوِ >الْحَمْدُ للهِ< مَثَلاً, حَكَمْتَ بِحُكْمٍ وَادَّعَيْتَ دَعْوًى وَأَعْلَنْتَ اعْتِقَاداً؛ يَشْهَدُ لَكَ فِي دَعْوَاكَ فِي آنِ تَلَفُّظِكَ مَلاَيِينُ, وَقَبْلَكَ مَلاَيِينُ مَلاَيِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَكَلَّمِينَ بِمَا تَكَلَّمْتَ بِهِ, كَأَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَكَ * وَكَذَا يُؤَيِّدُكَ فِي دَعْوَاكَ * وَيُثْبِتُ حُكْمَكَ * وَيُزَكِّي شُهَدَاءَكَ كُلُّ مَا قَامَ عَلَى صِدْقِ الْإِسْلاَمِيَّةِ * وَكُلُّ مَا أَثْبَتَ حُكْماً مِنْ أَحْكَامِهَا * وَكُلُّ مَا اسْتَنَدَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ قَصْرِ الْإِسْلاَمِ مِنَ الشَّوَاهِدِ وَالْبَرَاهِينِ وَمَسَامِيرِ الدَّلاَئِلِ * وَكَذَا إنْدَمَجَ فِي مَلْفُوظِكَ وَتَوَضَّعَ عَلَيْهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَيُمْنٌ جَسِيمٌ مِنَ الْفُيُوضَاتِ وَالْبَرَكَاتِ الْقُدْسِيَّةِ’* وَكَذَا اتَّصَلَ بِمَلْفُوظِكَ وَأَحَاطَ بِهِ مَعْنًى جَاذِبٌ, وَرُوحٌ جَالِبٌ مِنْ شَرَارَاتِ جَذَبَاتِ تَوَجُّهَاتِ جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ, وَمِنْ رَشَاشَاتِ رَشَحَاتِ رَشَفَاتِ قُلُوبِ الْمُوَحِّدِينَ الشَّارِبِينَ مَاءَ الْحَيَاةِ مِنْ عُيُونِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمُبَارَكَةِ *

    • {اعْلَمْ} **

أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الأُصُولِ: >أَنَّ الْمُثْبِتَ يُرَجَّحُ عَلَى النَّافِي< * وَسِرُّهُ: أَنَّ النَّفْيَ يَنْحَصِرُ فِي مَوْضِعِهِ, وَالْإِثْبَاتَ يَتَعَدَّى * وَلَوْ نَفَى أَلْفٌ, وَأَثْبَتَهُ أَلْفٌ؛ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمُثْبِتِينَ كَأَلْفٍ * بِسِرِّ أَنَّهُ إِذَا رَأَى وَاحِدٌ الشَّمْسَ مِنْ مِشْكَاةٍ, وَآخَرُ مِنْ أُخْرَى, وَهَكَذَا!.. فَكُلٌّ يُؤَيِّدُ كُلاًّ لِاِتِّحَادِ الْمَرْئِيِّ وَالْمَشْهُودِ مَعَ تَعَدُّدِ الْمَنَاظِرِ * وَإِذَا لَمْ يَرَهُ وَاحِدٌ لِعَدَمِ الْمِشْكَاةِ, وَآخَرُ لِضَعْفِ الْبَصَرِ, وَآخَرُ لِعَدَمِ النَّظَرِ وَهَكَذَا!. * فَقُوَّةُ كُلٍّ فِي نَفْسِهِ فَقَطْ؛ فَالْاِنْتِفَاءُ عِنْدَهُ لاَ يَدُلُّ عَلَى الْاِنْتِفَاءِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ * فَلاَ يُؤَيِّدُ أَحَدٌ أَحَداً لِاِخْتِلاَفِ الْأَسْبَابِ مَعَ تَعَدُّدِ الْمُدَّعَى * لِأَنَّ الْاِنْتِفَاءَ مُقَيَّدٌ عِنْدَ النَّافِي بِـ >عِنْدِي< مَثَلاً * فَإِذَا تَفَهَّمْتَ هَذَا السِّرَّ فَاعْلَمْ: أَنَّ اِتِّفَاقَ كُلِّ أَهْلِ الضَّلاَلَةِ وَالْكُفْرِ عَلَى نَفْيِ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْإِيمَانِيَّةِ؛ فَاِتِّفَاقُهُمْ لاَ تَأْثِيرَ فِيهِ, بَلْ كَحُكْمِ وَاحِدٍ * مَعَ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ يَنْحَصِرُ عَلَى النَّافِي فَقَطْ * وَأَمَّا اِتِّفَاقُ أَهْلِ الْهُدَى عَلَى الْمَسَائِلِ الْإِيمَانِيَّةِ؛ فَكُلٌّ يَتَأَيَّدُ بِكُلٍّ, كَأَنَّ الْكُلَّ شَوَاهِدُ كُلِّ وَاحِدٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْأَجْزَاءَ وَالْأَحْجَارَ فِي الْبِنَاءِ الْمُتَسَانِدِ يَسْتَنِدُ كُلُّ وَاحِدٍ بِقُوَّةِ الْكُلِّ, وَيَزُولُ ضَعْفُ كُلٍّ بِتَسَانُدِ الْكُلِّ * كَأَنَّ الْكُلَّ عَوَنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ وَمَسَامِيرُهُ * وَأَيْضاً: كَمَا أَنَّ الْأَغْصَانَ وَالْأَثْمَارَ فِي الشَّجَرَةِ تَسْتَنِدُ مَعْرِفَةُ صِفَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ بِالْكُلِّ, فَكُلٌّ لِكُلٍّ مُعَرِّفٌ؛ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَنْفَذٌ نَظَّارٌ * وَلِمَعْرِفَتِهِ مِعْيَارٌ * كَذَلِكَ، أَنَّ تَفَاصِيلَ لَمَعَاتِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلاَمِ وَمَسَائِلَهُمَا يَسْتَنِدُ كُلُّ جُزْئِيٍّ بِقُوَّةِ الْكُلِّ * فَبِاِزْدِيَادِ التَّفَاصِيلِ وَالْجُزْئِيَّاتِ يَزْدَادُ وُضُوحُ فَهْمِ كُلِّ جُزْءٍ * وَقُوَّةُ مَعْرِفَةِ كُلِّ جُزْئِيٍّ * وَإِذْعَانُ كُلِّ حُكْمٍ, وَإِيقَانُ كُلِّ مَسْأَلَةٍ * وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ فَالنَّفْسُ الشَّيْطَانَةُ تَعْكِسُ فَتَنْتَكِسُ؛ فَتَزْعُمُ ضَعْفَ الْجُزْءِ سَبَبَ ضَعْفِ الْكُلِّ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ كُلِّ الْكَوْنِ وَاحِدٌ قِيَاسِيٌّ لِإِمْكَانَاتِ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ’* وَبِالْعَكْسِ فَأَجْزَاءُ الْكَائِنَاتِ مَقَايِيسُ لِلْإِمْكَانَاتِ بَيْنَهَا كُلٌّ لِكُلٍّ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ أَصْغَرَ جُزْءٍ مِنْ أَعْظَمِ كُلٍّ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ الْكُلِّ كَماً * فَالثَّمَرَةُ تَحْتَاجُ إِلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّجَرَةِ * فَخَالِقُ الثَّمَرَةِ بَلْ حُجَيْرَةٍ مِنْ حُجَيْرَاتِهَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِقَ الشَّجَرَةِ, بَلْ خَالِقَ الْأَرْضِ, بَلْ خَالِقَ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي طَرَفَاهَا فِي غَايَةِ التَّبَاعُدِ, كُلُّ طَرَفٍ كَنَوَاةٍ تَسَنْبَلَتْ وَأَشْجَرَتْ وَتَفَرَّعَتْ؛ لاَ بُدَّ أَلَّا يَتَوَضَّعَ عَلَيْهَا الشُّكُوكُ وَالْأَوْهَامُ * إِذِ الْتِبَاسُ نَوَاةٍ بِنَوَاةٍ مُمْكِنٌ مَا بَقَتِ النَّوَاةُ نَوَاةً مَسْتُورَةً * وَأَمَّا إِذَا صَارَتْ شَجَرَةً وَأَثْمَرَتْ, ثُمَّ شَكَكْتَ فِي جِنْسِ النَّوَاةِ شَهِدَتِ الثَّمَرَاتُ عَلَيْهَا * وَلَوْ تَوَهَّمْتَهَا غَيْرَهَا, كَذَّبَتْكَ تِلْكَ الثَّمَرَاتُ * مَثَلاً: لاَ يَتَيَسَّرُ لَكَ فَرَضَ النَّوَاةِ الَّتِي اِنْقَلَبَتْ شَجَرَةَ التُّفَّاحِ نَوَاةَ حَنْظَلَةٍ, إِلاَّ بِتَوَهُّمِهَا إِيَّاهَا * أَوْ تَبْدِيلِ كُلِّ مَا أَثْمَرَتْ مِنَ التُّفَّاحَاتِ حَنْظَلاَتٍ وَهُوَ مُحَالٌ * أَلْنُّبُوَّةُ نَوَاةٌ؛ أَنْبَتَتْ شَجَرَةَ الْإِسْلاَمِيَّةِ بِأَزَاهِيرِهَا وَثَمَرَاتِهَا * وَالْقُرْآنُ شَمْسٌ؛ أَثْمَرَتْ سَيَّارَاتِ أَرْكَانِ الْإِسْلاَمِيَّةِ الْإِحْدَى عَشَرَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ كَمَا أَنَّ مَنْ يَرَى قِشْرَ بَيْضَةٍ اِنْقَشَعَتْ عَنْ طَيْرٍ هُمَائِيٍّ, تَكَمَّلَ وَطَارَ فِي السَّمَاءِ؛ ثُمَّ يَتَحَرَّى مَا يَسْمَعُ مِنْ كَمَالاَتِ ذَلِكَ الطَّيْرِ الطَّائِرِ فِي فَضَاءِ الْعَالَمِ فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْيَابِسَةِ، لاَ بُدَّ أَنْ يُغَالِطَ نَفْسَهُ أَوْ يُكَذِّبَ * وَكَذَا لَوْ نَظَرَ إِلَى فَلْقَتَيْ نَوَاةٍ اِنْكَشَفَتْ عَنْ شَجَرَةٍ، تَكَمَّلَتْ وَأَثْمَرَتْ وَمَدَّدَتْ أَغْصَانَهَا فِي جَوِّ السَّمَاءِ؛ ثُمَّ تَحَرَّى مَا قَرَعَ سَمْعَهُ مِنْ عَظَمَتِهَا وَثَمَرَاتِهَا وَأَزْهَارِهَا فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْمَطْرُوحَةِ فِي التُّرَابِ، لاَ بُدَّ أَنْ يَتَبَلَّهَ أَوْ يُنْكِرَ * كَذَلِكَ، أَنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَى صُورَةِ مَا نَقَلَهُ التَّوَارِيخُ مِنْ مَبَادِئِ ظُهُورِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ نَظَراً مَادِّيّاً وَسَطْحِيّاً وَصُورِيّاً؛ لاَ يَتَيَسَّرُ لَهُ دَرْكُهُ وَتَقْدِيرُ قِيمَتِهِ وَمَعْرِفَةُ شَخْصِيَّتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ * بَلْ لاَ بُدَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا نَقَلَهُ التَّوَارِيخُ وَالسِّيَرُ بِنَظَرِ قِشْرٍ رَقِيقٍ اِنْشَقَّ عَنْ قُمْرِيٍّ كَقَمَرٍ فِي جَوِّ الْمَلَكُوتِ * وَيَرَى مَا يَرَى مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الصُّورِيَّةِ كَقِشْرِ نَوَاةٍ انْكَشَفَتْ مِنْهَا شَجَرَةُ طُوبَاءَ الْمُحَمَّدِيَّةُ (ع’ص’م) الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ الْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ, وَتَنْمُو بِإِمْدَادِ الْفَيْضِ الرَّبَّانِيِّ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ * فَكُلَّمَا مَرَّ عَلَى سَمْعِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْوَالِ الصُّورِيَّةِ وَالْمَبْدَئِيَّةِ؛ فَلاَ بُدَّ أَنْ لاَ يَنْحَبِسَ عَلَيْهِ ذِهْنُهُ, بَلْ لِيَرْفَعْ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْهُ إِلَى مَا تَرَقَّى وَتَصَاعَدَ إِلَيْهِ الْآنَ مِمَّا لاَ يُدْرَكُ مُنْتَهَاهُ * وَكَذَا إِنَّ مِمَّا يُثَبِّطُ النَّظَرَ, لاَ سِيَّمَا نَظَرَ الْمُتَحَرِّي الشَّاكِّ؛ أَنَّهُ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَصْدَرِيَّةِ وَالْمَظْهَرِيَّةِ * وَبَيْنَ الْمَنْبَعِيَّةِ وَالْمَعْكَسِيَّةِ * وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْاِسْمِيِّ وَالْحَرْفِيِّ * وَبَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالتَّجَلِّيِّ * فَكَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَبْداً مَحْضاً, وَأَعْبَدَ خَلْقِ اللهِ لِلَّهِ؛ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ مَظْهَرٌ وَمَعْكَسٌ لِتَجَلِّيَاتِهِ تَعَالَى, وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ الْكَمَالاَتِ مِنْ فَيْضِهِ تَعَالَى * نَعَمْ، قَدْ ذَكَرْنَا مِرَاراً: أَنَّ الذَّرَّةَ لاَ تَسَعُ مَصْدَرِيَّةً وَلَوْ رَأْسَ ذُبَابَةٍ, وَلَكِنْ تَسَعُ مَظْهَرِيَّةً وَلَوْ نُجُومَ سَمَوَاتٍ * وَنَظَرُ الْغَفْلَةِ يَنْظُرُ أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ إِلَى الذَّاتِيِّ وَالْاِسْمِيِّ وَالْمَصْدَرِيَّةِ؛ فَيَتَوَهَّمُ الصَّنْعَةَ الْإِلَهِيَّةَ طَبِيعَةً طَاغُوتِيَّةً’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الدُّعَاءَ أُنْمُوذَجٌ لِأَسْرَارِ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ * إِذِ الدَّاعِي فِي نَفْسِهِ خُفْيَةً لاَ بُدَّ أَنْ يَعْتَقِدَ سَمَاعَ الْمَدْعُوِّ لِهَوَاجِسِ نَفْسِهِ, وَقُدْرَتَهُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلَبِهِ * فَيَسْتَلْزِمُ هَذَا الْاِعْتِقَادُ اعْتِقَادَ: >أَنَّ الْمَدْعُوَّ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ, وَقَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ *<.

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ كَمَا يُمْكِنُ دُخُولُ هَذِهِ الشَّمْسِ (سِرَاجِ الْعَالَمِ) فِي عَيْنِ الذُّبَابِ بِالتَّجَلِّي فَتَتَنَوَّرُ * وَلاَ يُمْكِنُ دُخُولُ شَرَارَةٍ مِنْ كِبْرِيتٍ فِي عَيْنِهَا بِالْأَصَالَةِ, بَلْ لَوْ دَخَلَتْ لَاِنْطَفَتِ الْعَيْنُ * كَذَلِكَ، يُمْكِنُ بَلْ يَجِبُ مَظْهَرِيَّةُ كُلِّ ذَرَّةٍ لِتَجَلِّيَاتِ أَسْمَاءِ شَمْسِ الْأَزَلِ * وَلاَ يُمْكِنُ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ ذَرَّةٌ مَصْدَراً وَظَرْفاً لِمُؤَثِّرٍ حَقِيقِيٍّ, وَلَوْ كَانَ أَصْغَرَ وَأَقَلَّ مِنَ الذَّرَّةِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا أَنَا الْمُتَمَرِّدُ الْمَغْرُورُ الْمُتَكَبِّـرُ! اُنْظُرْ إِلَى دَرَجَةِ ضَعْفِكَ وَعَجْزِكَ وَفَقْرِكَ وَمَسْكَنَتِكَ؛ إِذْ يُبَارِزُكَ وَيُصَارِعُكَ فَتَخِرُّ صَعْقاً الْحُوَيْنُ الَّذِي لاَ يُرَى إِلاَّ بِتَكْبِيرِهِ مَرَّاتٍ وَدَرَجَاتٍ( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

وَمِنْ صِغَرِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ يَجُولُ فِي خَرْدَلَةِ حَافِظَتِهِ, وَتَصِيرُ( ) تِلْكَ الْخَرْدَلَةُ عَلَيْهِ كَصَحْرَاءَ عَظِيمَةٍ يَسْرِي دَائِماً وَلاَ يَقْطَعُهَا إِلَى الْجَانِبِ * فَقِسْ دَرَجَةَ مَنْ يَسْرِي دَائِماً وَلاَ يَتِمُّ دَوْرُ خَرْدَلَةٍ؛ وَمَعَ أَنَّ الْخَرْدَلَةَ( ) الْحَافِظَةِ تَصِيرُ كَصَحْرَاءَ عَظِيمَةٍ عَلَى عَقْلِ الْإِنْسَانِ * كَذَلِكَ يَصِيرُ ذَلِكَ الْعَقْلُ كَبَحْرٍ يَبْتَلِعُ الدُّنْيَا * فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الْخَرْدَلَةَ لِعَقْلِ الْإِنْسَانِ كَالدُّنْيَا, وَجَعَلَ الدُّنْيَا لَهُ كَخَرْدَلَةٍ!. *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِنْ أَشَدِّ ظُلْمِ الْبَشَرِ؛ إِعْطَاءَ ثَمَرَاتِ مَسَاعِي الْجَمَاعَةِ لِشَخْصٍ وَتَوَهُّمَ صُدُورِهَا مِنْهُ, فَيَتَوَلَّدُ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ شِرْكٌ خَفِيٌّ * إِذْ تَوَهَّمَ صُدُورَ مُحَصِّلِ كَسْبِ الْجَمَاعَةِ وَأَثَرَ جُزْئِهِمُ الْاِخْتِيَارِيِّ مِنْ شَخْصٍ؛ لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ بِتَصَوُّرِ( ) ذَلِكَ الشَّخْصِ ذَا قُدْرَةٍ خَارِقَةٍ تَرَقَّتْ إِلَى دَرَجَةِ الْإِيْجَادِ * وَمَا الْآلِهَةُ اليُونَانِيِّينَ وَالْوَثَنِيِّينَ( ) إِلاَّ تَوَلَّدَتْ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ الظَّالِمَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْإِنْسَانَ كَدَوَائِرَ مُتَدَاخِلَةٍ مُتَّحِدَةِ الْمَرْكَزِ * فَفِي دَائِرَةٍ لِبَاسُهُ, جِسْمُهُ * وَفِي أُخْرَى بَلَدُهُ * وَفِي أُخْرَى وَجْهُ الْأَرْضِ * وَفِي أُخْرَى عَالَمُ الشَّهَادَةِ وَهَكَذَا! * لَكِنَّهُ لاَ فِعْلَ وَلاَ تَأْثِيرَ لَهُ إِلاَّ فِي الدَّائِرَةِ الصُّغْرَى * وَفِيمَا سِوَاهَا مِنَ الدَّوَائِرِ عَاجِزٌ مِسْكِينٌ؛ مُنْفَعِلٌ وَقَابِلٌ لِأَخْذِ الْفَيْضِ فَقَطْ * لَوْ تَفَعَّلَ مَا فَعَلَ إِلاَّ تَغْيِيرَ صُورَةِ الْفَيْضِ بِالْقُصُورِ وَالنُّقْصَانِ, اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَلْوَانِ الْعَدَمِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ فِي الذَّاكِرِ لَطَائِفُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْاِسْتِفَاضَةِ؛ بَعْضُهَا( ) يَتَوَقَّفُ عَلَى شُعُورِ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ, وَاسْتِفَادَةُ بَعْضٍ لاَ شُعُورِيٍّ, تَحْصُلُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُ * فَالذِّكْرُ مَعَ الْغَفْلَةِ أَيْضاً لاَ يَخْلُو مِنَ الْإِفَاضَةِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ اللهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي تَرْكِيبٍ عَجِيبٍ, وَوَحْدَةٍ فِي كَثْرَةٍ بَسِيطٍ’* وَهُوَ مُرَكَّبٌ فَرْدٌ, وَهُوَ جَمَاعَةٌ * لَهُ أَعْضَاءٌ وَحَوَاسٌّ وَلَطَائِفُ, لِكُلٍّ فِي ذَاتِهِ أَلَمٌ وَلَذَّةٌ؛ مَعَ تَأَلُّمِهِ وَتَلَذُّذِهِ مِنْ إنْفِعَالاَتِ الْكُلِّ, وَتَأَثُّرَاتِ أَخَوَاتِهِ بِدَلِيلِ سُرْعَةِ التَّعَاوُنِ وَالْإِمْدَادِ بَيْنَهَا * فَمِنْ حِكْمَةِ هَذِهِ الْخِلْقَةِ؛ جَعَلَ الْإِنْسَانَ مَظْهَراً لِأَنْوَاعِ اللَّذَائِذِ, وَلِأَقْسَامِ النِّعَمِ, وَلِأَوْصَافِ الْكَمَالِ لاَ سِيَّمَا فِي الْآخِرَةِ, إِنْ سَلَكَ فِي سَبِيلِ الْعُبُودِيَّةِ * وَكَذَا جَعَلَهُ مَحَلاًّ لِأَنْوَاعِ الْآلاَمِ وَلِأَشْكَالِ الْعَذَابِ وَلِأَقْسَامِ النِّقَمِ؛ إِنْ ضَلَّ فِي طَرِيقِ الْأَنَانِيَّةِ * فَأَلَمُ وَجَعِ السِّنِّ غَيْرُ أَلَمِ وَجَعِ الْأُذُنِ, وَلَذَّةُ الْعَيْنِ غَيْرُ لَذَّةِ اللِّسَانِ * وَاللَّمْسُ وَالْخَيَالُ وَالْعَقْلُ وَالْقَلْبُ وَهَكَذَا!. *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ كَثْرَةَ فَوَائِدِ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْآجَالِ؛ دَلِيلٌ نَيِّرٌ عَلَى تَعَيُّنِهَا فِي عِلْمِ الْبَارِي * وَلَوْ تَعَيَّنَتْ, لَتُوُهِّمَ عَدَمُ تَعَيُّنِهَا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ بِتَوَهُّمِ تَفْوِيضِ تَعَيُّنِهَا عَلَى الْقَانُونِ الْفِطْرِيِّ * وَإِذْ لَمْ تَتَعَيَّنْ فِيمَا بَيْنَ الْحَدَّيْنِ الْمُعَيَّنَيْنِ, لَاحَقَّ لِلْوَهْمِ أَنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ التَّعَيُّنِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الذِّكْرَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الشَّعَائِرِ, وَالشَّعَائِرُ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ تَنَالَهَا أَيْدِي الرِّيَاءِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ تَكْرَارَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؛ لِتَجْرِيدِ الْقَلْبِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَلاَقَاتِ وَطَبَقَاتِ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةِ * وَلِأَنَّ فِي الذَّاكِرِ أَنْوَاعاً( ) مِنَ اللَّطَائِفِ وَطَبَقَاتٍ مِنْ حَوَاسٍّ؛ لِكُلٍّ تَوْحِيدٌ وَتَجْرِيدٌ مِنَ الشِّرْكِ الْمُنَاسِبِ لَهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْفَاتِحَةَ الْمَقْرُوءَةَ مَثَلاً, لاَ تَفَاوُتَ بَيْنَ إِهْدَاءِ مِثْلِ ثَوَابِهَا لِوَاحِدٍ أَوْ لِأُلُوفٍ أَوْ لِمَلاَيِينَ * كَمِثْلِ الْكَلِمَةِ الْمَلْفُوظَةِ سَوَاءٌ فِي إسْتِمَاعِهَا الْفَرْدُ وَالأُلُوفُ؛ لِسِرٍّ لَطِيفٍ فِي سُرْعَةِ التَّنَاسُلِ وَالْاِسْتِنْسَاخِ فِي اللَّطِيفِ’* وَلِرَمْزٍ شَرِيفٍ فِي التَّكَثُّرِ مَعَ الْوَحْدَةِ فِي النُّورَانِيِّ * كَمِصْبَاحٍ قَابَلَهُ مِرْآةٌ فَرْدٌ أَوْ أُلُوفٌ مِنَ الْمَرَايَا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَإِجَابَةِ دَعْوَةِ الْمُنْعِمِ الَّذِي أَفَاضَ فَيْضَهُ وَبَسَطَ مَائِدَةَ إِنْعَامِهِ عَلَى مَقَامِ صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ * وَإِذَا وَصَفَ الْمُصَلِّي النَّبِيَّ بِصِفَةٍ؛ لاَ بُدَّ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي مَنَاطِ تِلْكِ الصِّفَةِ, لِيَشْتَاقَ الْمُصَلِّي لِتَصْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا الْعَالِمُ الدِّينِيُّ! لاَ تَحْزَنْ عَلَى عَدَمِ الرَّغْبَةِ فِي عِلْمِكَ وَقِلَّةِ أُجْرَتِكَ * إِذِ الْمُكَافَأَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ تَنْظُرُ إِلَى جِهَةِ الْاِحْتِيَاجِ, لاَ إِلَى دَرَجَةِ الْقِيمَةِ الذَّاتِيَّةِ * إِذْ جِهَةُ الْمَزِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ نَاظِرَةٌ إِلَى الْمُكَافَأَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ * لاَ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا ثَمَناً قَلِيلاً مِنْ مَتَاعِ الْغُرُورِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا الْمُحَرِّرُ وَالْخَطِيبُ الْعُمُومِيُّ بِلِسَانِ الْجَرِيدَةِ! لَكَ أَنْ تَتَوَاضَعَ وَتَهْضِمَ نَفْسَكَ, وَتُعْلِنَ قُصُورَكَ تَنَدُّماً * وَلاَ حَقَّ لَكَ أَنْ تَتَمَرَّدَ بِالتَّجَاهُرِ بِمَا يُضَادُّ شَعَائِرَ الْإِسْلاَمِ * فَأَيْنَ جَازَ لَكَ, وَمَنْ وَكَّلَكَ, وَبِأَيِّ حَقٍّ تَتَجَاسَرُ عَلَى إِعْلاَنِ الْقُصُورِ الدِّينِيِّ؟ بَلْ إِشَاعَةِ الضَّلاَلَةِ بِحِسَابِ الْمِلَّةِ وَبِاسْمِ الأُمَّةِ وَتَظُنُّ الْمِلَّةَ عَلَى قَلْبِكَ الضَّالِّ * فَلاَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ فُضُولِيّاً أَنْ يَهْضُمَ نَفْسَ غَيْرِهِ, حَتَّى نَفْسَ أَخِيهِ * فَمِنْ أَيْنَ جَازَ لَكَ أَنْ تُزَيِّفَ عَامَّةَ الْمِلَّةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ بِإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِمْ؛ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلاَمِيَّةِ؟! وَلاَ رَيْبَ أَنَّ نَشْرَ مَا لاَ يَقْبَلُهُ جُمْهُورُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَرَائِدِ الْعُمُومِيَّةِ مِنَ الْمُسْتَحْدَثَاتِ؛ دَعْوَةٌ إِلَى الضَّلاَلَةِ, فَنَاشِرُهَا دَاعٍ إِلَى الضَّلاَلَةِ’* فَلاَ يُجَابُ بِالضَّرْبِ عَلَى فَمِهِ فَقَطْ, بَلْ يُعَنَّفُ بِالْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الكُفَّارَ لاَ سِيَّمَا الْأَوْرُوبَّائِيُّونَ, وَلاَ سِيَّمَا شَيَاطِينُ( ) فِي إِنْكِلْتَرَةَ وَأَبَالِيسُ الْفِرَنْكِ( ) أَعْدَاءٌ أَلِدَّاءُ وَخُصَمَاءُ مُعَانِدُونَ أَبَداً لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْقُرْآنِ * بِسِرِّ أَنَّ الْقُرْآنَ حَكَمَ عَلَى مُنْكِرِ الْقُرْآنِ وَالْإِسْلاَمِ وَحَكَمَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ بِالْإِعْدَامِ الْأَبَدِيِّ؛ فَهُمْ مَحْكُومُونَ بِالْإِعْدَامِ أَبَداً وَالْحَبْسِ فِي جَهَنَّمَ سَرْمَداً بِنُصُوصِ ذَلِكَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * فَيَا أَهْلَ الْقُرْآنِ كَيْفَ تُوَالُونَ مَنْ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُوَالُوكُمْ أَوْ يُحِبُّكُمْ أَبَداً * فَقُولُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَدَنِيَّةِ الْكَافِرِينَ وَمَدَنِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ الأُوْلَى( ) وَحْشَةٌ مُسْتَحَالَةٌ * ظَاهِرُهَا مُزَيَّنٌ, بَاطِنُهَا مُشَوَّهٌ * صُورَتُهَا مَأْنُوسَةٌ, سِيرَتُهَا مُوحِشَةٌ * أَمَّا مَدَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ؛ بَاطِنُهَا أَعْلَى مِنْ ظَاهِرِهَا, مَعْنَاهَا أَتَمُّ مِنْ صُورَتِهَا * فِي جَوْفِهَا أُنْسِيَّةٌ وَتَحَبُّبٌ وَتَعَاوُنٌ * وَالسِّرُّ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِسِرِّ الْإِيْمَانِ وَالتَّوْحِيدِ يَرَى أُخُوَّةً بَيْنَ كُلِّ الْكَائِنَاتِ, وَأُنْسِيَّةً وَتَحَبُّباً بَيْنَ أَجْزَائِهَا, لاَ سِيَّمَا بَيْنَ الْآدَمِيِّيِنَ, وَلاَ سِيَّمَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَيَرَى أُخُوَّةً فِي الْأَصْلِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَاضِي, وَتَلاَقِياً فِي الْمُنْتَهَى، وَالنَّتِيجَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ * وَأَمَّا الْكَافِرُ فَبِحُكْمِ الْكُفْرِ لَهُ أَجْنَبِيَّةٌ وَمُفَارَقَةٌ, بَلْ نَوْعُ عَدَاوَةٍ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ نَفْعَ لَهُ فِيهِ, حَتَّى مَعَ أَخِيهِ * إِذْ لاَ يَرَى الْأُخُوَّةَ إِلاَّ نُقْطَةَ اِتِّصَالٍ بَيْنَ اِفْتِرَاقٍ أَزَلِيٍّ مُمْتَدٍّ, وَفِرَاقٍ أَبَدِيٍّ سَرْمَدٍ * إِلاَّ أَنَّهُ بِنَوْعِ حَمِيَّةٍ مِلِيَّةٍ أَوْ غَيْرَةٍ جِنْسِيَّةٍ؛ تَشْتَدُّ تِلْكَ الْأُخُوَّةُ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ * مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَافِرَ لاَ يُحِبُّ فِي مَحَبَّةِ أَخِيهِ إِلاَّ نَفْسَ نَفْسِهِ * وَأَمَّا مَا يُرَى فِي مَدَنِيَّةِ الْكُفَّارِ مِنَ الْمَحَاسِنِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمَعَالِي الرُّوحِيَّةِ؛ فَمِنْ تَرَشُّحَاتِ مَدَنِيَّةِ الْإِسْلاَمِ, وَانْعِكَاسَاتِ إِرْشَادَاتِ الْقُرْآنِ وَصَيْحَاتِهِ, وَمِنْ بَقَايَا لَمَعَاتِ الْأَدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ * فَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ بِخَيَالِكَ إِلَى مَجْلِسِ سَيْدَا قُدِّسَ سِرُّهُ فِي قَرْيَةِ >نُورْشِينْ<, وَمَا أَظْهَرَتْ مِنَ الْمَدَنِيَّةِ الْإِسْلاَمِيَّةِ بِصُحْبَتِهِ الْقُدْسِيَّةِ؛ تَرَى فِيهَا مُلُوكاً فِي زَيِّ الْفُقَرَاءِ, وَمَلاَئِكَةً فِي زَيِّ الْأَنَاسِيِّ * ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى >بَارِسْ< وَادْخُلْ فِي لَجْنَةِ الْأَعَاظِمِ؛ تَرَى فِيهَا عَقَارِبَ تَلَبَّسُوا بِلِبَاسِ الْأَنَاسِيِّ, وَعَفَارِيتَ تَصَوَّرُوا بِصُوَرِ الْآدَمِيِّيِنَ * وَقَدْ بَيَّنْتُ الْفُرُوقَ بَيْنَ مَدَنِيَّةِ الْقُرْآنِ وَالْمَدَنِيَّةِ الْحَاضِرَةِ فِي >لَمَعَاتٍ< الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1921 فِي صَحِيفَةِ 13-15, وَفِي >سُنُوحَاتٍ< الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1919 فِي صَحِيفَةِ 23-26، فَرَاجِعْهُمَا لِتَرَى فِيهِمَا أَمْراً عَظِيماً تَغَافَلَ عَنْهُ النَّاسُ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا مَنْ يَطْلُبُ الْاِجْتِهَادَ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ فِي هَذَا الزَّمَانِ! إِنَّ بَابَ الْاِجْتِهَادِ مَفْتُوحٌ, لَكِنْ لاَ يَجُوزُ لَكُمُ الدُّخُولُ فِيهِ لِسِتَّةِ أُمُورٍ * فَأَوَّلاً: لِأَنَّ عِنْدَ هُبُوبِ الْعَاصِفَاتِ فِي الشِّتَاءِ يُسَدُّ الْمَنَافِذُ الضَّيِّقَةُ, فَكَيْفَ تُفْتَحُ الْأَبْوَابُ * وَعِنْدَ إِحَاطَةِ سَيْلِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْبِدْعِيَّاتِ, وَتَهَاجُمِ الْمُخَرِّبَاتِ لاَ يُشَقُّ الْجِدَارُ بِفَتْحِ مَنَافِذَ * وَثَانِياً: إِنَّ الضَّرُورِيَّاتِ الدِّينِيَّةَ الَّتِي لاَ مَجَالَ لِلْاِجْتِهَادِ فِيهَا, وَالَّتِي هِيَ فِي حُكْمِ الْغِذَاءِ وَالْقُوتِ لِلْمُسْلِمِينَ, قَدْ أُهْمِلَتْ وَتَزَلْزَلَتْ * فَلاَ بُدَّ صَرْفُ كُلِّ الْهِمَّةِ لِإِقَامَتِهَا لِاِمْتِثَالِهَا( ) وَإِحْيَائِهَا, ثُمَّ بَعْدَ اللَّتَيَا * وَالَّتِي تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَى الْاِجْتِهَادِ فِي النَّظَرِيَّاتِ الَّتِي تَوَسَّعَتْ بِاِجْتِهَادَاتِ السَّلَفِ بِحَيْثُ لاَ يَضِيقُ عَنْ حَاجَاتِ كُلِّ الزَّمَانِ * وَثَالِثاً: إِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ مَتَاعاً مَرْغُوباً يَشْتَهِرُ فِي سُوقِهِ, تُجْلَبُ إِلَيْهِ الرَّغَبَاتُ وَتُوَجَّهُ وَتَنْجَذِبُ الْأَفْكَارُ إِلَيْهِ؛ كَالسِّيَاسَةِ وَتَأْمِينِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْآنَ * وَكَإِسْتِنْبَاطِ مَرْضِيَّاتِ خَالِقِ الْعَالَمِ مِنْ كَلاَمِهِ, وَتَأْمِينِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي زَمَانِ السَّلَفِ * فَلِأَجْلِ تَوَجُّهِ الْأَذْهَانِ وَالْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ فِي الْجُمْهُورِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَرْضِيَّاتِ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ صَارَ كُلُّ مَنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ جَيِّدٌ يَتَدَرَّسُ قَلْبَهُ وَفِطْرَتَهُ ـ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُ ـ مِنْ كُلِّ مَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْوُقُوعَاتِ وَالْمُحَاوَرَاتِ * كَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُعَلِّمٌ يُلَقِّنُ فِطْرَتَهُ إِسْتِعْدَاداً إِحْضَارِيّاً لِلْاِجْتِهَادِ, وَحَتَّى يَكَادُ زَيْتُ ذِهْنِهِ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارُ كَسْبٍ؛ فَإِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْاِجْتِهَادِ صَارَ لَهُ نُوراً عَلَى نُورٍ * وَأَمَّا الْآنَ فَلِتَشَتُّتِ الْأَفْكَارِ وَالْقُلُوبِ, وَانْقِسَامِ الْعِنَايَةِ وَالْهِمَّةِ, وَتَحَكُّمِ السِّيَاسَةِ وَالْفَلْسَفَةِ فِي الْأَذْهَانِ؛ لاَ يُمْكِنُ لِمَنْ كَانَ فِي ذَكَاءِ >سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ< مَثَلاً، أَنْ يُحَصِّلَ الْاِجْتِهَادَ إِلاَّ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِ وَقْتِ مَا حَصَّلَ السُّفْيَانُ الْاِجْتِهَادَ فِيهِ * إِذِ السُّفْيَانُ يَبْتَدِئُ تَحْصِيلُهُ الْفِطْرِيُّ مِنْ حَيْثُ( ) التَّمْيِيزُ, فَيَتَهَيَّأُ إِسْتِعْدَادُهُ كَالْكِبْرِيتِ لِلنَّارِ * وَأَمَّا نَظِيرُهُ الْآنَ ـ فَبِسِرِّ مَا مَرَّ آنِفاً ـ يَتَبَاعَدُ اسْتِعْدَادُهُ بِدَرَجَةِ تَبَحُّرِهِ فِي الْفُنُونِ الْحَاضِرَةِ, وَيَتَقَاسَى عَنْ قَبُولِ الْاِجْتِهَادِ بِدَرَجَةِ تَغَلْغُلِهِ فِي الْعُلُومِ الْأَرْضِيَّةِ * وَرَابِعاً: إِنَّ مَيْلَ التَّوْسِيعِ وَالْاِجْتِهَادِ إِنْ كَانَ مِنَ الدَّاخِلَيْنِ بِحَقٍّ فِي دَائِرَةِ كَمَالِ الْإِسْلاَمِ, بِالْمَظْهَرِيَّةِ لِلتَّقْوَى الْكَامِلِ وَامْتِثَالِ الضَّرُورِيَّاتِ؛ يَكُونُ ذَلِكُ الْمَيْلَ كَمَالاً وَتَكَمُّلاً * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُهْمِلُ الضَّرُورِيَّاتِ وَيُرَجِّحُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَوِيَّةَ عَلَى الْآخِرَةِ؛ يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَيْلُ مَيْلَ تَخْرِيبٍ وَوَسِيلَةٍ لِحَلِّ رَقَبَةِ التَّكْلِيفِ عَنْ عُنُقِهِ * وَخَامِساً: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ حِكْمَةٌ مُرَجِّحَةٌ, وَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ * وَنَظَرُ هَذَا الزَّمَانِ يُصَيِّرُ الْمَصْلَحَةَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ * وَكَذَا نَظَرُ هَذَا الزَّمَانِ يَتَوَجَّهُ أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ إِلَى السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ * مَعَ أَنَّ نَظَرَ الشَّرِيعَةِ مُتَوَجِّهٌ أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ إِلَى السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ, وَثَانِياً وَبِالْعَرَضِ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسِيلَةُ الْآخِرَةِ * وَكَذَا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا, وَعَمَّتِ الْبَلِيَّةُ بِهَا حَتَّى صَارَتْ مِنَ الضَّرُورَاتِ( ) * فَلِتَوَلُّدِهَا مِنْ سُوءِ الْاِخْتِيَارِ, وَمِنَ الْمُيُولِ الْغَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لاَ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَلاَ تَصِيرُ مَدَاراً لِلْأَحْكَامِ الرُّخَصِيَّةِ( ) * كَمَا إِنَّ مَنْ سَكِرَ بِشُرْبِ حَرَامٍ, لاَ يُعْذَرُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ فِي حَالَةِ السُّكْرِ وَهَكَذَا * فَالْاِجْتِهَادَاتُ بِهَذَا النَّظَرِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَصِيرُ أَرْضِيَّةً لاَ سَمَاوِيَّةً * فَالتَّصَرُّفُ فِي أَحْكَامِ خَالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي عِبَادِهِ بِلاَ إِذْنِهِ مَرْدُودٌ * مَثَلاً: يَسْتَحْسِنُ بَعْضُ الْغَافِلِينَ الْخُطْبَةَ بِالتُّرْكِيَّةِ لِتَفْهِيمِ السِّيَاسَةِ الْحَاضِرَةِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ * فَهَذَا الْغَافِلُ الْمِسْكِينُ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ السِّيَاسَةَ الْحَاضِرَةَ بِكَثْرَةِ الْكَذِبِ وَالْحِيلَةِ وَالشَّيْطَنَةِ فِيهَا, صَارَتْ كَأَنَّهَا وَسْوَسَةُ الشَّيَاطِينِ * فَلاَ حَقَّ لِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ السِّيَاسِيَّةِ أَنْ تَرْتَقِيَ إِلَى مَقَامِ تَبْلِيغِ الْوَحْيِ * وَكَذَا لاَ يَفْهَمُ هَذَا الْجَاهِلُ أَنَّ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ إِنَّمَا يَحْتَاجُونَ لِاِخْطَارِ الضَّرُورِيَّاتِ, وَتَذْكِيرِ الْمُسَلَّمَاتِ, وَالتَّشْوِيقِ عَلَى اِمْتِثَالِ الْحَقَائِقِ الْمُتَعَارَفَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلاَمِ, وَمَرَاتِبِ الْإِخْلاَصِ وَالْإِحْسَانِ * فَبِكَثْرَةِ التَّسَامُعِ يَتَسَاوَى الْعَوَامُّ وَالْعُلَمَاءُ فِي التَّذَكُّرِ وَالتَّخَطُّرِ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ * إِذِ الْعَجَمِيُّ يَفْهَمُ الْمَئَالَ إِجْمَالاً وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَعْنَى * وَكَذَا لاَ يَعْقِلُ ذَلِكَ الْغَافِلُ أَنَّ عَرَبِيَّةَ الْخُطْبَةِ وَسْمٌ سَمَاوِيٌّ مُسَدَّدٌ وَمُزَيَّنٌ فِي سَمَاءِ وَحْدَةِ الْإِسْلاَمِ, وَبِالتَّغْيِيرِ( ) يَصِيرُ وَشْماً مُشَتَّتاً مُشَيَّناً *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا مَنْ أَحَاطَ بِهِ الْغَفْلَةُ وَأَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الطَّبِيعَةُ, حَتَّى صَارَ أَعْمَى وَأَصَمَّ؛ يَعْبُدُ الْأَسْبَابَ فِي ظُلُمَاتِ الطَّبِيعَةِ الْمَوْهُومَةِ! إِنِّي أُتَرْجِمُ لَكَ لِسَاناً وَاحِداً مِنْ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْسِنَةً يَتَكَلَّمُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مُرَكَّبَاتِ الْكَائِنَاتِ وَذَرَّاتِهَا، شَاهِدَاتٌ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ وَوَحْدَتِهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ * وَهُوَ( ) أَنَّ اِضْطِرَابَاتِ الْأَرْوَاحِ وَالْعُقُولِ النَّاشِئَةَ مِنْ ضَلاَلاَتِهَا, النَّاشِئَةَ مِنْ اِسْتِنْكَارَاتِهَا, النَّاشِئَةَ مِنَ الْاِسْتِبْعَادِ وَالْاِسْتِغْرَابِ وَالْحَيْرَةِ فِي إِسْنَادِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَنْفُسِهَا وَإِلَى الْأَسْبَابِ الْإِمْكَانِيَّةِ؛ تُلْجِئُ الْأَرْوَاحَ وَالْعُقُولَ لِلْفِرَارِ إِلَى الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ * الَّذِي بِقُدْرَتِهِ يَحْصُلُ إِيْضَاحُ كُلِّ مُشْكِلٍ, وَبِإِرَادَتِهِ يَحْصُلُ فَتْحُ كُلِّ مُغْلَقٍ, وَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * فَإِنْ شِئْتَ تَحْقِيقَهُ فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمُوَازَنَةِ وَهِيَ: أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ إِمَّا فَاعِلُهَا جَانِبُ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ, وَإِمَّا جَانِبُ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ * فَمَا يُتَوَهَّمُ بِقُصُورِ النَّظَرِ مِنَ الْكُلْفَةِ وَالْاِسْتِبْعَادِ وَالْاِسْتِغْرَابِ فِي إِسْنَادِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْوَاجِبِ الْوُجُودِ؛ يَصِيرُ مُحَقَّقاً عِنْدَ عَدَمِ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ * فَتِلْكَ الْأُمُورُ الْمَوْهُومَةُ عِنْدَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ؛ تَصِيرُ مُحَقَّقَةً عِنْدَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْكَثْرَةِ (لِقُصُورِ أَيِّ سَبَبٍ كَانَ وَضَعْفِهِ عَنْ تَحَمُّلِ أَيِّ مُسَبَّبٍ كَانَ) فِي جَانِبِ الْكَثْرَةِ دُونَ الْوَحْدَةِ * فَمَا يُتَوَهَّمُ هُنَاكَ, مُتَحَقِّقٌ هُنَا * ثُمَّ بَعْدَ هَذَا, تَتَضَاعَفُ الْكُلْفَةُ وَالْاِسْتِبْعَادُ وَالْاِسْتِغْرَابُ عَدَدَ أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ * مَعَ أَنَّهَا فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ كَانَتْ وَاحِدَةً مَوْهُومَةً, وَصَارَتْ هُنَا حَقِيقَةً مُتَضَاعِفَةً عَدَدَ أَجْزَاءِ الْكَائِنَاتِ * إِذْ فِي الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ تَعَالَى, نِسْبَةُ كَثِيرٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ إِلَى وَاحِدٍ مُبَايِنِ الْمَاهِيَّةِ لَهَا * وَفِي جَانِبِ الْكَثْرَةِ نِسْبَةُ وَاحِدٍ إِلَى كَثِيرٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ مُتَمَاثِلَةِ الْمَاهِيَّةِ * إِذِ النَّحْلَةُ مَثَلاً لَوْ لَمْ تُسْنَدْ إِلَى الْوَاجِبِ الْوَاحِدِ؛ لَلَزِمَ اِشْتِرَاكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي إِيْجَادِهَا لِعَلاَقَتِهَا بِأَرْكَانِ الْعَالَمِ * مَعَ أَنَّ صُدُورَ الْكَثِيرِ عَنِ الْوَاحِدِ أَسْهَلُ بِمَرَاتِبَ مِنْ صُدُورِ الْوَاحِدِ عَنِ الْكَثِيرِينَ الْمُتَشَاكِسِينَ الصُّمِّ الْعُمْيِ, الَّذِينَ لاَ يَزِيدُ اِخْتِلاَطُهُمْ إِلاَّ أَعَمِّيَّتَهُمْ وَأَصَمِّيَّتَهُمْ * ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ, إِنَّ الْكُلْفَةَ لَوْ كَانَتْ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ مِثْلُ ذَرَّةٍ, تَتَرَقَّى فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي إِلَى أَمْثَالِ الْجِبَالِ * إِذِ الْوَاحِدُ بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ يُحَصِّلُ وَضْعِيَّةً وَنَتِيجَةً لِلْكَثِيرِ, لاَ يَتَيَسَّرُ لِلْكَثِيرِ ـ لَوْ أُحِيلَتْ عَلَيْهِمْ ـ أَنْ يُحَصِّلُوا تِلْكَ الْوَضْعِيَّةَ, أَوْ يَصِلُوا إِلَى تِلْكَ النَّتِيجَةِ إِلاَّ بِأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ وَتَكَلُّفَاتٍ عَظِيمَةٍ؛ كَالْأَمِيرِ مَعَ نَفَرَاتِهِ, وَالْفَوَّارَةِ مَعَ قَطَرَاتِهَا, وَالْمَرْكَزِ مَعَ نُقَاطِ دَائِرَتِهِ * ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ, إِنَّ الْاِسْتِبْعَادَ وَالْاِسْتِغْرَابَ الْمَوْهُومَيْنِ( ) فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ, يَنْقَلِبَانِ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي إِلَى مُحَالاَتٍ مُتَسَلْسِلَةٍ * مِنْ بَعْضِ الْمُحَالاَتِ: فَرَضُ صِفَاتِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ؛ إِذْ كَمَالُ الصَّنْعَةِ وَنُقُوشُهَا وَإِتِّقَانُهَا تَقْتَضِي عِلْماً مُحِيطاً, وَبَصَراً مُطْلَقاً, وَقُدْرَةً تَامَّةً وَإِرَادَةً شَامِلَةً * وَمِنْهَا: فَرَضُ شُرَكَاءَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالْوُجُوبِ الَّذَيْنِ لاَ يَقْبَلاَنِ( ) الشَّرِكَةَ أَصْلاً * إِذْ لَوْ لَمْ تُسْنَدِ الْأَشْيَاءُ إِلَى الْوَاحِدِ الْوَاجِبِ؛ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَفِي ضِمْنِهِ وَاحِدٌ مِنَ الْآلِهَةِ * وَمِنْهَا: فَرَضُ كُلِّ ذَرَّةٍ حَاكِماً عَلَى الْكُلِّ وَمَحْكُوماً لِلْكُلِّ وَلِكلٍّ * كَالْأَحْجَارِ فِي الْبِنَاءِ الْمُعَقَّدِ؛ لَوِ انْتَفَى الْبَانِي لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَجَرٍ كَالْبَانِي عَالِماً حَاكِماً مُهَنْدِساً بَانِياً * إِذِ النِّظَامُ وَالْاِنْتِظَامُ وَالْإِتْقَانُ وَالْحِكَمُ هَكَذَا تَقْتَضِي, لاَ مَحَلَّ لِلتَّصَادُفِ فِيهَا * وَمِنْهَا: فَرَضُ الشُّعُورِ الْمُحِيطِ وَالْعِلْمِ التَّامِّ وَالْبَصَرِ الْمُطْلَقِ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ وَسَبَبٍ * إِذِ الْمُوَازَنَةُ وَالتَّنَاظُرُ وَالتَّسَانُدُ وَالتَّعَاوُنُ يَقْتَضِي شُعُوراً مُحِيطاً وَبَصَراً مُطْلَقاً, وَهَكَذَا مِنَ الصِّفَاتِ الْمُحِيطَةِ * فَلَوْ أُسْنِدَتِ( ) الْأَشْيَاءُ إِلَى أَنْفُسِهَا لَزِمَ تَصَوُّرُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي أَنْفُسِهَا * وَلَوْ أُسْنِدَتْ إِلَى الْأَسْبَابِ لَزِمَ تَصَوُّرُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي أَسْبَابِهَا, بَلْ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِهَا * وَهَكَذَا مِنَ الْمُحَالاَتِ الْمُتَسَلْسِلَةِ, وَالْمُمْتَنِعَاتِ الْعَقْلِيَّةِ, وَالأَبَاطِيلِ الَّتِي تَمَجُّهَا الْأَوْهَامُ * وَأَمَّا إِذَا أُسْنِدَتْ إِلَى صَاحِبِهَا الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ صَاحِبُ مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ؛ لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ أَنْ تَصِيرَ الذَّرَّاتُ وَمُرَكَّبَاتُهَا ـ كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ الْحَامِلَةِ لِتَمَاثِيلِ الشَّمْسِ بِالْاِنْعِكَاسِ ـ مَظَاهِرَ لِتَجَلِّيَاتِ لَمَعَاتِ الْقُدْرَةِ النُّورَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الْمُحِيطَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَّةِ, الْمُسْتَنِدَةِ بَلِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّيْنِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَيْنِ * وَهِيَ الْقُدْرَةُ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَيْهَا مُعْجِزَاتُ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَمْعَتُهَا الْفَذَّةُ أَجَلُّ مِنْ شَمْسِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ؛ بِسِرِّ التَّجَزُّؤِ وَالتَّوْزِيعِ وَالْاِنْقِسَامِ فِي جَانِبِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ دُونَ جَانِبِ الْوُجُوبِ وَالْوَحْدَةِ * وَإِنَّ ذَرَّةَ تِلْكَ الْقُدْرَةِ أَعْظَمُ مِنْ جِبَالِ الْأَسْبَابِ؛ بِسِرِّ أَنَّ جُزْءَ تَجَلِّي النُّورَانِيِّ مَالِكٌ لِخَاصِّيَّةِ الْكُلِّ’* كَأَنَّ الْكُلَّ كُلِّيٌّ, وَلَوْ فِي جَانِبِ الْإِمْكَانِ * حَتَّى تَرَى الشَّمْسَ بِتَمَامِهَا فِي ذَرَّةٍ زُجَاجِيَّةٍ * فَكَيْفَ نُورُ الْأَنْوَارِ الْمُتَظَاهِرِ مِنْ جَانِبِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الأَحَدِ * فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَالْإِسْنَادِ الثَّانِي؛ كَالْفَرْقِ بَيْنَ تَجَلِّي الشَّمْسِ بِخَاصِّيَّتِهَا( ) فِي قَطْرَةٍ, بَلْ فِي ذَرَّةٍ بِالتَّجَلِّي, وَبَيْنَ دَعْوَى وُجُودِ شَمْسٍ بِالْأَصَالَةِ فِي تِلْكَ الْقَطْرَةِ * وَمُحَالِيَّةُ هَذِهِ الدَّعْوَى أَظْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى * وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ، لاَ كُلْفَةَ وَلاَ مُعَالَجَةَ وَلاَ تَعَمُّلَ فِي عَمَلِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ الْمَجْهُولَةِ الْأَزَلِيَّةِ؛ بَلْ تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ وَالْفَرْدُ وَالنَّوْعُ وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ, وَأَنْتَ وَالْعَالَمُ وَالنَّوَاةُ وَالشَّجَرَةُ * وَالسِّرُّ فِي أَنَّهُ لاَ كُلْفَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا؛ أَنَّ تِلْكَ الْقُدْرَةَ لاَزِمَةٌ ذَاتِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ نَاشِئَةٌ لِلذَّاتِ الْأَزَلِيِّ * فَلِذَاتِيَّتِهَا مُحَالٌ تَدَاخُلُ ضِدِّهَا فِيمَا بَيْنَهَا * فَإِذْ لاَ عَجْزَ, فَلاَ مَرَاتِبَ فِيهَا * فَإِذْ لاَ مَرَاتِبَ فِيهَا تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَصْغَرُ الْأَشْيَاءِ وَأَعْظَمُهَا * فَإِنْ شِئْتَ تَقْرِيبَ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْفَهْمِ بِتَمْثِيلاَتٍ فِي دَائِرَةِ الْإِمْكَانِ وَالْكَثْرَةِ؛ فَاسْتَمِعْ مَثَلاً: {ﮘ ﮙ ﮚ} يَتَسَاوَى فِي أَخْذِ تَجَلِّي الشَّمْسِ فِي تِمْثَالِهَا( ) الذَّرَّاتُ الزُّجَاجِيَّةُ, وَالْبُحُورُ الْأَرْضِيَّةُ, وَالسَّيَّارَاتُ السَّمَاوِيَّةُ؛ بِسِرِّ >الشَّفَافِيَّةِ< * وَأَنَّ الْمِصْبَاحَ الْمَرْكَزِيَّ لِلْمَرَايَا الْمُحِيطَةِ( ) يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِصْبَاحِ زُجَاجَةٌ مِنْ زُجَاجَاتِ أَصْغَرِ دَائِرَةٍ, وَمَجْمُوعُ الزُّجَاجَاتِ فِي أَكْبَرِ الدَّائِرَةِ بِسِرِّ >الْمُقَابَلَةِ< * وَأَنَّ النُّورَ وَالنُّورَانِيَّ تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْاِسْتِضَاءَةِ وَالْاِسْتِفَاضَةِ الْوَاحِدُ أَوِ الْأُلُوفُ( ) لاَ تَزَاحُمَ فِيهِ بِسِرِّ >النُّورَانِيَّةِ< * فَلِنَوْعِ نُورَانِيَّةٍ فِي لَطَافَةِ الْكَلِمَةِ يَتَسَاوَى فِي الْاِسْتِمَاعِ الْوَاحِدُ وَالْأُلُوفُ * وَمَثَلاً: إِنَّ الْمِيزَانَ الْحَسَّاسَ بِدَرَجَةٍ يَتَحَسَّسُ بِجَوْزَةٍ وَبِذْرَةٍ, لَوْ كَانَ فِي كَفَّتَيْهِ شَمْسَانِ أَوْ جَوْزَتَانِ( ) مَا تَفَاوَتَ بَيْنَ رَفْعِ كَفَّةٍ إِلَى الثُّرَيَّا وَكَفَّةٍ إِلَى الثَّرَى بِوَضْعِ جَوْزَةٍ( ) أُخْرَى فِي كَفَّةٍ، بِسِرِّ >الْمُوَازَنَةِ< * وَمَثَلاً: أَنَّ أَعْظَمَ السُّفُنِ لاَ يَتَعَسَّرُ سَوْقُهُ وَتَحْرِيكُهُ عَلَى صَبِيٍّ؛ كَمَا لاَ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ تَحْرِيكُ سُفَيْنَتهِ الَّتِي هِي مَلْعَبَتُهُ فِي كَفِّهِ, أَوْ تَحْرِيكُ سَاعَتِهِ بِسِرِّ >الْاِنْتِظَامِ< * وَمَثَلاً: إِنَّ القُمَانْدَانَ( ) لاَ فَرْقَ فِي أَمْرِهِ بِـ [آرْشْ] بَيْنَ نَفَرٍ وَفَيْلَقٍ, يَتَسَاوَى فِي التَّحْرِيكِ وَالتَّحَرُّكِ النَّفَرُ وَكُلُّ الْعَسْكَرِ، بِسِرِّ >إِلْتِزَامِ الْاِمْتِثَالِ< * وَمَثَلاً: إِنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ فِي الْأَنْوَاعِ وَالْكُلِّيَّاتِ يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا فَرْدٌ مِنْ أَصْغَرِ الْأَفْرَادِ, وَأَكْبَرِ الْأَفْرَادِ, وَكُلِّ الْأَفْرَادِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ، بِسِرِّ >التَّجَرُّدِ< * وَهَكَذَا، مِنَ الْأَمْثِلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ عَدَمُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ * فَبِسِرِّ شَفَّافِيَّةِ الْمَلَكُوتِيَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ, وَبِسِرِّ مُقَابَلَةِ وَجْهِ كُلِّ شَيْءٍ لِلْقُدْرَةِ, وَبِسِرِّ نُورَانِيَّةِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ, وَبِسِرِّ الْمُوَازَنَةِ الْإِمْكَانِيَّةِ, وَبِسِرِّ الْاِنْتِظَامِ بِقَوَانِينِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ, وَبِسِرِّ اِمْتِثَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الْكَائِنَاتِ بِكَمَالِ الشَّوْقِ وَاللَّذَّةِ لِلْأَوَامِرِ التَّكْوِينِيَّةِ الْمُنْدَمِجَةِ فِي أَمْرِ >كُنْ<, وَبِسِرِّ تَجَرُّدِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ عَنِ الْمَادِّيَّاتِ * فَبِهَذِهِ الْأَسْرَارِ السِّتَّةِ تَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ إِحْيَاءُ الْبَعُوضَةِ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ * وَخَلْقُ النَّحْلَةِ وَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ * وَإِيجَادُ الذَّرَّةِ وَإِيجَادُ الشَّمْسِ * بَلْ إِنَّ التَّسَاوِيَ وَعَدَمَ التَّفَاوُتِ ثَابِتٌ بِالْحَدْسِ الْقَطْعِيِّ وَالْمُشَاهَدَةِ * إِذْ تِلْكَ الْقُدْرَةُ الْمَجْهُولَةُ بِمَاهِيَّتِهَا, وَالْمَعْلُومَةُ بِمُعْجِزَاتِهَا تَفْعَلُ بِمِثْلِ غُصْنٍ دَقِيقٍ كَخَيْطٍ رَقِيقٍ أَمْثَالَ الْعَنَاقِيدِ التَّمْرِيَّةِ وَالْعِنَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا * تِلْكَ الْخَوَارِقُ الْحَيَوِيَّةُ الَّتِي لَوْ أُحِيلَتْ صَنْعَتُهَا عَلَى الْأَسْبَابِ لَاِحْتَاجَتْ إِلَى مَا لاَ يُحَدُّ مِنَ التَّكَلُّفَاتِ * وَتَتَجَلَّى تِلْكَ الْقُدْرَةُ بِجَلَوَاتِ الْوُجُودِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ عَلَى الشَّفَّافَاتِ وَالْعُيُونِ النَّاظِرَةِ إِلَى الْخَيَالِ بِالتَّمَاثِيلِ الْبَرْزَخِيَّةِ؛ لَوْ أُحِيلَتْ عَلَى الْأَسْبَابِ لَاِمْتَنَعَتْ أَوْ لَاِحْتَاجَتْ إِلَى مَا لاَ يُحَدُّ مِنَ الْمُعَالَجَاتِ * الْحَاصِلُ: أَنَّ مَا يُرَى مِنْ إِيجَادِ الْقُدْرَةِ لِلْأَشْيَاءِ الْحَيَوِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ وَالنُّورِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ * اَلْأَوَّلُ: إِنَّ الْوَسَائِطَ وَالْأَسْبَابَ الظَّاهِرِيَّةَ حُجُبٌ ضَعِيفَةٌ, وُضِعَتْ لِمُحَافَظَةِ عِزَّةِ الْقُدْرَةِ فِي الْمُبَاشَرَةِ الظَّاهِرِيَّةِ فِي وَجْهِ الْمُلْكِ الْكَثِيفِ الْخَسِيسِ فَقَطْ * وَالثَّانِي: إِنَّ الْحَيَاةَ وَالْوُجُودَ وَالنُّورَ لِشَفَافِيَّةِ وَجْهِ مُلْكِهَا كَمَلَكُوتِيَّتِهَا؛ مَا وُضِعَتِ الْحُجُبُ الْكَثِيفَةُ عَلَى يَدِ الْقُدْرَةِ, بَلْ تَرَقْرَقَتِ( ) الْوَسَائِطُ فِيهَا’* وَالثَّالِثُ: لاَ تَكَلُّفَ وَلاَ تَعَمُّلَ وَلاَ مُعَالَجَةَ فِي تَأْثِيرِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ * إِذْ مَنْ يَصْنَعُ بِنَوَاةِ تِينَةٍ شَجَرَةَ تِينَةٍ بِعَظَمَتِهَا, وَبِخَيْطٍ دَقِيقٍ عُنْقُوداً مِنْ حَبَّاتِ الْعِنَبِ, وَكُلِّ حَبَّةٍ فِيهَا مَا فِيهَا؛ لاَ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ * وَلاَ رَيْبَ فِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ ظُهُورَ صَاحِبِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ أَشَدُّ بِمَرَاتِبَ مِنْ ظُهُورِ الْكَائِنَاتِ * إِذْ كُلُّ مَصْنُوعٍ دَلاَلَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوهٍ قَلِيلَةٍ مَرْئِيَّةٍ, وَعَلَى صَانِعِهِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مَشْهُودَةٍ وَعَقْلِيَّةٍ وَغَيْرِهِمَا * وَأَيُّ مَصْنُوعٍ كَانَ لَوْ أُحِيلَ عَلَى الْأَسْبَابِ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَسْبَابُ الْأَرْضِيَّةُ وَالسَّمَاوِيَّةُ > ﮐ ﮑ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ<( ) * إِذْ حَبَّةُ نَوَاةٍ فِي حَبَّةِ تِينَةٍ لَيْسَتْ بِأَقَلَّ جَزَالَةً مِنْ شَجَرَةِ تِينَةٍ, وَلَيْسَ الْإِنْسَانُ أَقَلَّ جَزَالَةً وَأَدْنَى صَنْعَةً مِنَ الْأَرْضِ * فَالْقُدْرَةُ الَّتِي أَوْجَدَتِ النَّوَاةَ وَالْإِنْسَانَ لاَ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهَا إِبْرَازُ الشَّجَرَةِ وَالْعَالَمِ * فَيَا مَنْ ضَلَّ بِالْاِسْتِبْعَادِ وَالْاِسْتِغْرَابِ وَالْحَيْرَةِ وَالْاِسْتِنْكَارِ فِي جَانِبِ الْحَقِّ! فَقَدْ سَمِعْتَ بِهَذِهِ التَّحْقِيقَاتِ أَنَّ الْاِسْتِبْعَادَ بِلاَ نِهَايَةٍ, وَالْاِسْتِغْرَابَ بِلاَ غَايَةٍ, وَالْحَيْرَةَ بِلاَ حَدٍّ؛ وَتَحَقُّقِ الْكُلْفَةِ بِمَا لاَ يُحْصَى مَعَ مُحَالاَتٍ عَجِيبَةٍ فَقَدْ( ) سَمِعْتَهَا مَوْجُودَةً فِي جَانِبِ بَاطِلِكَ, الَّذِي ابْتُلِيتَ بِهِ مِنْ نِسْبَةِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَصَالَةِ إِلَى أَنْفُسِهَا وَأَسْبَابِهَا * فَاِضْطِرَابَاتُ الْأَرْوَاحِ وَالْعُقُولِ النَّاشِئَةِ مِنْ هَذِهِ الضَّلاَلَةِ تُلْجِئُ الْقُلُوبَ إِلَى الْفِرَارِ بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ * الَّذِي لاَ يَحْصُلُ إِيضَاحُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلاَّ بِإِضَافَتِهِ إِلَى قُدْرَتِهِ * وَلاَ يَحْصُلُ فَتْحُ شَيْءٍ مِنَ الْمُغْلَقَاتِ إِلاَّ بِاتِّصَالِهِ بِإِرَادَتِهِ * وَلاَ يَطْمَئِنُّ قَلْبٌ وَلاَ يَسْتَقِرُّ يَقِينٌ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ إِلاَّ بِرَبْطِهَا بِذِكْرِهِ وَاسْمِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَيْدَانَ اِشْتِغَالِ الْإِنْسَانِ وَمَسَافَةَ جَوَلاَنِ الْهِمَّةِ( ) أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ؛ فَقَدْ يَجُولُ فِي ذَرَّةٍ, وَيَسْبَحُ فِي قَطْرَةٍ, وَيَنْحَبِسُ فِي نُقْطَةٍ * مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَضَعُ الْعَالَمَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ, وَقَدْ يُدْخِلُ الْكَائِنَاتِ فِي عَقْلِهِ, حَتَّى يَتَطَاوَلَ إِلَى رُؤْيَةِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ وَمُشَاهَدَتِهِ * فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ أَصْغَرَ مِنْ ذَرَّةٍ, وَقَدْ يَصِيرُ أَكْبَرَ مِنَ السَّمَوَاتِ؛ فَيَدْخُلُ فِي الْقَطْرَةِ, مَعَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْفِطْرَةُ بِأَنْوَاعِهَا وَأَرْكَانِهَا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ كُلَّ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ لَهُ شَرَائِطُ وَمَفَاتِيحُ, بَعْضُهَا آفَاقِيٌّ وَبَعْضُهَا أَنْفُسِيٌّ * مَثَلاً: إِنَّ اللهَ أَنْعَمَ بِالضِّيَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالْغِذَاءِ وَالصَّدَاءِ, وَعَلَّقَ الْاِسْتِفَادَةَ مِنْهَا عَلَى فَتْحِ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالسَّمْعِ وَهَكَذَا * مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْفُتُوحَ الْأَنْفُسِيَّ مِنْ كَسْبِنَا؛ فَلاَ يَتَحَصَّلُ إِلاَّ بِخَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ تَعَالَى’* فَلاَ تَتَخَيَّلْنَ أَيُّهَا الْغَافِلُ؛ هَذِهِ النِّعَمُ سُدًى مُهْمَلَةً تَسْأَمُ فِيهَا كَيْفَ تَشَاءُ بِلاَ مِنَّةٍ وَلاَ حِسَابٍ * كَلاَّ! بَلْ تُسَاقُ إِلَيْكَ بِقَصْدِ مُنْعِمِهَا, فَتَلْتَقِمُ بِاخْتِيَارِكَ؛ ثُمَّ تَنْتَشِرُ عَلَى مَظَانِّ حَاجَاتِكَ بِإِرَادَةِ مُحْسِنِهَا عَمَّ نَوَالُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ أَوَاخِرَ الْأَشْيَاءِ وَنِهَايَاتِهَا لَيْسَتْ بِأَقَلَّ اِنْتِظَاماً وَإِتْقَاناً مِنْ أَوَائِلِهَا, وَلاَ ظَوَاهِرَهَا وَصُوَرَهَا بِأَحْسَنَ صَنْعَةً وَحِكْمَةً مِنْ بَوَاطِنِهَا * فَلاَ تَحْسَبَنَّ أَوَاخِرَ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنَهَا سُدًى مُهْمَلَةً تَلْعَبُ بِهَا يَدُ التَّصَادُفِ * أَلاَ تَرَى الثَّمَرَةَ مَعَ الزَّهْرَةِ أَظْهَرُ حِكْمَةً مِنَ الْجُرْثُومِ النَّابِتِ مِنَ النَّوَاةِ؛ فَالصَّانِعُ جَلَّ جَلاَلُهُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ حَفِظَ الْقُرْآنَ عَنِ التَّحْرِيفِ * فَلاَ يَتَيَسَّرُ لِكَلاَمِ مُفَسِّرٍ أَوْ مُؤَلِّفٍ أَوْ مُتَرْجِمٍ أَوْ مُحَرِّفٍ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَلْتَبِسَ بِالْآيَاتِ, أَوْ يُلْبِسَ زَيَّهَا كَمَا الْتَبَسَتْ وَأُخْلِطَتْ( ) سَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ حَتَّى صَارَتْ مُحَرَّفَةً *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ تَكْرَارَ آيَةِ {ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ} فِي مَقَاطِعِ الْآيَاتِ التَّنْزِيلِيَّةِ, الْمُشِيرَةِ إِلَى الْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ عِصْيَانِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَأَشَدَّ طُغْيَانِهِمَا وَأَعْظَمَ كُفْرَانِهِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْإِنْعَامِ فِي النِّعْمَةِ * وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْمُنْعِمِ * وَإِسْنَادِ النِّعَمِ إِلَى الْأَسْبَابِ وَالتَّصَادُفَاتِ؛ حَتَّى يَصِيرَانِ مُكَذِّبَيْنِ بِآلاَءِ اللهِ * فَلاَ بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ( ) مِنْ أَنْ يُبَسْمِلَ بَدْءَ كُلِّ نِعْمَةٍ قَاصِداً بِهِ أَنَّهُ مِنْهُ * وَأَنَا آخِذُهُ بِاسْمِهِ وَبِحِسَابِهِ, لاَ بِحِسَابِ الْوَسَائِطِ, فَلَهُ الشُّكْرُ وَالْمِنَّةُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا الْمُتَوَسْوِسُ الْمُتَخَطِّرُ بِإِلْقَاءَاتِ الشَّيْطَانِ, وَبِإِخْطَارِ مَرَضِ الْقَلْبِ وَالْخَيَالِ, وَبِإِمْرَارِ خِسَّةِ النَّفْسِ وَلُؤْمِهَا مُزَخْرَفَاتٍ شَتَّى عَلَى عَيْنِ عَقْلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِكَ إِلَى الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ! حَتَّى قَدْ تَمُرُّ عَلَى عَيْنِكَ سَحَائِبُ مُظْلِمَةٌ مُمْطِرَةٌ رَذَائِلَ وَفَوَاحِشَ وَشُتُوماً؛ تَقْشَعِرُّ مِنْهَا عِنْدَ نَظَرِكَ إِلَى شَمْسِ الْحَقَائِقِ * كَأَنَّكَ تَمُدُّ يَدَ التَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ, وَتُرْسِلُ عَيْنَيْكَ( ) لِلتَّسْبِيحِ وَالتَّمْجِيدِ * وَالْحَالُ: أَنَّ يَدَكَ تَتَنَجَّسُ بِأَرْجَاسِ خَيَالِكَ, وَيَسْتَقْذِرُ نَظَرُكَ مِمَّا يَمُرُّ( ) عَلَيْهِ مِنْ سَفَاسِفِ خُبْثِ نَفْسِكَ * ثُمَّ تَنْعَكِسُ تِلْكَ الْمُسْتَقْذَرَاتُ عَلَى الْمُقَدَّسَاتِ فِي نَظَرِكَ, فَتَتَأَلَّمُ( ) فِي الْمُسْتَقْذَرَاتِ * لاَ تَيْأَسْ وَلاَ تَتَأَثَّرْ وَلاَ تُلْقِ نَفْسَكَ فِي الْغَفْلَةِ لِلْفِرَارِ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ, وَالنَّجَاةِ مِنْ هَذَا اللُّؤْمِ الْأَلِيمِ * إِذْ لاَ ضَرَرَ فِيهِ إِلاَّ ضَرَرُ تَوَهُّمِ الضَّرَرِ, فَتَتَكَرَّرُ فَتَتَضَرَّرُ * أَلاَ تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى الشَّمْسِ وَضِيَائِهَا, وَالسَّمَاءِ وَنُجُومِهَا, وَالْجَنَّةِ وَأَزَاهِيرِهَا فِي مَسَامَاتِ ثَوْبٍ مُسْتَقْذَرٍ بِمُزَخْرَفَاتٍ شَتَّى؛ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَسْرِيَ تِلْكَ إِلَيْهَا, وَتَتَكَدَّرُ هِيَ بِهَا, بَلْ تَنْفَعِلُ أَنْتَ فَقَطْ * فَلاَ تَهْتَمَّ بِهَا لِتَذْهَبَ * إِذْ هَذِهِ الوَهْمِيَّاتُ وَالْهَوَائِيَّاتُ كَالْهَوَامِّ وَالزَّنَابِيرِ؛ إِنْ دَافَعْتَهُمْ قَاتَلُوكَ, وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ فَارَقُوكَ’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا الْمُتَفَلْسِفُ الْمُرَجِّحُ لِلْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ! فَتُؤَوِّلُ النَّقْلَ، بَلْ تُحَرِّفُ * إِذْ لَمْ يَسَعْهُ عَقْلُكَ الْمُتَفَسِّخُ بِالغُرُورِ، وَالتَّغَلْغُلِ فِي الْفَلْسَفِيَّاتِ * إِنَّنِي كُنْتُ فِي حِيْنٍ كَمَا كُنْتَ * ثُمَّ شَاهَدْتُ قَصْراً شَاهِقاً شَارِقاً، اِتَّصَلَ سَطْحُهُ بِسَقْفِ السَّماءِ؛ قَدْ أُرْسِلَتْ مُتَدلِّيَةً مِنْ شَبَابِيكِهَا الْعَالِيَةِ زَنَابِيلُ مُتَفَاوِتَةٌ، حِبَالُهَا فِي الْمَبْدَأِ وَالْمُنْتَهَى * فَبَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَقْذِفُ الْإِنْسانُ الْمُوَفِّقُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْزَّنْبِيلِ( )، فَيْرْتَفِعُ إِلَى أعْلَى الْمَنَازِلِ * وَبَعْضُهَا أَخْفَضُ مَبْدَأً وَأَرْفَعُ مُنْتَهًى * وَهَكَذا!... ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ النَّاسِ الْخَاسِرينَ الْمَغْرُورِينَ لا يُبَالُونَ بِتِلْكَ الزَّنَابيلِ، فيَتَشَبَّثُونَ لِلصُّعُودِ بِجَمْعِ الْأَحْجارِ وَالْأَشْيَاءِ وَيَضَعُونَها تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ، فَيَتَصَاعَدُونَ قَلِيلاً ثُمَّ يَتَسَاقَطُونَ * وَأَنَّى لَهُمُ الصُّعُودُ! وَشَاهَدْتُ بَعْضَ الْمُعْتَمِدينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْمُتَفَرْعِنَةِ يَدُقُّونَ مَسَامِيرَ فِي جِدَارِ الْقَصْرِ، فَيَضَعُونَ أَرْجُلَهُمْ عَلَيْهَا مُتَصَاعِدِينَ، فَيَخِرُّونَ فَتَنْدَقُّ أَعْنَاقُهُمْ * وَهَكَذا’* وَرَأَيْتُ أَنَّ مَا جُهِّزُوا بِهِ مِنْ مَكَاسِبِهِمْ وآلاَتِهِمْ؛ إِنَّمَا أُعْطُوهَا لِيَسْتَعْمِلُوهَا عَلَى قَدْرِ الْاِسْتِعْدَادِ وَالتَّوفِيْقِ فِي الصُّعُودِ إِلَى الزَّنْبِيلِ؛ لَا إِلَى الْمَنَازِلِ * فَعَقْلُكَ عِقَالُكَ، وَبِالنَّقْلِ نُقْلَتُكَ * مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

يا مَنْ تَحيَّرَ فِي سَبَبِ غَلَبَةِ الْفُجَّارِ عَلَى الْأَبْرَارِ، وَتَفَوُّقِ الطَّالِحِينَ عَلَى الصَّالِحِينَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَويَّةِ! إِنِّي قَدْ شَاهَدْتُ فِي وَاقِعَةٍ قُصُوراً؛ فِي كُلِّ قَصْرٍ سُرَادِقَاتٌ مُتَداخِلَةٌ مُتَصَاعِدَةٌ * سُكَّانُ طَبَقَاتِهَا مُتَفَاوِتُونَ فِي اللَّطَافَةِ والْعُلْوِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ * فَمَنْ فِي الْمَرْكَزِ الْعَالِي كَالسُّلْطَانِ، وَتَحْتَهُ مَنَازِلُ فِيها سُكَّانٌ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْقِيْمَةِ وَالنُّورَانِيَّةِ، وَهَكَذَا إِلَى الْبَابِ * وَمَنْ عِنْدَ الْبَابِ خَادِمٌ مُظْلِمٌ كَثِيفٌ، وقُدَّامَ الْبَابِ كَلْبٌ مُتَمَلِّقٌ * ثُمَّ رأَيْتُ بَعْضَ الْقُصُورِ تَلَأْلَأَتْ سَاحَةُ بَابِهِ؛ فَتَأَمَّلْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ مَلِكَ الْقَصْرِ يَلْعَبُ مَعَ الْكَلْبِ قُدَّامَ الْبَابِ * وَالْمُخَدَّرَاتُ يُدَاعِبْنَ مَكْشُوفَاتٍ رُؤُوسُهُنّ( )َ مَعَ الصِّبْيَانِ؛ قَدْ تَعَطَّلَتِ الْوَظَائِفُ النَّزِيهَةُ فِي الطَّبَقَاتِ، وَتَشَعْشَعَتْ وَظَائِفُ الْكَلْبِ وَالصِّبْيَانِ وَسَفَلَةِ الْخُدَّامِ * فَتَفَتَّقَ الْقَصْرُ عَنْ مَكْنُونَاتِهِ مُتَفَسِّقاً؛ مُشْرِقاً مُقْتَدِراً قَوِيّاً ظَاهِرَ الْبَابِ، مُظْلَماً مُعَطَّلاً ذَلِيلاً فِي الدَّاخِلِ * وَفُسُوقُهُ كَفُتُوقِ فَلَقَتَيِ الرُّمَّانِ مَثَلاً عَنْ حَبَّاتِهِ * فَعَلِمْتُ أَنَّ تِلْكَ الْقُصُورَ هِيَ الْأَنَاسِيُّ * حَتَّى رأَيْتُ كُلَّ إِنْسانٍ قَصْراً، حَتَّى رَأَيْتُ نَفْسِي الْعَاصِيَةَ أَيْضاً قَصْراً * وَسُقُوطُ أَهْلِ الْقُصُورِ عَلَى مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ نُزُولاً أَدْنَى فَأَدْنَى * فَشَاهَدْتُ أَنَّ مَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْمَدَنِيَّةِ تَرَقِّياً، مَا هُوَ إِلَّا سُقُوطٌ * وَاقْتِدَاراً مَا هُوَ إِلَّا اِبْتِذَالٌ * وَانْتِباهاً مَا هُوَ إِلَّا اِنْغِمَاسٌ فِي نَوْمِ الْغَفْلَةِ * وَنَزَاكَةً مَا هِيَ إِلَّا رِيَاءٌ نِفَاقِيٌّ * وَذَكَاوَةً مَا هِيَ إِلَّا دَسِيسَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ * وَإِنْسَانِيَّةً مَا هِيَ إِلَّا قَلْبُ الْإِنْسَانِيَّةِ حَيْوَانِيَّةً * لَكِنْ يَلُوحُ عَلَى هَذَا الشَّخْصِ السَّاقِطِ الْعَاصِي لَوَائِحُ اللَّطَافَةِ والْجَاذِبِيَّةِ؛ لِاِخْتِلاطِ لَطَائِفِهِ النُّورَانِيَّةِ بِنَفْسِهِ الظُّلْمَانِيَّةِ، خِلَافاً لِلْمُتَدَيِّنِ الْمُطِيعِ الَّذِي عِنْدَ الْبَابِ نَفْسُهُ الْمُتَكَدِّرَةُ فَقَطْ * إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَتَنَازَلُ لَطَائِفَ الصَّالِحِ أَيْضاً؛ لَا لِلَهْوَسَاتِ السُّفْلِيَّةِ, بَلْ لِإِرْشَادِ النَّاس الْخَارِجِينَ مِنَ الْحُدُودِ وَإِمْدَادِهِمْ بِإِرْجَاعِهِمْ إِلَى مَا هُمْ خُلِقُوا لِأَجْلِهِ * إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً؛ لَا يُحَبِّبُ إِلَيْهِ مَحَاسِنَ الدُّنْيَا، بَلْ يُكْرِهُهَا إِلَيْهِ بِالْمَصَائِبِ * أَيْوَاهْ! وَاأَسَفَا! قَدْ أَظْهَرَتْ هَذِهِ الْمَدَنِيَّةُ السَّفِيهَةُ خَوَارِقَ جَلَّابَةً وَمَلَاهِيَ جَذَّابَةً؛ تَتَسَاقَطُ إِلَيْهَا سُكَّانُ قُصُورِ الْإِنْسَانِ وَمُخَدَّرَاتُهَا، كَتَسَاقُطِ الْفَرَاشِ عَلَى النُّورِ الْمُشْرِقِ الْمُنْقَلِبِ إِلَى النَّارِ الْمُحْرِقِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا السَّعِيْدُ الشَّقِيُّ! مَا هَذَا الغُرُورُ وَالغَفْلَةُ وَالْاِسْتِغْنَاءُ؟! أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْاِخْتِيَارِ إِلَّا شَعْرَةٌ * وَلَيْسَ مِنَ الْاِقْتِدَارِ إِلَّا ذَرَّةٌ * وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ إِلَّا شُعْلَةٌ تَنْطَفِئُ * ولَيْسَ مِنَ الْعُمُرِ إِلَّا قَلِيْلٌ مِثْلُ دَقِيْقَةٍ تَنْقَضي * وَلَيْسَ مِنَ الشُّعُورِ إِلَّا لَمْعَةٌ تَزوُلُ * وَلَيْسَ مِنَ الزَّمَانِ إِلَّا آنٌ يَسِيلُ * وَلَيْسَ مِنَ الْمَكَانِ إِلَّا مِقْدَارُ الْقَبْرِ * وَلَكَ مِنَ الْعَجْزِ مَا لَا يُحَدُّ * وَمِنَ الْاِحْتِيَاجِ مَا لَا يَتَنَاهَى * وَمِنَ الْفَقْرِ مَا لَا يُحْصَى * وَمِنَ الْآمَالِ مَا لَا غَايَةَ لَهَا * وَهَكَذا!.. فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ مِنَ الْعَجْزِ، وَفِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الْحَاجَةِ؛ هَلْ يَتَوَكَّلُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ؟! أَوْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الَّذِي مِنْ ظُرُوفِ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ وَصَنَادِيقِ نِعْمَتِهِ هَذِهِ الشُّمُوسُ وَهَؤُلَاءِ الْأَشْجَارُ الْمَمْلُوءَةُ مِنَ الْأَنْوارِ وَالْأَثْمَارِ * وَمِنْ مَوَازِيبِ حَوْضِ فَيْضِهِ وَمَسِيلَاتِ رَحْمَتِهِ الْمَاءُ وَالضِّيَاءُ! *

    • ** **

هَذِهِ المُنَاجاةُ تَخَطَّرَتْ فِي الْقَلْبِ هَكَذَا باللِّسَانِ الْفارِسيِّ( ) * يا رَبْ بَشَشْ جِهَتْ نَظَرْ ميكَرْدَمْ، دَرْدِخُودْرَا دَرْمَانْ نَمِي دِيدَمْ * دَرْ رَاسْتِ ميِ دِيدَمْ كِه؛ دِي رُوزْ، مَزَارِ پَدَرِ مَنَسْتْ * وَدَرْچَبْ دِيدَمْ كِه، فَرْدَا قَبْرِ مَنَسْتْ * وَايِمْروُزْ تَابُوتِ جِسْمِ پُرْاِضْطِرَابِ مَنَسْتْ * بَرْسَرِ عُمُرْ جَنَازَهءِ مَنْ اِيسِتَادَه اَسْتْ، دَرْ قَدَمْ آب وُخَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وَخَاكَسْتَرِ عِظَامِ مَنَسْتْ’* چُونْ دَرْپَسْ مِينِكَرَمْ بِينَمْ؛ اِينْ دُنْياءِ بِي بُنْيَادْهِچِ دَرْهِيچَسْت * وَدَرْ پِيشْ اَنْدازَهءِ نَظْرْمِي كُنَمْ؛ دَرِقَبْركُشَادَه، وَرَاهِ اَبَدْ بَدُورِ دِرَازْ بَديدَارَسْتْ * مَرَاجُزْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي چِيزِنِيسْتْ دَرْدَسْتْ كِه، اُو جُزْءْ هَمْ عَاجِزْ، هَمْ كُوتَاهْ، هَمْ كَمْ عِيَارَسْتْ * نَه دَرْ ماضِي مَجَالِ حُلُولْ، نَه دَرْ مُسْتَقْبَلْ مَدَارِ نُفُوذَاسْتْ * مَيْدَانِ أُوايِنْ زَمَانِ حَالْ وَيَكْ آنِ سَيَّالَسْتْ * بَا اِينْ هَمَه فَقْرَهَا وَضَعْفَهَا قَلَمِ قُدْرَتِ توُ نَوِشْتَه أسْتْ دَرْ فِطْرَتِ مَا مَيْلِ اَبَدْ وَاَمَلِ سَرْمَدْ * بَلْكهِ هَرْچهِ هَسْتْ هَسْتْ * دَرْدَسْتْ هَرْچِه نيِسْتْ، دَرْ اِحْتِيَاجْ هَسْتْ * دَائِرَهءِ اِحْتِياجْ، مَا نَنْدِ دَائِرَهءِ مَدِّ نَظَرْ بُزُرْكِي دَارَدْ * خَيَالْ كُدَامْ رَسَدْ، اِحْتِيَاجْ نِيزْرَسَدْ * دَائِرَهِ اِقْتِدارْهَمْچُو دَائِرَهِ دَسْتْ، كُوتَاهِ كُوتَا هَسْتْ * پَسْ فَقْروُ حَاجَاتِ مَا بَقَدَرِجِهَانْ اَسْتُ، وَسْرْمَايَهِء مَا هَمْ هَچْوُ جُزْءِ لَا يَتَجزَّاَ اَسْتْ * اِينْ جُزْءْ كُدَامْ وُايِنْ كَائِنَاتِ حَاجَاتْ كُدَامْ اَسْتْ * پَسْ دَرْرَاهِ تُواَزْ اِينْ جُزْءِْ نِيْزبَازْ مىِ كُذَشتَنْ چَارَهءِ مَنَسْتْ * تَاعِنَايَتِ تُو دَسْتكِيرِمَنْ شَوَدْ، رَحْمَتِ بي نِهَايَتِ تُوپَنَاهِ مَنَسْتْ * آنْ كَسْ كِهْ بَحْرِبي نِهَايَتِ رَحْمَتْ يَافْتْ،، تَكْيَه نَه كُنَدْ بَرْاينْ جُزْءِ اِخْتِيَاريِ كِه يَكْ قَطْرَه سَرَابَستْ * اَيْوَاهْ! اِينْ زَنْدَكَانَي هَمْچُو خَابَسَتْ، وَايِنْ عُمْرِبِي بُنْيَادْ هَمْچُو بَادَسْتْ * اِنْسَانْ بَزَوَالْ وُدُنْيا بَفَنَا اَسْتْ، آمَالْ بِي بَقَاءْ وُآلَامْ بَـبَقَا اَسْتْ * بِيَا اَيْ نَفْسِ نَافُرْجَامْ! وُجُودِ فَاِنيءِ خُوْدرَا فَدَاكُنْ خَالِقِ خُوْدرَا، چُوايِنْ هَسْتي وَديعَه هَسْتْ * وَمِلْكِ اُو وَاوُدَادَه، فَنَاكُنْ تَابَقَايَا بَدْ، اَزْآنْ سِرّيِ كِه؛ نَفْيِ نَفْي اَِْثَباتَسْتْ * خُدَايِ پُرْكَرَمْ خُودْ مِلْكِ خُوْدرَامي خِرَدْاَزْتُو، بَرَايِ توُنِكَهْ دَارَدْ بَهَايِ بِي كِرَانْ دَادَه *

    • ** **

هَذِهِ الْخِطَابَةُ الْإِرْشادِيَّةُ لِلْمَجْلِسِ الْمِلِّيِّ الْإِسْلامِيِّ صَدَرَتْ هَكَذا تُرْكِيَّةً، فَلتُنْتَشِرْ كَذَلِكَ * بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ} يا أَيُّهَا الْمَبْعُوثُونَ! إِنَّكُمْ لَمَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ! * أيْ مُجَاهِدينِ إِسْلامْ( )، أَىْ أَهَلِ الْحَلِّ والْعَقْدِ! بُو فَقيرك بِرْ مَسْئَله دَه اُونْ سُوزِيني، بِرْقَاچْ نَصيحَتِنِي دِيكْلَه مَكِزي رِجَا اِيدِيُورِمْ * أَوَّلاً: شُو مُظَفَّريَّتْدَه كِى خَارِقُ الْعَادَه نِعْمَتِ إِلـۤهِيَّه بِرْ شُكْراَنْ اِيسْتَرْكه دَوَامْ ايْتسينْ، زِيَادَهْ اُولْسُونْ * يُوقْسَه نِعْمَتْ شُكْرى كُورْمَزْسَه، كِيدَه رْ. مَادَامْ كِه: قُرآنى اَللَّهِكْ تَوفِيقِيلَه دُشْمَنِكْ هُجُومِنْدَنْ قُوْرتَارديكِزْ، قُرْآنِكْ أكْ صَريحْ وَأكْ قَطْعِي أَمْرِي اُولَانْ >صَلاةْ< كبى فَرائِضِي اِمْتِثَالْ اِيْتمَه كِزْ لَازِمْدِرْ * تَا، اُونِكْ فيضى بُويْلَه خَارِقَه صُوَرتْدَه ئوُسْتِيكِزْده تَوَالِي وَدَوَامْ اِيتْسِينْ * ثَانِياً: عَالَمِ اِسْلامِى مَسْرُوْر اِيتْديكِز، مُحَبَّتْ وَتَوَجُّهُني قَزَانْدِيكِزْ’* لَكِنْ اُو تَوَجُّهْ وَمحبَّتك اِدامَه سى شَعائر اِسلاميَّه يِى التِزام ايلَه اُولور * زِيرا مُسلمانلَر اِسلاميَّتْ حِسابنَه سِزي سَوه رلَرْ * ثالثاً: بُو عالَمْده أولياءُ اللهْ حُكمندَه اُولان غازِي وَشُهدالرَه قُوماندَانْلِقْ اِيتديكِزْ؛ قُرآنك أَوامِر قَطْعيَّه سَنَه إمتِثال اِيتْمَكْله، ئوتهجكِى عالمدَه ده اُونُوراني كُروهه رَفِيق اُولْمغَه چاليشمَقْ سزك كبى عالي هِمَّتليلرك شأنيدر * يُوقْسَه بُورادَه قُوماندان اِيكن، اُورَاده برنفردن استِمدادِ نور اِيتمكَه مُضطَرْ قالاجقسكز * بُودُنياى دَنِيَّه شان وشَرَفيله أُويْلَه برمتَاع دكلكه، سِزِك كبي انسانلرى اِشباع اِيتسين، تَطمين اِيتسين وَمقصودِ بالذَّات اُولْسون * رابعاً: بُو مِلَّتِ اِسلامِك جماعَتْلَرى، چَنْدان برجماعَتْ نمازسز قالسه، فاسِقْ ده اُوْلسه؛ يينه باشلَرِنْدَه كِينى متديِّن كُورمَكْ ايستر. حَتَّى عُموم كُرْدِسْتانده عُموم مأمورلَره دائِر أك أوَّل صوردقلرى سؤال بو ايمِشْ: >عجبا نَمازقِيلييورمى؟< ديرلر * نماز قيلارسَه، مُطلَقْ أمْنِيَّتْ ايدرلر * قيلمازسَهْ، نه قدَرْ مُقتدرده اولسه، نظرلرنده متَّهمدر * برزمان بيت الشَّباب عشائِرنده عِصيان وارايدى * بن كيتدم، صوردم: >سبب نه در؟< ديديلركه: [قائمقاممز نماز قيلمييوردى، راقى ايچييوردى؛ اويلَهْ دينسزلره ناصل اِطاعَتْ ايده جكز؟] بوسُوزى سُويله ينلردَه نمازسزهم ده أشقيا ايديلر * خامساً: أنبيانك أكثَرى شرقده وحكمانك أغلبى غربده كلمسى، قدرِأزلينك بررمزيدركه؛ شرقى آياغه قالديراجق دين وقلبدر، عقل وفلسفه دكل * مادام شرقى انتباهه كتيرديكز، فطرتنه موافق برجريان ويريكز * يوقسه سعييكز يا هباءً كيده ر ويا موقّت سطحي قالير * سادساً: خصمكز واسلاميّت دشمانى( ) اولان فرنكلر دينده كى قيدسزلغكزدن پك فضله استفاده ايتدى وايدييور * حَتَّى دييه بييلر’مكه، خصمكز قدر اسلامه ضررويرن دينده كى إهمالكزدن استفاده ايدن انسانلردر * مصلحتِ اسلاميه وسلامتِ ملّت نامنه بواهمالى أعماله تبديل ايتمه كز كركدر * كوريلمه يورمى كه: اتّحاد جيلرك اوقدر خارقه عزم وثبات وفداكار لقلريله، حتَّى اسلامك شو انتباهنه ده بر سبب اولدقلرى حالده، بر درجه دينده لا اباليلك طورينى كوستر’دكلرى ايچون، داخلده كى ملّتدن نفرت وتزييف كورديلر * خارجده كى اسلاملر دينده كى إهماللرينى كورمدكلرى ايچون حرمتى ويرديلر * سابعاً: عالِم كفر بتون وسائطيله، مدنيّتيله، فلسفه سيله، فنونيله، ميسيونرلريله عالم اسلامه هجوم ومادّةً اوزون زماندنبرى غلبه ايتديكى حالده، عالم اسلامه ديناً غلبه ايده مدى * وداخلي بتون فِرَقِ ضالّهءِ اسلاميه بره ر كميهءِ قَلِيلهءِ مضرّه صورتنده محكوم قالديغى واسلاميّت متانتنى وصلابتنى سنّت وجماعتله محافظه أيله ديكى برزمانده؛ لَا اُباليانه آوروپا مدنيّت خبيثه قسمندن سوزيلن برجريانِ بدعتكارانه سينه سنده يرطوتاماز * ديمك عالم اسلام ايچنده مهم وإنقلابْ واري برايش كورمك، اسلاميتك دساتيرينه انقياد ايله اولا بيلير، باشقه اولاماز * هم اولمامش، اولمش ايسه ده چابوق ئولوب سونمش * ثامناً: ضعفِ دينه سبب اولان آوروپا مدنيتِ سفِيهَانه سى ييرتيلمغه يوزطوتديغى برزمانده ومدنيّتِ قرآنك ظهوره يقين كلديكى( ) برآنده؛ لا قيدانه، إهمالكارانه، مثبت ايش كورولمز * منفيجه تخريبكارانه ايش ايسه، بو قدر رخنه لره معروض قالان اسلام، ذاتاً محتاج دكلدر. تاسعاً: سزك بو استقلالْ حربنده كي مظفّر يتيكزى وعالي خدمتكزى تقدير ايدن وسزى جان ودلدن سوه ن جمهورِ مؤمنيندر * وبالخاصّة طبقهءِ عوامدركه صاغلام مسلمانلردر؛ سزى جدي سوه ر وسزي طوتار وسزه منتداردر وفداكارلغكزى تقدير ايده رلر * وانتباهه كلمش أك جسيم ومدهش برقوّتى سزه تقديم ايده رلر * سزدخي أوامر قرآنيه’يى( ) امتثال ايله، اونلره اتّصال واستناد ايتمه كز مصلحتِ اسلام نامنه ضروريدر * يوقسه اسلاميّتدن تجرّد ايدن بدبخت، ملّيتسز، آوروپا مفتونى، فرنك مقلّدلرى عوام مسلمينه ترجيح ايتمك، مصلحت اسلامه منافي اولديغندن؛ عالم اسلام نظرينى باشقه طرفه چويره جك وباشقه سندن استمداد ايده جك * عاشراً: بريولده طقوز احتمالِ هلاكت، تَكْ براحتمالِ نجات وارسه؛ حياتندن وازكيچمش مجنون برجسورلازمكه، اويوله سلوك ايتسين * شمدى يكرمى درت ساعتدن برساعتى اشغال ايدن فرض نمازكبى ضروريّاتِ دينيه ده( ) يوزده طقسان طقوز احتمالِ نجات وار’* يالكز غفلت وتنبللّك حيثيتيله، براحتمالِ ضررِ دنيوي اولابيلير * حالبوكه: فرائضك تركنده طقسان طقوز احتمالِ ضرر وار * يالكز غفلتِ ضلالته استناد ايدن تَكْ براحتمالِ نجات اولابيلير * عجبا دينه ودنيايه ضرر اولان إهمال وفرائضك تركينه نه بهانه بولونا بيلير؟ حميّت ناصل مساعده ايده ر؟ باخصوص بوكروهِ مجاهدين وبويوكسك مجلسك أفعالى تقليد ايديلير. قصورلرينى ملّت ياتقليد وياتنقيدايده جك( )، ايكيسى ده ضرردر * ديمك اونلرده حقوق الله، حقوق عبادى ده تضمّن ايديور * سرِّ تواتُر واِجماعى تضمّن ايدن حدسز اخباراتى ودلائلى ديكله مه ين وسفسطهءِنفس ووسوسهءِ شيطاندن كلن بروهمى قبول ايدن آدملر’له حقيقي وجدّي ايش كورولمز. >شو انقلابِ عظيمك تمل طاشلرى صاغلام كرك< * شو مجلسِ عالينك شخصيّت معنويه سى صاحب اولديغى قوّت جهتيله، معناى سلطنتى درعهده ايتمشدر * أكر شعائر اسلاميه يي بالذات امثتال ايتمك وايتديرمكله، معناىِ خلافتى دخى وكالةً دَرْعُهْدَه ايتمزسه؛ (حيات ايچون درت شيئه محتاج، عنعنهءِ مستمرّه ايله كونده لا اقلّ بش دفعه دينه محتاج اولان) شو فطرتى بوزيلميان ولهوياتِ مدنيّه ايله احتياجاتِ روحيّه سنى اونوتميان ملّتك حاجاتِ دينيه سنى مجلس تطمين ايتمزسه، بالمجبوريه (معناي خلافتى تماماً قبول ايتديككزى) اسمه ولفظه ويره جك، اومعنايى ادامه ايتمك ايجون قوّتى دخى ويره جك * حالبوكه: مجلس ألينده بولونميان ومجلس طريقيله اولميان بويله برقوّت، انشقاقِ عصايه سببيّت ويره جكدر * انشقاقِ عصا ايسه، [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً] آيتنه ضدّدر * زمانْ جماعت زمانيدر * جماعتك روحى اولان شَخْصِ معنوي داها متيندر * وتنفيذ أحكامِ شرعيه داها زياده مقتدردر * خليفهءِشخصي آنجق اوكا استناد ايله وظائفى درعهده ايده بيلير * جماعتك روحى اولان شخصِ معنوي أكر مستقيم اولسه، زياده پارلاق وكامل اولور * أكر فنا اولسه، پك چوق فنا اولور * فردك أييلكى ده, فنالغى ده محدود در * جماعتك ايسه، غير محدود در * خارجه قارشو قزانديغكز أييلكى داخلده كي فنالقله بوزماييكز! بيلير سكزكه: أبدي دشمانلريكز وضدلريكز وخصملريكز اسلامك شعائرينى تخريب ايدييورلر * اويله ايسه، ضروري وظيفه كز؛ شعائرى احيا ومحافظه ايتمكدر * يوقسه شعورسز اولارق، شعورلى دشمانه ياردمدر * شعائرده تهاون، ضعف ملّيّتى كوسترير * ضعف ايسه، دشمانى توقيف ايتمز، تشجيع ايده ر * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلْ * نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصيرْ *

    • {اِعْلَمْ} **

يا مَنْ يَسْتَعْظِمُ النَّتِيجَةَ وَيَسْتَضْعِفُ دَلِيلَهَا! إِنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ يَشْهَدُ عَلَى حَقِيقَةٍ مِنَ الْحَقَائِقِ الْإِيْمَانِيَّةِ إِلَّا وَيُزَكِّيهِ وَيُؤَيِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ وَيُمِدُّهُ كُلُّ ما قَامَ عَلَى صِدْقِ شَيْءٍ مَّا مِنَ الْإِسْلَامِيَّةِ * فَكَأَنَّ كُلُّ مَا لَا يُحَدُّ مِنَ الشَّوَاهِدِ وَالشُّهَدَاءِ وَالْبَرَاهِينِ وَالْأَمَارَاتِ كُلٌّ مِنْهَا يَضَعُ إِمْضَاءَهُ عَلَى سَنَدِ كُلٍّ مِنْ أَخَوَاتِهَا، فَيَخْتِمُ كُلٌّ مِنْهَا خَاتَمَ تَصْدِيقِهِ عَلَى مَنْشُورِ كُلِّ وَاحِدٍ * بِسِرِّ مَا مَرَّ فِي هَذَا الْحَبَابِ [الْمَطْبُوعِ عام 1923 ص4]، خِلَافاً لِلنَّافِي * إِذْ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ النَّافِي وَالْمُثْبِتِ؛ يَنْفِي مِنَ النَّافِي مَا يَثْبُتُ لِلْمُثْبِتِ، فَأَلْفُ نَافٍ كَفَرْدٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ قَدْ تَصِيرُ شِدَّةُ مَحَبَّةِ الشَّيْءِ سَبَباً لِإِنْكَارِهِ * وَكَذَا شِدَّةُ الْخَوْفِ، وَكَذَا غَايَةُ الْعَظَمَةِ، وَكَذَا عَدَمُ إِحَاطَةِ الْعَقْلِ *!

    • {اِعْلَمْ} **

أَنِّي قَدْ تَيَقَّنْتُ ـ كَأَنِّي شَاهَدْتُ بِحَدْسٍ قَطْعِيٍّ ـ أَنَّ جَهَنَّمَ مُنْدَمِجَةٌ بِالْقُوَّةِ فِي بَذْرِ الْكُفْرِ، كَاِنْدِمَاجِ شَجَرَةِ الْحَنْظَلَةِ فِي نَوَاتِهَا * وَأَنَّ الْجَنَّةَ مُنْدَرِجَةٌ فِي حَبَّةِ الْإِيْمَانِ( )، كَاِنْدِرَاجِ شَجَرَةِ النَّخْلَةِ فِي نَوَاتِهَا * فَكَمَا لَا غَرَابَةَ فِي اسْتِحَالَةِ النَّوَاةِ وانْقِلَابِهَا إِلَى شَجَرَةِ الْحَنْظَلَةِ أَوْ شَجَرَةِ النَّخْلَةِ( )؛ كَذَلِكَ لَا اِسْتِبْعَادَ فِي تَحَوُّلِ مَعْنَى الضَّلَالَةِ مُتَجَسِّماً جَهَنَّماً تُعَذِّبُ * وَلَا فِي تَمَثُّلِ أَنْوَارِ الْهِدَايَةِ جَنَّةً تَسْتَعْذِبُ * وَفِي لمَعَاتٍ [الْمَطْبُوعَةِ عامَ 1921] فِي صَحِيفَةِ 33 إِلَى 36 نُبْذَةٌ مِنْ هَذَا الشُّهُودِ فِي هَذَا الْعَالَمِ أَيْضاً *

    • {اِعْلَمْ} **

كَمَا أَنَّ الْحَبَّة ـ مِنْ بُذُورِ الْحُبُوبَاتِ وَنَوَى الثَّمَرَاتِ ـ إِذَا ثُقِبَتْ فِي قَلْبِهَا لَا تَتَكَبَّرُ بِالتَّنَبُّتِ؛ كَذَلِكَ حَبَّةُ >أَنَا< إِذَا ثُقِبَتْ بِشُعَاعِ ذِكْرِ اَللهْ! لَا تَتَعَاظَمُ تِلْكَ الْأَنانِيَّةُ مُتَفَرِّعَةً بِالْاِنْتِعَاشِ، وَمُتَفَرْعِنَةً بِالْغَفْلَةِ، وَمُتَحَصِّنَةً وَمُسْتَنِدَةً بِآثَارِ النَّوْعِ، وَمُبَارِزَةً بِالْعِصْيَانِ لِجَبَّارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ * وَالْأَوْلِيَاءُ النَّقْشَبَنْدِيُّونَ مُوَفَّقُونَ لِفَتْحِ حَبَّةِ الْقَلْبِ وَكَشْفِ طَرِيقٍ قَصِيرٍ بِثَقْبِ جَبَلِ أَنَا، وَكَسْرِ رَأْسِ النَّفْسِ بِمِثْقَابِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ؛ كَمَا أَنَّ بِالذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ تُخَرَّبُ طَاغُوتُ الطَّبِيعَةِ أَوْ تُمَزَّقُ( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ أَبْعَدَ وَأَوْسَعَ وَأَرَقَّ دَوَائِرِ الْكَثْرَةِ وَطَبَقَاتِها مَا يَتَلَأْلَأُ عَلَيْها أَيْضاً أَثَرُ الْحِكْمَةِ وَالْاِتْقَانِ وَالْاِهْتِمَامِ * فَإِنْ شِئْتَ فَانْظُرْ إِلَى نِهَايَةِ مَا انْبَسَطَ وَانْتَشَرَ إِلَيْهِ اَلْتَكَثُّرُ مِنْ جِلْدِ الْإِنْسَانِ وَصُورَتِهِ! لِتَرَى كَيْفَ يُحَشِّي قَلَمُ الْقُدْرَةِ صَحِيفَةَ جَبْهَتِهِ وَوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ بِخُطُوطٍ وَنُقُوشٍ وَآلَاتٍ دَالَّاتٍ عَلَى مَعَانٍ فِي رُوحِ الْإِنْسَانِ * وعَلَى طَائِرِهِ الْمُعَلَّقِ فِي عُنُقِهِ، الْمُشِيرِ إِلَى الْقَدَرِ الْمَكْتُوبِ فِي فِطْرَتِهِ * حَتَّى لَمْ تَترُكْ هَذِهِ التَّحْشِيَّةُ مَنْفَذاً لِدُخُولِ التَّصَادُفِ الْأَعْمَى وَالْاِتِّفَاقِيَّةِ الْعَوْرَاءِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يا مَنِ بْتَلَي بِحُبِّ هَذِهِ الْحَيَاةِ! حَتَّى حَسِبْتَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ فِي الْحَيَاةِ هِيَ الْحَيَاةُ وَبَقَاؤُهَا * وَأَنَّ كُلَّ مَا أَوْدَعَتْهُ الْقُدْرَةُ الْأَزَلِيَّةُ فِي جَوْهَرِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَذَوِي الْحَيَاةِ مِنَ الْجِهَازَاتِ الْعَجِيبَةِ وَالتَّجْهِيزَاتِ الْخَارِقَةِ، إِنَّمَا أَعْطَاهَا الْفَاطِرُ الْحَكِيمُ لِحِفْظِ هَذِهِ الْحَيَاةِ السَّرِيعَةِ الزَّوَالِ، وَلِأَجْلِ الْبَقَاءِ * كَلَّا ثُمَّ كَلَّا! * إِذْ لَوْ كَانَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ هُوَ الْمَقصُودُ مِنْ كِتَابِ الْحَيَاةِ؛ لَصَارَ أَظْهَرَ وَأَبْهَرَ وَأَنْوَرَ دَلَائِلِ الْحِكْمَةِ وَالْعِنَايَةِ وَالْاِنْتِظَامِ، وَعَدَمُ الْعَبَثِيَّةِ بِإِجْمَاعِ( ) شَهَادَاتِ نِظَامَاتِ الْكَائِنَاتِ؛ أَعْجَبُ وَأَغْرَبُ وَأَنْسَبُ مِثَالٍ اَلْعَبَثِيَّةِ وَالْإِسْرَافِ وَعَدَمِ الْاِنْتِظَامِ وَعَدَمِ الْحِكْمَةِ * كَمَثَلِ شَجَرٍ كَجَبَلٍ لَيْسَ لَهَا إِلَّا ثَمَرَةٌ فَرْدَةٌ كَخَرْدَلَةٍ * بَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْحَيِّ مِنَ ثَمَرَاتِ الْحَيَاةِ وغَايَاتِهَا بِمِقْدَارِ دَرَجَةِ مَالِكِيَّةِ الْحَيِّ لِلْحَيَاةِ وَتَصَرُّفِهِ الْحَقِيقِيِّ فِيهَا * ثُمَّ سَائِرُ الثَّمَرَاتِ وَالغَايَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى المُحْيِي جَلَّ جَلَالُهُ بِالْمَظْهَرِيَّةِ لِتَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِهِ، وَبِإِظْهَارِ أَلْوَانِ وَأَنْوَاعِ جَلَوَاتِ رَحْمَتِهِ فِي جَنَّتِهِ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، الَّتِي هِيَ ثَمَرَاتُ بُذُورِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْدُّنْيَوِيَّةِ وَهَكَذا * وكَمَا أَنَّ الْشَّخْصَ الْمُوَظَّفَ لِإَنْ يَجُسَّ ويَضَعَ أُصْبُعَهُ عِنْدَ اللُّزُومِ عَلَى الْجِهَازَاتِ الَّتِي تَتَحَرَّكُ بِهَا الْسَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ لِلْسُّلطَانِ، لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ فَوَائِدِ السَّفِينَةِ إِلَّا مِقْدَارُ عَلَاقَتِهِ وَخِدْمَتِهِ * أَيْ: مِنَ الْأُلُوفِ وَاحِدًا * كَذَلِكَ دَرَجَةُ تَصَرُّفِ كُلِّ حَيٍّ فِي سَفِينَةِ وُجُودِهِ، بَلْ هُنَاكَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ مِنَ الْأُلُوفِ وَاحِدًا، لَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ بِالذَّاتِ هُنَا مِنْ مَلَايِينَ مَلَايِينِ وَاحِدًا أَيْضًا *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا قَلْبِي! أَنَّ لَذَائِذَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا بِدُونِ مَعْرِفَةِ خَالِقِنَا وَمَالِكِنَا وَمَوْلَانَا وَلَوْ كَانَتْ جَنَّةً، فَهِيَ جَهَنَّمُ * هَكَذَا ذُقْتُ وَشَاهَدْتُ * حَتَّى فِي نِعْمَةِ الشَّفَقَةِ كَمَا فِي قَطْرَة ـ الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1921 ـ فِي صَحِيفَة 113 ـ ومَعْرِفَتِهِ تُغنِي عَنْ كُلِّ مَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى عَنِ الْجَنَّةِ أَيْضًا *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا قَلْبِي! أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَهُ وَجْهَانِ * وَجْهٌ إِلَى الدُّنْيَا وَالنَّفسِْ والْهَوَى، وَوَجْهٌ إِلَى الْآخِرَةِ * فَأَمَّا الْوَجْهُ الدُّنْيَوِيُّ: فَأَعْظَمُ الْأُمُورِ وَأَثْقَلُهَا وَأَثْبَتُهَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِدَرَجَةٍ مِنَ الصِّغَرِ وَالْخِفَّةِ وَالزَّوَالِ، بِحَيْثُ لَا يُسَاوِي وَلَا يُوَازِي وَلَا يَلِيقُ لِأَنْ يُشَوَّشَ لَهُ الْقَلْبُ بِالْمَرَقِ وَالتَّضَجُّرِ وَالتَّأَلُّمِ، وَشِدَّةِ التَّأَمُّلِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا قَلْبِي! هَلْ تَرَى أَحْمَقَ وَأَبْلَهَ وَأَجْهَلَ مِمَّنْ يَرَى تِمْثَالَ الشَّمْسِ مَثَلًا فِي ذَرَّةٍ شَفَّافَةٍ أَو تَجَلِّيهَا فِي صِبْغَةِ زَهْرَةٍ، ثُمَّ يَطْلُبُ فِي الشُّمَيْسَةِ الْمَرْئِيَّةِ فِي الذَّرَّةِ، وَمِنْ لَوْنِ الزَّهْرَةِ وَصَبْغَتِهَا كُلَّ لَوَازِمَاتِ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ فِي سَقْفِ الْعَالَمِ، حَتَّى جَذْبُهَا لِلْسَيَّارَاتِ وَمَرْكَزِيَّتِهَا لِلْعَالَمِ * ثُمَّ إِذَا زَالَ بِعَارِضٍ مَا رَآهُ فِي هَذِهِ الذَّرَّةِ وَالزَّهْرَةِ؛ شَرَعَ ـ بِسَبَبِ قَصْرِ النَّظَرِ وَانْحِصَارِهِ ـ يُنْكِرُ وُجُودَ الشَّمْسِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، مَعَ وُجُودِ شَهَادَاتِ سَائِرِ الذَّرَّاتِ وَكُلِّ الشَّبْنَمَاتِ وَالرَّشَاشَاتِ وَالْقَطَرَاتِ وَالْحَبَابَاتِ والْحِيَاضِ وَالْبُحُورِ وَالْسَّيَّارَاتِ فِي ضَحْوَةِ النَّهَارِ الصَّحْوِ * ثُمَّ أَنَّ ذَلِكَ الْأَجْهَلَ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الظِّلِّيُّ بِالتَّجَلِّي بِمِقْدَارِ لَيَاقَةِ قَابِلِيَّةِ الشَّيْءِ المُرَسَّمَةِ بِالْقُدْرَةِ بِالْوُجُودِ بِالْأَصَالَةِ * فَإِذَا رَأَى الشَّمْسَ فِي ذَرَّةٍ شَفَّافَةٍ يَقُولُ: أَيْنَ عَظَمَةُ الشَّمْسِ، وَأَيْنَ حَرَارَتُهَا الْخَارِقَةُ، وَكَيْفَ وَكَيْفَ؟! إِلَى آخِرِ بَلَاهَاتِهِ * وَقَدْ يُرِيدُ أَنْ يَقْتَبِسَ مِنْ نَارِهَا، أَوْ يَجِسَّهَا بيَدِهِ، أَوْ يُؤَثِّرَ فِي ذَاتِهَا تَأْثِيرًا بِوَجْهٍ مَّا * وَلَا يَتَفَطَّنُ أَنَّ قُرْبَهَا مِنْهُ بِالتَّأْثِيرِ فِيهِ، لَا يَسْتَلْزِمُ قُرْبَهُ مِنْهَا، حَتَّى تَتَأَثَّرَ الشَّمْسُ مِنْ فِعْلِهِ * ثُمَّ إنَّهُ يَرَى فِي صِغَارِ الْأَشْيَاءِ وَخَسَائِسَهَا إِتْقَانًا عَجِيبًا، وَاهْتِمَامًا غَرِيبًا، وَصَنْعَةً فَائِقَةً، وَحِكْمَةً رَائِقَةً؛ فَيَزْعُمُ بِالْقِيَاسِ الْبَاطِلِ أَنَّ صَانِعَ هَاتِيكَ تَكَلَّفَ فِي صُنْعِهَا وَتَعَمَّلَ كَثِيرًا، فَيَقُولُ: مَا قِيمَةُ الذُّبَابِ مَثَلًا حَتَّى يُصْرَفَ لَهُ هَذَا الْمَصْرِفُ المُهِمُّ مِنْ صَانِعٍ حَكِيمٍ؟!. حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ سُوفَسْطَائِيّاً * فَيَا هَذَا! >وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعَلَى<، >اللهُ( ) خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ<. لَا بُدَّ أَنْ تَعْلَمَ أُموُرًا أَرْبَعَةً، يَنْحَلُّ بِهَا الْإِشْكَالُ * اَلْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ مِنَ الذَّرَّاتِ إِلَى الشُّمُوسِ يَصِفُهُ تَعَالَى بِمَا لَهُ فِي كَمَالِ رُبُوبِيَّتِهِ * لَكِنْ لَا يَتَّصِفُ بِمَا لَهُ، لِأَجْلِ مَظْهَرِيَّتِهِ لِتَجَلِّيهِ * وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَنْفَتِحُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى نُورِهِ تَعَالَى بَابٌ, لَكِنْ بِانْسِدَادِ بَابٍ وَاحِدٍ فِي نَظَرٍ قَاصِرٍ لَا يَنْسَدُّ مَا لَا يُحَدُّ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَإِنْ أَمْكَنَ فَتْحُ الْكُلِّ بِفَتْحٍ وَاحِدٍ * وَالثَّالِثُ: أَنَّ القَدَرَ المُنْعَكِسَ مِنَ الْعِلْمِ الْمُحِيطِ قَدْ قَيَّدَ وَرَسَّمَ لِكُلِّ شَيْءٍ حِصَّةً لَائِقَةً مِن فَيْضِ تَجَلِّي الْأَسْمَاءِ الْمُطْلَقَةِ النُّورَانِيَّةِ * وَالرَّابِعُ: {ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ} وَ { ﭘ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ} * وَأَمَّا إِذَا أُسْنِدَ بِالْغَفْلَةِ الْأَشْيَاءُ إِلَى أَنْفُسِهَا وَإِلَى الْأَسْبَابِ الْإِمْكَانِيَّةِ لَلَزِمَ عَلَى كُلِّ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَقْبَلُوا الْمُحَالَاتِ النَّاشِئَةِ مِنْ حُكْمِ ذَلِكَ الْأَجْهَلِ الْأَبْلَهِ *

    • ** **
    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْقُرْآنَ الْمُعْجِزَ الْبَيَانِ يُعَبِّرُ كَثِيرًا عَنْ تَبْيِينِ الْحَقَائِقِ بِضَرْبِ الْمَثَلِ؛ بِسِرِّ أَنَّ الْحَقَائِقَ الْمُجَرَّدَةَ الْإِلهِيَّةَ مُتَمَثِّلَةٌ فِي دَائِرَةِ الْمُمْكِنَاتِ بِقُيُودِ الْأَمْثَالِ * فَالْمُمْكِنُ الْمِسْكِينُ يَنْظُرُ إِلَى الْأَمْثَالِ فِي دَائِرَةِ الْإِمْكَانِ، وَيُلَاحِظُ( ) مِنْ خَلْفِهَا شُؤُونَ دَائِرَةِ الْوُجُوبِ * وَللهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْعَرْشَ كَالْقَلْبِ * فَقَلْبُكَ فِيكَ مِلْكًا، وَأَنْتَ فِي قَلْبِكَ مَلَكُوتًا’* فَفِي دَائِرَةِ الْاِسْمِ >الظَّاهِرِ<: اَلْعَرْشُ الْعَظِيمُ مُحِيطٌ بِالْكُلِّ، وَفِي دَائِرَةِ الْاِسْمِ >الْبَاطِنِ< كَالْقَلْبِ لِلْكَوْنِ * وَفِي الْاِسْمِ >الْأَوَّلِ< يُشَارُ إِلَيْهِ بـ{ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ} وَفِي >الْآخِرِ< يَرْمُزُ إِلَيْهِ بِـ’>وَسَقْفُ الْجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ< * إِذْ لِعَرْشِ مَنْ { ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ} حِصَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآَخِرِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْعَجْزَ مَعْدِنُ النِّدَاءِ * وَأَنَّ الْإِحْتِيَاجَ مَنْبَعُ الدُّعَاءِ * فَيَا رَبِّي، يَا خَالِقِي وَيَا مَالِكِي! حُجَّتِي عِنْدَ نِدَائِي حَاجَتِي * وَعُدَّتِي عِنْدَ دُعَائِي فَاقَتِي * وَوَسِيلَتِي اِنْقِطَاعُ حِيلَتِي * وَكَنْزِي عَجْزِي * وَرَأْسُ مَالِي آَمَالِي وَآَلَامِي * وَشَفِيعِي حَبِيبُكَ وَرَحْمَتُكَ * فَاعْفُ عَنِّي وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي * يَا اَللهُ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ *

    • ** **  



ذَيْــلُ الْحَـبَـابِ   بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِفَادَةُ الْمَرَامِ يَا أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي رَسَائِلِي الْعَرَبِيَّةِ الثَّمَانِ( )! إِنِّي أَوَّلَ مَا كَتَبْتُهَا، مَا كَتَبْتُ إِلَّا لِنَفْسِي * ثُمَّ تَخَطَّرْتُ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْ شُكْرِهَا نَشْرُهَا، لَعَلَّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا أُنَاسٌ * ثُمَّ بَعْدَ تَكْرَارِ النَّظَرِ فِيهَا تَفَطَّنْتُ فِيهَا سِرًّا، تَرَدَّدْتُ فِي إِظْهَارِهِ مِنْ زَمَانٍ * وَلَكِنِّي أُحِسُّ فِي قَلْبِي الْآنَ سَائِقًا لِإِظْهَارِهِ * وَهُوَ أَنَّهُ أَرَى مَسَائِلَ تِلْكَ الرَّسَائِلِ وَسَائِلَ وَسَلَالِمَ لِلصُّعُودِ إِلَى الزَّنَابِيلِ النُّورَانِيَّةِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، الَّتِي هِيَ الْآيَاتُ الْفُرْقَانِيَّةُ * فَمَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا إِلَّا وَيُمَاسُّ رَأْسُهَا قَدَمَ آيَةٍ مِنَ الفُرْقَانِ؛ فَمَسَائِلُهَا وَإِنْ حَصَلَتْ لِي أَوَّلَ مَا حَصَلَتْ ـ شُهُودِيَّةً وَحَدْسِيَّةً وَذَوْقِيَّةً ـ لَكِنْ لِدُخُولِي فِي صَحْرَاءِ الْجُنُونِ مَعَ رَفَاقَةِ عَقْلِي مَفْتُوحَ الْجُفُونِ؛ فِيمَا يُغْمِضُ فِيهِ ذَوِي الْأَبْصَارِ؛ لَفَّ عَقْلِي ـ عَلَى عَادَتِهِ ـ مَا رَآَهُ قَلْبِي فِي مَقَايِيسِهِ، وَوَزَنَهُ بِمَوَازِينِهِ، وَاسْتَمْسَكَهُ بِبَرَاهِينِه * فَصَارَتْ مَسَائِلُ هَذِهِ الرَّسَائِلِ ـ مِنَ هَذِهِ الجِهَةِ ـ كَأَنَّهَا مُبَرْهَنَةٌ إِسْتِدْلَالِيَّةٌ * فَيُمْكِنُ لِمَنْ ضَلَّ مِنْ جِهَةِ الْفِكْرِ وَالْعِلْمِ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهَا مَا يُنْجِيهِ مِنْ مَزَالِقِ الْأَفْكَارِ الْفَلْسَفِيَّةِ، بَلْ يُمْكِنُ أََنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْهَا بِالتَّهْذِيبِ وَالتَّنْظِيمِ وَالْإِيضَاحِ عَقَائِدَ إِيمَانِيَّةً، وَعِلْمَ كَلَامٍ جَدِيدٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالرَّصَانَةِ لِرَدِّ ضَلَالَاتِ أَفْكَارِ هَذَا الزَّمَان * بَلْ يُمْكِنُ لِمَنِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ بِقَلْبِهِ، أَوْ اِلْتَحَقَ قَلْبُهُ بِعَقْلِهِ الْمُتَشَتَّتِ فِي آفَاقِ الْكَثْرَةِ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهَا طَرِيقَةً كَسِكَّةِ الْحَدِيدِ مَتِينَةً أَمِينَةً؛ يَسْلُكُ فِيهَا تَحْتَ إِرْشَادِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ * كَيْفَ لَا؟! وَكُلُّ مَا فِي رَسَائِلِي مِنَ الْمَحَاسِنِ، مَا هُوَ إِلَّا مِنْ فَيْضِ الْقُرْآنِ * وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَانَ الْقُرْآنُ هُوَ مُرْشِدِي وَأُسْتَاذِي فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ * نَعَمْ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ, إِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا * بديع الزَّمَان ـ سعيد النورسي (رض).  


ذَيْلُ الْحَبَابِ

مَنْ كَانَ للهِ كَانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَكُنْ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ, وَالْكَوْنُ لَهُ بِتَرْكِ الْكُلِّ لَهُ، وَالْإِذْعَانُ بِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ وَمِنْهُ وَإِلَيْهِ * ـ المؤلّف ـ 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَقَدَّسَتْ عَنِ الْأَشْبَاهِ ذَاتُهُ، وَتَنَزَّهَتْ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَمْثَالِ صِفَاتُهُ؛ اَلْخَلَّاقُ الَّذِي ذَاكَ الْعَالَمُ الْكَبِيرُ إِبْدَاعُهُ، وَهَذَا الْعَالَمُ الصَّغِيرُ (أيِ الْإِنْسَانِ) إِيجَادُهُ * وَذَا إِنْشَاؤُهُ، وَهَذَا بِنَاؤُهُ * وَذَا صَنْعَتُهُ، وَهَذَا صِبْغَتُه * وَذَا نَقْشُهُ، وَهَذَا زِينَتُهُ * وَذَا رَحْمَتُهُ، وَهَذَا نِعْمَتُهُ * وَذَا قُدْرَتُهُ، وَهَذَا حِكْمَتُهُ * وَذَا عَظَمَتُهُ، وَهَذَا رُبُوبِيَّتُهُ * وَذَا مَخْلُوقُهُ، وَهَذَا مَصْنُوعُهُ * وَذَا مُلْكُهُ، وَهَذَا مَمْلُوكُهُ * وَذَا مَسْجِدُهُ، وَهَذَا عَبْدُهُ * وَعَلَى جَوَانِبِهِمَا, بَلْ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُمَا سِكَّتُهُ النَّاطِقَةُ بِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ * اللَّهُمَّ يَا قَيُّومَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ! إِنَّا نُشْهِدُكَ وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتِكَ بِشَهَادَةِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِكَ وَأَوْلِيَائِكَ وَآيَاتِكَ وَجَمِيعِ مَصْنُوعَاتِكَ وَجَمِيعِ خَلْقِكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ * وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ * وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيهِ كَمَا يُنَاسِبُ حُرْمَتَهُ، وَكَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ * وعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَينَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ ـ مِنْ وُجُودِكَ وَتَوَابِعِهِ ـ مَا هُوَ إِلَّا إِبَاحَةٌ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ * فَلَكَ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِيمَا أَعْطَاكَ كَمَا يَرْضَى مَنْ أَعْطَى، لَا كَمَا تَرْضَى أَنْتَ * كَمَنْ أَضَافَ أَحَدًا، لَيْسَ لِلْضَّيْفِ أَنْ يُسْرِفَ أَوْ يَصْرِفَ فِيمَا لَا إِذْنَ لِلْمُضِيفِ فِيهِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا مَنْ يَسْتَغْرِبُ الْحَشْرَ الْأَعْظَمَ وَيَسْتَبْعِدُهُ! أَلَا تَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْكَ مِمَّا لَا يُحْصَى مِنْ أَنْوَاعِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْقِيَامَاتِ الْخُصُوصِيَّةِ؟ وَكَيْفَ تَسْتَبْعِدُ الْقِيَامَةَ الْكُبْرَى مَعَ مُشَاهَدَةِ مَا لَا يُحَدُّ مِنَ الْقِيَامَاتِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، حَتَّى فِي كُلِّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ أَوْ مُزْهِرَةٍ؟ * وَإِنْ شِئْتَ الْيَقِينَ الشُّهُودِيَّ فَاذْهَبْ مَعَ عَقْلِكَ فِي آخِرِ الرَّبِيعِ وَالصَّيفِ إِلَى تَحْتِ شَجَرَةِ التُّوتِ أَوْ الْمُشْمُشِ مَثَلًا، وَانْظُرْ كَيْفَ حُشِرَتْ وَنُشِرَتْ هَذِهِ الثَّمَرَاتُ الْحُلْوَةُ الْحَيَّةُ، وَالْمَخْلُوقَاتُ الطَّرِيَّةُ اللَّطِيفَةُ النَّظِيفَةُ؛ كَأَنَّهَا أَعْيَانُ الثَّمَرَاتِ اللَّاتِي مَاتَتْ فِي السَّنَةِ الْخَالِيَةِ * فَهَؤُلَاءِ الثَّمَرَاتُ الْمَنْثُورَةُ الْمَنْشُورَةُ اللَّاتِي يَضْحَكْنَ فِي وَجْهِكَ، مَا هِيَ إِلَّا أَخَوَاتُ الْمَيِّتَاتِ الْخَالِيَاتِ وَأَمْثَالُهَا كَأَنَّهَا هِيَ * وَلَوْ كَانَتْ لَهَا الْوَحْدَةُ الُّروحِيَّةُ كَالْإِنْسَانِ، كَانَتْ هِيَ إِيَّاهَا * أَيْ: عَيْنُهَا لَا مِثْلُهَا * ثُمَّ تَأَمَّلْ فِي الشَّجَرَةِ مَعَ يَبْسِهَا وَجُمُودِهَا وَحَقَارَتِهَا وَصِغَرِهَا مَعَ ضَيْقِ مَجَارِيهَا وَاشْتِبَاكِ مَسِيلِ حَمَلَةِ( ) أَرْزَاقِ الْأَزْهَارِ وَالْأَثْمَارِ؛ كَيْفَ صَارَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ بِرَأْسِهَا عَالَمًا عَجِيبًا يُصَوِّرُ لِلْمُدَقِّقِ تِمْثَالُ: { ﭝ ﭞ ﭟ} * اَلْحَقُّ أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي تَنْشُرُ مِنَ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ هَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ اللَّطِيفَةِ، لَا يَتَعَسَّرُ عَلَيْها شَيْءٌ مَّا فِي الْإِمْكَانِ * آمَنَّا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ تَضْمِينَ كُلِّ سُورَةٍ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُجْمَلَ مَا فِي كُلِّ الْقُرْآنِ وَسَائِرَ السُّوَرِ ـ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَأَهَمِّ الْقَصَصِ ـ لِأَجْلِ أَنْ لَا يُحْرَمَ مَنْ يَقْرَأُ سُوْرَةً فَقَطْ عَمَّا أُنْزِلَ لَهُ التَّنْزِيلُ * إِذْ فِي الْمُكَلَّفِينَ الْأُمِّيُّ أَوِ الْغَبِيُّ، وَمَنْ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ إِلَّا قِرَاءَةُ سُوَرَةٍ قَصِيرَةٍ فَقَطْ * فَمِنْ هَذِهِ اللَّمْعَةِ الْإِعْجَازِيَّةِ تَصِيرُ السُّورَةُ قُرْآناً تَامّاً لِمَنْ قَرَأَهَا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْوَاحِدَ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْكَثِيرِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِراً مُخَالِطاً مُتَدَاخِلاً فِيمَا بَيْنَهُمْ * لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مُبَايِنَ الْمَاهِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مَادِّيٍّ وَلَا مُمْكِنٍ, بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الْفَاعِلِ فِي الْكَثِيرِ؛ كَفِعْلِ الْأَمِيرِ فِي النَّفَرَاتِ يُحَصِّلُ بِالْإِرَادَةِ وَالْأَمْرِ بِدُونِ الْاِخْتِلَاطِ وَالْمُعَالَجَةِ’* وَلَوْ أُحِيلَتْ وَظَائِفُ الْإِمَارَةِ وَأَفَاعِيلُهَا عَلَى النَّفَرَاتِ لَزِمَتْ الْمُبَاشَرَةُ الذَّاتِيَّةُ وَالمُعَالَجَةُ * أَوِ انْقِلَابُ النَّفَرَاتِ إِلَى مَاهِيَة الْأَمِيرِ * فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ مَعَ غَايَةِ تَقَدُّسِهِ وَتَنَزُّهِهِ وَعُلُوِّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَنِهَايَةِ بُعْدِنَا وَخَسَاسَتِنَا، يَتَصَرَّفُ فِينَا كَمَا يَشَاءُ * وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَالشَّمْسِ قَرِيبٌ مِنَّا، وَنَحْنُ بَعِيدُونَ مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْكَثْرَةَ تَنْجَرُّ إِلَى الْوَحْدَةِ، بِجِهَةِ صَيْرُورَةِ الْجُزْءِ أُنْمُوذَجَ الْكُلِّ، كَالشَّجَرَةِ إِلَى الثَّمَرَةِ * فَيَصِيرُ الْكُلُّ كَالْكُلِّيِّ وَالْجُزْءُ كَالْجُزْئِيِّ؛ كَضِيَاءِ الشَّمْسِ الْمُنْبَسِطِ فِي الْفَضَاءِ * إِذْ قَدْ تَضَمَّنَ كُلٌّ مِنْ ذَرَّاتِ ذَلِكَ الضِّيَاءِ لِتِمْثَالٍ مِنْ تَمَاثِيلِ الشَّمْسِ؛ كَأَنَّ الذَّرَّاتِ الْمُهْتَزَّةَ شُمَيْسَاتٌ اِتَّصَلَتْ فَصَارَتْ ضِيَاءً * مَثَلاً {ﮘ ﮙ ﮚ} هَكَذَا تَجَلِّيَاتُ أَسْمَاءِ نُورِ الْأَنْوَارِ الْأَزَلِيِّ، فَتَجَلِّيَ أَسْمَاءِ اللهِ يُرَى بِهَذَيْنِ الْوَجْهَينِ كُلَّا وكُلِّيًّا *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا مَنْ اِطْمَأَنَّ بِالدُّنْيَا وَسَكَنَ إِلَيْهِا! إِنَّ مَثَلَكَ كَمَثَلِ مَنْ يَتَدَحْرَجُ سَاقِطاً مِنْ أَعْلَى قَصْرٍ, يَتَدَحْرَجُ ذَلِكَ الْقَصْرُ فِي سَيْلٍ، يَتَسَاقَطُ ذَلِكَ السَّيْلُ مِنْ أَعَالِي جَبَلٍ ، يَتَدَحْرَجُ ذَلِكَ الْجَبَلُ مُتَنَازِلاً بِالزَّلْزَلَةِ إِلَى أَعْمَاقِ الْأَرْضِ * إِذْ قَصْرُ الْحَيَاةِ يَنْهَدِمُ، وَطَائِرُ الْعُمْرِ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَبِيضَكَ فِي وَكْرِ الْقَبْرِ * وَسَيْلُ الزَّمَانِ تُسْرِعُ دَوَالِيبُهُ بِدَرَجَةٍ تُدْهِشُ الْعُقُولَ، وَسَفِينَةُ الْأَرْضِ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ * فَمَنْ كَانَ فِي شِمَنْدُوفَرٍِ يُسْرِعُ سُرْعَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ ـ وَفِي آنِ السُّرْعَةِ ـ إِلَى أَزَاهِيرَ ذَاتِ أَشْوَاكٍ مُفْتَرِسَةٍ فِي جَانِبِ الطَّرِيقِ, فَمَزَّقَتِ الْأَشْوَاكُ يَدَهُ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ * فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا؛ فَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ وَلَا يَدَيْكَ إِلَى زَهْرَةِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ أَشْوَاكَ آلَامِ الْفِرَاقِ تُمَزِّقُ الْقُلُوبَ فِي آنِ التَّلَاقِي، فكَيْفَ بِوَقْتِ الْفِرَاقِ؟! * فَيَا نَفْسِيَ الْأَمَّارَةِ( ) بِالسُّوءِ! اُعْبُدِي مَنْ شِئْتِ وَادَّعِي مَا شِئْتِ * وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَعْبُدُ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وَاقْتَدَرَ عَلَى أَنْ سَخَّرَ لِيَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ * وَلَا أَسْتَمِدُّ إِلَّا مِمَّنْ حَمَلَنِي فِي طَيَّارَةِ الْعُمْرِ السَّابِحِ فِي فَضَاءِ مُحِيطِ الْقَدَرِ، وَسَخَّرَ لِيَ الْفُلْكَ الدَّائِرَ الطَّائِرَ بَيْنَ النُّجُومِ السَّيَّارَاتِ، وَأَرْكَبَنِي فِي شِمَنْدُوفَرِ الزَّمَانِ الْمَارِّ كَالْبَرْقِ فِي أُخْدُودِ الْأَرْضِ وَتَحْتَ جَبَلِ الْحَيَاةِ إِلَى بَابِ الْقَبْرِ فِي طَرِيقِ اَبَدِ الْآبَادِ’* وَأَنَا قَاعِدٌ بِإِذْنِهِ وَتَذْكِرَتِهِ فِي >وَاغُونِ<( ) هَذَا الْيَومِ الْمُتَّصِلُ طَرَفَاهُ بِحِلَقَتَيِ الْأَمْسِ وَالْغَدِ * وَلَا أَدْعُو وَلَا أَسْتَغِيثُ إِلَّا مَنْ يَقْتَدِرُ عَلَى تَوْقِيفِ چَرْخِ الْفَلَكِ الْمُحَرِّكِ ـ ظَاهِراً ـ لِفَلَكِ الْأَرْضِ، وعَلَى تَسْكِينِ حَرَكَةِ الزَّمَانِ بِجَمْعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ, وَعَلَى تَثْبِيتِ هَذِهِ الدُّنْيَا الْمُتَغَيِّرَةِ الْمُتَدَحْرِجَةِ مِنْ شَوَاهِقِ الْوُجُودِ فِي أَعْمَاقِ أَوْدِيَةِ الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ بِتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ * إِذْ لِيَ آمَالٌ وَمَقَاصِدُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ تَبْقَى آمَالِي مُلْتَزِقَةً عَلَى مَا يَمُرُّ عَلَيهِ الزَّمَانُ، وَتَذْهَبُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، وَتُفَارِقُهُ الدُّنْيَا * وَلِي عَلَاقَةٌ وَلَذَّةٌ بِسَعَادَةِ كُلِّ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ * وَلَا أَعْبُدُ إِلَّا مَنْ هُوَ كَمَا يَسْمَعُ أَدَقَّ هَوَاجِسَ سِرِّي، ويُصُلِحُ لِي أَرَقَّ آمَالِ قَلْبِي وَمُيُولِهِ؛ كَذَلِكَ يَقْتَدِرُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَتَمَنَّاهُ عَقْلِي وَخَيَالِي مِنْ تَحْصِيلِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ لِنَوْعِ الْبَشَرِ بِإِقَامَةِ الْقِيَامَةِ وَتَقْلِيبِ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ؛ فَتَصِلُ يَدُهُ إِلَى الذَّرَّةِ وَإِلَى الشَّمْسِ * فَلَا تَتَصَاغَرُ الذَّرَّةُ مُخْتَفِيَةً عَنْ تَصَرُّفِهِ، وَلَا يَتَكَبَّرُ كِبَرُ الشَّمْسِ عَلَى قُدْرَتِهِ * إِذْ هُوَ الَّذِي إِذَا عَرَفْتَهُ اِنْقَلَبَتْ لَكَ الْآلَامُ لَذَائِذَ، وَبِدُونِهِ تُنْتِجُ الْعُلُومُ أَوْهَاماً, وَالْحِكَمُ أَسْقَاماً، بَلْ هِيَ هِيَ * نَعَمْ وَبِدُونِ نُورِهِ تَبْكِي الْوُجُودَاتُ لَكَ أَعْدَاماً، وَالْأَنْوَارُ ظُلُمَاتٍ، وَالْأَحَيَاءُ أَمْوَاتاً، وَاللَّذَائِذُ آلَاماً وَآثَاماً * وَيَصِيرُ الْأَوِدَّاءُ بَلِ الْأَشْيَاءُ أَعْدَاءً * وَمَا الْبَقَاءُ بِدُونِهِ إِلَّا بَلَاءٌ، وَالْكَمَالُ هَبَاءٌ, وَالْعُمْرُ هَوَاءٌ، وَالدَّوَاءُ دَاءٌ، وَالْحَيَاةُ عَذَابٌ، وَالْعَقْلُ عِقَابٌ، وَتَبْكِي الْآمَالُ آلَاماً * مَنْ كَانَ للهِ تَعَالَى كَانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ( )، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَانَ عَلَيهِ كُلُّ شَيْءٍ * وَالْكَوْنُ لَهُ بِتَرْكِ الْكُلِّ لَهُ، وَالْإِذْعَانُ بِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ * وَهُوَ الَّذِي فَطَرَكَ بِصُورَةٍ أَحَاطَتْ بِكَ دَوَائِرُ مُتَدَاخِلَةٌ مِنَ الْحَاجَاتِ، وَجَهَّزَكَ فِي أَصْغَرِهَا الَّتِي نِصْفُ قُطْرِهَا مَدُّ يَدِكَ بِاقْتِدَارٍ وَاخْتِيَارٍ * وَجَهَّزَكَ فِي الْبَوَاقِي ـ الَّتِي وُسْعَةُ بَعْضِها كَمَا بَيْنَ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ وَالْفَرْشِ وَالْعَرْشِ ـ بِالدَّعَاءِ فَقَطْ * وَفِي التَّنْزِيلِ: {ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ}؛ فَالصَّبِيُّ يُنَادِي أَبَوَيْهِ فِيمَا لَا يَصِلُ يَدُهُ إِلَيْهِ، فَالْعَبْدُ يَدْعُو رَبَّهُ فِيمَا عَجَزَ مِنْهُ( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ كَمَالَ صَنْعَةِ كُلِّ شَيْءٍ وَاِتْقَانَهَا مَا هُوَ إِلَّا مِنْ سِرِّ الْوَحْدَةِ * وَلَوْلَا الْوَحْدَةُ بِلَا تَوْزِيعٍ وَبِلَا تَجَزُّئٍ وَبِلَا تَزَاحُمٍ لَتَفَاوَتَتِ الْمَصْنُوعَاتُ؛ كَوَحْدَةِ الشَّمْسِ وَوُجُودِهَا بِالتَّجَلِّي فِي كُلِّ مَا مَسَّهُ ضِيَاؤُهَا مِنْ ذَرَّةٍ شَفَّافَةٍ( ) إِلَى وَجْهِ الْبَحْرِ، وَلَا يُشْغِلُهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ * فَهَذَا السِّرُّ تُشَاهِدُهُ فِي هَذِهِ الشَّمْسِ الْمُمْكِنَةِ الْمِسْكِينَةِ الْمُقَيَّدَةِ الْمَحْدُودَةِ الْجَامِدَةِ الْمَيِّتَةِ، الَّتِي هِيَ قَطْرَةٌ مُتَلَمِّعَةٌ بِتَجَلِّي شُعْلَةٍ مِنِ اِسْمِ النُّورِ الْحَقِّ * فَكَيْفَ شَمْسُ الْأَزَلِ وَالسُّلْطَانِ الْأَبَدِ وَالْقَيُّومِ السَّرْمَدِ، الْوَاجِبِ الْوُجُودِ، الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، الْحَيِّ الْقَدِيرِ الصَّمَدِ جَلَّ جَلَالُهُ؟! * {ﮘ ﮙ ﮚ} فَوَحْدَةُ الضِّيَاءِ الْمُحِيطِ تُشِيرُ إِلَى الْوَاحِدِيَّةِ، وَوُجُودُ الشَّمْسِ بِخَاصِّيَّتِهَا بِالتَّجَلِّي فِي كُلِّ جُزْءٍ وَذَرَّةٍ مِنَ ذَلِكَ الضِّيَاءِ الْمُحِيطِ يَرْمُزُ إِلَى الُأَحَدِيَّةِ * فَتَأَمَّلْ!

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِنْ أَصْدَقِ شَوَاهِدِ الْأَحَدِيَّةِ؛ اَلْوَحْدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَرَّاتِ حُجَيْرَةٍ مِنْ عَيْنِكَ إِلَى وَحْدَةِ الْعَالَمِ * وَالْإِتْقَانُ الْأَكْمَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِمَا تَسَعُهُ لَيَاقَةُ قَابِلِيَّتِهِ الْمَجْعُوَلَةِ بِقَلَمِ الْقَضَاءِ وَقَالَبِ الْقَدَرِ * وَالسُّهُولَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي إِنْشَاءِ كُلِّ شَيْءٍ وَإِيجَادِهِ * وَأَنَّ السُّهُوَلَةَ الْمُطْلَقَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الصَّانِعِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ وُجُودِ الْمَصْنُوعِ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَثْبَتَ وَأَرْسَخَ مِنْهُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْأَرْضَ تُعْطِيكُمْ وَتَبِيعُكُمْ مَتَاعَهَا وَالْمَالُ الَّذِي فِي يَدِهَا رَخِيصاً بِنِهَايَةِ الرَّخِيصِيَّةِ * فَلَوْ كَانَ الْمَتَاعُ مَالَهَا أَوْ نَسْجَ الْأَسْبَابِ الْإِمْكَانِيَّةِ لَمَا اشْتَرَيْتُمْ رُمَّانَةً فَرْدَةً بِجَمِيعِ مَا تَصْرِفُونَهُ( ) لِاسْتِحْصَالِ جَمِيعِ مَا تَأْخُذُونَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ بِأَيَادِي أَشْجَارِهَا وَمَزَارِعِهَا * إِذْ يُرَى فِي كُلِّ حَبَّةٍ أَنَّ صَانِعَهَا اِهْتَمَّ بِهَا وَأَتْقَنَ فِيهَا بِنِهَايَةِ الْإِتِّقَانِ وَغَايَةِ التَّزْيِينِ، وَجَمَعَ فِيهَا مَا جَمَعَ بِشُعُورٍ تَامٍّ وَمَهَارَةٍ حَكِيمَةٍ، وَجَهَّزَهَا بِلَطَائِفِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ لِجَلْبِ أَنْظَارِ الْمُشْتَرِينَ * فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هِيَ مَصْنُوعَةُ مَنْ لَا كُلْفَةَ وَلَا مُعَالَجَةَ وَلَا مُبَاشَرَةَ فِي صُنْعِهِ وَإِيجَادِهِ ـ حَتَّى تَتَسَاوَى بِالْنِسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ الْحَبَّةُ وَالْحَدِيقَةُ وَالْفَرْدَةُ الْفَذَّةُ وَكُلُّ الْنَّوْعِ وَالذَّرَّةُ وَالشَّمْسُ ـ لَمَا كَانَ هَذَا هَكَذَا بِلَا رَيْبٍ وَبِالْبَدَاهَةِ وَبَالْحَدْسِ الْقَطْعِيِّ * إِذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَانِعُ هَذِهِ الْحَبَّاتِ الْعِنَبِيَّةِ وَالرُّمَّانِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ ظَاهِراً لِتَطْمِينِ ذَوْقٍ مُؤَقَّتٍ وَهَوَسٍ جُزْئِيٍّ لِبَعْضِ الْحَشَرَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ، إِمَّا مَسْلُوبَ الشُّعُورِ وَمَفْقُودَ الْحِسِّ وَعَدِيمَ الْإِرَادَةِ بِلَا عِلْمٍ وَبِلَا اخْتِيَارٍ وَبِلَا كَمَالٍ؛ لِيَكُونَ هَذَا هَكَذَا رَخِيصاً تَافِهاً مَبْذُولاً * وَالْحَالُ أَنَّ الصَّنْعَةَ الشُّعُورِيَّةَ الْمُتْقَنَةَ الْحَكِيمَةَ الْمُخْتَارَةَ تُكَذِّبُ هَذَا الْفَرَضَ أَشَدَّ تَكْذِيبٍ * وَإِمَّا وَاجِبَ الْوُجُودِ, قَدِيرٌ مُرِيدٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ {ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ}، {ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ} بِالْنِسْبَةِ إِلَيْهِ * وَلَهُ فِي كُلِّ مَصْنُوعٍ حِكَمٌ وَغَايَاتٌ تَنْظُرُ إِلَى تَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِهِ، وَإِلَى أَسْرَارٍ لَهُ فِي الْفَعَالِيَّةِ الشُّؤُونِيَّةِ غَيْرَ مَا يَعُودُ إِلَى الْمُسْتَهْلِكِينِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجُزْئِيَّةِ * فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأُ هَذَا الْفَيْضِ الْعَامِّ قُوَّةً عَمْيَاءً تَسِيلُ مِنْهَا هَذِهِ الثَّمَرَاتِ كَالسَّيْلِ, ثُمَّ تَلْعَبُ بِهَا يَدُ التَّصَادُفَاتِ وَالْإِتِّفَاقِيَّاتِ * إِذْ تَشَخُّصَاتُهَا الْمُنْتَظِمَةُ الْحَكِيمَةُ وَخُصُوصِيَّاتُهَا الْمُتْقَنَةُ الْشُعُورِيَّةُ تَرُدُّ يَدَ التَّصَادُفِ الْأَعْمَى وَالْاِتِّفَاقِيَّةِ الْعَوْرَاءِ رَدّاً قَطْعِيّاً يَقِيناً * فَبِالْضَّرُورَةِ تَدُلُّ هَذِهِ الرَّخِيصِيَّةُ الْمَبْذُولَةُ وَالسُّهُولَةُ نَوْعاً وَكَماً، وَالْإِتِّقَانُ وَالْاِقْتِصَادُ فَرْداً وَشَخْصاً وَكَيْفاً؛ وَتَشْهَدُ عَلَى الْجُودِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْجَوَادِ الْمُطْلَقِ، وَالْحَكِيمِ الْمُطْلَقِ وَالْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ جَلَّ جَلَالُهُ * وَعَمَّ نَوَالُهُ * وَشَمَلَ إِحْسَانُهُ * فَسُبْحَانَ مَنْ جَمَعَ نِهَايَةَ الْجُودِ الْمُطْلَقِ مَعَ نِهَايَةِ الْحِكْمَةِ الْمُقْتَصِدَةِ، وَأَدْرَجَ الْفَيْضَ الْمُطْلَقَ الْغَيْرَ الْمَحْدُودِ فِي ظُرُوفِ النِّظَامِ التَّامِّ وَالْمِيزَانِ الْحَسَّاسِ وَالْعَدْلِ الْعَادِلِ الْحَسَّاسَةِ؛ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ بِدَرَجَةٍ تُجْبِرُ الْفِيلَ لِمُدَافَعَةِ الذُّبَابِ الْعَاضِّ عَلَى ذَرَّةٍ مِنْ جِسْمِهِ الْجَسِيمِ * وَتُقْلِقُ هَذَا الْإِنْسَانَ الْمُتَكَبِّرَ الَّذِي يَحُكُّ بِيَافُوخِهِ كَتِفَ السَّمَاءِ بِطَعْنِ الْبَعُوضِ رُمَيْحَتَهُ فَيَتَشَمَّرُ لِمُقَاتَلَتِهِ؛ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * وَيَسْكُنُ غَضَبُ الْبَحْرِ وَيَسْكُتُ غَيْظُ الْعَاصِفَاتِ وَتَسْكُنُ حِدَّةُ الْبُرُودَةِ بِدُعَاءٍ خَفِيٍّ مِنْ قَلْبٍ مُنْكَسِرٍ لِصَبِيٍّ نَجِيٍّ عَلَى لَوْحٍ مُنْكَسِرٍ فِي الْبَحْرِ اللُّجِّيِّ، {ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ} يُجِيبُهُ مَنْ يَسْمَعُ هَوَاجِسَ الْقَلْبِ وَالسِّرِ، وَيَحْكُمُ عَلَى حَرَكَاتِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ * جَلَّ سُلْطَانُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا أَيُّهَا المُبْتَلَى بِالْأَسْبَابِ! أَنَّ خَلْقَ السَّبَبِ وَتَقْدِيرَ سَبَبِيَّتِهِ وَتَجْهِيزَهُ بِلَوَازِمِ إِنْشَاءِ المُسَبَّبِ لَيْسَ بِأَسْهَلَ وَأَوْلَى وَأَكْمَلَ وَأَعْلَى مِنْ خَلْقِ المُسَبَّبِ( ) عِنْدَ السَّبَبِ بِأَمْرِ كُنْ, مِمَّنْ يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الذَّرَّاتُ والشُّمُوْسُ *

    • {اِعْلَمْ} **

يا قَلْبِي! إِنَّ مَا يُرَى مِلْءَ الدُّنْيَا مِنْ آلَامِ الْأَعْدَامِ؛ إِنَّمَا هِيَ تَجَدُّدُ الْأَمْثَالِ * فَفِي الْفِرَاقِ مَعَ وُجوُدِ الْإِيْمَانِ, تُوجَدُ لَذَّةُ التَّجَدُّدِ دُونَ أَلَمِ الزَّوَالِ * فَآمِنْ تُؤْمَنْ, وَأَسْلِمْ تَسْلَمْ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْعَصَبِيَّةَ الْعُنْصُرِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةَ: مَا هِيَ إِلَّا الْغَفْلَةُ الْمُتَسَانِدَةُ الْمُتَصَالِبَةُ, وَإِلَّا الضَّلَالَةُ وَالرِّيَاءُ والظُّلْمُ الْمُتَجَاوِبَةُ الْمُتَعَاوِنَةُ؛ فَيُصَيِّرُ الْخَلْقَ وَمِلَّتَهُ كَمَعْبُودِهِ ـ’اَلْعِيَاذُ بِاللهِ!’ـ وَأَمَّا الْحَمِيَّةُ الْإِسْلامِيَّةُ فَهِيَ النُّورُ المُهْتَزُّ الْمُنْعَكِسُ مِنْ ضِيَاءِ الْإِيْمَانِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يا مَنْ يَشْتَغِلُ بِالْمُنَاظَرَةِ مَعَ الْمُلْحِدِينَ والْمُتَشَكِّكِينَ والْمُقَلِّدِينَ لِلزَّنَادِقَةِ الْأَوْرُوبَائِيِيِّنِ( )؛ أَنَّكَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ إِنْ كَانَتْ نَفْسُكَ غَيْرَ مُزَكَّاةٍ * لِأَجْلِ اِلْتِحَاقِ نَفْسِكَ سِرًّا وَتَدْرِيجَاً مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ بِخُصَمَائِكَ؛ عَلَى أَنَّ المُنَاظَرَةَ بِالْإِنْصَافِ الْمُسَمَّى بِالتُّرْكِيّ [بي طرفانه محاكمه( )] أَشَدُّ خَطَراً عَلَى ذِي النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ * إِذْ بِكَثْرَةِ تَكْرَارِ فَرْضِ المُنْصِفِ نَفْسَهُ فِي مَوْقِعِ الْخَصْمِ؛ يُقِيمُ فِي ذِهْنِهِ خَصْمًا خَيَالِيًّا فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ في دِمَاغِهِ لَمَّةُ تَنْقِيدٍ؛ تَصِيرُ وَكِيلَ خَصْمِهِ دَاخِلاً, فَيَتَعَشَّشُ الشَّيْطَانُ فِي تِلْك اللَّمَّةِ * لَكِنْ لَا تَيْأَسْ إِنْ كَانَتْ نِيَّتُكَ خَالِصَةً * فَإِذَا أَحَسّتَ بِهَذَا الحَالِ, فَاصْرِفْ عِنَانَ الْجِهَادِ إِلَى عَدُوِّكَ الْأَكْبَرِ الدَّاخِلِيِّ’* وَعَلَيْكَ بِكَثْرَةِ التَّضَرُّعِ والْاِسْتِغْفَارِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْآلَاتِ الْجَامِدَةَ, والْحَيَوَانَاتِ وجَهَلَةَ الْعَمَلَةِ الْمُستَخْدَمةِ فِي بِنَاءِ قَصْرٍ عَجِيبٍ لِسُلطَانٍ عَظِيمٍ وَتَرْسِيمِ نُقُوشِهِ؛ يَعْلَمُ كُلُّ مَنْ رَآهَا أَنَّهَا لاَ تَعْمَلُ بِحِسَابِ أَنْفُسِهَا * بَلْ بِحِسَابِ مَنْ يَسْتَخْدِمُهَا فِي مَقَاصِدِهِ الْعَالِيةِ الْوَاسِعَةِ, وَأَغْرَاضِهِ الرَّقِيقَةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي تَتَقَاصَرُ عَنْ إِدْرَاكِهَا أَفْكَارُ خَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ؛ فَكيْفَ بِجَهَلَةِ الْعَوَامِّ وبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وجَامِدَاتِ الْأَقلَامِ * كَذَلكَ مَنْ أَمْعَنَ فِي جَلَوَاتِ الْأَزَاهِيرِ وتَوَدُّدَاتِهَا وتَحَبُّبَاتِهَا إِلَى أَنْظَارِ ذَوِي الْحَيَاةِ؛ تَيَقَّنَ أَنَّ >الْأَزَاهِيرَ< مُوَظَّفُونَ مِن جَانِبِ حَكِيمٍ كَريمٍ بِالْخِدمَةِ والتَّوَدُّدِ لِضَيْفَانِ ذَلِكَ الْكَرِيمِ, النَّازِلِينَ بِإِذْنِهِ فِي أَرْضِهِ * وَكَذَلِكَ >الْحَيوَانَاتِ<! نَعَمْ, أَيْنَ حِسُّ الزَّهْرَةِ وشُعُورُ الْبَهِيمَةِ؟ وَأَيْنَ دَرْكُ غَايَاتِ نُقُوشِ الْحِكَمِ وَلَطَائِفِ مَحَاسِنِ الْكَرَمِ الْمُودَعَةِ فِي جَلَوَاتِ الْأَزَاهِيرِ بِتَزْيِينَاتِهَا( )، وَتَطَوُّرَاتِ الْأَنْعَامِ بِمَنَافِعِهَا؟! فَمَا هَذِه ِالْحَالاَتُ إِلاَّ تَعَرُّفُ رَبٍّ كَرِيمٍ وَتَوَدُّدُهُ وَتَحَبُّبُهُ إِلَى عِبَادِهِ وَضُيُوفِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ, وَشَمَلَ إِحْسَانَهُ *

    • {اِعْلَمِي} **

أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمَشْؤُومَةُ! أَنَّكِ تَطْلُبِينَ كُلَّ لَوَازِمَاتِ الْمَرَاتِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي كُلِّ مَرتَبَةٍ, وَحَاجَاتِ كُلِّ الْحَوَاسِّ فِي حَاجَةِ كُلِّ حِسٍّ, وَأَذْوَاقِ كُلِّ اللَّطَائِفِ فِي دَرَجَةِ كُلِّ لَطِيفَةٍ, وَشُعَاعَاتِ كُلِّ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي كُلِّ اِسْمٍ, وَعَظَمَةَ الْمُؤَثِّرِ خَلْفَ كُلِّ أَثَرٍ وَمَصْنُوعٍ, وَخَوَاصَّ الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ فِي الْمَدْلُولِ الظِّلِّيِّ, بَلْ فِي الدَّالِّ * فَاطْلُبِي مِنْ كُلِّ مَا يَلِيقُ بِهِ وَمَا يَسَعُهُ؛ لِئَلَّا تَستَهْوِي بِكِ الْأَوْهَامُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ لَا بُدَّ ـ إِذَا رَأَيْتَ نَفْسَكَ بِعَظَمَتِهَا ـ أَنْ تَنْظُرَ إِلى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْكَ مِنَ السَّمَوَاتِ وَغَيْرِهَا * وَإِذَا رَأَيْتَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ مِنَ الْهَوَامِّ وَالْحَشَراتِ؛ فَانْظُرْ إِلَى حُجَيْرَاتِ جَسَدِكَ وَادْخُلْ مَعَ نَظَرِكَ فِي حُجَيْرَةٍ مِنهَا؛ ثُّمَ انْظُرْ إِلَيْهَا حَتَّى تَرَى الْبَعُوضَةَ فَمَا فَوقَهَا أَكْبَرُ مِنْكَ * لِئَلَّا يَسْقُطَ فِي عَيْنِكَ أَهَمِّيَّةُ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالنِّعْمَةِ وَإِتْقَانِ الصَّنْعَةِ فِيكَ’* وَإِذَا رَأَيْتَ الْغَيْرَ الْغَيْرَالْمَحْدُودِ الْمُمَاثِلِينَ لَكَ فِي النِّعَمِ؛ فَانْظُرْ إِلَى اِحْتِيَاجِكَ وَعَجْزِ نَفْسِكَ وَحِكْمَةِ النِّعْمَةِ, لِئَلَّا تَهُونَ عِنْدَكَ قِيمَةُ نِعْمَتِكَ’* نَعَمْ, هَلْ يُخَفِّفُ اِحْتِيَاجَكَ إِلَى الْعَيْنِ وُجُودُ الْعَيْنِ فِي عُمُومِ الْحَيَوَانِ؟ أَم هَلْ يُنْقِصُ الشُّمُولُ أَثَرُ الْقَصْدِ وَالْإِنْعَامِ الْخَاصِّ؟ كَلَّا! بَلْ يَشُدُّهُ وَيَزِيدُهُ *

    • اِعْلَمْ **

أَنَّ الْحَيَاةَ فِي كُلِّ ذِي حَيَاةٍ لَهَا غَايَاتٌ لاَ تُعَدُّ ولاَ تُحْصَى؛ يَعُودُ إِلَى الْحَيِّ وَاحِدٌ, وَإِلَى الْمُحْيِي بِمِقْدَارِ مَالِكِّيَّتِهِ الْغَيْرِ المُتَنَاهِيَةِ * وَلاَ حَقَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى الصَّغِيرِ فِي الْخِلْقَةِ * وَلاَ عَبَثِيَّةَ فِي الْوَاقِعِ, وَإِنَّمَا هِيَ فِي نَظَرِ الْبَشَرِ النَّفْسِيِّ الْغُرُورِيِّ الَّذِي يَزْعُمُ وَيَرَى أَنَّ الْأَشيَاءَ كُلَّهَا لأَِجْلِ مَنَافِعِهِ وَهَوَسَاتِهِ, وَيَحْسِبُ أَنْ لاَ غَايَةَ لَهَا غَيْرَ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ’* نَعَمْ, هَذِهِ الضِّيَافَةُ الْمَفْرُوشَةُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِكْرَامٌ لِلْبَشَرِ بِسِرِّ الْخِلَافَةِ, وَبِشَرْطِ اِسْتِحْصَالِ لَيَاقَةِ الْكَرَامَةِ * لاَ لَهُ وَلِاِسْتِفَادَتِهِ فَقَطْ *

    • اِعْلَمْ **

أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَكَ الْمُوَسْوِسُ: >مَا أَنْتَ إِلَّاحَيَوَانٌ مِمَّا لاَ يُحَدُّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ؛ وَالنَّمْلُ أَخُوكَ، وَالنَّحْلَةَ أُخْتُكَ * فَأَيْنَ أَنْتَ وَأَيْنَ مَنْ يَطْوِي {ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ}، {ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ}، {ﯰ ﯱ ﯲ}؟! فَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَدَمَ تَنَاهِي عَجْزِي وَفَقْرِي وَذُلِّي, مَعَ عِلْمِي الْإِذْعَانِيِّ بِهِ؛ أَصِيرُ مِرْآةً( ) لِعدَمِ تَنَاهِي قُدْرَتِهِ وَغِنَائِهِ وَعِزَّتِهِ * فَهَذَا السِّرُّ رَقَّانِي مِنْ مَرْتَبَةِ إِخْوَانِي الْحَيَوانَاتِ * وَإِنَّ مِنْ لَوَازِمِ كَمَالِ عَظَمَتِهِ وَ إِحَاطَةِ قُدْرَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ نِدَائِي وَيَرَى حَاجَاتِي, وَلاَ يُشْغِلَهُ تَدْبِيرُ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ عَنْ تَدْبِيرِ شُؤُونِيَ الحَقِيرَةِ * وَأَمَّا تَبَاعُدُ الْإِنْسَانِ وَالْمُمْكِنِ بِدَرَجَةِ عَظَمَتِهِ عَنِ الْاِشْتِغَالِ بِجُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِهَا؛ فَلَيْسَ بِعَظَمَتِهِ( )، بَلْ إِنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ عَجْزِهِ وَنَقْصِهِ وَضَعْفِهِ * أَفَلاَ تُشَاهِدُ كُلَّ حَبَابٍ, بَلْ كُلَّ رَشَاشَةٍ مِنَ الْقَطَرَاتِ والذَّرَّاتِ الزُّجَاجِيَّةِ يَشْتَمِلُ عَلَى تِمْثَالِ الشَّمْسِ؛ لَوْ تَكلَّمَتْ تِلْكَ، لَقَالَتْ كُلٌّ مِنْهَا: >اَلشَّمْسُ لِي وَعِنْدِي وَفِيَّ وَمَعِي< وَمَا يُزَاحِمُ تِلْكَ الذَّرَّاتُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مَعَ الشَّمْسِ, لاَ عُيُونَ السَّيَّارَاتِ وَلاَ خُدُودَ الْبُحُورِ وَلاَ عَظَمَةَ الشَّمْسِ * بَلْ بِدَرَجَةِ عِلْمِنَا بِعَدَمِ تَنَاهِي فَقْرِنَا وَحَقَارَتِنَا تَتَزَايَدُ القُرْبَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ بَعدَمِ الْمُنَاسَبَةِ * فَمَا أَلْطَفَ مُنَاسَبَةَ مَنْ لاَ يَتَنَاهَى فِي فَقْرِهِ وَعجْزِهِ، مَعَ مَنْ لاَ نِهَايَةَ لِغِنَاهُ وَقُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ * فَسُبْحَانَ مَنْ أَدْرَجَ نِهَايَةَ اللُّطْفِ فِي نِهَايَةِ الْعَظَمَةِ, وَغَايَةَ الرَّأْفَةِ فِي غَايَةِ الْجَبَرُوتِ, وَجَمَعَ نِهَايَةَ الْقُرْبِ مَعَ غَايَةِ الْبُعْدِ, وَآخَى بَيْنَ الذَّرَّاتِ وَالشُّمُوسِ؛ فَأَظْهَرَ قُدْرَتَهُ بِجَمْعِ الْأَضْدَادِ * فَانْظُرْ كَيفَ لَاتُشْغِلُهُ حَشَمَةُ تَدْبِيرِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ عَنْ لَطَافَةِ تَرْبِيَةِ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ * وَلاَ يَعُوقُهُ تَدْبِيرُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ عَنْ إِيجَادِ أَصْغَرِ النَّحْلِ وَالطَّيْرِ * وَعَنْ إِحْيَاءِ صِغَارِ السِّمَاكِ فِي أَعْمَاقِ البُحُورِ * وَلاَ تُزَاحِمُهُ شِدَّةُ عَاصِفَاتِ الْبَرِّ وَحِدَّةُ غَضَبِ الْبَحْرِ عَنْ كَمَالِ لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى أَخْفَى وَأَضْعَفِ وَأَعْجَزِ وَأَصْغَرِ حَيَوَانٍ سَاكِنٍ فِي أَخْفَى مَكَانٍ؛ مُتَوَكِّلاً تَحْتَ ظُلُمَاتِ كَثَافَةِ الْبَحْرِ وَغَيَاهِبِ أَمْوَاجِهِ وَتَفَاقُمِ اِرْتِجَاجَاتِهِ, وَظُلمَةِ اللَّيْلِ وَظُلُمَاتِ سَحَابِهِ * فَتَبَسَّمَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ خِلَالِ غَضَبِ الْبَحْرِ وَخَلْفَ وَجْهِهِ الْعَبُوسِ القَمْطَرِيرِ * إِذْ يُنَادِي هَذَا الْبَحْرُ بِنَغَمَاتِهِ الْوَاسِعَةِ: >يَا عَظِيمُ يَا جَلِيلُ يَا كَبِيرُ يَا اَللهُ, سُبحَانَكَ مَا أَعْظَمَ كِبْرِيَائَكَ!< فَيُقَابِلُهُ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ الصَّغِيرُ بِتَرَنُّمَاتِهِ الخَفِيَّةِ: >يَا لَطِيفُ يَا كَرِيمُ يَا رَزَّاقُ يَا رَحِيمُ يَا اَللهُ, سُبْحَانَكَ مَا أَلْطَفَ إِحْسَانَكَ!< فَفِي اِقْتِرَانِ هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ وَاِمْتِزَاجِ هَذَيْنِ التَّسْبِيحَيْنِ حَشَمَةٌ لَطِيفَةٌ وَلَطَافَةٌ مُحْتَشَمَةٌ وَعُبُودِيَّةٌ عَالِيَةٌ لِلوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ * جَلَّ جَلاَلُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ *

    • {اعْلَمْ} **

أَنَّ الْأَهَمَّ الْأَلزَمَ بَعْدَ عُلُومِ الْإِيمَانِ؛ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ * إِذِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ يَقُولُ عَلَى الدَّوَامِ: {ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ}’* نَعَمْ, هَذَا الْعُمْرُ الْقَصِيرُ لاَ يَكْفِي إِلاَّ لِمَا هُوَ أَهَمُّ * وَأَمَّا الْعُلُومُ الْكَوْنِيَّةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْأَجَانِبِ فَمُضِرَّةٌ، إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ وَلِلْحَاجَاتِ وَلِلصَّنْعَةِ وَاِسْتِرَاحَةِ الْبَشَرِ * اللَّهُمَّ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ اِرْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَنَوِّرْ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَالْقُرآنِ * وَنَوِّرْ بُرْهَانَ الْقُرْآنِ * وَعَظِّمْ شَرِيعَةَ الْإِسْلَام * آمِينَ *

    • ** **  



حَــــبَّــــةٌ مِن نَوَاتَاتِ ثَمَرَةٍ مِن ثَمَرَاتِ جِنَانِ القُرآنِ *

حبّه مي كويد: مَنْ شَاخِ درختم. پُرْاز ميوهءِ توحيد يك شبنمم ازيم پُرْاز لؤلؤ تمجيد   إِفَادَةُ الْمَرَامِ

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ قِيلَ لِي: >إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ لاَ نَفْهَمُ كَثِيرًا مِمَّا فِي آثَارِهِ, فَتَصِيرُ ضَائِعَةً؟< فَأَقُولُ: لاَ تَضِيعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى, وَسَيَجِيءُ زَمَانٌ يَفْهَمُهَا أَكْثَرُ الْمُتفَكِّرينَ الْمُتَدَيِّنِينَ إِنْ شَاءَ مَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ كُلِّ شَيءٍ * إِذْ أَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَدْوِيَةٌ جَرَّبْتُهَا فِي نَفْسِي, أَعْطَانِيهَا الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ * لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَفْهَمَهَا النَّاسُ كَمَا أَفْهَمُ بِتَمَامِهِ * لِأَنَّ نَفْسِي بِسُوءِ اِخْتِيَارِهَا صَارَتْ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْقَدَمِ مُلَمَّعَةً بِالْجُرُوحِ الْمُتَنَوِّعَةِ, فَالسَّلِيمُ بِحَيَاةِ الْقَلْبِ لاَ يَفْهَمُ دَرَجَةَ تَأْثِيرِ التِّرْيَاقِ فِي السَّقِيمِ بَلَدْغِ حَيَّةِ الْهَوَا, كَمَا يَفْهَمُهُ هُوَ * وَأَيْضًا إِنِّي لاَ أَتَصَرَّفُ فِي السَّانِحَاتِ لِلتَّوْضِيحِ, عَجْزًا مِنَ التَّحْرِيرِ, أَو خَوْفاً مِنَ التَّغْيِيرِ, فَأَكْتُبُهَا كَمَا سَنَحَتْ’* وَأَيْضًا أَتَكَلَّمُ فِي مَكَانِي, لاَ فِي مَقَامِ السَّامِعِ الْمُوَاجِهِ لِي؛ خِلاَفًا لِسَائِرِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَفْرُضُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مَقَامِ السَّامِعِينَ * فَيَصِيرُ أَمَامَ كِتَابِي وَوَجْهُهُ إِلَيَّ, وَمَعْكُوسُهُ وَمَقْلُوبُهُ إِلَى السَّامِعِ؛ فَكَأَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْمِرآَةِ, فَيَتَعَسَّرُ عَلَيهِ * فَإِذْ لاَ أَذْهَبُ إِلَى مَقَامِهِ, فَلْيُرسِلْ هُوَ خَيَالَهُ إِلَيَّ لِأُضِيفَهُ عَلَى عَيْنِي فِي رَأْسِي، كَيْ يَرَى كَمَا أَرَى * فَأَدَاءً لِحَقِّ الْأَمَانَةِ أَقُولُ بِتَوفِيقِهِ تَعَالَى: أَدْرَجْتُ فِي (نُقْطَةٍ وَقَطْرَةٍ وَذَيْلِهِا وَذَرَّةٍ وَشَمَّةٍ وَحَبَّةٍ) تَفَارِيقَ حَدَسِيَّاتٍ وَقَطَعَاتِ مِرْآةٍ؛ إِذَا جَاءَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى مَنْ يُرَكِّبُهَا بِتَحْرِيرٍ وَتَصْوِيرٍ, تَظْهَرُ مِرْآَةٌ يَظْهَرُ فِيهَا وَجْهُ عَيْنِ الْيَقِينِ, وَيَتَحَصَّلُ حَدْسٌ يَزْهَرُ مِنْهُ نُورُ حَقِّ الْيَقِينِ * كَيْفَ لاَ, وَهُوَ مِنْ فَيْضِ الْقُرْآنِ الْمُبِينِ * اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ * وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اِجْتِنَابَهُ * آمين *

    • ** **

  بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَكَمَالِ الْإِيْمَانِ * وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ الَّذِي هُوَ مَرْكَزُ دَائِرَةِ الْإِسْلامِ, وَمَنْبَعُ أَنْوَارِ الْإِيْمَانِ * وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ مَا دَامَ الْمَلَوَانِ ومَا دَارَ الْقَمَرَانِ *

    • {اعْلَمْ} **

أَنَّهُ بَيْنَمَا تَرَى الْعَالَمَ كِتَابًا كَبِيرًا؛ تَرَى نُورَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ مِدَادَ قَلَمِ الْكَاتِبِ * وَبَيْنَمَا تَرَى الْعَالَمَ يَلْبَسُ صُورَةَ الشَّجَرَةِ, تَرَى نُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَوَاتَهَا أَوَّلاً, وَثَمَرَتَهَا ثَانِياً * وَبَيْنَمَا تَرَى الْعَالَمَ يَلْبَسُ جِسْمَ الْحَيَوَانِ, تَرَى نُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُوحَهُ’* وَبَيْنَمَا تَرَى الْعَالَمَ تَحَوَّلَ إِنْسَانًا كَبِيرًا, تَرَى نُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَقْلَهُ * وَبَيْنَمَا تَرَى الْعَالَمَ حَدِيقَةً مُزَهَّرَةً, تَرَى نُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْدَلِيبَهُ * وَبَيْنَمَا تَرَى الْعَالَمَ قَصْرًا مُزَيَّنًا عَالِيًا ذَا سُرَادِقَاتٍ تَتَظَاهَرُ فِيهَا شَعْشَعَةُ سَلْطَنَةِ سُلْطَانِ الْأَزَلِ, وَخَوَارِقُ حَشْمَتِهِ وَمَحَاسِنِ تَجَلِّيَاتِ جَمَالِهِ وَنُقُوشِ خَوَارِقِ صَنْعَتِهِ؛ إِذًا تَرَى نُورَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَظَّارًا يَرَى لِنَفْسِهِ أَوَّلاً, ثُمَّ يُنَادِي بِـ >أَيُّهَا النَّاسُ تَعَالَوْا إلَى هَذِهِ الْمَنَاظِرِ النَّزِيهَةِ, وَحَيَّهَلُوا عَلَى مَالَكُمْ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْحَيْرَةِ وَالتَّنَزُّهِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّنَوُّرِ وَالتَّفَكُّرِ, وَمَا لاَ يُحَدُّ مِنَ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ!< وَيُرِيهَا النَّاسَ وَيُشَاهِدُ وَيَشْهَدُ لَهُمْ * يَتَحَيَّرُ وَيُحَيِّرُهُمْ * يُحِبُّ وَيُحَبِّبُ مَالِكَهُ إِلَيْهِمْ * يَسْتَضِيءُ وَيُضِيءُ لَهُمْ * يَسْتَفِيضُ وَيُفِيضُ عَلَيْهِمْ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْإِنْسَانَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ, وَالثَّمَرَةُ تَكُونُ أَكْمَلَ الْأَجْزَاءِ وَأَبْعَدَهَا مِنَ الْجُرْثُومِ, وَأَجْمَعَهَا لِخَصَائِصِ الْكُلِّ, وَهِيَ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَبْقَى وَتُسْتَبْقَى * وَمِنَ الْإِنْسَانِ مَنْ هُوَ نَوَاةٌ, أَنْبَتَ الْقَدِيرُ جَلَّ شَأْنُهُ مِنْهَا تِلْكَ الشَّجَرَةَ * ثُمَّ صَيَّرَ الْفَاطِرُ جَلَّ جَلاَلُهُ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ ثَمَرَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ * ثُمَّ جَعَلَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الثَّمَرَةَ النُّورَانِيَّةَ نَوَاةً لِلشَّجَرَةِ الْإسْلاَمِيَّةِ, وَسِرَاجًا لِعَالَمِهَا, وَشَمْسًا لِمَنْظُومَتِهَا * وَأَنَّهُ لاَبُدَّ فِي الثَّمَرَةِ مِن نَوَاةٍ تَشْتَمِلَ بِالْقُوَّةِ عَلى لَوَازِمَاتِ شَجَرَةٍ هِيَ مِثْلُ أَصْلِهَا * وَأَصْغَرِيَّةُ النَّوَاةِ لاَ تُنَافِي أَعْظَمِيَّةَ الشَّجَرَةِ, كَنَوَاةِ شَجَرَةِ التِّينَةِ * وَأَنَّ فِي الْإِنْسَانِ حَبَّةً ـ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ ثَمَرَةً ـ لَكَانَتْ تِلْكَ الْحَبَّةُ نَوَاتَهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ’* فَقَدْ رَأَيْتُ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الْاِحْتِيَاجِ عَلَاقَاتٍ إِلَى أَنْوَاعِ الْعَالَمِ, بَلْ إِلَى أَجْزَائِهَا * وَاِرْتِبَاطَاتٍ إِلَى جَمِيعِ أَنْوَارِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى بِاِحْتِيَاجٍ شَدِيدٍ, وَفَقْرٍ عَظِيمٍ لِتَجَلِّي فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهَا * حَتَّى كَأَنَّهُ لَهُ حَاجَاتٌ عَدَدَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ, وَلَهُ أَعْدَاءٌ مِلْءَ الدُّنْيَا * فَمَا يَطْمَئِنُّ إِلاَّ بِمَنْ يَقْتَدِرُ أَنْ يُغْنِيَهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ, وَيَحْفَظَهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ * وَرَأَيْتُ فِيهِ أَيْضًا قَابِلِيَّةً تُمَثِّلُ مَجْمُوعَ الْعَالَمِ, كَالْخَرِيطَةِ والْفِهْرِسْتَةِ وَالْأُنْمُوذَجِ وَالتِّمْثَالِ * وَأَنَّ الْمَرْكَزَ فِيهِ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ الْوَاحِدَ الْأَحَدَ, وَلاَ يَرْضَى إِلاَّ بِالْأَبَدِ والسَّرْمَدِ * فَهَذِهِ النَّوَاةُ ـ وَهِيَ حَبَّةُ الْقَلْبِ ـ مَاؤُهُ الْإِسْلَاَمُ, وَضِيَاؤُهُ الْإِيْمَانُ * فَإِنِ اِطْمَأنَّتْ تَحْتَ تُرَابِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْإِخْلاَصِ, وَسُقِيَتْ بِالْإِسْلَامِ, وَانْتَبَهَتْ بِالْإِيمَانِ أَنْبَتَتْ شَجَرَةً نُورَانِيَّةً مِثَالِيَّةً مِنْ عَالَمِِ الْأَمْرِ, هِيَ رُوحٌ لِعَالَمِهِ الْجِسْمَانِيِّ * وَإِنْ لَمْ تُسْقَ، بَقَتْ نَوَاةً يَابِسَةً مُنْكَمِشَةً لاَئِقةً لِلْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ إِلَى أَنْ تَنْقَلِبَ إِلَى النُّورِ * وَكَمْ فِي النَّوَاةِ مِنْ أَعْصَابٍ رَقِيقَةٍ وَأَشْيَاءَ دَقِيقَةٍ لاَ يُبَالَى بِهَا, وَتَرَى أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُهْتَمَّ بِهَا؛ إِلاَّ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهَا ـ إِذَا انْكَشَفَتِ النَّوَاةُ ـ وَظِيفَةً مُهِمَّةً بِحَشَمَةٍ وَعَظَمَةٍ * كَذَلِكَ لِحَبَّةِ الْقَلْبِ خُدَّامٌ كَامِنَةٌ نَائِمَةٌ؛ إِذَا انْتَبَهَتْ وَانْبَسطَتْ بِحَيَاةِ الْقَلْبِ يَجُولُونَ فِي بَسَاتِينِ الْكَائِنَاتِ كَطُيُورٍ سَيَّارَةٍ, وتَنْبَسِطُ بِدَرجَةٍ يَقُولُ الْمَرْءُ: >اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مَصْنُوعَاتِهِ, لِأَنَّهَا كُلَّهَا لِيَ نِعَمٌ< * حَتَّى إِنَّ الْفَرَضَ وَالْخَيَالَ( ) الَّذِي هُوَ مِنْ أَضْعَفِ خُدَّامِ الْقَلْبِ وَأَهْوَنِهِمْ لَهُ وَظِيفَةٌ عَجِيبَةٌ؛ يَدْخُلُ بِهِ صَاحِبُهُ الْمُتَوَكِّلُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ مُقَيَّدٌ فِي حَدِيقَةٍ نَزِيهَةٍ * وَيَضَعُ رَأْسَ صَاحِبِهِ الْمُتَنَبِّهِ وَهُو يُصَلِّي فِي الشَّرْقِ أَوِ الْغَرْبِ تَحْتَ حَجَرِ الْأَسْوَدِ( ), ثُمَّ يُودِعُ فِي الْحَجَرِ الْأٍَسْوَدِ شَهَادَتَيْ صَاحِبِهِ * وَمِنَ الْمَشْهُودِ أَنَّ الْبَيْدَرَ يَدُورُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَثْمَارِ, وَالْثَمَرَةُ هِيَ الَّتِي تُنْتَقَى وَتُسْتَبْقَي * فَبَيْدَرُ الْحَشْرِ يَنْتَظِرُ بَنِي آدَمَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْعَامِّ عَالَمًا خَاصًّا هُوَ عَيْنُ الْعَالَمِ( ), لَكِنَّ مَرْكَزَهُ هُوَ الشَّخْصُ بَدَلَ الشَّمْسِ * فَمَفَاتِيحُ ذَلِكَ الْعَالَمِ فِي نَفْسِ الشَّخْصِ وَمُعَلَّقَةٌ بِلَطَائِفِهِ, وَلَوْنُ ذَلِكَ الْعَالَمِ وَصَفَاؤُهُ وَحُسْنُهُ وَقُبْحُهُ وَضِيَاؤُهُ وَظُلْمَتُهُ تَابِعَةٌ لِذَلِكَ الْمَرْكَزِ * فَكَمَا أَنَّ الْحَدِيقَةَ الْمُرْتَسِمَةَ فِي الْمِرْآةِ تَابِعَةٌ فِي أَحْوَالِهَا ـ مِنَ الْحَرَكَةِ والتَّغَيُّرِ وَغَيْرِهِمَا ـ لِلْمِرآةِ؛ كَذَلِكَ عَالَمُ الشَّخْصِ تَابِعٌ لِمَرْكَزِهِ الَّذِي هُوَ الشَّخْصُ كَالظِّلِّ والتِّمْثَالِ * فَلاَ تَحْسَبَنَّ صِغَرَ جِرْمِكَ سَبَبًا لِصِغَرِ جُرْمِكَ * إِذْ ذَرَّةٌ مِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِكَ تُكَدِّرُ عَلَيْكَ نُجُومُ عَالَمِكَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَ هَذِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً لِي مُجَادَلَةٌ مَعَ طَاغُوتَيْنِ * وَهُمَا: >أَنَا< فِي الْإِنْسَانِ * وَ>الطَّبِيعَةُ< فِي الْعَالَمِ * أَمَّا هَذَا؛ فَرَأَيْتُهُ مِرْآةً ظِلِّيًّا حَرْفِيًّا * لَكِنْ نَظَرَ الْإنْسَانُ إِلَيْهِ نَظَرًا اِسْمِيًّا قَصْدِيًّا بِالْأَصَالَةِ فَتَفَرْعَنَ عَلَيْهِ وَتَنْمَرَدَ * وَأَمَّا هَذِهِ؛ فَرَأَيْتُهَا صَنْعَةً إِلَهِيَّةً وَصِبْغَةً رَحْمَانِيَّةً * لَكِنْ نَظَرَ الْبَشرُ إِلَيْهَا بِنَظَرِ الْغَفْلَةِ؛ فَتَحوَّلتْ لَهُمْ طَبِيعَةً, فَتَأَلَّهَتْ عِنْدَ مَادِّيِّهِمْ, فَأَنْشَأَتْ كُفْرَانَ النِّعَمِ الْمُنْجَرِّ إِلَى الْكُفْرِ * فَلِلَّهِ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ, وَبِتَوْفِيقِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ, وَبِفَيْضِ الْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ إِنْتَجَتِ الْمُجَادَلَةُ قَتْلَ الطَّاغُوتَيْنِ وَكَسْرَ الصَّنَمَيْنِ بِـ >النُّقْطَةِ وَالْقَطْرَةِ والذَّرَّةِ والشَّمَّةِ والْحَبَّةِ وَالْحَبَابِ<؛ فَتَكَشَّفَتِ الصَّنْعَةُ الشُّعُورِيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ وَالشَّرِيعَةُ الْفِطْرِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ مِنْ حِجَابِ الطَّبِيعَةِ الْمَوهُومَةِ, وَانْسَلَخَتْ هِيَ مِنْهَا * أَيْ نَهَارُهَا مِنْ لَيْلِهَا * وَتَكَشَّفَ (أَنَا) عَن ظِلِّ هُوَ, وَانْشَقَّ عَنْهُ؛ فَأَشَارَ بـ (هُوَ) إِلَى مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ جَلَّ جَلاَلُهُ’*

    • {اِعْلَمْ} **

يَا أَنَا! لَكَ أُمُورٌ تِسْعَةٌ فِي دُنيَاكَ, تَعَامَيْتَ عَنْ مَاهِيَتِهَا وَعَوَاقِبِهَا * أَمَّا جَسَدُكَ؛ فَكَالثَّمَرَةِ الْمُتَزَهِّرَةِ الْمُتَزَيِّنَةِ صَيْفًا, اَلْمُنْكَمِشَةِ الْمُتَفَسِّخَةِ شِتَاءً * وَأَمَّا حَيَوَانِيَّتُكَ؛ فَانْظُرْ إِلَى جِنْسِ الْحَيَوَانِ كَيْفَ يَسْرَعُ فِيهِمُ الْمَوْتُ وَالزَّوَالُ * وأمَّا إِنْسَانِيَّتُكَ؛ فَمُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْاِنْطِفَاءِ وَالْاِصْطِفَاءِ, وَالزَّوَالِ وَالْبَقَاءِ’* فَاسْتَحْفِظْ عَلَى مَابَقِيَ بِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْقَى بِذِكْرِ الدَّائِمِ الْبَاقِي’* وَأَمَّا حَيَاتُكَ؛ فَكَقَامَتِكَ قَصِيرَةٌ مُعَيَّنَةُ الْحُدُودِ لاَ تُقَدَّمُ وَلاَ تُؤَخَّرُ’* فَلاَ تتَأَلَّمْ وَلاَ تَحْزَنْ وَلاَ تَخَفْ لَهَا, وَلاَ تُحَمِّلْ عَلَيْهَا مَا لاَ طَاقَةَ لَهَا بِهِ مِمَّا تَطَاوَلَ إِلَيْهِ طُولُ الْأَمَلِ * وَأَمَّا وُجُودُكَ؛ فَلَيْسَ مِلْكًا لَكَ, فَلَهُ مَالِكُ الْمُلْكِ لَهُ( ), وأَشْفَقُ بِهِ مِنْكَ * فَمُدَاخَلَتُكَ بِغَيْرِ مَا أَمَرَكَ بِهِ؛ فَكَمَا أَنَّهَا مِنَ الْفُضُولِ خِطْءٌ, وشُغُلٌ فُضُولِيٌّ( ) تَضُرُّ * أَلاَ تَرَى الْحِرْصَ وَمَرَقَ النَّوْمِ كَيْفَ يَفْعَلاَنِ وَيجْلِبَانِ الْخَيْبَةَ وَالسَّهَرَ * وَأَمَّا مصَائِبُكَ؛ فَلاَ تَمُرُّ حَقِيقَةً, لِأَنَّها تَمُرُّ سَرِيعًا * بَلْ تَحْلُو لِأَنَّهَا تُحَوَّلُ * فَتَحَوِّلْ وَجْهَكَ مِنَ الْفَنَاءِ فِي الْفَانِي إِلَى الْبَقَاءِ بِالْبَاقِي * وَأَمَّا أَنْتَ هُنَا الْآَنَ؛ فَمُسَافِرٌ, ثُمَّ مُسَافِرٌ, ثُمَّ مُسَافِرٌ * وَالْمُسَافِرُ لاَ يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِمَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيُفارِقُهُ بِسُرْعَةٍ * فَكَمَا تَرْتَحِلُ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ اَلْبَتَّةً؛ كَذَلِكَ تُفَارِقُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ قَطْعًا, إِمَّا إِلَى بَطْنِهَا أَوْ إِلَى خَارِجِهَا * فَكَمَا سَتُفَارِقُهَا بِالضَّرُورَةِ؛ كَذَلِكَ تَذْهَبُ, بَلْ تُخْرَجُ وَتُطْرَدُ ـ شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ ـ مِنْ هَذِهِ الدُّنيَا الْفَانِيَةِ * فَاخْرُجْ وَأَنْتَ عَزِيزٌ قَبْلَ أَنْ تُطْرَدَ وَأَنْتَ ذَلِيلٌ * وَأَمَّا وُجُودُكَ؛ فَافْدِهِ لِمُوجِدِهِ الَّذِي يَشْتَرِيهِ بِثَمَنٍ غَالٍ, فَسَارِِعْ إِلَى الْبَيْعِ, بَلِ الْفِدَاءِ! * أَمَّا أَوَّلاً: فَلِأَنَّهُ يَزُولُ مَجَّانًا * وَثَانِيًا: لِأَنَّهُ مَالُهُ وإِلَيْهِ يَؤُولُ * وَثَالِثًا: لِأَنَّهُ إِنِ اعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ سَقَطْتَ فِي الْعَدَمِ, لِأَنَّهُ بَابٌ إِلَيْهِ’* وَإِذَا فَتَحْتَهُ بِالتَّرْكِ وَصَلْتَ إِلَى الوُجُودِ الثَّابِتِ * وَرَابِعًا: لِأَنَّهُ إِذَا تَمَسَّكْتَ بِهِ؛ كَانَ فِي يَدِكَ نُقْطَةَ وُجُودٍ فَقَطْ, وَيُحِيطُ بِكَ مَا لاَ يَتنَاهَى مِنَ الْأَعْدَامِ الْهَائِلَةِ * وَإِذَا نَفَضْتَ يَدَكَ مِنْهُ اِسْتَبْدَلْتَ لَمْعَةً بِشَمْسٍ * فَيَنْقَلِبُ مُحِيطُكَ إِلَى مَا لاَ يَتَنَاهَى مِنْ أَنْوَارِ الْوُجُودِ * وَأَمَّا لَذَائِذُ الدُّنْيَا؛ فَقِسْمَتُكَ تَأْتِيكَ, فَلاَ تَطِشْ فِي طَلَبِهَا * وَلِزَوَالِها بِسُرعَةٍ لاَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِهَا * وَكَيْفَ مَا كَانَتْ عَاقِبَةُ دُنْيَاكَ فَتَرْكُ اللَّذَائِذِ أَوْلَى * إِذْ إِمَّا إِلَى السَّعَادَةِ وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ تَرْكَهَا, وَإِمَّا إِلَى الشَّقَاوَةِ؛ وَمَنْ يَنْتَظِرُ الصَّلْبَ كَيْفَ يَلْتَذُّ وَيسْتَعْذِبُ مَا يَزِيدُ عَذَابَهُ مِنْ تَزْيِينَاتِ آلاَتِ الصَّلْبِ * وَإِنْ تَوَهَّمْتَ( ) بِالْكُفْرِ الْعَدَمَ ـ اَلْعِيَاذُ باللهِ ـ فَأَوْلَى بِالتَّرْكِ * إِذْ بِزَوَالِ اللَّذَّةِ يُحِسُّ ذَلِكَ الْعَدَمُ الْهَائِلُ أَلَمَهُ الْأَلِيمَ آَنًا فَآنًا فِي ضِمْنِ زَوَالِ اللَّذَائِذِ * وَهذَا الْأَلَمُ أَثْقَلُ بِمَرَاتِبَ مِنْ لَذَّةِ الْوِصَالِ, إِنْ كُنْتَ تَشْعُرُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَثَلَكَ ـ وَقَدْ تُصِيبُ رَأْسَكَ الْمَصَائِبُ الْمُرْمَاةُ بِالْقَدَرِ ـ كَمَثَلِ اَغْنَامٍ مُرْسَلَةٍ فِي الْمَرْعَى يَرَاهَا الرَّاعِي قَدْ تَجَاوَزَتْ, فَيَرْمِي الْأَحْجَارَ خَلْفَهَا لِتَرْجِعَ؛ فَيَقُولُ الْمُصَابُ رَأْسُهُ بِلِسَانِ الْحَالِ: >نَحْنُ تَحْتَ أَمْرِ الرَّاعِي وَهُوَ أَعْرَفُ بِنَا مِنَّا, فَلْنَرْجِعْ< * فَيَرْجِعُ فَيَرْجِعُونَ * فَلاَ تَكُونِي يَا نَفْسِي أَضَلَّ مِنَ الْغَنَمِ! فَقُولِي عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ مَا خُلِقَ لِلْاِشْتِغَالِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا قَصْدًا؛ أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ تَعَلَّقَ بِشِدَّةٍ, وَاهْتَمَّ بِهِ اهْتِمَامًا عَظِيمًا, وَيتَطَلَّبُ فِيهِ أَبَدِيَّةً ودَوَامًا, ويَفْنَى فِيهِ فَنَاءً تَامًّا * وَإِذَا مَدَّ يَدَهُ, يَمُدُّ يَدًا تُطِيقُ أَنْ تَقْبِضَ عَلَى الصُّخُورِ الْعَظِيمَةِ وَتَرْفَعَهَا * مَعَ أَنَّ مَا يَأخُذُهُ بِتِلْكَ الْيَدِ مِنَ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ تِينَةٌ أَوْ تِبْنَةٌ أَوْ رِيشَةٌ أَوْ شَعْرَةٌ أَوْ هَبَاءٌ أَوْ هَوَاءٌ * نَعَمْ: اَلْقَلْبُ مِرْآَةُ الصَّمَدِ؛ فَلاَ يَقْبَلُ حَجَرَ الصَّنَمِ, بَلْ يَنْكِسِرُ بِهِ * وَالْعَاشِقُ الْمَجَازِيُّ يَرَى ظُلْمَ مَعْشُوقِهِ فِي الْأَكْثَرِ * بِسِرِّ أَنَّ الْمَعْشُوقَ بِفِطْرَتِهِ بِلاَ شُعُورٍ يَرُدُّ وَلاَ يَرْضَى مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ, وَهُوَ لَيْسَ بِلَائِقٍ مِنْ اِسْكَانِهِ فِي بَاطِنِ قَلْبِ الْعَاشِقِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ وَأُنْزِلَتْ بِهِ مَائِدَةٌ سَمَاوِيَّةٌ يُوجَدُ فِيهَا كُلُّ أَنْوَاعِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ طَبَقَاتُ نَوْعِ الْبَشَرِ الْمُتفَاوِتِينَ فِي اِشْتِهَاءِ الْأَفْهَامِ * فَفِي الْمَائِدَةِ أَطْعِمَةٌ مُرَتَّبَةٌ؛ قُدِّمَ أَوَّلاً فِي وَجْهِ السُّفْرَةِ الْإلَهِيَّةِ رِزْقُ الْأَكْثَرِ الْمُطْلَقِ والْجُمْهُورِ الْأَعْظَمِ, أَيِ الْعَوَامِّ * مَثَلاً {ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ} * اَلصَّفْحَةُ الْأُوْلَى: أَيْ >هُمَا رَتْقَاوَانِ< * أَمَّا هَذِهِ فَنَقِيَّةٌ صَحْوَةٌ صَافِيَةٌ, وَأَمَّا تِلْكَ فَمَيِّتَةٌ غَبْرَاءُ يَابِسَةٌ؛ فَازْدَوَجَتَا بِإِذْنِهِ تَعَالَى, فَأَوْلَدَتْ هَذِهِ أَمْطَارًا, وَتِلْكَ أَثْمَارًا * وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الصَّفْحَةِ {ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ}’* وَخَلْفَ هَذِهِ الصَّفْحَةِ والصَّحِيفَةِ اِنْفِصَالُ السَّيَّارَاتِ مَعَ شَمْسِهَا( ) مِنْ عَجِينِ الْمَادَّةِ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْ نُورِ سَيِّدِ الْأَنَامِ * وَالْآيةُ عَلَى هَذِهِ الصَّفْحَةِ حَدِيثُ (أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورِي)..الخ * مثلاً {ﯴ ﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ} * اَلصَّحِيفَةُ الْأُولَى الْمُقَدِّمَةُ فِي النَّظَرِ: أَنَّهُمْ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِخَلْقِهِمُ الْأَوَّلِ الْأَعْجَبِ الْمَشْهُودِ؛ يَسْتَبْعِدُونَ الْخَلقَ الْجَدِيدَ الْأَهْوَنَ * إِذْ لَهُ مِثَالٌ سَبَقَ * وَأَنَّ خَلْفَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ بُرْهَانًا نَيِّرًا عَلَى كَمَالِ سُهُولَةِ النَّشرِ * (أيْ مُلْحِدْ!) أَيُّهَا الْمُنْكِرُونَ لِلْحشْرِ! تُحْشَرُونَ وَتُنْشَرُونَ فِي عُمُرِكُمْ مَرَّاتٍ, بَلْ فِي سَنَتِكُمْ, بَلْ فِي يَوْمِكُمْ؛ تَلْبَسُونَ وَتَخْلَعُونَ هذَا الْجِسمَ كَلِبَاسِكُمْ صَبَاحًا وَمَسَاءً؛ يَتَجَدَّدُ عَلَيْكُمْ جِسْمُكُمْ كَلِبَاسِكُمْ( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

فَيَا عَجَبًا مِنْ بَلَاَهَةَ النَّفْسِ! تَرَى فِي نَفْسِهَا أَثَرَ الْمَصْنُوعِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ وَالتَّرْبِيَّةِ مِنْ طَرَفِ رَبٍّ مُخْتَارٍ حَكِيمٍ؛ ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى أَمْثَالِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَفْرَادِ وَالْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ؛ فَيتَظَاهَرُ سِرُّ كُلِّيَّةِ الْقَاعِدَةِ وشُمُولِ الْفَيْضِ وَتَحَلُّبِ نَوْعِ اِجْمَاعٍ وَتَصْدِيقٍ فِعْلِيٍّ * فَكَانَ لاَزِمًا عَلَيْهَا أَنْ تَطْمَئِنَّ بِتَفَطُّنِ سِرِّ كُلِّيَّةِ الْقَاعِدَةِ, وَدُسْتُورِيَّةِ الْحَادِثَةِ * وَالْحَالُ أَنَّهَا تَتَخَيَّلُ مَا يُقَوّيِ تَجَلِّيَّاتِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهَا مِنْ عُمُومِ تَجَلِّيَاتِهَا فِي دَائِرَةِ الْآفَاقِ سَبَبَ الضَّعْفِ, وَوَاسِطَةَ التَّسَتُّرِ, وَأَمَارَةَ الْإِهْمَالِ, وَعَلَامَةَ أَنَّهُ لاَ رَقِيبَ عَلَيْهَا( ) * فَتَقُولُ: >إِتَّسَعَ فَامْتَنَعَ, عَظُمَ فَعَدِمَ< * فَهَذِهِ مَغْلَطَةٌ يَخْجَلُ مِنْهَا الشَّيْطَانُ أَيْضًا *

    • {اِعْلَمِي} **

أَيَّتُهَا النَّفْسُ( ) الْمُتَضَجِّرَةُ الْقَلِقَةُ! أَنَّ كُلَّ أَحْوَالِكِ فِي التَّعَيُّنِ, وَالنَّقْشَ فِي جَبْهَتِكِ بِقَلَمِ الْقَدَرِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا * فَإِنْ أَرَدْتِ أَنْ تَضْرِبْنَ( ) سِنْدَانَ الْقَدَرِ بِرَأْسِكِ الْعَلِيلِ فَتَضَجَّرِي * وَاعْلَمِي يَقِينًا أَنَّ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْفُذَ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لاَ بُدَّ أَنْ يَرْضَى رِضَاءَ مَحَبَّةٍ بِرُبُوبِيَّةِ مَنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا *

    • {اِعْلَمْ} **

لَوْ كَانَ صَانِعُ الشَّيْءِ فِيَ الشَّيْءِ لَنَاسَبَهُ ولَتَنَوَّعَ بِعَدَدِ الْأَشْيَاءِ * وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَلاَ؛ كَهَذَا الْكِتَابِ يُكْتَبُ بِقَلَمٍ وَاحِدٍ, مَعَ أَنَّهُ لاَ يُطْبَعُ إِلاَّ بَحَدِيدَاتٍ مَصْنُوعَةٍ مَوْضُوعَةٍ تَحْتَهُ عَدَدَ حُرُوفِهِ * وَلَوْ تَنَبَّتَتْ نُقُوشُ الصَّنْعَةِ الْمُتْقَنَةِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ, وَتَحَلَّبَتْ ثَمَرَاتُهَا وَتَرَشَّحَتْ حُرُوفُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَإِمْكَانِهِ, لَاِنْبَثَّتْ وَانْتَثَرَتْ وَانْتَشَرَتْ, وَلَخَرَجَتْ عَنِ الْاِنْتِظَامِ * لَكِنَّ فِيهَا اِسْتِقْرَارٌ تَامٌّ وَانْتِظَامٌ كَامِلٌ, فَلَمْ يَنْكَتِبْ نَقْشُ الشَّيْءِ مِنْهُ, وَلَنْ يَنْكَتِبَ مِنْهُ أَبَدًا, بَلْ يُكْتَبُ عَلَيْهَا بِقَلَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى مِسْطَرِ الْقَدَرِ *

    • {اِعْلَمْ} **

وَمِنَ الْغَرَائِبِ أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَتَطَاوَلُ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِالْعَالَمِ, وَالنُّفُوذِ إِلَى الْخَارِجِ, وَالْخُرُوجِ مِنْ دَائِرَةِ الْإِمْكَانِ؛ يَغْرِقُ فِي قَطْرَةٍ, وَيفْنَى فِي ذَرَّةٍ, وَيَغِيبُ فِي شَعْرَةٍ, وَيَنْحَصِرُ الْوُجُودُ عِنْدَهُ فِيمَا فَنِيَ فِيهِ’* وَيُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ كُلَّ مَا أَحَاطَ بِهِ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي بَلَعَتْهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُلْكُ لَكَ؛ لَتَنَغَّصَ عَلَيْكَ التَّنَعُّمُ بِتَكَلُّفِ التَّعَهُّدِ والتَّحَفُّظِ والتَّخَوُّفِ * وَالْمُنْعِمُ الْكَرِيمُ يَتَعَهَّدُ كُلَّ لَوَازِمَاتِ النِّعْمَةِ، ومَا يُفَوَّضُ إِلَيْكَ إِلاَّ التَّنَعُّمُ والتَّنَاوُلُ مِن سُفْرَةِ إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ الَّذِي يَزِيدُ لَذَّةَ النِّعْمَةِ * إِذِ الشُّكْرُ رُؤْيَةُ الْإِنْعَامِ فِي النِّعْمَةِ, وَرُؤْيَةُ الْإِنْعَامِ تُزِيلُ أَلَمَ زَوَالِ النِّعْمَةِ * إِذْ تَزُولُ النِّعْمَةُ حِينَئِذٍ فَلاَ تُعْطِي مَوْضِعَهَا لِلْعَدَمِ حَتَّى تُؤَلِّمَ, بَلْ تُخْلِي الْمَوْقِعَ لِمَجِيءِ الْمِثْلِ كَالثَّمَرَةِ, فَتُعْطِيكَ لَذَّةَ التَّجَدُّدِ * { ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ..} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ عَيْنُ اللَّذَّةِ * نَعمْ: إِنَّ سِرَّ الْحَمْدِ رُؤْيَةُ شَجَرَةِ الْاِنْعَامِ فِي ثَمَرَةِ النِّعْمَةِ؛ فَيَزُولُ أَلَمُ تَصَوُّرِ الزَّوَالِ, فَيَتَلَذَّذُ بِنَفْسِ الْحَمْدِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْمَعلُومَاتِ الْآفَاقِيَّةَ لاَ تَخْلُو عَنِ الْأَوْهَامِ وَالْوَسَاوِسِ * وَأَمَّا إِذَا اسْتَنَدَتْ إِلَى الْأَنْفُسِ وَاتَّصَلَتْ بِالْوِجْدَانِيَّاتِ الْمَشْعُورَةِ بِالذَّاتِ, تَصَفَّتْ عَنِ الْاِحْتِمَالاَتِ الْمُزْعِجَةِ * فَانْظُرْ مِنَ الْمَرْكَزِ إِلَى الْمُحِيطِ, وَلاَ تَعْكِسْ فَتَنْتَكِسَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ هَذِهِ الْمَدَنِيَّةَ السَّفِيهَةَ الْمُصَيِّرَةَ لِلْأَرْضِ كَبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ, يَتَعَارَفُ أَهْلُهَا وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَمَا لاَ يَعْنِي بِالْجَرَائِدِ صَبَاحًا وَمسَاءً؛ غَلُظَ بِسَبَبِهَا وتَكَاثَفَ بِمَلَاهِيهَا حِجَابُ الْغَفْلَةِ بِحَيْثُ لاَ يُخْرَقُ إِلاَّ بِصَرْفِ هِمَّةٍ عَظِيمَةٍ * وَكَذَا فَتَحَتْ لِرُوحِ الْبَشَرِ مَنَافِذَ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ نَظَّارَةٍ إِلَى الدُّنْيَا, يَتَعَذَّرُ سَدُّهَا إِلاَّ لِمَنْ خَصَّهُ اللهُ بِلُطْفِهِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الذَّرَّةَ تَسَعُ الشَّمْسَ بِتَجَلِّيهَا فِيهَا بِالْمُشَاهَدَةِ, وَلاَ تَسَعُ تِلْكَ الذَّرَّةُ ذَرَّتَيْنِ بِالذَّاتِ بِالْبَدَاهَةِ * فَذَّرَّاتُ الْكَائِنَاتِ وَمُرَكَّبَاتُها كَقَطَرَاتِ الْمَطَرِ وَرَشَاشَاتِهَا الْمُتَشَمِّسَةِ الْمُتَلَئْلِئَةِ بِتَمَاثِيلِ الشَّمْسِ؛ قَابِلَةٌ لِأَنْ تَصِيرَ مَظَاهِرَ لِلَمَعَاتِ تَجَلِّيَاتِ الْقُدْرَةِ النُّورَانِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الْمُحِيطَةِ الْمُسْتَنِدَةِ, بَلِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّيْنِ الْغَيْرِ الْمُتنَاهِيَيْنِ * وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ ذَرَّةُ حُجَيْرَةِ عَيْنِكَ مَنْبَعًا وَمَعْدِنًا لِقُدْرَةٍ وَشُعُورٍ وَإِرَادَةٍ تَتَحَمَّلُ وَظَائِفَهَا الْعَشَرَةَ؛ مِنْ خِدْمَتِهَا فِي الْأَعْصَابِ الْمُحَرِّكَةِ والْحَسَّاسَةِ وَالْأَوْرِدَةِ وَالشَّرَايِينِ وَالْإِبْصَارِ والتَّصْوِيرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتِيهُ فِيهِ الْفِكْرُ *.. فَهَذِهِ الصَّنْعَةُ الْمُتْقَنَةُ الْعَجِيبَةُ, وَالنَّقْشُ الْمُزَيَّنُ الْمُنْتَظِمُ, وَالْحِكْمَةُ الْعَمِيقَةُ الدَّقِيقَةُ تَقْتَضِي قَطْعًا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ ذَرَّةٍ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ فِي الْكَائِنَاتِ مَعْدِنًا وَمَنْبَعًا وَمَصْدَرًا لِصِفَاتٍ مُحِيطَةٍ مُطْلَقَةٍ كَامِلَةٍ * وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَظْهَرًا وَمَعْكِسًا وَمَجَلًّا لِلَمَعَاتِ تَجَلِّيَاتِ شَمْسِ الْأَزَلِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ * والشِّقُ الْأَوَّلُ فِيهِ مُحَالاَتٌ بِعَدَدِ ذرَّاتِ الْكَائِنَاتِ’* فَمَنْ جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى جَنَاحَيْ نَحْلَةٍ جَبَلَيْ >سُبْحَانَ< و>آرَاراتْ<, وَأَنْ يَنْبَعَ مِنْ عَيْنَيْ بَعُوضَةٍ النِّيلُ وَالفُرَاتُ؛ فَلْيَذهَبْ إِلَى الشِّقِ الْأَوَّلِ * فَتَشْهَدُ كُلُّ ذَرَّةٍ ـ بِعَجْزِهَا عَنْ تَحَمُّلِ مَا لاَ طَاقَةَ لَهَا بِهِ ـ أَنَّهُ لاَ مُوجِدَ وَلاَ خَالِقَ وَلاَ رَبَّ وَلاَ مَالِكَ وَلاَ قَيُّومَ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ * وَكُلُّ ذرَّاتِ الْكَائِنَاتِ وَمُركَّبَاتُهَا بِأَلْسِنَتِهَا الْمُختَلِفَةِ وَدَلاَلاَتِهَا الْمُتنَوِّعَةِ تَتَكَلَّمُ: بِـ ]عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ * وَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ[ نَعَمْ: إِنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ كِتَابِ الْكَائِنَاتِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ نَفْسِهِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ وَبِمِقْدَارِ حَرْفٍ, لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى كَاتِبِهِ وَصَانِعِهِ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ’* وَيُنْشِدُ مِنْ أَسْمَائِهِ الْمُتَجَلِّيَةِ عَلَيْهِ قَصِيدَةً طَوِيلَةً * تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا * مِنَ الْمَلَإِ الْأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَرَايَا التَّجَلِّيَاتِ مُتَنَوِّعَةٌ * مِنْهَا الزُّجَاجُ وَالْمَاءُ وَالْهَوَاءُ, ـ لاَ سِيَّمَا لِلْكَلِمَاتِ ـ وَعَالَمُ الْمِثَالِ؛ وَالرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالْخَيَالُ وَالزَّمَانُ وَغَيْرِهَا مِمَّا لاَ نَعْلَمُ أَوْ لاَ تَعْلَمُ * وَتَمَاثِيلُ الْمَادِّيَّاتِ الْكَثِيفَةِ فِي الْمَرَايَا مُنْفَصِلَةٌ حُكْمًا, وَأَمْوَاتٌ حَقِيقَةً * وَلَيْسَ لَهَا خَاصِّيَّةُ الْأَصْلِ, وَغَيْرٌ لِلْأَصْلِ أَيْضًا؛ بِدَلِيلِ اِنْتِقَالِهَا إِلَى الْفُطُوغْرَافِ دُونَ النُّورَانِيَّةِ الْخَالِصَةِ * وَفِي غَيْرِ الْخَالِصَةِ تَنْتَقِلُ هُوِيَّةُ صُورَتِهَا الْمَادِّيَّةِ فَقَطْ * وَأَمَّا تَمَاثِيلُ النُّورَانِيَّاتِ فَمُتَّصِلةٌ حُكْمًا, وَمُرْتَبِطَةٌ حَقِيقَةً, وَمَالِكَةٌ لِخوَاصِّ الْأَصْلِ, وَلَيْسَتْ غَيْرًا لَهُ * فَلَوْ جَعَلَ الْفَاطِرُ جَلَّ جَلاَلُهُ حَرَارَةَ الشَّمْسِ حَيَاتَهَا, وَضِيَائَهَا شُعُورَهَا, وَأَلْوَانَ الضِّيَاءِ حَوَاسَّهَا؛ لَتَكَلَّمَتِ الشَّمْسُ مَعَكَ فِي قَلْبِ مِرْآَتِكَ الَّتِي فِي يَدِكَ, كَتِلِفُونِكَ وَمِرْآَةِ قَلْبِكَ * إِذْ مِثَالُهَا الَّذِي فِي يَدِكَ لَهُ أَيْضًا بِمِقْدَارِ اِسْتِعْدَادِهِ حَرَارَةُ حَيَاةٍ, وَضِيَاءُ شُعُورٍ, وَأَلْوَانُ حَوَاسٍّ * وَمِنْ هَذَا السِّرِّ يَطَّلِعُ النَّبِيُّ ‘ الَّذِي هُوَ النُّورُ النُّورَانِيُّ عَلَى صَلَوَاتِ كُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ * ومِنْ هَذَا السِّرِّ يَنْفَتِحُ مُغْلَقَاتُ أَسرَارٍ( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّكَ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي مَصْنُوعَاتِ اللهِ, فَتَفَكَّرْ كَتَفَكُّرِ مُسْلِمٍ عُثْمَانْلِيٍّ؛ يَفْرِضُ نفْسَهُ جَابُونِيًّا (أَي يَابَانِيًّا), أَوْ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ * ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى العُثْمَانِيِّينَ وَأَحْوَالِهِمِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ, فَيَسْتَخْرِجُ أَحْكَامًا * ثُمَّ يَعُودُ إِلَى نَفْسِهِ وَيَتْرُكُ الْخَيَالَ الْفَرَضِيَّ * وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَتَفَكَّرَ فِي مَصْنُوعَاتِهِ تَعَالَى كَمَا يَتَفَكَّرُ أَجْنَبِيٌّ أَوْرُبَّائِيٌّ فِي أَحْوَالِ عَالَمِ الْإِسْلاَمِ * فَإِنَّكَ بِهَذَا التَّفَكُّرِ تَتَفَرْعَنُ ولاَ تَشْعُرُ * وَكَأَنَّكَ جِئْتَ مِنْ عَالَمٍ آخَرَ إِلَى عَالَمِنَا هَذَا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ >سُبْحَانَ اللهِ< وَ >اَلْحَمْدُ لِلَّهِ< يَتَضَمَّنَانِ التَّوصِيفَ بِصِفَاتِ( ) اللهِ الْجَلَالِ بِالْأَوَّلِ, وَالْجَمَالِ بِالثَّانِي * فَـ >سُبْحَانَ اللهِ< يَنْظُرُ إِلَى بُعْدِ الْعَبْدِ وَالْمُمْكِنِ عَنِ اللهِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ * وَ>الْحَمْدُ للهِ<, يَنْظُرُ إِلَى قُرْبِ اللهِ بِالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ إِلَى الْعَبْدِ وَمَخْلُوقَاتِهِ * فَكَمَا أَنَّ الشَّمْسَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ تُوصِلُ حَرَارَتَهَا وَضِيَائَهَا إِلَيْكَ بِإِذْنِ خَالِقهَا, الَّذِي صَيَّرَهَا مِرْآةً لِجِلْوَةِ اِسْمِهِ النُّورِ, وَظَرْفًا لِنِعْمَتِهِ الَّتِي هِيَ الْحَرَارَةُ وَالضِّيَاءُ * مَعَ أَنَّكَ بَعِيدٌ مِنْهَا لاَ يَصِلُ يَدُكَ إِلَيْهَا, وَأَنْتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا قَابِلٌ فَقَطْ لاَ فَاعِلٌ ولاَ مُؤَثِّرٌ * كَذَلِكَ، {ﮘ ﮙ ﮚ} إِنَّ اللهَ ـ جَلَّ جَلَالُهُ ـ قَرِيبٌ مِنَّا فَنَحْمَدُهُ, وَنَحْنُ بَعِيدُونَ مِنْهُ فَنُسَبِّحُهُ * فَاحْمَدْهُ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَى قُرْبِهِ بِرَحْمَتِهِ * وَسَبِّحْهُ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَى بُعْدِكَ بِإِمْكَانِكَ * وَلاَ تُخَالِطْ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ, وَلاَ تَمْزِجْ بَيْنَ النَّظَرَيْنِ؛ لِئَلَّا يَتَشَوَّشَ عَلَيْكَ الْحَقُّ والْاِسْتِقَامَةُ * لَكِنْ يُمْكِنُ لَكَ ـ بِشَرْطِ عَدَمِ الْاِلْتِبَاسِ وَالْمَزْجِ ـ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْقُرْبِ فِي جِهَةِ الْبُعْدِ, وَإِلَى وَجْهِ الْبُعْدِ فِي جِهَةِ الْقُرْبِ, وَإِلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا فَتَقُولَ: >سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ< *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا طَالِبَ الدُّنْيَا! لاَبُدَّ أَنْ تَتْرُكَهَا لِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَمَّا أَوَّلاً: فَلِأَنَّهَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ؛ وَأَلَمُ الزَّوَالِ مُذِلٌ, وَمُزِيلٌ لِلَذَّةِ الْوِصَالِ * وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ لَذَائِذَها مُنَغَّصَةٌ بِآلاَمٍ مُقَارِنَةٍ, وَأَكْدَارٍ مُتَعَاقِبَةٍ * وَأَمَّا ثَالِثًا: فَإِنَّ مَا يَنْتَظِرُكَ وَأَنْتَ تَذْهَبُ إِلَيْهِ بِسُرْعَةٍ بِلاَ اِنْحِرَافٍ مِنَ الْقَبْرِ الَّذِي هُوَ بَابٌ إِلَى الْآخِرَةِ؛ لاَ يَقْبَلُ مِنْكَ مُزَيِّنَاتِ الدُّنْيَا هَدِيَّةً * إِذْ تَنْقَلِبُ هُنَاكَ قَبَائِحَ * وَأَمَّا رَابِعًا: فَوَازِنْ بَيْنَ سُكُونِكَ سَاعَةً فِي مَوْقِعٍ بَيْنَ الْأَعْدَاءِ والْمُؤْذِيَاتِ وَالْحَشَرَاتِ الْمُضِرَّاتِ, وَبَيْنَ السُّكُونِ فِي سِنِينَ كَثِيرَةٍ فِي مَوقِعٍ آخَرَ قَدْ اِجْتَمَعَ فِيهِ كُلُّ أَحْبَابِكَ وَكُلُّ عُظَمَائِكَ * وَمَالِكُ الْمُلْكِ أَيْضًا يَدْعُوكَ إِلَى تَرْكِ لَذَّةِ تِلْكَ السَّاعَةِ لِيُرِيحَكَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مَعَ أَوِدَّائِكَ * فَأَجِبْ دَاعِيَ اللهِ قَبْلَ أَنْ تُسَاقَ إِلَيْهِ بِالسَّلاَسِلِ * فَسُبْحَانَ اللهِ مَا أَعْظَمَ فَضْلَ اللهِ عَلَى الْإِنْسَانِ؛ يَشْتَرِي بِثَمَنٍ غَالٍ مِنَ الْإِنْسَانِ مَالًا لَهُ وَدِيعَةً عِنْدَ الْإِنْسَانِ, لِيَحْمِلَهُ عَنْهُ وَيُبْقِيَهُ لَهُ وَيَحْمِيَهُ مِمَّا يُفْسِدُهُ * مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنْ تَمَلَّكَهُ وَلَمْ يَبِعْهُ وَقَعَ فِي بَلاَءٍ عَظِيمٍ فِي تَعَهُّدِهِ بِقُدرَةٍ لاَ تَكْفِي مِنْ أُلُوفِ مَصَالِحِهِ بِوَاحدٍ * وَلَوْ تَحمَّلَهُ بِنَفْسِهِ عَلَى ظَهْرِهِ لاَنْقَضَّ ظَهْرُهُ * وَلَو أَمْسَكَهُ بِنَفْسِهِ لَزَالَ سَرِيعًا, وَذَهَبَ مَجَّانًا, وَفَنِيَ مُوْرِثًا لِآثَامِهِ وَأَثْقَالِهِ عَلَى مَالِكِهِ الْكَاذِبِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ أَنَّنِي مِصْدَاقٌ لِمَا قِيلَ: وَعَيْنِيَ قَدْ نَامَتْ بِلَيْلِ شَبِيبَتِي * وَلَمْ تَنتَبِهْ إِلاَّ بِصُبْحِ مَشِيبِ * إِذْ أَشَدُّ أَوْقَاتِ اِنْتِبَاهِي فِي شَبِيبَتِي رَأَيْتُهُ الْآنَ أَعْمَقَ طَبَقَاتِ نَوْمِي’* فَالمُتَنَوِّرِينَ المُتَنَبِّهِينَ( ) فِي عُرْفِ الْمَدَنِيِّينَ كَاِنْتِبَاهِي فِيمَا مَضَى * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ مَنْ رَأَى فِي رُؤْيَاهُ أَنَّهُ انْتَبَهَ وَقَصَّ رُؤْيَاهُ لِبَعْضِ النَّاسِ( ) * وَالْحَالُ أَنَّهُ بِهَذَا الْاِنْتِبَاهِ مَرَّ مِنْ طَبَقَةِ النَّوْمِ الْخَفِيفَةِ إِلَى الطَّبَقَةِ الْكَثِيفَةِ * فَمَنْ كَانَ هَكَذَا نَائِمًا كَالمَيِّتِ, كَيْفَ يُوقِظُ الْحَيَّ النَّاعِسَ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُ النَّاعِسُ مَا يَتَكلَّمُ بِهِ مِنْ وَرَاءِ حُجُبِ نَوْمِهِ الْمُضَاعَفِ؟ * أَيُّهَا الْمُتَنَبِّهِينَ النَّائِمِينَ( )! لاَ تَتَقَرَّبُوا إِلَى الْمَدَنِيِّينَ بِالْمُسَامَحَةِ الدِّينِيَّةِ وَالتَّشَبُّهِ ظَنًا مِنْكُمْ أَنَّكُمْ تَصِيرُونَ جِسْرًا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ, وَتَمْلَؤُونَ الْوَادِيَ بَيْنَنَا, كَلاَّ!. * إِنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ غَيْرُ مَحْدُدَةٍ, وَالْوَادِي بَيْنَنَا فِي غَايَةِ الْعُمْقِ؛ لاَ تَمْلَئُونَهُ بَلْ تَلتَحِقُونَ بِهِمْ أَو تَضِلُّونَ ضَلاَلاً بَعِيدًا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ فِي مَاهِيَةِ الْمَعْصِيَّةِ ـ لاَ سِيَّمَا إِذَا اسْتَمَرَّتْ وكَثُرَتْ ـ بَذْرَ الْكُفْرِ’* إِذِ الْمَعْصِيَّةُ تُوَلِّدُ أُلْفَةً مَعَهَا وَابْتِلاَءً بِهَا, بَلْ تَصِيرُ دَاءً دَوَائُهَا( ) الدَّائِمِيُّ نَفْسُهَا * فَيَتَعذَّرُ تَرْكُهَا؛ فَيَتَمَنَّى صَاحِبُهَا عَدَمَ عِقَابٍ عَلَيْهَا, وَيَتَحَرَّى بِلاَ شُعُورٍ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْعَذَابِ كَالْغَرِيقِ يَتَمَسَّكُ بِثُعْبَانٍ * فَتَسْتَمِرُّ( ) هذِهِ الْحَالُ حَتَّى تَنْجَرَّ إِلَى إِنْكَارِ الْعَذَابِ وَرَدِّ دَارِ الْعِقَابِ * وَكَذَا إِنَّ خَجَالَةَ الْمَعْصِيَّةِ ـ بِغَيْرِ النَّدَامَةِ والْقَلْعِ ـ تُلْجِئُ صَاحِبَهَا إِلَى إِنْكَارِ كَوْنِ الْمَعْصِيَّةِ مَعْصِيَّةً, وَإِنْكَارِ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا مِنْ حَفَظَةِ الْمَلاَئِكَةِ وَغَيْرِهَا * فَمِنْ شِدَّةِ الْخَجَالَةِ يَتَمَنَّى عَدَمَ الْحِسَابِ؛ فَإِنْ صَادَفَ وَهْمًا يَنْفِيهِ تَلَقَّاهُ بُرْهَانًا, وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَسْوَدَّ الْقَلْبُ اَلْعِيَاذُ بِاللهِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِن لَمَعَاتِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ ـ كَمَا فِي لَمَعَاتِ الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1921م, فِي صحِيفة 30 ـ الْمُشتَمِلَةِ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى أَرْبَعِينَ نَوْعًا مِنْ إِعْجَازِهِ * وَمِنْ كَمَالِ بَلاَغَتِهِ أَنَّهُ جَمَعَ السَّلاَسَةَ الرَّائِقَةَ, وَالسَّلاَمَةَ الفَائِقَةَ, والتَّسَانُدَ الْمَتِينَ, وَالتَّناسُبَ الرَّصِينَ, وَالتَّعَاوُنَ والتَّجَاوُبَ بَيْنَ الْهَيْئَاتِ وَالْجُمَلِ وَالْآيَاتِ بِشَهَادَةِ فَنَّيِ الْبَيَانِ وَالْمَعَانِي * مَعَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً مُنَجَّمًا لِمَوَاقِعِ الْحَاجَاتِ( ) نُزُولاً مُتَفرِّقًا مُتَقَاطِعًا بِتَلاَئُمٍ, كأَنَّهُ نَزَلَ دَفْعَةً * وَلِأَسْبَابِ نزُولٍ مُخْتَلِفَةٍ متَبَايِنَةٍ مَعَ كَمَالِ التَّسَانُدِ كَأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ * وَجَاءَ جَوَابًا لِأَسْئِلَةٍ مُكرَّرَةٍ مُتفَاوِتَةٍ مَعَ نِهَايَةِ الْاِمْتِزَاجِ وَالْاِتِّحَادِ, كَأَنَّ السُّؤَالَ وَاحِدٌ * وَجَاءَ بَيَانًا لِحَادِثَاتِ أَحْكَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتغَايِرَةٍ مَعَ كَمَالِ الْاِنْتِظَامِ, كَأَنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ * وَنَزَلَ مُتضَمِّنًا لِتَنَزُّلاَتٍ إِلَهِيَّةٍ فِي أَسَالِيبَ تُنَاسِبُ أَفْهَامَ الْمُخَاطَبِينَ, لاَسِيَّما الْمُنْزَلِ عَلَيْهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بِحَالاَتٍ فِي التَّلَقِّي مُتنَوِّعَةٍ مُتخَالِفَةٍ مَعَ غَايَةِ التَّمَاثُلِ وَالسَّلاَسَةِ, كَأَنَّ الْحَالَةَ وَاحِدَةٌ * وَجَاءَ مُتَكَلِّمًا مُتَوَجِّهًا إِلَى أَصْنَافٍ مُخَاطَبِينَ مُتعَدِّدَةٍ مُتبَاعِدَةٍ؛ مَعَ سُهُولَةِ الْبَيَانِ وَجَزَالَةِ النِّظَامِ وَوُضُوحِ الْإِفْهَامِ, كَأَنَّ الْمُخَاطَبَ وَاحِدٌ؛ يَظُنُّ كُلٌّ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ( ) * وَنزَلَ مُهْدِيًّا وَمُوصِلًا لِغَايَاتِ إِرْشَادٍ مُتَدَرِّجَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ مَعَ كَمَالِ الْاِسْتِقَامَةِ وَالنِّظَامِ * تَدُورُ تِلْكَ الْمَقَاصِدُ وَالْغَايَاتُ عَلَى الْأَقْطَابِ الْأَرْبَعَةِ * وَهِيَ: التَّوحِيدُ وَالنُّبُوَّةُ وَالْحَشْرُ وَالْعَدَالَةُ * فَبِسِرِّ اِمْتِلاَئِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ إلْتَأَمَ وَامْتَزَجَ وَانْتَظَمَ وَاتَّحَدَ * وَمَنْ كَانَ لَهُ عَيْنٌ فِي بَصِيرَتِهِ يَرَى فِي التَّنْزِيلِ عَيْنًا تَرَى كُلَّ الْكَوْنِ كصَحِيفَةٍ مُبَصَّرَةٍ وَاضِحَةٍ * وَقَدْ جَاءَ مُكَرَّرًا( ) لِيُقَرِّرَ, وَمُرَدَّدًا لِيُحَقِّقَ قَصَصًا وَأَحْكَامًا * مَعَ أَنَّهُ لاَ يُمِلُّ تَكْرَارُهُ, وَلاَ يُزِيلُ عَوْدُهُ ذَوْقُهُ, وَلاَ يُسْئِمُ تَرْدَادُهُ؛ كَلَّمَا كَرَّرَ حَقَّقَ وَقَرَّرَ’* بَلْ كُلَّما كَرَّرْتَهُ( ) تَحْلُو وَتَفُوحُ أَنْفَاسُ الرَّحْمَنِ مِنْهُ * إِنَّ الْمِسْكَ مَا كَرَّرْتَهُ يتَضَوَّعُ, وَكُلَّمَا اِسْتَعَدْتَّهُ اِسْتَلْذَذْتَهُ؛ إِنْ كَانَ لَكَ ذَوْقٌ سَلِيمٌ بِقَلْبٍ غَيْرِ سَقِيمٍ * والسِّرُّ فِيهِ: أَنَّهُ قُوتٌ وَغِذَاءٌ لِلْقُلُوبِ, وَقُوَّةٌ وَشِفَاءٌ لِلْأَرْوَاحِ * وَالْقُوتُ لاَ يُمِلُّ تَكْرَارُهُ, فَمَأْلُوفُهُ أَئْنَسُ وَأَلَذُّ * خِلاَفَ التَّفَكُّهِ الَّذِي لَذَّتُهُ فِي تَجَدُّدِهِ, وَسَأْمَتُهُ فِي تَكَرُّرِهِ * وَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي حَيَاتِهَا( ) الْمَادِّيَّةِ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ آَنٍ إِلَى الْهَوَاءِ, وَفِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَى الْمَاءِ, وَفِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى الْغِذَاءِ, وَفِي كُلِّ أُسْبُوعٍ إِلَى الضِّيَاءِ, وَفِي كُلِّ شَهْرٍ إِلَى النِّسَاءِ, وَفِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى الدَّوَاءِ( ) فِي الْأَكْثَرِ * فَتُتَكَرَّرُ هذِهِ الْأُمُورُ لِتَكَرُرِّ الْحَاجَاتِ, فَلاَ تَكُونُ تَكْرَارًا * كَذَلِكَ إِنَّ الْإِنْسَانَ ـ بِجِهَةِ حيَاتِهَا الرُّوحَانِيَّةِ أَيْضًا ـ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْوَاعِ مَا فِي الْقُرْآَنِ؛ فَإِلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ, بَلْ فِي آَنٍ سَيَّالٍ كَـ >هُوَ, اَللهُ< فَبِهِ تَتَنَفَّسُ الرُّوحُ * وَإِلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ سَاعَةٍ كَـ >بِسْمِ اللهِ<, وَإِلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ, وَإِلَى بَعْضٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ مُتَدَرِّجًا بِدَرَجَاتِ الْاِحْتِيَاجِ؛ فَيُكَرِّرُ الْقُرْآنُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ حَيَاةُ الْقَلْبِ تَكْرَارَهُ, مَثَلًا: >بِسْمِ اللهِ< كَالْهَوَاءِ النَّسِيمِيِّ يُطَهِّرُ الْبَاطِنَ دَاخِلاً, وَيُثْمِرُ خَارِجًا فِي نَفْسِكَ كَنَفَسِكَ فِي جِسْمِكَ * وأَيْضًا فِي تَكْرَارِ الْقُرْآنِ بَعْضَ الْحَادِثَاتِ الْجُزئِيَّةَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَادِثَةَ الْجُزئِيَّةَ تَتَضَمَّنُ دُسْتُورًا كُلِّيًا (كَمَا أَشَرْتُ إِلَى بَعْضٍ مِنْ جُمَلِ قِصَّةِ مُوسَى ( عَلَيهِ السَّلاَمُ) الَّتِي هِيَ أَجْدَى مِنْ تَفَارِيقِ الْعَصَا ـ فِي لَمَعَات, الْمَطْبُوعَةِ عَام 1921م, فِي صحِيفَة 36 ـ). وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقُرْآنَ الْحَكِيمَ كِتَابُ ذِكْرٍ, وَكِتَابُ فِكْرٍ, وَكِتَابُ حُكْمٍ, وَكِتَابُ عِلْمٍ, وَكِتَابُ حَقِيقَةٍ, وَكِتَابُ شَرِيعَةٍ, وَ{ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ} *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِنْ أَعَاجِيبِ فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ؛ إلْتِبَاسُ أَحْكَامِ اللَّطَائِفِ والْحَوَاسِّ كَالْمَجْنُونِ الَّذِي يَصِلُ نَظَرُهُ إِلَى شَيْءٍ، فَيَمُدُّ يَدَهُ إِلَيْهِ, ظَنًّا مِنْهُ ـ لِمُجَاوَرَةِ الْعَيْنِ لِلْيَدِ ـ أَنَّ مَا يَحْصُلُ بِتَاكَ يَحْصُلُ بِهَذِهِ أَيْضًا * فَالْإِنْسَانُ الْغَافِلُ الَّذِي لاَ يَصِلُ يَدُ اِقْتِدَارِهِ إِلَى تَنْظِيمِ أَدْنَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ نَفْسِهِ, يَتَطَاوَلُ بِغُرُورِهِ وَبِوُسْعَةِ خَيَالِهِ إِلَى الْحُكْمِ والتَّحَكُّمِ فِي أَفْعَالِ اللهِ فِي الْآفَاقِ * وَكذَا مِنْ أَعْجَبِ فِطْرَةِ الْبَشَرِ أَنَّ أَفْرَادَهُ مَعَ تَقَارُبِ دَرَجَاتِهَا فِي الصُّورَةِ الْجِسْمِيَّةِ( ), تَتَفَاوَتُ مَعْنًا بِدَرَجَاتٍ كَمَا بَيْنَ الذَّرَّةِ إِلَى شَمْسِ الشُّمُوسِ, خِلاَفًا لِسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ * إِذْ هِيَ مَعَ تَفَاوُتِ أَفْرَادِهَا فِي الصُّوَرِ الْجِسْمِيَّةِ كَالسَّمَكِ وَالطَّيْرِ, تَتَقَارَبُ فِي قِيمَةِ الرُّوحِ * فَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي قَامَ مِنْ مَخْرُوطِ الْكَائِنَاتِ فِي حَاقِ الْوَسَطِ؛ مِنْهُ إِلَى الذَّرَّةِ, وَمِنْهُ إِلَى شَمْسِ الشُّمُوسِ سَوَاءٌ * إِذْ لَمْ يُحَدَّدْ قِوَاهُ وَلَمْ تُقَيَّدْ؛ أَمْكَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَزَّلَ ويَتَسَفَّلَ بِالْأَنَانِيَّةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ والذَّرَّةُ سَوَاءً. وَكَذَا جَازَ لَهُ أنْ يَتَجَاوَزَ (بِالْعُبُودِيَّةِ وَبِتَرْكِ أَنَا) وَيَتَصَاعَدَ بِإِذْنِهِ تَعَالَى إِلَى أَنْ يَصِيرَ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى كَشَمْسِ الشُّمُوسِ، مِثْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلاَمُ * وَمِنْ عَجِيبِ ضَلاَلَةِ نَفْسِ الْإِنْسَانِ؛ أَنَّهَا قَدْ تَنْظُرُ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى مَرتَبَتِهِ النِّهَائِيَّةِ، فَتَرَى فِيهَا اِنْعِدَامَ لَوَازِمِ الْمَرتَبَةِ الْأُولَى * فَإِذْ تَرَى ـ وَلَوْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ـ اَلْخِتَامَ وَالْعَدَمَ إنْتِهَاءً؛ تَعُودُ فَتَدَّعِي الْعَدَمَ أَوَّلاً أَيْضًا تَقُولُ: >فَإِذْ لَيْسَ هُنَاكَ, فَلَيْسَ هُنَا أَيْضًا< * مَثَلاً يُقَالُ لَهَا: اِعْمَلِي بِمَا أُمِرْتِ بِهِ * فَلاَ تَمْتَثِلُ بَلْ تَنْتَقِلُ بِالطَّفْرَةِ إِلَى أَبْعَدِ شَيْءٍ عَنْ إِذْعَانِهَا, وَأَوْسَعِ دَائِرَةِ التَّوحِيدِ فَتَقُولُ: >لاَ حَوْلَ لِي< * مَعَ أَنَّها فِي عَيْنِ الْحَالِ تُخْفِي أَنَانِيَّةً مُتَمَرِّدَةً عَنْ قَبُولِ أَوَّلِ الدَّوَائِرِ * وَمِنْ غَرِيبِ خِذْلَانِهَا؛ أَنَّهَا تُصَيِّرُ حَوَاسَّهَا وَمَا عَرَفَتْ مِنْ اِقْتِدَارِ الْأَسْبَابِ الْمُمْكِنَةِ مِقْيَاسًا لِلْوُجُودِ وَمَحَكًّا لِلتَّحْقِيقِ؛ فَتُنْكِرُ مَا لَمْ يَسَعْهُ عِلْمُهَا وَذِهْنُهَا, وَضَاقَ عَنْهُ فِكْرُهَا * حَتَّى تُنْكِرُ مَا لاَ يَقْتَدِرُ عَلَيْهِ الْمُمْكِنُ الْمِسْكِينُ الْمَعْرُوفُ لَهَا * مَثَلُهَا كَمَثَلِ بَدَوِيٍّ رَأَى سَفِينَةً عَظِيمَةً, وَرَأَى نَفْسَهُ وَأَمْثَالَهُ عَاجِزَةً عَن تَحْرِيكِهَا وَتسْيِيرِهَا, فَقَالَ: لاَ تَتَحَرَّكُ هذِهِ اَلْبَتَّةً * فِإِذَا تَحَرَّكَتْ تَحَيَّرَ واَحَالَ عَلَى تَصَادُفٍ غَرِيبٍ * والْمِسْكِينُ إِنْ تَفَكَّرَ تفَطَّنَ أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي صَنَعَهَا لاَ يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ تَحْرِيكُهَا * أَيُّهَا الْمِسْكِينُ الْمَغْرُورُ! إِنَّ الْحَقَائِقَ الْإِلهِيَّةَ ظَرْفُهَا وَمَحَلُّهَا اَلْخَارِجُ الْغَيْرُ الْمَحْدُودُ الَّذِي يَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ, لاَ ذِهْنُكَ الضَّيِّقُ الْمُقَيَّدُ؛ فَانْظُرْ مِن شُبَّاكِ ذِهْنِكَ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي الْخَارِجِ * وَإِنْ نَظَرْتَ فِي ذِهْنِكَ إِلَيْهَا فَلِعَظَمَتِها لاَ يُطِيقُ الْعَقْلُ حَمْلَهَا فَيَشْرَعُ يُنْكِرُهَا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّيْءِ >ألْبَقَاءُ< * حَتَّى إِنَّ الْأُمُورَ السَّيَّالَةَ السَّرِيعَةَ الزَّوَالِ كَالْكَلِمَاتِ والتَّصَوُّرَاتِ, لَهَا أَيْضًا مَوَاضِعُ أُخَرُ يَتَحَصَّنُونَ فِيهَا مِنَ الزَّوَالِ, لَكِنْ يَتَطَوَّرُونَ فِي الصُّوَرِ * حَتَّى كَأَنَّ الْأَشْيَاءَ مُوَظَّفُونَ لِحِفْظِ الشَّيْءِ, إِمَّا بِتَمَامِهِ كَالنُّورَانِيِّ, أَو وَجْهٍ مِنَ الشَّيْءِ؛ يُسَارِعُونَ بِكَمَالِ الْاِهتِمَامِ لِأَخْذِهِ وَوَضْعِهِ فِي قُلُوبِهِمِ الشَّفَّافَةِ * وَالْحِكْمَةُ الْجَدِيدَةُ تَفَطَّنَتْ لِهَذَا السِّرِّ, لَكِنْ بِلاَ وُضُوحٍ * فَلِهَذَا أَخْطَأَتْ بِالْإِفْرَاطِ فَقَالَتْ: >لاَ عَدَمَ مُطْلقًا, بَلْ تَرَكُّبٌ وَانْحِلاَلٌ< * كَلاَّ! بَلْ تَرْكِيبٌ بِصُنْعِهِ تَعَالَى, وَتَحْلِيلٌ بِإِذْنِهِ وَإِيجَادٌ وَإِعْدَامٌ بِأَمْرِهِ * (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيحْكُمُ مَا يُرِيدُ)

    • {اِعْلَمْ} **

أَيُّهَا السَّعِيدُ الشَّقِيُّ! إِنَّ الْقَبْرَ بَابٌ بَاطِنُهُ الرَّحْمَةُ, وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * وَأَوِدَّاؤُكَ وَمَنْ تُحِبُّهُ أَكثَرُهُمْ, حَتَّى كُلُّهُمْ سَاكِنُونَ خَلْفَ هَذَا الْبَابِ * أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَشْتَاقَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى عَالَمِهِمْ؟! فَتَنَظَّفْ, وَإِلاَّ اِسْتَقْذَرُوكَ * لَوْ قِيلَ لَكَ مثَلاً: إِنَّ الْإِمَامَ الرَّبَّانِيَّ أَحْمَدَ الفَارُوقِيَّ قُدِّسَ سِرُّهُ سَاكِنٌ الْآنَ فِي الْهِنْدِ؛ لَإِقْتَحَمْتَ الْمَهَالِكَ وَتَرَكْتَ الْأَوْطَانَ لِزِيَارَتِهِ’* مَعَ أَنَّ تَحْتَ اِسْمِ أَحْمَدَ فَقَطْ أُلُوفُ نُجُومٍ حَوْلَ شَمْسٍ مَنْ فِي الْإِنْجِيلِ اِسْمُهُ أَحْمَدُ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ, وَفِي التَّورَاةِ أَحْيَدُ عَلَيهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ, وَفِي الْقُرْآنِ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ, وَتَحْتَ اِسْمِ مُحمَّدٍ مَلاَيِينُ * وَهَكَذَا كُلُّهُمْ خَلْفَ بَابِ الْقَبْرِ فِي رَحْمَةِ اللهِ سَاكِنُونَ * فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ دَائِمًا هَذِهِ الْأَسَاسَاتُ وَهِيَ: 1ـ إِنْ كُنْتَ لَهُ تَعَالَى كَانَ لَكَ كُلُّ شَيْءٍ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كَانَ علَيْكَ كُلُّ شَيْءٍ * 2ـ وَكُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ * فَارْضَ بِمَا آتَاكَ، تَزِدْ( ) يُسْرًا عَلَى يُسْرٍ * وَإِلاَّ زِدْتَ مَرَضًا عَلَى مَرَضٍ * 3ـ الْمُلْكُ لَهُ وَيَشْتَرِيهِ مِنْكَ لِيُبْقِيَهُ لَكَ, وَيَزُولُ مجَّانًا لَوْ بَقِيَ عِنْدَكَ’* 4ـ وَأَنْتَ فَقِيرٌ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ * 5ـ وَأَنْتَ مُقيَّدٌ بِجِهَاتٍ أَرْبَعٍ مَسْدُودَةٍ, تُسَاقُ إِلَى بَابِ الْقَبْرِ الْمَفْتُوحِ لَكَ * 6ـ لاَ لَذَّةَ لِلْقَلْبِ حَقِيقَةً فِيمَا لاَ دَوَامَ فِيهِ؛ تَزُولُ أَنْتَ وَتَزُولُ دُنْيَاكَ وَتَزُولُ دُنْيَا النَّاسِ * 7ـ وَسَتُنْزَعُ مِنَ الْكَائِنَاتِ هذِهِ الصُّورَةُ, وَسَيُخْلَعُ عَلَيْهَا أُخْرَى؛ كَالثَّانِيَةِ والدَّقِيقَةِ والسَّاعَةِ وَالْيَوْمِ * كَأَنَّ الْكَائِنَاتِ سَاعَةٌ كُبْرَى ـ كَمَا ذُكِرَ فِي (طقوز نجي سوز) (الْكَلِمَةِ التَّاسِعَةِ فِي النُّكْتَةِ الرَّابَعَةِ ـ) فَلاَ تَهْتَمَّ بِمَا يَبْقَى لَكَ أَثَرًا فِي الْفَانِي, وَيَفْنَى عَنْكَ بِالْبَاقِي( ) * وَلاَ تَنْظُرْ مِنْ بُعْدِكَ وَخِسَّتِكَ, وَمِنْ عَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ تَعَالَى * وَنُقْطَةُ نَظَرِكَ هَذِهِ الْحَيثِيَّةِ إِلَى تَصَرُّفَاتِهِ وَتَنَزُّلاَتِهِ بِرَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ؛ إِذْ حِينَئِذٍ لاَ يَلِيقُ إِلاَّ التَّسْبِيحُ * وَلاَ تَنْظُرْ مِنْ حَيْثِيَّةِ قُرْبِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ, وَمِنْ مَخْلُوقِيَّتِكَ وَدُخُولِكَ فِي عِنَايَتِهِ وَكَرَمِهِ إِلَى صِفَاتِ جَلاَلِهِ؛ لِئَلاَّ تَسْتَهْوِي بِكَ الْأَوْهَامُ وَالْأَهْوَاءُ * فَسُبْحَانَ مَنْ تَقَدَّسَتْ وَتَنَزَّهتْ عَنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْأَفْكَارُ وَالْعُقُولُ’* والْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ * لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ * لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ, بِيَدِهِ الْخَيْرُ’* وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْكَائِنَاتِ: يَرَى مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ مَا لاَ يُحِيطُ بِهِ, وَيَعْجُزُ عَنْ إِدْرَاكِهِ, وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ؛ فَلِتَشَفِّي أَلَمِ الْحَيْرَةِ يَشْتَاقُ إِلَى >سُبْحَانَ اللهِ<، كَتَعَطُّشِ الْعَلِيلِ الْغَلِيلِ إِلَى الْمَاءِ الزُّلاَلِ * وَيَرَى مِنْ لَطَائِفِ النِّعَمِ واللَّذَائِذَ مَا يُجْبِرُهُ عَلَى إِظْهَارِ تَلَذُّذِهِ, وَتَزْيِيدِ( ) تَلَذُّذِهِ, وَاسْتِيزَادِ لَذَّتِهِ بِالدَّوَامِ بِرُؤيَةِ الْإِنْعَامِ فِي النِّعْمَةِ, وَالْمُنْعِمِ فِي الْإِنْعَامِ بِعُنْوَانِ الْحَمْدِ فَيَتَنَفَّسُ بِـ >اَلْحَمْدُ للهِ<، كَمَا يَتَنفَّسُ الْمُظَفَّرُ السَّالِمُ الْغَانِمُ * وَيَرَى مِنْ عَجَائِبِ الْمخْلُوقَاتِ وَغَرَائِبِهَا مَا لاَ يَطِيقُ مَقَايِيسُ عَقْلِهِ وَزْنَهَا, وَيَضِيقُ ذِهْنُهُ عَنْ مُحَاكَمَتِهَا, وَحِسُّ تَجَسُّسِ الْحَقِيقَةِ يُشْغِلُهُ بِهَا؛ فَيُنَادِي >اَللهُ أَكْبَرُ<, فَيَسْتَرِيحُ * أَيْ خَالِقُهَا أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ! فَلاَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ خَلْقُهَا وَتَدْبِيرُهَا * كَمَثَلِ مَنْ يَرَى الْقَمَرَ يَدُورُ حَوْلَهُ فَيَغْشَاهُ أَلَمُ تَعَجُّبٍ, أَوْ خُرُوجُ جَبَلٍ بِالزَّلْزَلَةِ فَيَتَدَهَّشُ؛ فَيُكَبِّرُ, فَيُلْقِي مِنْ ظَهْرِهِ أَثْقَالَ الْعَجَبِ وَالتَّدَهُّشِ عَلَى سَفِينَةِ الْقَدِيرِ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ * جَلَّ جَلاَلُهُ’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّكَ بِسَيِّئَاتِكَ لَا تَضُرُّ اللهَ شَيْئًا, إِنَّمَا تَضُرُّ نَفْسَكَ * مَثَلاً: لَيْسَ فِي الْخَاْرِجِ شَرِيكٌ حَتَّى تُقَوِّيَهُ بِاِعْتِقَادِكَ, فَتُؤَثِّرَ فِي كَمَالِ مُلْكِهِ تَعَالَى * بَلْ فِي ذِهْنِكَ وَفِي عَالَمِكَ فَقَطْ, فَيَخْرَبُ بَيْتُكَ عَلَى رَأْسِكَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ * فَقُلْ:حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ اْلوَكِيْلُ’* فَأَوَّلاً: لِأَنَّهُ اْلكَامِلُ اْلمُطْلَقُ, وَاْلكَمَالُ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَتُفْدَى لَهُ اْلأَرْوَاحُ * وَثَانِياً: لِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ, وَهُوَ اْلمَحْبُوبُ اْلحَقِيقِيُّ, وَاْلمَحَبَّةُ تَقْتَضِي( ) اْلفِدَاءَ * وَثَالِثاً: لِأَنَّهُ اْلمَوْجُودُ اْلوَاجِبُ, وَبِقُرْبِهِ أَنْوَارُ اْلوُجُودِ وَبِبُعْدِهِ ظُلُمَاتُ اْلعَدَمَاتِ * وَأَلَمٌ أَلِيمٌ فِي أُفُولِ آمَالِ الرُّوحِ اْلإِنْسَانِيِّ * وَرَابِعاً: لِأَنَّهُ اْلمَلْجَأُ وَاْلمَنْجَا لِلرُّوحِ الَّذِي ضَاقَتْ عَلَيْهِ اْلأَكْوَانُ, وَآلَمَتْهُ مُزَخْرَفَاتِ الدُّنْيَا, وَعَادَتْهُ اْلكَائِنَاتُ وَانْقَضَّ ظَهْرُهُ تَحْتَ الشَّفَقَةِ اْليُتْمِيَّةِ( ) وَاْلمَرْحَمَةِ اْلمَأْتَمِيَّةِ * وَخَامِساً: لِأَنَّهُ اْلبَاقِي الَّذِي بِهِ اْلبَقَاءُ, وَبِدُونِهِ اْلزَّوَالُ * وَكُلُّ اْلعَذَابِ فِي اْلزَّوَالِ * وبِدُونِهِ يَتَرَاكَمُ عَلَى اْلرُّوحِ آلَامٌ بِعَدَدِ اْلمَوْجُودَاتِ؛ وَبِهِ يَتَظَاهَرُ عَلَى المُتَوَكِّلِ أَنْوَارٌ بِعَدَدِهَا * وَسَادِساً: لِأَنَّهُ اْلمَالِكُ يَحْمِلُ عَنْكَ مُلْكَهُ الَّذِي عِنْدَكَ, إِذْ لا تُطِيقُ حَمْلَهُ * فَبِتَوَهُّمِ اْلتَّمَلُّكِ تَقَعُ فِي عَذَابٍ أَلِيمٍ أَلِيمٍ * فَلِبَقَائِهِ وَدَوَامِ إِنْعَامِهِ لَا تَغْتَمُّ بِفَنَاءِ مَا فِي يَدِكَ؛ كَمَا لَا تَحْزَنُ اْلحَبَابَاتُ اْلمُتَشَمِّسَةُ بِالتَّحَوُّلِ وَالْاِنْحِلَالِ * فَلِإِظْهَارِ تَجَدُّدَاتِ تَجَلِّيَاتِ الشَّمْسِ يَفْدِي اْلحَبَابُ صُورَتَهُ بِكَمَالِ النَّشَاطِ, بَلْ يَمُوتُ وَهُوَ يَضْحَكُ * وَكَمَا لَا تَغْتَمُّ الثَّمَرَاتُ بِفِرَاقِ الشَّجَرَةِ, وَلَا النَّوَاةُ بِاِنْحِلَالِ الثَّمَرَةِ( ), وَلا أَنْتَ بِفَرْضِكَ ذَا تَحْقِيقٍ بِزَوَالِهَا * إِذْ تَقُولُونَ: فَلْتَحْيَ الشَّجَرَةُ, إِذْ فِي حَيَاتِهَا مَوْتُنَا حَيَاةٌ * يَا هَذَا! أَنْتَ ثَمَرَةُ إِنْعَامَاتِهِ, بَلْ مُجَسَّمُ إِنْعَامَاتِهِ * وَسَابِعاً: لِأَنَّهُ اْلغَنِيُّ اْلمُغْنيِ, وَبِيَدِهِ مَقَالِيدُ كُلِّ شَيْءٍ * إِذَا صِرْتَ عَبْداً خَالِصاً لَهُ, ثُمَّ نَظَرْتَ إِلَى اْلكَائِنَاتِ تَرَاهَا مُلْكَ مَالِكِكَ وَحَشْمَتَهُ وَحَوَاشِيهِ؛ فَتَتَنَزَّهُ بِهَا كَأَنَّهَا مُلْكٌ لَكَ, بَلْ أَعْلَى بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا أَلَمِ زَوَالٍ’* إِذِ اْلخَادِمُ اْلخَالِصُ لِلْمَلِكِ وَاْلفَانِيِ فِي مَحَبَّتِهِ يَفْتَخِرُ بِكُلِّ مَا لِلْمَلِكِ * وَثَامِناً: لِأَنَّهُ رَبُّ اْلأَنْبِيَاءِ وَاْلمُرْسَلِينَ وَاْلأَوْلِيَاءِ وَاْلمُتَّقِينَ, وَكُلُّهُمْ مَسْعُودُونَ فِي رَحْمَتِهِ * فَعِلْمُكَ بِسَعَادَتِهِمْ يُعْطِيكَ فِي شَقَاوَتِكَ سَعَادَةً وَ لَذَّةً إِنْ كُنْتَ ذَا قَلْبٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِكَ إِنْ كَانَ لَكَ عَقْلٌ سَلِيمٌ؛ أَنْ تَهْتَمَّ وَتَغْتَمَّ وَتَغْضَبَ وَتَصْخَبَ لِمَا يَأْتِيكَ, أَوْ يَفُوتُكَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا * لِأَنَّ الدُّنْيَا تَزُولُ, وَلاسِيَّمَا أَنْتَ * إِذْ لَسْتَ بِأَبَدِيٍّ هُنَا, وَلَسْتَ مِنْ حَدِيدٍ وَلَا شَجَرٍ حَتَّى يَطُولَ بَقَاؤُكَ * بَلْ مِنْ لَحْمٍ مُتَجَدِّدٍ وَدَمٍ مُتَرَدِّدٍ وَرَوَابِطَ فِي غَايَةِ الرِّقَّةٍ تَتَأَثَّرُ بِأَدْنَى شَيْءٍ؛ وَقَدْ تَنْقَطِعُ تِلْكَ, وَ يَنْجَمِدُ هَذَا, وَيَتَفَسَّحُ ذَلِكَ بِاخْتِلَالِ ذَرَّتَيْنِ * وَلَاسِيَّمَا تَنَفَّسَ فِيكَ صُبْحُ اْلمَشِيبِ, وَ كَفَّنَ نِصْفَ رَأْسِكَ * وَلاسِيَّمَا تَضَيَّفَتْ بَلْ تَوَطَّنَتْ فيِكَ اْلعِلَلُ الَّتِي هِيَ طَلِيعَةُ اْلمَوْتِ, وَاْلأَمْرَاضُ الَّتِي هِيَ مَخَالِبُ هاَذِمِ اللَّذَّاتِ * مَعَ أَنَّ أَمَامَكَ عُمْرٌ أَبَدِيٌّ( ), أَلْقَيْتَهُ خَلْفَكَ ظِهْرِيّاً؛ إِنَّمَا تَرَتَّبَتْ( ) رَاحَتُهُ عَلَى سَعْيِكَ هُنَاكَ( ) * مَعَ أَنَّكَ فِي حِرْصِكَ وَشَرَهِكَ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ وَخَلَدَتْ لَهُ الدُّنْيَا خَاصَّةً * فَانْتَبِهْ قَبْلَ أَنْ تُنَبِّهَكَ سَكَرَاتُ اْلمَوْتِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّكَ إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِعِنْوَانِ اْلمَعْلُومِ وَاْلمَعْرُوفِ؛ يَصِيرُ لَكَ مَجْهُولاً وَمُنْكَراً * إِذْ هَذِهِ اْلمَعْلُومِيَّةُ وَاْلمَعْرُوفِيَّةُ نَتِيجَةُ الْأُلْفَةِ اْلعُرْفِيَّةِ وَالتَّسَامُعِ التَّقْلِيدِيِّ وَالتَّدَاوُلِ اْلاِصْطِلَاحِيِّ, وَهِيَ لا تُغْنِي مِنَ اْلحَقِيقَةِ شَيْئاً * بَلْ مَا يَتَرَاءَى لَكَ فِيهَا مُقَيَّدٌ, لا يَتَحَمَّلُ الصِّفَاتِ اْلمُطْلَقَةَ * بَلْ إِنَّمَا هُوَ نَوْعُ عِنْوَانٍ لِمُلاحَظَةِ الذَّاتِ اْلأَقْدَسِ * وَأَمَّا إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَيْهِ بِعِنْوَانِ اْلمَوْجُودِ اْلمَجْهُولِ؛ تَكَشَّفَ لَكَ عَنْ أَشِعَّةِ اْلمَعْرُوفِيَّةِ, وَعَنْ بُرُوقِ شُرُوقِ مَوْصُوفٍ, لَا تَثْقُلُ وَلَا تَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ اْلمُطْلَقَةُ اْلمُحِيْطَةُ اْلمُتَجَلِّيَةُ فِي اْلكَائِنَاتِ * كَمَا لَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ حَمْلُ قَمِيصِكَ مِنَ اْلحَرِيرِ الرَّقِيقِ, وَمِنْدِيلِكَ مِنَ الخَزِّ اْلمُنَمْنَمِ! *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّكَ إِذَا نَاجَيْتَهُ تَعَالَى, فَخَاطِبْهُ مُنَاجِيًا بِتَصَوُّرِ أَنَّهُ عِنْدَكَ وَمَعَكَ وَيَرَاكَ وَيَسْمَعُكَ, وَيَتَنَزَّلُ إِلَيْكَ بِرَحْمَتِهِ * لاَ بَفَرَضِ أَنْتَ عِنْدَهُ, أَوْ مَعَهُ, أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ, أَو تَصْعَدُ إِلَيْهِ * وَكُنْ كَأَصَمٍّ أَعْمًى مُقْعَدٍ, يُنَادِي بِهَمْسِ صَوْتٍ فِي أُذُنِ تَلِفُونٍ مَنْ فِي الْمَشْرِقِ, وَيُشِيرُ بِحَوَاجِبِهِ لِمَنْ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِالْمِنْظَارِ الْخُرْدَبِينِيِّ؛ وَيُعْلِنُ شُكْرَهُ لِصَاحِبِ السَّفِينَةِ الْعَلِيمِ بِخَوَاطِرِهِ بِتَخَطُّرِ قَطْعِ( ) الْمَنَازِلِ بِالسُّهُولَةِ مِن شُعُورِهِ بِبُوصِلَةِ السَّفِينَةِ * وَكَفَاكَ فَخْراً بِلَا نِهَايَةٍ, لاَ كَفَخْرِكَ بِكَمَالِ كُبَرَائِكَ؛ إِنْ يَكُنْ لَكَ مَالِكٌ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ * وَمِنْ اقْتِدَارِهِ وَهُوَ هُوَ الَّذِي السَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ, وَالْأَرْضُ قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ * إِنَّهُ يُرَبِّيكَ بِشَفَقَةٍ أَتَمَّ مِنْ شَفَقَةِ أَبَوَيْكَ * وَأَنْتَ أَنْتَ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ, وَالْبَحْرُ كَنُقْطَةٍ فِي صَحْرَاءَ، وَالصَّحْرَاءُ كَذَرَّةٍ بَيْنَ عَظَائِمِ مَصْنُوعَاتِهِ * إِذْ هُوَ نُورُ الْأَنْوَارِ, الْعَالِمُ بِالْأَسْرَارِ * وَلَيْسَ مِنْ عَظَمَةِ السُّلطَانِ الْإِنْسَانِيِّ عَدَمُ اِشْتِغَالِهِ بِتَفَاصِيلِ جُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ, بَلْ مِنْ عَجْزِهِ وَعَدَمِ اِقْتِدَارِهِ * وَمِنْ عَظَمَةِ سُلْطَانِ الْأَزَلِ أَنَّهُ كَمَا يَكْتُبُ بِقَلَمِ صُنْعِهِ عَلَى صَحِيفَةِ السَّمَاءِ بِمِدَادِ النُّجُومِ الدَّرَارِيِّ آيَاتِ أُلُوهِيِّتِهِ؛ كَذَلِكَ يَكْتُبُ بِذَلِكَ الْقَلَمِ عَلَى صَحِيفَةِ سَوَادِ الْعَيْنِ بِمِدَادِ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ آيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ * فَسُبْحَانَ مَنْ هَذِهِ الْأَجْرَامُ الْعُلْوِيَّةُ وَالْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ نَيِّرَاتُ بَرَاهِينِ أُلُوهِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ * وَهَذِهِ الْمَصَابِيحُ الْمُزَيَّـنَةُ وَالنُّجُومُ الْمُتَبَسِّمَةُ شُعَاعَاتُ شَوَاهِدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعِزَّتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى كُلٌّ مِنْهَا يَتَضَمَّنُ الْكَّلَّ إِجْمَالاً, كَتَضَمُّنِ الضِّيَاءِ لِلْأَلْوَانِ السَّبْعَةِ * وَكَذَا كُلٌّ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا, وَنَتِيجَةٌ لِكُلٍّ مِنْهَا، بَيْنَهَا تَعَاكُسٌ كَالْمَرَايَا * فَيُمْكِنُ ذِكْرُهَا كَالْقِيَاسِ الْمَوصُولِ النَّتَائِجِ مُتَسلْسِلاً, وَكَالنَّتِيجَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ الدَّلاَئِلِ * إِلاَّ أَنَّ الْاِسْمَ الْأَعْظَمَ الْوَاحِدَ( ) يَتَضَمَّنُ الْكُلَّ فَوْقَ هَذَا التَّضَمُّنِ الْعَامِّ * فَيُمْكِنُ لِلْبَعْضِ( ) الْوُصُولُ إِلَى نُورِ الْاِسْمِ الْأَعْظَمِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى * فَيَتَفَاوَتُ الْاِسْمُ الْأَعْظَمُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَاصِلِينَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ *


تَضَرُّعٌ وَنِيَازٌ إِلَهِي لَازِمٌ عَلَيَّ أَنْ لاَ أُبَالِي وَلَوْ فَاتَ مِنِّي حَيَاةُ الدَّارَيْنِ, وَعَادَتْنِي الْكَائِنَاتُ بِتَمَامِهَا * إِذْ أَنْتَ رَبِّي وَخَالِقِي وَإِلَهِي, إِذْ أَنَا مَخْلُوقُكَ وَمَصْنُوعُكَ؛ لِي جِهَةُ تَعَلُّقٍ وَانْتِسَابٍ, مَعَ قَطْعِ نِهَايَةِ عِصْيَانِي وَغَايَةِ بُعْدِي لِسَائِر رَوَابِطِ الْكَرَامَةِ * فَأَتَضَرَّعُ بِلِسَانِ مَخْلُوقِيَّتِي: يَا خَالِقِي( ), يَا رَبِّي, يَا رَازِقِي, يَا مَالِكِي, يَا مُصَوِّرِي, يَا إِلَهِي! أَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى, وَبِاِسْمِكَ الْأَعْظَمِ, وَبِفُرْقَانِكَ الْحَكِيمِ, وَبِحَبِيبِكَ الْأَكْرَمِ, وَبكِلَامِكَ الْقَدِيمِ, وَبِعَرْشِكَ الْأَعْظَمِ, وَبِأَلْفِ أَلْفِ {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ} اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ, يَا رَحْمَنُ, يَا حَنَّانُ, يَا مَنَّانُ, يَا دَيَّانُ! * اِغْفِرْ لِي يَا غَفَّارُ, يَا سَتَّارُ, يَا تَوَّابُ, يَا وَهَّابُ! * اِعْفُ عَنِّي يَا وَدُودُ, يَا رَؤُفُ, يَا عَفُوُّ, يَا غَفُورُ! * اُلْطُفْ بِي يَا لَطِيفُ, يَا خَبِيرُ, يَا سَمِيعُ, يَا بَصِيرُ! * وَتَجَاوَزْ عَنِّي يَا حَلِيمُ, يَا عَلِيمُ, يَا كَرِيمُ, يَا رَحِيمُ * اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ يَا رَبُّ, يَا صَمَدُ, يَا هَادِي! * جُدْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ يَا بَدِيعُ, يَا بَاقِي, يَا عَدْلُ, يَا هُو! * أَحْيِي قَلْبِي وَقَبْرِي بِنُورِ الْإِيْمَانِ َوَالْقُرْآنِ يَا نُورُ, يَا حَقُّ, يَا حَيُّ, يَا قَيُّومُ, يَا مَالِكَ الْمُلْكِ, يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ * يَا أَوَّلُ, يَا آخِرُ, يَا ظَاهِرُ, يَا بَاطِنُ, يَا قَوِيُّ, يَا قَادِرُ, يَا مَوْلَايَ, يَا غَافِرُ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ * أَسْأَلُكَ بِاِسْمِكَ الْأَعْظَمِ فِي الْقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ, الَّذِي هُوَ سِرُّكَ الْأَعْظَمُ وَاِسْمُكَ الْأَعْظَمُ فِي كِتَابِ الْعَالَمِ؛ أَنْ تَفتَحَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كُوَّاتٍِ مُفِيضَةً إِلَى أَنْوَارِ الْاِسْمِ الْأَعْظَمِ إِلَى قَلْبِي فِي قَالَبِي, وَإِلَى رُوحِي فِي قَبْرِي * فَتَصِيرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ كَسَقْفِ قَبْرِي, وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ كَكُوَّاتٍ تُفِيضُ أَشِعَّةَ شَمْسِ الْحَقِيقَةِ إِلَى رُوحِي * إِلَهِي أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لِي لِسَانٌ أَبَدِيٌّ يُنَادِي بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ * فَاقْبَلْ هَذِهِ النُّقُوشَ الْبَاقِيَةَ بَعْدِي نَائِبَاً عَنْ لِسَانِي الزَّائِلَ * اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةً تُنْجِينَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَهْوَالِ وَالْآفَاتِ * (وَتَقْضِي لَنَا بِهَا جَمِيعَ الْحَاجَاتِ)( ) وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ * وَتَغْفِرُ لَنَا بِهَا جَمِيعَ الذُّنُوبُ وَالْخَطِيئَاتِ * يَا اللهُ يَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ * اِجْعَلْ لِي فِي مُدَّةِ حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي فِي كُلِّ آنٍ أَضْعَافَ أَضْعَافِ ذَلِكَ؛ أَلْفُ أَلْفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ مَضْرُوبَيْنِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ * وَأَمْثَالِ أَمْثَالِ ذَلِكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَتْبَاعِهِ * وَاجْعَلْ كُلَّ صَلاَةٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ تَزِيدُ عَلَى أَنْفَاسِي الْعَاصِيَةَ فِي مُدَّةِ عُمْرِي * وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي بِكُّلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا * بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ آمِيـْـــــــنَ *

    • ** **  


ذَيْلٌ لِلْحَبَّةِ يَا نَاظِرُ! أَظُنُّنِي أَحْفِرُ بِآثَارِي الْمُشَوَّشَةِ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ بِنَوْعِ اِضْطِرَارٍ مِنِّي * فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ كَشَفْتُ, أَوْ سَيَنْكَشِفُ, أَوْ أَنَا وسِيلَةٌ لِتَسْهِيلِ الطَّرِيقِ لِكَشَّافِهِ الْآتِي’* لاَ حَولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * اللَّهُمُّ لاَ تُخْرِجْنَا مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَعَ الشَّهَادَةِ وَالْإِيْمَانِ * 

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيْمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِعَدَدِ قَطَرَاتِ الْأَمْطَارِ, وَأَمْوَاجِ الْبِحَارِ, وَثَمَرَاتِ الْأَشْجَارِ, وَنُقُوشِ الْأَزْهَارِ، وَنَغَمَاتِ الْأَطْيَارِ, وَلَمَعَاتِ الْأَنْوَارِ * وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى كُلٍّ مِن نِعَمِهِ فِي الْأَطْوَارِ بِعَدَدِ كُلِّ نِعَمِهِ فِي الْأَدْوَارِ * وَالصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَبْرَارِ وَالْأَخْيَاِر مُحَمَّدٍ الْمُخْتَارِ * وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ وَأَصْحَابِهِ نُجُومِ الْهِدَايَةِ ذَوِي الْأَنْوَارِ, مَا

دَارَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ المُسَافِرَ كَمَا يُصَادِفُ فِي سَيْرِهِ مَنَازِلَ؛ لِكُلِّ مَنْزِلٍ شَرَائِطُ تَخُصُّهُ’* كَذَلِكَ لِلذَّاهِبِ فِي طَرِيقِ اللهِ مَقَامَاتٌ وَمَرَاتِبُ وَحَالاَتٌ وَحُجُبٌ وأَطْوَارٌ؛ لِكُلِّ وَاحِدٍ طَوْرٌ يَخُصُّهُ, مَنْ خَلَطَ غَلِطَ * كَمَثَلِ مَنْ نَزَلَ فِي قَريَةٍ اِسْطَبْلاً سَمِعَ فِيهِ صَهِيلَ الْفَرَسِ, ثُمَّ نَزَلَ قَصْرًا فَسَمِعَ تَرَنُّمَ العَنْدَلِيبِ؛ فَتَوَهَّمَ التَّرَنُّمَ صَهِيلاً, وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْهُ صَهِيلَ الْفَرَسِ مُغَالِطًا لِنَفسِهِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِمَّا زَيَّنَ فِي عَيْنِكَ هَذِهِ الْحَيَاةَ تَلَأْلُؤُ تَمَاثِيلِ نُجُومِ الْهِدَايَةِ مِنْ أَمَاثِلِ الْأَسْلَافِ فِي مِرْآةِ الدُّنْيَا * بِسِرِّ أَنَّ الْمُسْتَقبَلَ مِرْآةُ الْمَاضِي, وَالْمَاضِي يَلْتَحِقُ بِالْبَرْزَخِ بِمَعْنَاهُ, وَيُودِعُ صُورَتَهُ وُدُنيَاهُ فِي مِرْآةِ الْاِسْتِقْبَالِ وَالتَّارِيخِ وَأَذْهَانِ النَّاسِ * مَثَلُكَ فِي حُبِّ الْحَيَاةِ بِحُبِّهِمْ كَمَثَلِ مَنْ صَادَفَ فِي وَجْهِ طَرِيقِهِ مِرْآةً عَظِيمَةً؛ فَرَأَى فِيهَا تَمَاثِيلَ رُفَقَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ( ) الذَّاهِبِينَ إِلَى الشَّرْقِ، مُغَرِّبِينَ فِي الْمِرْآةِ * فَيَتَوَحَّشُ مِنَ الشَّرْقِ, فَيُهَرْوِلُ مُغَرِّبًا * وَلَو كَشَفَ عَن وَجْهِكَ غِطَاءُ الْغَفْلَةِ لَرَأَيْتَكَ تَسْرَعُ فِي بَيْدَاءَ خَالِيَةٍ يَابِسَةٍ كَسَرَابٍ وَعَذَابٍ, لاَ لِعَذْبٍ وَشَرَابٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِنْ عَظِيمِ عُلُوِّ الْقُرْآنِ وَأَصْدَقِ دَلِيلٍ عَلَى حَقَّانِيَّتِهِ, مُحَافَظَتُهُ لِكُلِّ لَوَازِمَاتِ التَّوْحِيدِ بِمَرَاتِبِهِ، وَمُرَاعَاتُهُ لِمُوَازَنَةِ الْحَقَائِقِ الْعَالِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ, وَاشْتِمَالُهُ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالتَّنَاسُبِ بَيْنَهَا, وَجَمْعُهُ لِشُؤُونَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ بِكَمَالِ الْمُوَازَنَةِ * وَهَذِهِ خَاصِّيَّةٌ مَا وُجِدَتْ قَطُّ فِي أَثَرِ الْبَشَرِ وَفِي نَتَائِجِ أَفْكَارِ أَعَاظِمِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ الْمَارِّينَ إِلَى الْمَلَكُوتِ, وَالْإِشْرَاقِيِّيِنَ الذَّاهِبِينَ إِلَى بَوَاطِنِ الْأُمُورِ, وَالرُّوحَانِيِّينَ النَّافِذِينَ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ * فَإِنَّهُمْ لاَ يُحِيطُونَ بِالْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ بِأَنْظَارِهِمِ الْمُقَيَّدَةِ * بَلْ إِنَّمَا يُشَاهِدُونَ طَرَفًا مِنْهَا, فَيَتَشَبَّثُونَ بِهِ وَيَنْحَبِسُونَ عَلَيْهِ, وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِالْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ؛ فَتَخْتَلُّ الْمُوَازَنَةُ وَيَزُولُ التَّنَاسُبُ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ غَوَّاصِينَ فِي الْبَحْرِ لِكَشْفِ كَنْزٍ مُتَزَيِّنٍ مُمْتَلِئٍ بِمَا لاَ يُحْصَى مِنْ أَصْنَافِ الْجَوَاهِرِ * فَبَعْضٌ صَادَفَ يَدُهُ أَلْمَاسًا مُسْتَطِيلاً مَثَلاً, فَيَحْكُمُ بَأَنَّ الْكَنْزَ عِبَارَةٌ عَن أَلْمَاسٍ طَوِيلٍ * وَإِذَا سَمِعَ مِن رُفَقَائِهِ وُجُودَ سَائِرِ الْجَوَاهِرِ فِيهِ, يَتَخَيَّلُهَا فُصُوصَ أَلْمَاسِهِ * وَصَادَفَ آَخَرُ يَاقُوتًا كُرَوِيًّا وَآخَرُ كَهْرُبَاءً مُرَبَّعًا وَهَكَذَا! * فَكُلُّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ مَشْهُودَهُ جُرْثُومَ الْكَنْزِ وَمُعْظَمَهُ, وَيَزْعُمُ مَسْمُوعَهُ زَوَائِدَهُ وَتَفَرُّعَاتِهِ * فَتَخْتَلُّ الْمُوَازَنَةُ وَيَزُولُ التَّنَاسُبُ؛ فَيَضْطَرُّونَ لِلتَّأْوِيلِ والتَّصَلُّفِ وَالتَّكَلُّفِ, حَتَّى قَدْ يَنْجَرُّونَ إِلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّعْطِيلِ * وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي آثَارِ الْإِشْرَاقِيِّينَ وَالْمُتَصَوِّفِينَ الْمُعْتَمِدِينَ عَلَى مَشْهُودَاتِهِم بِلَا تَوْزِينٍ بِمِيزَانِ السُّنَّةِ, لَمْ يَتَرَدَّدْ فِيمَا قُلْتُ * ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْقُرْآنِ! فَإِنَّهُ أَيْضًا غَوَّاصٌ * لَكِنْ لَهُ عَيْنٌ مَفْتُوحَةٌ تُحِيطُ بِالْكَنْزِ وَمَا فِيهِ, فَيَصِفُ الْكَنْزَ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِتَنَاسُبٍ وَانْتِظَامٍ وَاطِّرَادٍ * مَثَلاً: يَشْتَمِلُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ عَظَمَةُ مَنِ { ﭭ ﯱ ﯲ}, { ﯫ ﯬ ﯭ} وَكَمَا قَالَ: {ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ}, مَعَ أَنَّهُ {ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ}, {ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ}, وَ{ﭕ ﭖ ﭗ}, مَعَ أَنَّهُ {ﯖ ﯗ ﯘ}, {ﯱ ﯲ}, {ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ}, {ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ}, {ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ} وَيَكْتُبُ صَحِيفَةَ السَّمَاءِ بِنُجُومِهَا وَشُمُوسِهَا كَكِتَابَةِ( ) صَحِيفَةِ جَنَاحِ النَّحْلَةِ بِحُجَيْرَاتِهِ وَذَرَّاتِهِ * وَ{ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ} مَعَ أَنَّهُ {ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ} وَ {ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ} وَهَكَذَا! وَقِسْ عَلَيْهَا * وَمَا يُشَاهَدُ فِي نَوْعِ الْبَشَرِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ, إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ قُصُورِ أَئِمَّتِهِمِ الْمَّارِّينَ إِلَى الْبَاطِنِ الْمُعتَمِدِينَ عَلَى مَشْهُودَاتِهِمِ الرَّاجِعِينَ مِنْ أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ, الْمَاصَدَقِينَ لِمَا قِيلَ: حَفِظْتَ شَيئًا وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ تَوْصِيفَ السَّمَاءِ بِالدُّنْيَا فِي {ﭜ ﭝ ﭞ} وَمُقَابَلَةِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ؛ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ السَّمَوَاتِ السِّتَّ الْأُخَرَ نَاظِرَةٌ إِلَى عَوَالِمَ أُخْرَى مِنَ الْبَرْزَخِ إِلَى الْجَنَّةِ * وَالْمَشهُودَةُ بِنُجُومِهَا وَطَبَقَاتِهَا سَمَاءُ الدُّنْيَا * وَاللهُ أَعْلَمُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ جِيءَ بِكَ مِنَ العَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ, ثُمَّ رَقَّاكَ مُوجِدُكَ مِن أَدْنَى أَطْوَارِ الْوُجُودِ, حَتَّى أَوْصَلَكَ بِإِنْعَامِهِ إِلَى صُوَرةِ الْإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ * فَمَا تَخَلَّلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَبْدَإِ حَرَكَتِكَ مِنَ الْمَنَازِلِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ؛ كُلٌّ مِنْهَا نِعْمَةٌ عَلَيْكَ، وَفِيكَ ثَمَرَةٌ وَصِبْغَةٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ * فَصِرْتَ كَقِلَادَةٍ مُنَظَّمَةٍ وَعُنْقُودٍ نَضِيدٍ بِحَبَّاتِ النِّعَمِ, وَسُنْبُلَةٍ مُنَضَّدَةٍ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْقَدَمِ؛ كَأَنَّك فِهْرِسْتَةٌ لِطَبَقَاتِ نِعَمِهِ تَعَالَى * وَلِأَنَّ الْوُجُودَ يَقْتَضِي عِلَّةً, وَالْعَدَمَ لَا يَقْتَضِي, كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْعُقُولِ * تُسْأَلُ وَيُسْأَلُ عَنْكَ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى الْعَدَمِ: كَيْفَ وَصَلْتَ إِلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ؟ وَبِمَا اِسْتَحَقْتَهَا؟ وَبِهَلْ شَكَرْتَ؟ * وَلَا يُسْأَلُ مَنْ لَهُ مِسْكَةُ عَقْلٍ عَنْ حَجَرٍ: لِمَاذَا مَا صَارَ شَجَرًا * وَعَنْ شَجَرَةٍ لِمَاذَا مَا صَارَتْ إِنْسَانًا( )؟ * فَيَا أَيُّهَا السَّعِيدُ الْمِسْكِينُ الْمَغْرُورُ! أَنْتَ نُقْطَةٌ فِي وَسَطِ سِلْسِلَةِ الْمَوْجُودَاتِ * فَعَلَيْكَ نِعَمٌ بِعَدَدِ مَا تَحْتَكَ إِلَى الْعَدَمِ الصِّرْفِ, وَأَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ شُكْرِهَا * وَأَمَّا مَا فَوْقَكَ فَلَيْسَ لَكَ وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ: لِمَاذَا مَا وَصَلْتُ إِلَى أَعْلَى مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، كَمَا لاَ حَقَّ لِلذَّرِّةِ أَنْ تَقُولَ: أَيْ وَاهْ! لِمَ مَا صِرْتُ شَمْسًا؟ وَلاَ لِلنَّحْلَةِ أَنْ تَقُولَ لِصَانِعِهَا: هَلَّا خَلَقْتَنِي نَخْلَةً مُثْمِرَةً * إِذْ مَا تَحْتَكَ وُقُوعَاتٌ, وَمَا فَوْقَكَ عَدَمَاتُ إِمْكَانَاتٍ, شَبِيهَةُ الْمُمْتَنِعَاتِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا أَنَا! أَنَّ مِمَّا أَهْلَكَكَ وَأَهْوَاكَ وَأَوْهَمَكَ وَأَهْزَاكَ وَأَذَلَّكَ وَأَضَلَّكَ أَنَّكَ لاَ تُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ مِقْدَارَ حَقِّهِ, وَكُلَّ ذِي حَمْلٍ حَمْلَهُ بِوُسْعِهِ * بَلْ تُفْرِطُ وتُفَرِّطُ؛ فَتَحْمِلُ عَلَى نَفَرٍ مُمَثِّلٍ لِلْجَيْشِ كُلَّ لَوَازِمَاتِ الْجَيْشِ العَرَمْرَمِ * وَتَتَحَرَّى فِي تِمْثَالِ الشَّمْسِ فِي عَيْنِ الْقَطْرَةِ, أَوْ وَجْهِ الزَّهْرَةِ كُلَّ لَوَازِمَاتِ عَظَمَةِ شَجَرَةِ الشَّمْسِ الْمُثْمِرَةِ بِالسَّيَّارَاتِ * نَعَمْ, اَلْقَطْرَةُ وَالزَّهْرَةُ تَصِفَانِ وَلاَ تَتَّصِفَانِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ المُلْكَ لَهُ وَأَمَانَتُهُ وَاشْتَرَاهُ؛ لاَ فَائِدَةَ فِي الْمَرَقِ, لاَ خَيْرَ فِيمَا لاَ يَبْقَى( ) * وَإِيَّاكَ وَنَقْضَ الْعَهْدِ مَعَهُ, وَعَلَيْكَ بِالْمَوْتِ * وَالْمَوْتُ الْمُنْجَرُّ إِلَى الْحَيَاةِ أَوْلَى مِن هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمُنْقَلِبَةِ إِلَى الْمَوْتِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَا فِي الْمِرْآةِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَيْنًا وَلاَ غَيْرًا؛ فَهُوَ عَيْنٌ وَغَيْرٌ * فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَظْرُوفُ مَلَكُوتِ الْمِرْآةِ عَيْنٌ؛ فَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْأَصْلِ * وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صِفَةُ مِلْكِ الْمِرْآةِ الْمُتَلَئْلِئَةِ بِهِ غَيْرٌ * فَلَهُ أَوْصَافٌ نَاظِرَةٌ إِلَى الْمِرْآةِ, لاَ إِلَى الْأَصْلِ فَقَطْ * وَمِنَ الْحَيْثِيَّتَيْنِ لاَ عَيْنٌ وَلاَ غَيْرٌ؛ كَمَا أَنَّ الشَّيءَ فِي مِرْآةِ الذِّهْنِ مِنْ وَجْهٍ أَنَّهُ مَظْرُوفُهُ مَعْلُومٌ * وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ صِفَتُهُ عِلْمٌ, مَعَ تَغَايُرِ لَوَازِمِهِمَا.

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ لاَ تَزَاحُمَ بَيْنَ الْعَوَالِمِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي نَوْعِ الْوُجُودِ * فَإِنْ شِئْتَ فَادْخُلْ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مَنْزِلاً مُنَوَّرًا بِالْمَصَابِيحِ, وَأَرْبَعُ جُدْرَانِهِ مِنَ الزُّجَاجَةِ الَّتِي هِيَ نَوْعُ مِشْكَاةٍ لِلْعَالَمِ الْمِثَالِيِّ * فَأَوَّلاً: تَرَى فِيهَا بِاِتِّصَالِ الْحَقِيقِيِّ بِالْمِثَالِيِّ مَنَازِلَ عَدِيدَةً مُتَنَوِّرَةً عَمَّتِ الْبَلَدَ, كَأَنَّهُ لاَ ظُلْمَةَ بِمِقْدَارِ مَدِّ النَّظِرِ * وَثَانِيًا: تَرَاكَ تَتَصَرَّفُ بِالتَّغْيِير وَالتَّبْدِيلِ بِكَمَالِ السُّهُولَةِ فِي تِلْكَ الْمَنَازِلِ * وَثَالِثًا: تَرَى السِّرَاجَ الْحَقِيقِيَّ أَقْرَبَ إِلَى أَبْعَدِ السُّرُجِ الْمِثَالِيَّةِ مِنْ لَصِيقِهِ, بَلْ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَيُّومُهُ * وَرَابِعًا: تَرَى أَنَّ حَبَّةً مِنْ هَذَا الْوُجُودِ( ) تَقْتَدِرُ أَنْ تَقِلَّ وَتَحْمِلَ عَالَمًا مِنْ ذَلِكَ الْوُجُودِ * فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْأَرْبَعَةُ تَجْرِي فِي مَوَادَّ كَثِيرَةٍ, حَتَّى بَيْنَ الْوَاجِبِ وَعَالَمِ الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي وُجُودَاتُهَا ظِلَالُ أَنْوَارِ الْوَاجِبِ؛ فَوُجُودُهَا فِي مَرْتَبَةِ الْوَهْمِ * لَكِنِ اسْتَقَرَّ وَثَبَتَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى لَهُ وُجُودٌ خَارِجِيٌّ * فَلَيْسَ خَارِجِيًّا حَقِيقَةً( ) بِالذَّاتِ, وَلاَ وَهْمِيًّا مَحْضًا وَلاَ ظِلِّيًّا زَائِلاً؛ بَلْ لَهُ وُجُودٌ بِإِيجَادِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ * فَتَأَمَّلْ!..

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ لاَ يَكُونَ لِهَذَا الْمُلْكِ الْمُعْتَنَى بِهِ مَالِكٌ؛ كَذَلِكَ مُحَالٌ أَنْ لاَ يَتَعَرَّفَ ذَلِكَ الْمَالِكُ إِلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي يُدْرِكُ دَرَجَاتِ مَحَاسِنِ الْمُلْكِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالاَتِ الْمَالِكِ * مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ كَالْخَلِيفَةِ فِي مَهْدِهِ الْمُمَهَّدِ لَهُ, يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشَاءُ, بَلْ فِي السَّقْفِ الْمَحْفُوظِ السَّمَاوِيِّ أَيْضًا بِعَقْلِهِ * وَمَعَ ذَلِكَ, إِنَّ الْإِنْسَانَ أَشْرَفُ الْمَخْلُوقَاتِ بِشَهَادَةِ تَصَرُّفَاتِهِ الْعَجِيبَةِ الْخَارِقَةِ مَعَ صِغَرِهِ وَضَعْفِهِ, وَأَنَّهُ أَوْسَعُ الْأَسْبَابِ اِخْتِيَارًا بِالْبَدَاهةِ * فَبِالضَّرُورَةِ يُرْسِلُ الْمَالِكُ مَنْ يُعرِّفُ الْمَالِكَ إِلَى مَمَالِيكِهِ الْغَافِلِينَ عَنْهُ, وَيُخْبِرُ لَهُمْ مَا يَرْضَى بِهِ وَيَطْلُبُهُ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْمَالِكُ جَلَّ جَلَالُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ كُلَّ الْحَوَاسِّ حَتَّى الْوَهْمَ وَالْفَرَضَ وَالْخَيَالَ يَتَّفِقُونَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى الْحَقِّ وَيَلْتَجِؤُونَ إِلَيْهِ * وَلاَ يَبْقَى عِنْدَهُمْ لِلْبَاطِلِ إِمْكَانٌ؛ فَيُقِرُّونَ بِأَنَّ الْكَائِنَاتِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلاَّ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ * هَكَذَا شَاهَدْتُ وَعَقْلِي مَعِي *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ كَمَا لاَ تَزَاحُمَ وَلاَ تَصَادُمَ بَيْنَ عَالَمِ الضِّيَاءِ وَعَالَمِ الْحَرَارَةِ وَعَالَمِ الْهَوَاءِ وَعَالَمِ الْكَهْرُبَاءِ وَالْأَلْكِتْرِيقِيَّةِ وَعَالَمِ الْجَاذِبَةِ, إِلَى عَالَمِ الْأَثِيرِ وَالْمِثَالِ وَالْبَرْزَخِ؛ تَجْتَمِعُ الْكُلُّ بِلَا اِخْتِلَاطٍ مَعَكَ فِي مَكَانِكَ, بِلَا تَشَكّيٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ مُزَاحَمَةِ أَخِيهِ * فَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ كَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَوَالِمِ الْغَيبِيَّةِ الْوَاسِعَةِ فِي عَالَمِ أَرْضِنَا الضَّيِّقَةِ * وَكَمَا لاَ يُعَوِّقُنَا الْهَوَاءُ مِنَ السَّيْرِ, وَلَا يَمْنَعُنَا الْمَاءُ مِنَ الذَّهَابِ, وَلَا يَمْنَعُ الزُّجَاجُ مُرُورَ الضِّيَاءِ, وَلَا يُعَوِّقُ الْكَثِيفُ أَيْضًا نُفُوذَ شُعَاعِ رُونْتكَنْ وَنُورَ الْعَقْلِ وَرُوحَ الْمَلْكِ, وَلاَ يَمْنَعُ الْحَدِيدُ سَيَلَانَ الْحَرَارَةِ وَجَرَيَانَ الْأَلَكْتِرِيقِ, وَلاَ يُعَوِّقُ شَيْءٌ سَرَيَانَ الْجَاذِبَةِ وَجَوَلَانَ الرُّوحِ وَخُدَّامَهُ, وَسَيَرَانَ نُورِ الْعَقْلِ وَآلَاتِهِ * كَذَلِكَ هَذَا الْعَالَمُ الْكَثِيفُ لاَ يَمْنَعُ وَلَا يُعَوِّقُ الرُّوحَانِيَّاتِ مِنَ الدَّوَرَانِ, وَالْجِنَّ مِنَ الْجَوَلَانِ, وَالشَّيْطَانَ مِنَ الْجَرَيَانِ, وَالْمَلَكَ مِنَ السَّيَرَانِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ النُّورَ وَالنُّورَانِيَّ كَالعَيْنِ وَالسِّرَاجِ وَالشَّمْسِ يَتَسَاوَى لَهَا الْجُزئِيُّ وَالنَّوْعُ وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ وَالْوَاحِدُ وَالْأُلُوفُ * فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ كَيْفَ اِنْصَبَغَتْ بِتَمَاثِيلِهَا السَّيَّارَاتُ وَالْبُحُورُ وَالْحِيَاضُ وَالْحَبَابَاتُ وَالْقَطَرَاتُ وَالرَّشَاشَاتُ وَالشَّبْنَمَاتُ وَالذَّرَّاتُ الزُّجَاجِيَّةُ دَفْعَةً بِالسُّهُولَةِ وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ السَّيَّارَاتِ وَالذَّرَّاتِ * كَذَلِكَ {ﮘ ﮙ ﮚ} تَصَرُّفَاتُ شَمْسِ الْأَزَلِ نُورُ الْأَنْوَارِ فِي كِتَابِ الْكَائِنَاتِ هَكَذَا يَكْتُبُ كُلَّ أَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَصُحُفِهِ وَسُطُورِهِ وَجُمَلِهِ وَحُرُوفِهِ دَفْعَةً بِلَا كُلْفَةٍ * كَمَا قَالَ: {ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ} آمَنَّا! *..

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ فِي ذَرَّاتِ الْأَشْيَاءِ وَسَرَيَانِهَا إِلَى حُدُودٍ, ثُمَّ تَوَقُّفِهَا عِنْدَهَا لِفَوَائِدَ وَثَمَرَاتٍ؛ تَيَقَّنَ أَنَّ عِنْدَ الْحُدُودِ مَنْ يَأْمُرُ الذَّرَّاتِ بِـ >قِفِى وانْثَنِى< * كَمَا يَأْمُرُ الْقَالَبُ الذَّهَبَ الذَّائِبَ بِلِسَانٍ حَدِيدٍ وَيَنْهَى بِـ >لاَ تَسَلْ, وَاسْتَقِرّ فِيمَا عَيَّنْتُهُ لَكِ مَعَاطِفِي وَتَلافِيفِي الْمَصْنُوعَةِ لِحِكَمٍ!< وَآمِرُ الذَّرَّاتِ مَا هُوَ إِلاَّ عِلْمٌ مُحِيطٌ يَتَجَلَّى ذَلِكَ الْعِلْمُ قَدَرًا, فَيَنْعَكِسُ الْقَدَرُ مِقْدَارًا, فَيَنْطَبِعُ الْمِقْدَارُ قَالَبًا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْأسْمَاءَ الْحُسْنَى أَبْوَابٌ مُتفَاوِتَةٌ وَوُجُوهٌ مُخْتَلِفَةٌ نَاظِرَةٌ إِلَى الذَّاتِ * وَقَدْ تَتَجَلَّى أَسْمَاءٌ مُتقَابِلَةٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَـ >الْمُعْطِي وَالْمَانِعِ وَالضَّارِّ وَالنَّافِعِ< * فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ: كَمَا يُعْطِي لِهَذَا قَصْدًا, يَمْنَعُ ذلِكَ الشَّيْءَ مِنْ ذَا بِإِرَادَةٍ، وَيَضُرُّ ذَلِكَ بِمَا يَنْفَعُ هَذَا؛ كِلاَهُمَا مُرَادَانِ لَهُ تَعَالَى * وَيتَحَدَّسُ مِنْ هُنَا: أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِحَقِيقَةِ اِسْمٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى يَتَّصِفُ بِجَمِيعِهَا’*

    • ** **
    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ كَذَلِكَ أَنَّ كِتَابَ الْعَالَمِ يُفَسِّرُ بَعْضُ آيَاتِهِ بَعْضَهَا * فَكَمَا أَنَّ الْعَالَمَ الْمَادِّيَّ يَحْتَاجُ اِحْتِيَاجًا حَقِيقِيًّا إِلَى شَمْسٍ تَفِيضُ مِنْهَا عَلَيْهِ أَنْوَارُ نِعْمَتِهِ تَعَالَى؛ كَذَلِكَ الْعَالَمُ الْمَعْنَوِيُّ يَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى شَمْسِ النُّبُوَّةِ لِفَيَضَانِ أَضْوَاءِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى * فَنُبُوَّةُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ فِي الظُّهُورِ وَالْوُضُوحِ وَالْقَطْعِيَّةِ بِدَرَجَةِ الشَّمْسِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ * وَهَلْ يَحْتَاجُ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلٍ؟! *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الثَّمَرَاتِ المُتَرَتِّبَةَ عَلَى وُجُودِ الْحَيِّ لاَ تَنْظُرُ إِلَى الْحَيِّ وَبَقَائِهِ وَنَفْعِهِ وَكَمَالِهِ فَقَطْ * بَلْ إِلَيْهِ بِحِصَّةٍ وَدَرَجَةٍ, وَإِلَى الْمُحْيِي جَلَّ جَلَالُهُ بِدَرَجَاتٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ * فَحِصَّةُ الْحَيِّ قَدْ لاَ تَحْصُلُ إِلَّا بِزَمَانٍ مَدِيدٍ؛ لَكِنْ مَّا يَنْظُرُ إِلَى الْمُحْيِي قَدْ يَحْصُلُ فِي آنٍ سَيَّالٍ * كَإِظْهَارِ الْحَيِّ بِمَعْكَسِيَّتِهِ ومَظْهَرِيَّتِهِ لِتَجَلِيَّاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى حَمْدَ خَالِقِهِ؛ بِتَوْصِيفِهِ بِأَوْصَافِ كَمَالِهِ وَجَمَالِهِ وَجَلَالِهِ بِلِسَانِ الْحَالِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ فَرْدَ الْإِنْسَانِ كَنَوْعِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ * بِسِرِّ أَنَّ فَرْدَ الْإِنْسَانِ لَهُ مَاضٍ وَمُسْتَقبَلٌ؛ يَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ مَعْنًا كُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُ مِنْ أَفْرَادِ نَفْسِهِ * إِذْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَمُوتُ مِنْهُ فَرْدَانِ صُورَةً, وَيُورِثَانِ فِيهِ مَعنَيَيْهِمَا مِنَ الْآلَامِ وَالْآثَامِ وَالْآمَالِ وَغَيْرِهَا, فَكَأَنَّهُ فَرْدٌ كُلِّيٌّ * وَإِحَاطَةُ فِكْرِهِ وَعَقْلِهِ, وَوُسْعَةُ قَلْبِهِ وَغَيْرِهَا, تُعْطِيهِ نَوْعَ كُلِّيَّةٍ * وَكَوْنُ فَرْدِهِ كَنَوْعِهِ فِي الْخِلَافَةِ وَالْمَرْكَزِيَّةِ لِعَالَمٍ خَاصٍّ كَالْعَالَمِ الْعَامِّ * وَالْعَلَاقَةُ الشُّعُورِيَّةُ مَعَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ, وَتَصَرُّفُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ النَّبَاتِيِّ وَالْحَيَوَانِيِّ وَالْمَعْدِنِيِّ تَحْوِيلًا وَتَغْيِيرًا خِلَافًا لِسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا، تُعْطى لَهُ نَوْعَ كُلِّيَّةٍ’* كَأَنَّ كُلَّ فَرْدٍ نَوْعٌ مُنْحَصِرٌ فِي الشَّخْصِ * وَدُعَاءُ الْمُؤْمِنِ لِعُمُومِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ, يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّخْصَ يَصِيرُ بِالْإِيْمَانِ كَعَالَمٍ أَوْ مَرْكَزِهِ * فَمَا يَجْرِي فِي نَوْعِ الْحَيَوَانِ مِنَ الْقِيَامَاتِ الْمُكَرَّرَةِ النَّوْعِيَّةِ الْمَشْهُودَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ؛ (فَإِنْ شِئْتَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي الثَّمَرَاتِ الْمُتَجَدِّدَةِ الْأَمْثَالِ كَأَنَّهَا أَعْيَانُهَا, وَإِلَى حَشْرِ أَنْوَاعِ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ بِكَمَالِ سُهُولَةٍ مِنَ الْقِيَامَةِ) تَجْرِي بِالْحَدْسِ الْقَطْعِيِّ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ * فَيَدُلُّ كِتَابُ الْعَالَمِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ عَلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى لِأَبْنَاءِ الْبَشَرِ؛ كَمَا يَدُلُّ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ التَّنْزِيلِيَّةِ * فَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ عَلَى الْقِيَامَةِ ذَكَرْتُهَا فِي إِشَارَاتِ الْإِعْجَازِ الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1918م مِن صَحِيفة30 ـ 34 * وَفِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي >نُقْطَةٍ< فَرَاجِعْهُمَا إِنْ شِئْتَ * فَإِنَّ فِيهِمَا مَا يَطْرُدُ عَنْكَ الْوَسَاوِسَ وَيُطَيِّرُ عَنْكَ الْأَوْهَامَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّكَ إِذَا اسْتَمَعْتَ الْقُرْآنَ, فَالْبَسْ لِكُلِّ نَغْمَةٍ مِنْ نَغَمَاتِهِ الْمُتَطَوِّرَةِ عَلَى الْحُجُبِ, وَالْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْمَرَاتِبِ الْإِرْشَادِيَّةِ, وَالْمُنْصَبِغَةِ بِحِسِّيَّاتِ الوَسَائِطِ مِنْ جَبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مَنْ تَسْمَعُ مِنْهُ مَا يُنَاسِبُهَا * فَلَكَ أَن تَمُرَّ بِسَمْعِكَ مِنَ الْقَارِئِ فِي مَجْلِسِكَ إِلَى الْاِسْتِمَاعِ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي يَقْرَأُهُ فِي ذِرْوَةِ شَاهِقِ النُّبُوَّة فِي مَجْلِسِ الْأَرْضِ عَلَى أَبْنَائِهَا مِنْ بَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِمْ * وَلَكَ أَيْضًا أَنْ تَسْتَمِعَ مِنْ جَبْرَائِيلَ وَهُوَ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ * وَلَكَ أَنْ تَسْتَمِعَ مِنْ خَلْفِ سَبْعِينَ أَلْفِ حِجَابٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ الْأَزَلِيِّ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَ النَّبِيِّ فِي {ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ} * فَأَلْبَسْ إِنْ اسْتَطَعْتَ لِكُلٍّ مَا يَلِيقُ بِهِ’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَ مِنْكَ مِنَ الشُّعُورِ وَالْعِلْمِ, إِنَّمَا هُوَ بِدَرَجَةِ مَا يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْكَ * بِسِرِّ عَدَمِ الْإِسْرَافِ, وَمُنَاسَبَةِ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ, وَالْقُّوَّةِ لِلْعَمَلِ * وَمَا يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْكَ بِالْنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَرْجِعُ إِلَى مَنْ خَلَقَكَ؛ كَنِسْبَةِ شَعْرَةٍ إِلَى حَبْلٍ, وَخَيْطٍ إِلَى ثَوْبٍ * فَنِسْبَةُ عِلْمِكَ وَشُعُورِكَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِكَ, بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ وَبَصَرِهِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِكَ؛ كَنِسْبَةِ تَنَوُّرِ الذُّبَابِ( ) الَّذِي يَبْرُقُ مِنْهُ النُّورُ كَنُجَيْمَةٍ بِتَلَمُّعِهِ فِي النَّهَارِ تَحْتَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ الْمُحِيطِ بِهِ * وَأَنْتَ فِي ظُلُمَاتِ الْغَفْلَةِ وَلَيْلِ الطَّبِيعَةِ تَرَى لَمْعَتَكَ نَجْمًا ثَاقِبًا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ فِيمَا بَيْنَ أَفْعَالِ اللهِ تَنَاسُبًا, وَبَيْنَ آثَارِهِ تَشَابُهًا, وَبَيْنَ أَسْمَائِهِ تَعَاكُسًا, وَبَيْنَ أَوْصَافِهِ تَدَاخُلًا, وبَيْنَ شُؤُونَاتِهِ تَمَازُجًا؛ إِلَّا أَنَّ لِكُلٍّ طَوْرًا يَخُصُّهُ, يَسْتَتْبِعُ مَا سِوَاهُ فِي طَوْرِهِ * فَلَا يُتَوَجَّهُ قَصْدًا فِي بَيْتِهِ وَدَائِرَةِ حُكمِهِ إِلَى غَيرِهِ, وَلَا يُطْلَبُ لَوَازِمُ الْغَيْرِ مِنْهُ * لِأَنَّ اللَّازِمَ لَيْسَ بِلَازِمٍ إِلَّا بِقَصْدٍ جَدِيدٍ * إِذِ التَّابِعُ لاَ يُسْتَتْبَعُ * كَمَا أَنَّ الْحَرْفَ التَّبَعِيَّ لاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ * فَإِذَا نَظَرْتَ مِنْ آثَارِهِ إِلَى الْجَامِدَاتِ, فَتَوَجَّهْ قَصْدًا إِلَى الْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ * وَيَتَرَاءَى لَكَ تَجَلِّيَاتُ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ اِسْتِطْرَادًا وَتَبَعِيًّا * فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ الْغَيْرِ الْنَّاطِقَةِ فَالْبَسْ لَهُ طَوْرَهُ * فَهَكَذَا وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا( ) *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى عُيُونٍ مُتَنَوِّعَةٍ فَوَّارَةٍ مِنْ أَعْضَاءِ تِمْثَالِ إِنْسَانٍ؛ قَدْ صَارَ بَعْضُ مَنَافِذِهِ أُنْبُوبَ جَرَيَانِ الْهَوَاءِ, وَفَمُهُ لِسَيَلَانِ الْمَاءِ, وَعَيْنُهُ زُجَاجَ ضِيَاءٍ, وَأَعْصَابُهُ أَنَابِيبَ جَرَيَانِ الْأَلَكْتِرِيقِ وَالْجَاذِبَةِ وَهَكَذَا! يَتَيَسَّرُ لَكَ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ التِّمْثَالِ تَوَهُّمُ وُجُودِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَصُدُورِهِمَا مِن أَعْضَائِهِ * وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ التِّمْثَالُ ذَا حَيَاةٍ لَأَمْكَنَ لَهُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ مَا يَجْرِي بِوَاسِطَةِ أَعْضَاءِهِ الَّتِي صَارَتْ أَنَابِيبَ لِجَرَيَانِ الْجَاذِبَةِ وَالْأَلَكْتِرِيقِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ أَنَّهَا أَفَاعِيلُهُ وَمَوْلوُدَاتُهُ وَآثَارُهُ * وَأَمَّا إِذَا نَظَرْتَ إِلَى خَلْفِهِ, وَنَظَرَ هُوَ إِلَى وَرَاءِهِ؛ رَأَى نَفْسَهُ أُنْبُوبًا مَحْضًا وَحِجَابًا لِلْفَعَالِيَّةِ الْحَكِيمَةِ الْخَارِقَةِ * لَهُ جُزْءٌ اِخْتِيَارِيٌّ يَتَصَرَّفُ؛ لَكِنْ فِي الْقُصُورِ وَالنُّقْصَانِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَلْوَانِ الْعَدَمِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْإِنْسَانَ كَـ"الدُّوربِينِ"( ) الْمَخْرُوطِيِّ * إِذَا نَظَرْتَ مِنْ قَاعِدَتِهِ الْعُظْمَى وَزُجَاجَتِهِ الْأَوْسَعِ؛ تَصَاغَرَتِ الْأَشْيَاءُ وَتَبَاعَدَتْ وَتَضَايَقَتْ فِي النَّظَرِ * وَإِذَا نَظَرْتَ مِن رَأْسِ الْمَخْرُوطِ وَمِنْ زُجَيْجَتِهِ الصُّغْرَى؛ تَقَارَبَتِ الْأَشْيَاءُ وَاتَّسَعَتْ وَتَوَضَّحَتْ فِي النَّظَرِ * فَالْإِنْسَانُ مِنْ دَائِرَةِ صُورَتِهِ الْجِسْمَانِيَّةِ يَتَنَزَّلُ فِي طَبَقَاتِ الدَّوَائِرِ الْمَعْنَوِيَّةِ والرُّوحِيَّةِ وَالْبَرْزَخِيَّةِ إِلَى قَلْبِ (قَلِيبِ) الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ أَضْيَقُ الدَّوَائِرِ مُلْكًا, وَأَوسَعُهَا مَلَكُوتًا * فَإِذَا تَفَكَّرَ الْإِنْسَانُ وَهُوَ فِي الدَّائِرَةِ الْأَوْسَعِ الصُّورِيَّةِ رَأَى الْأَشْيَاءَ كَمَا يَرَى مَنْ يَنْظُرُ فِي الدّوُرْبِينِ مَعْكُوسًا * وَإِذَا نَظَرَ وَهُوَ فِي الدَّائِرَةِ الصُّغْرَى الْقَلْبِيَّةِ رَأَى الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ’*

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ >لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ< يَنْظُرُ إِلَى مَرَاتِبِ أَطْوَارِ الْإِنْسَانِ وَأَدْوَارِ وُجُودِهِ مِنَ الذَّرَّاتِ إِلَى الْوُجُودِ الْحَيِّ؛ مَعْدِنًا جَامِدًا, وَنَبَاتًا نَامِيًا, وَحَيَوَانًا حَسَّاسًا, وَإِنْسَانًا مُؤْمِنًا * فَفِي كُلِّ مَقَامٍ مِنْ تِلْكَ الْمَنَازِلِ, وَلِكُلِّ لَطِيفَةٍ مِنْ لَطَائِفِهِ آلَامٌ وَآمَالٌ * فَلَا حَوْلَ عَنِ الْعَدَمِ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْوُجُودِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ الزَّوَالِ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْبَقَاءِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَن الْمَضَارِّ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْمَنَافِعِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ الْمَصَائِبِ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْمَطَالِبِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ الْمَعَاصِي, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الطَّاعَاتِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ النِّقَمِ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى النِّعَمِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ الْمَسَاوِي, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْمَحَاسِنِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ الْآلَامِ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْآمَالِ إِلَّا بِاللهِ * لَا حَوْلَ عَنِ الظُّلُمَاتِ الْهَائِلَةِ, وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْأَنْوَارِ الْمُتَلَئْلِئَةِ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَظَرَ أَمَامَهُ ظَنَّ نَفْسَهُ قَادِرَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَطَالِبِهِ * وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ خَلْفَهُ, وَإِلَى وُسْعَةِ مَطَالِبِهِ, وَانْتِشَارِ عُرُوقِ الْحَاجَاتِ فِي أَطْرَافِ الْعَالَمِ رَأَى نَفْسَهُ عَاجِزَةً ذَلِيلَةً؛ كَمَثَلِ تِمْثَالٍ تَجَمَّعَتْ أَنَابِيبُ مَايِعَاتٍ مُتنَوِّعَةٍ فِي أَعْضَائِهِ فَتَسِيلُ مِنْهَا * فَإِذَا نَظَرَ تِمْثَالُ الْحَيِّ أَمَامَهُ يَصِيرُ مَغْرُورًا, وَيَظُنُّ نَفْسَهُ مَصْدَرًا لِهَذِهِ الْأَفَاعِيلِ الْعَجِيبَةِ * وَأَمَّا إِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ تِلْقَاءَ ظَهْرِهِ, رَأَى أَنَّ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِتَصَرُّفِهِ الْمَنْفِيِّ الْجُزْئِيِّ إِنَّمَا هُوَ مَحْصُولُ مَاكِينَاتٍ وَدَوَالِيبَ تَحْتَ أَمْرِ مُهَنْدِسٍ حَكِيمٍِ قَدِيرٍ * فَتَأَمَّـــــلْ!. *

    • {اِعْلَمْ} **

مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ( ) * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّهُ مَالِكُنَا وَمَالِكُ الْكُلِّ, فَالْكُلُّ كَمُلْكِنَا إِنْ كُنَّا لَهُ تَعَالَى * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّهُ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ, وَالْكَمَالُ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ * مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُفْدَى لَهُ الْوُجُودُ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّهُ الْجَلِيلُ الْجَمِيلُ ذُو الْكَمَالِ وَالْجَلالِ وَالْجَمَالِ، اَلْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ * فَلِشَوْقِ تَجْدِيدِ تَجَلِّيَاتِ جَمَالِهِ نَمُوتُ ضَاحِكِينَ, وَنَحْيَى مَسْرُورِينَ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْوُجِودِ الْمُوجِدُ لِكُلِّ مَوْجُوْدٍ * فَعِلْمُنَا بِوُجُوبِ وُجُودِهِ يُعْطِينَا كُلَّ الْوُجُودِ, وَبِعَدَمِ الْعِلْمِ يَصِيرُ فِي يَدِنَا نُقْطَةُ وُجُودٍ يَتَحَامَلُ عَلَيْهَا أَعْدَامٌ هِيَ مِلْءُ الدُّنْيَا * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّهُ الْقَدِيمُ الْأَبَدِيُّ الدَّائِمُ الْبَاقِي, كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْحَيَاةُ زَائِلَةٌ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * لِأَنَّ بِدُونِهِ يَصِيرُ كُلُّ لَذَائِذِ الدُّنْيَا مُنَغَّصَةً بِآلَامٍ هَائِلَةٍ, وَبِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَالْاِرْتِبَاطِ بِرَحْمَتِهِ لَا تَزِيدُ اللَّذَائِذُ الزَّائِلَةُ إِلَّا لَذَّةَ تَجَدُّدِ الْأَمْثَالِ خَالِصَةً عَنْ آلَامِ الزَّوَالِ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * لِأَنَّ بِهِ أَنْوَارُ الْوُجُودِ, وَبِدُونِهِ ظُلُمَاتُ الْأَعْدَامِ الْهَائِلَةِ * حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * لِأَنَّهُ إِنْ عَرَفْنَاهُ وَشَكَوْنَا إِلَيْهِ وَأَرْضَيْنَاهُ كَفَانَا كُلَّ حَاجَاتِنَا إِلَى أَنْوَاعِ الْكَائِنَاتِ * وَأَمَّا إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي حَاجَاتُنَا عِنْدَهَا فِي النَّظَرِ الظَّاهِرِيِّ وَشَكَوْنَا إِلَيْهَا؛ (فَمَعَ أَنَّهَا عُمْيٌ صُمٌّ لَا تَسْمَعُنَا وَلَا تَرَانَا) تَتَشَوَّشُ عَلَيْنَا الْأُمُورُ وَتَتَشَتَّتُ بِنَا الطَّرِيقُ( )’* كَمَثَلِ مَنْ شَكَى إِلَى سُلْطَانٍ فَاَنْفَذَ فِي آنٍ * وَمَنْ شَكَى إِلَى كُلِّ أَهْلِ الْبَلَدِ فَرْدًا فَرْداً لِيَتَّفِقُوا عَلَى إِمْدَادِهِ, وَلَوِ اتَّفَقُوا مَا اتَّفَقُوا إِلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ وَتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ مِنْ لَطَائِفِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ, وَمِنْ دَلَائِلِ أَنَّهُ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْكَافَّةِ؛ أَنَّهٌ كَمَا أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِ عَالَماً يَخُصُّهُ؛ كَذَلِكَ لِكُلٍّ بِاِعْتِبَارِ مَشْرَبِهِ مِنَ الْقُرْآنِ قُرْآنٌ يَخُصُّهُ وَيُربِّيهِ وَيُدَاوِيهِ * وَمِنْ مَزَايَا لُطْفِ إِرْشَادِهِ. أَنَّ آيَاتِهِ مَعَ كَمَالِ الْاِنْسِجَامِ وَغَايَةِ الْاِرْتِبَاطِ وَتَمَامِ الْاِتِّصَالِ بَيْنَهَا, يَتَيَسَّرُ لِكُلٍّ أَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ السُّوَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ آيَاتاً مُتَفَرِّقَةً لِهِدَايَتِهِ وَشِفَائِهِ؛ كَمَا أَخَذَهَا عُمُومُ أَهْلِ الْمَشَارِبِ وَأَهْلِ الْعُلُومِ * فَبَيْنَمَا تَرَاهَا أَشْتَاتًا بِاِعْتِبَارِ الْمَنَازِلِ وَالنُّزُولِ؛ إِذًا تَرَاهَا قَدْ صَارَتْ كَقِلَادَةٍ مُنَظَّمَةٍ اِئْتَلَفَتْ وَاتَّصَلَتْ مَعَ أَخَوَاتِهَا الْجَدِيدَةِ * فَلَا بِالْفَصْلِ مِنَ الْأَصْلِ تَنْتَقِصُ، وَلَا بِالْوَصْلِ بِالْآيَاتِ الْأُخْرَى تَسْتَوْحِشُ * فَهَذَا السِّرُّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لِأَكْثَرِ الْآيَاتِ الْفُرْقَانِيَّةِ( ) مَعَ سَائِرِ الْآيَاتِ مُنَاسَبَاتٍ دَقِيقَةً تُجَوِّزُ ذِكْرُهَا مَعَهَا وَإتِّصَالُهَا بِهَا * فَكَمَا أَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ اِشْتَمَلَتْ عَلَى ثَلَاثِينَ سُورَةً بِضَمِّ جُمَلِهَا بَعْضًا إِلَى بَعْضٍ دَلِيلًا وَنَتِيجَةً؛ (كَمَا ذُكِرَ فِي >لَمَعات< الْمَطْبُوعَةِ عَام 1921 فِي صَحِيفة 39), كَذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكُلِّيُّ الْجُزْئِيُّ وَالنَّوْعُ الْمُنْحَصِرُ فِي الشَّخْصِ يَشْتَمِلُ بِجَامِعِيَّةِ الْآيَاتِ لِلْمَعَانِي الْمُتَعَدِّدَةِ، وَبِمُنَاسَبَةِ الْكُلِّ لِلْكُلِّ يَحْتَوِي عَلَى أُلُوفِ أُلُوفِ قُرْآنٍ فِي نَفْسِ الْقُرْآنِ * فَلِكُلِّ ذِي حَقِيقَةٍ فِيهِ كِتَابٌ يَخُصُّهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ * اللَّهُمَّ يَا مُنْزِلَ الْقُرْآنِ بِحَقِّ الْقُرْآنِ اِجْعَلِ الْقُرْآنَ مُؤْنِسًا لِي فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي وَنُورًا فِي قَلْبِي وَقَبْرِي * لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ *

اَلوَدَاعُ( ) ! (2) ظَنَنْتُ بِشِدَّةِ مَرَضِي قُرْبَ الْأَجَلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ, فَقُلْتُ: >اَلْوَدَاعَ! أَنَا أُسَافِرُ مِن بَابِ الْقَبْرِ إِلَى مَجْمَعِ أَحْبَابِي وأَسَاتِذَيِ وَرُفَقَائِي مِنْ طَلَبَةِ الْمَدَارِسِ وَالنُّورِ< * المُؤَلِّفُ سَعِيدُ النُّورِسِي

    • ** **  



ذَيْلُ الذَّيْلِ   بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ للهِ الرَّحْمَن ِالَّذِي مِنْ لَطَائِفِ عَظَائِمِ ثَمَرَاتِ طُوبَاءِ رَحْمَتِهِ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ‘ وَالْجَنَّةُ, الْمُتَدَلِّيَيْنِ عَلَى الدَّارَيْنِ؛ وَالْقَدِيرِ الَّذِي هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ الْجَدِيدَةُ( ) الْجَلِيَّةُ, وَالْأَجْرَامُ العُلْوِيَّةُ فِي بُسْتَانِ الْكَائِنَاتِ شَوَاهِدُ رُبُوبِيَّتِهِ * وَهَذِهِ النَّبَاتَاتُ الْمُتَلَوِّنَةُ وَالْحَيَوَانَاتُ الْمُتَنَوِّعَةُ فِي حَدِيقَةِ الْأَرْضِ خَوَارِقُ صَنْعَتِهِ وَبَرَاهِينُ أُلُوهِيَّتِهِ * وَهَذِهِ الْأَزْهَارُ الْمُنَوَّرَةُ وَالْأَشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ فِي هَذِهِ الْجِنَانِ( ) مُعْجِزَاتُ قُدْرَتِهِ وَدَلَائِلُ رَحْمَتِهِ * وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ بِأَوْرَاقِهَا وَأَزْهَارِهَا وَأَثْمَارِهَا فِي هَذِهِ الرَّوْضَةِ مُعْجِزَاتُ قُدْرَتِهِ؛ تَشْهَدُ كُلٌّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * فَالْوَاقِعَاتُ الْمَاضٍيَةُ مُعْجِزَاتُ قُدْرَتِهِ, تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ الْآتِيَةِ * لَمْ يَخْرُجْ فِيمَا مَضَى وَلَنْ يَخْرُجَ فِيمَا يَأْتِي شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ قُدْرَتِهِ؛ تَتَسَاوَى( ) بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الذَّرَّاتُ وَالشُّمُوسُ * وَهُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذِي تُنْشِدُ ذَرَّاتُ الْكَائِنَاتِ وَمُرَكَّبَاتُهَا بِدَلَالَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ وَأَلْسِنَتِهَا الْمُتَنَوِّعَةِ؛ مُشِيرَةً إِلَى جَمَالِهِ المُطَلَق: عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ * وَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ وَيَتْلُو كِتَابَ الْكَائِنَاتِ ـ بِأَبْوَابِهِ وَفُصُولِهِ وَصُحُفِهِ وَسُطُورِهِ وَجُمَلِهِ وَحُرُوفِهِ ـ آياتِ وُجُوبِهِ وَوَحْدَتِهِ, وَتَقْرَأُ سُطُورُهُ عَلَى الْعُقُولِ: تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا * مِنَ الْمَلَإِ الْأَعْلَى إِلَيْكَ رَسَائِلُ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا سَعِيدُ الشَّقِيُّ! لَا تَنْظُرْ إِلَى مَا لَيْسَ لَكَ( ), بَلْ اُنْظُرْ إِلَيْكَ * أَيُّ شَيْءٍ أَنْتَ, وَمَا أَنْتَ, وَبِمَا تَسْتَنِدُ؟ إِذْ أَنْتَ عَجْزٌ مُتَجَسِّدٌ, وَاِحْتِيَاجٌ مَحْضٌ, وَمُجَسَّمُ إِنْعَامٍ, وَنَوْمٌ مُمَوَّهٌ بِالْيَقَظَةِ * فَالْعَجْزُ جَسَدُكَ وَالْاِحْتِيَاجُ رُوحٌ فِيهِ يَتَحَرَّكُ, وَالْاِنْعَامُ جِسمُكَ, وَحَيَاتُكَ نَوْمٌ تَسْكُنُ بِهِ’* أَيْ وَاهْ, وَاشَقَاوَتَا! أَغْرِقُ فِي قَطْرَةٍ تَصِيرُ بَحْرًا عَلَيَّ * وَأَغِيبُ فِي آنٍ يَصِيرُ عَلَيَّ كَالْأَبَدِ * وَأَظُنُ لَمْعَةَ هَذِهِ الْحَيَاةِ شَمْسًا شَارِقَةً * أَيُّهَا السَّعيِدُ الْمِسْكِينُ! مَا رَأْسُ مَالِكَ إِلَّا سِتُّونَ دِينَارًا؛ تَقْرِيبًا أَخَذْتَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ * فَصَرَفْتَهَا كُلَّهَا لِمَصَارِفَ يَوْمٍ فِي خَانِ الدُّنْيَا’* وَنَسِيتَ بَيْتَكَ وَمَا يَلْزَمُ لَهُ؛ فَصَارَ مَالَكَ عَلَيْكَ دَيْناً وَنَارًا( ) * وَمَا بَقِيَ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا مَجْهُولٌ لَا تَدْرِي أَتَأْخُذُهَا, أَو بَعْضَهَا, أَو لَا تَأْخُذُ شَيْئًا مِنْهَا * فَكُلَّمَا أَخَذْتَ شَيْئًا مِنْهَا فَاصْرِفْهُ لِبَيْتِكَ الدَّائِمِيِّ’* وَلَا أَقَلَّ اِسْتَبْقِ لَكَ ثُلُثَهُ لِيَصِيرَ لَكَ دِينًا وَنُورًا * فَمَا أَجْهَلَكَ وَأَشَدَّكَ خَسَارَةً؛ صَرَفْتَ كُلَّ الْمَأْخُوذِ لِيَوْمٍ زَائِلٍ, وَمَا بَقِيَ فِي يَدِكَ لِمَقَامِكَ الْبَاقِي إِلَّا أَقَلُّ قَلِيل، وَأَنْتَ رَاحِلٌ غَافِلٌ * كَانَتْ لَكَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ؛ خَطَوْتَ( ) عَلَى ثِنْتَيْنِ بِخُرُوجِكَ مِنَ الْمَنْزِلِ وَالْبَلَدِ, فَرَفَعْتَ قَدَمَكَ لِتَخَطَّي عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ بِالْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِ النَّاسِ * إِذْ يَقُولُونَ: "تَشَكَّلَ بِنَفْسِهِ * وَإقتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ * وَأَوْجَدَتْهُ الْأَسْبَابُ" * فَهَذِهِ الْجُمَلُ الثَّلَاثُ بَاطِلَةٌ * وَمِنْ ظُرُوفِ المُحَالَاتِ: إِذْ أَنَّكَ مَوْجُودٌ, فَإِمَّا أَنْتَ مَصْنُوعُكَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى * وَإِمَّا مَصْنُوعُ أَسْبَابِ الْعَالَمِ كَمَا إِقْتَضَتْهُ الثَّانِيَةُ * وَإِمَّا مَصْنُوعٌ( ) بِطَبِيعَةٍ مَوْهُومَةٍ وَقُوَّةٍ عَمْيَاءَ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الثَّالِثَةُ * وَإِمَّا مَصْنُوعُ اللهِ كَمَا يَسْتَلْزِمُهُ الْحَقُّ وَالْحَقِيقَةُ * أَمَّا الْأَوَّلُ: فَمُحَالٌ بِوُجُوهٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ * مِنْهَا: لَا بُدَّ أَنْ تُعْطِى لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِكَ عَيْنًا تَرَى كُلَّكَ, بَلْ كُلَّ الْكَونِ وَشُعُورًا كَذَا * وَهَكَذَا مِمَّا يَسْتَلْزِمُهُ كَمَالُ صَنْعَتِكَ لِنَظَرِ نِسَبِ الْجُزءِ إِلَى نُقُوشِ الْكُلِّ * وَمِنْهَا: لَا بُدَّ أَنْ تُوجَدَ فِيكَ عَدَدَ الْمَركَّبَاتِ الْمُتدَاخِلَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ وَالْمُتَنَازِلَةِ فِي ذَرَّاتِكَ قَوَالِبُ كَقوَالِبِ الطَّبْعِ مِنَ الْحُرُوفِ الْحَدِيدِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ أَيْضًا, لَوْ لَمْ تُكْتَبْ بِقَلَمِ الْقَدِيرِ الْأَزَلِيِّ الْوَاحِدِ * وَمِنْهَا: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ ذَرَّةٍ ـ بِسِرِّ وَحْدَةِ الْأَثَرِ ـ حَاكِمَةً عَلَى الْكُلِّ وَمَحْكُومَةً لِكُلٍّ؛ كَالْأَحْجَارِ فِي الْبِنَاءِ الْمُعَقَّدِ بِفَرَضِ نَفْيِ الْبَانِي * وَكَذَا ضِدًّا وَمِثْلًا وَمُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً وَمَصْدَرًا وَمَنْبَعًا لِصِفَاتٍ تُسْتَبْعَدُ وُجُودُهَا حَتَّى فِي مَنْ يَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ * وَأَمَّا الثَّانِي: فَمُحَالَاتُهُ لَا تُحْصَى * مِنْهَا: أَنَّ الْمَوَادَّ الَّتِي صُنِعَتْ مِنْهَا كَزُجَاجَاتِ الْأَدْوِيَةِ فِي "أَجْزَاخَانَةٍ", فَإِنْ أَمْكَنَ عِنْدَكَ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ بِاِنْصِبَابٍ وَسَيَلَانٍ بِلَا مُدَاخَلَةِ أَحَدٍ مِنْ كُلِّ زُجَاجٍ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ بِمِيزَانٍ حَسَّاسٍ, ثُمَّ تَجْتَمِعَ الْمَقَادِيرُ الْمُتَفَاوِتَةُ لِتَشْكِيلِ عِلَاجِ الْحَيَاةِ أَوْ تَركِيبِ مَعْجُونٍ حَيَوِيٍّ؛ أَمْكَنَ لَكَ أَنْ تَتَوَهَّمَ صُدُورُكَ مِنْ أَسْبَابٍ جَامِدَةٍ * وَمِنْهَا: صُدُورُ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِكَمَالِ الْاِنْتِظَامِ مِنْ أَسْبَابٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ جَامِدِينَ مُتَشَاكِسِينَ عُمْيًا صُمًّا مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الْإِمْكَانَاتِ؛ تَزْدَادُ بِالْاِخْتِلَاطِ أَعْمِيَّتُهَا وَأَصَمِّيَّتُهَا، وَمَعَ أَنَّ مُبَاشَرَاتِهَا بِظَاهِرِ الشَّيْءِ * وَالْحَالُ أَنَّ بَاطِنَهُ أَلْطَفُ وَأَكْمَلُ صَنْعَةً * فَمُحَالِيَّةُ صُدُورِكَ مِنْهَا اَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى * وَمِنْهَا: أَنَّ اِجْتِمَاعَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورَةِ بِكَمَالِ الْاِتِّفَاقِ وَالْاِنْتِظَامِ بِمِيزَانِ الْحَاجَةِ فِي حُجَيْرَةٍ مِنْ حُجَيْرَاتِ عَيْنِكَ؛ لَيْسَ بِأَسْهَلَ مِنْ اِجْتِمَاعِ أَرْكَانِ الْعَالَمِ بِوُجُودِهِ الْخَارِجِيِّ وَبِأَجْرَامِهِ الْعَظِيمَةِ فِي كَفِّكَ, بَلْ فِي ظُفْرِكَ, بَلْ فِي حُجَيْرَةٍ مِنْهُ * إِذْ مَنْ يَعْمَلُ فِي بَيْتٍ, جَازَ اشْتِمَالُ الْبَيْتِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْعَامِلُ مَادِّيًّا * فَمَا دَامَ الْعَالَمُ بِأَجْزَاءِهِ عَامِلًا فِي جُزْئِكَ؛ جَازَ دُخُولُهُ فِي ذَرَّتِكَ * وَهَذِهِ سَفْسَطَةٌ يَخْجَلُ( ) مِنْهَا السُّوفِسْطَائِيُّ * وَهَكَذَا, مِنَ الْمُحَالَاتِ الْمُتَسَلْسِلَةِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ الْعَقلِيَّةِ وَالْأَبَاطِيلِ الَّتِي تَمُجُّهَا الْأَوْهَامُ * وَالْاِحْتِمَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ تَأْثِيرُ الطَّبِيعَةِ, فَأَبْطَلُ وَأَفْسَدُ * إِذِ الطَّبِيعَةُ لَهَا ظَاهِرٌ عُرْفِيٌّ مَوْهُومٌ؛ ظَنَّتْهُ الْغَفْلَةُ وَالضَّلَالَةُ حَقِيقِيَّةً * وَلَهَا بَاطِنٌ وَهُوَ الصَّنْعَةُ الْإِلَهِيَّةُ وَالصِّبْغَةُ الرَّحْمَانِيَّةُ * وَأَمَّا الْقُوَّةُ فَحَقِيقَتُهُ( ): تَجَلِّي قُدرَةِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ الْمُرِيدِ * وَأَمَّا مَا يُصَوِّرُهُ نَظَرُ الْغَفْلَةِ وَالتَّغَافُلِ مِنَ الصَّانِعِ الْوَاحِدِ, وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ جَنَاحِ الـتَّصَادُفِ الْأَعْمَى وَالْاِتِّفَاقِيَّةِ الْعَوْرَاءِ؛ فَمِنْ مُخْتَرَعَاتِ الشَّياَطِينِ بِالْاِضْطِرَارِ النَّاشِئِ مِنَ الضَّلَالَةِ * وَلَقَدْ حَقَّقْنَا فِي"نُقْطةٍ, وَقَطْرَةٍ وَذَيْلِهَا, وَشَمَّةٍ, وَذَرَّةٍ وَحَبَّةٍ وَذَيْلِهَا" بِمَا لَمْ يُبْقِ شُبْهَةً؛ أَنَّ هَذِهِ الصَّنْعَةَ الْخَارِقَةَ لَا تَصْدُرُ إِلَّا مِنْ قُدْرَةِ خَبِيرٍ بَصِيرٍ يَتَّصِفُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ * فَأَيْنَ يَدُ الْمُمْكِنِ الْمِسْكِينِ الْمُقَيَّدِ الْمَحْدُودِ الْجَامِدِ الْكَثِيفِ مِنْ نَسْجِ حُلَّةِ الْكَائِنَاتِ, وَأَيْنَ يَدُ الْبَعُوضَةِ مِنْ نَسْجِ قَمِيصَاتٍ مُطَرَّزَاتٍ مُنَقَّشَاتٍ لَبِسَتْهَا هَذِهِ الْعَوَالِمُ؟! فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَنْتَ, وَكُلُّ شَيْءٍ مَصْنُوعَ الصَّانِعِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي شَوَاهِدُ خَلَّاقِيَّتِهِ بِعَدَدِ الْمَوْجُودَاتِ * مِنْهَا: الْكَائِنَاتُ بِجَمِيعِ ذَرَّاتِهَا وَمُرَكَّبَاتِهَا؛ كُلٌّ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ لِسَانًا (كَمَا فِي قَطْرَةٍ, الْمَطْبُوعَةِ عَامَ 1920, مِنْ صحيفة 4 إلى 40). ومِنْهَا: الْقُرْآنُ مَعَ كُلِّ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْمُوحِّدِينَ مَعَ الْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ فِي الْكَوْنِ * وَمِنْهَا: سَيِّدُ الْأَنَامِ مَعَ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْمَلَكِ * وَمِنْهَا: مَافِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنَ الْفِطْرَةِ بِأَنْوَاعِ اِحْتِيَاجَاتِهَا * وَمِنْهَا: {ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ} * فَمَعَ مَا سَمِعْتَ فَاعْلَمْ: أَنَّ مَثَلَ إِسْنَادِ الصَّنْعَةِ إِلَى الْمُمْكِنِ عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ, وَإِلَى الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ الْحَقُّ؛ كَمَثَلِ الشَّجَرَةِ بِأَثْمَارِهَا (إِنْ أَسْنَدْتَّهَا لِلْوَحدَةِ, بِأَنْ أَسْنَدْتَّهَا بِقَوَانِينِ النُّمُوِّ إِلَى جُرْثُومِهَا الْمُسْتَمِدِّ مِنَ النَّوَاةِ الْمُمْتَثِلَةِ لِلْأَوَامِرِ التَّكْوِينِيَّةِ الْمُفَاضَةِ مِنْ أَمْرِ >كُنْ< الصَّادِرِ مِنَ الْوَاحِدِ الْوَاجِبِ) * فَالشَّجَرَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَأَوْرَاقِهَا وَأَزْهَارِهَا وَأَثْمَارِهَا كَثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ * وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَجَرَةٍ ذَاتِ ثَمَرَتَيْنِ كَخَرْدَلَتَيْنِ، وَشَجَرةٍ كَجَبَلٍ ذَاتِ أَثْمَارٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ مِنَ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ, لِسِرٍّ مَجْهُولٍ( )؛ فِي وُجُودِ السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ فِي الْوَحْدَةِ وَالْاِتِّفَاقِ, حَتَّى فِي تَشْرِيكِ الْمَسَاعِي وَتَوْحِيدِهَا بِتَقْسِيمِ الْأَعْمَالِ * وَوُجُودِ الصُّعُوبَةِ وَالعُسْرِ فِي الْكَثرَةِ وَالتَّشَتُّتِ * وَأَمَّا إِذَا أَسْنَدْتَّ إِلَى الْكَثْرَةِ الْإِمْكَانِيَّةِ وَغَيْرِ مَاعَيَّنَهُ الصَّانِعُ؛ لَاِحْتَاجَ كُلُّ ثَمَرَةٍ, وَكُلُّ زَهْرَةٍ, وَكُلُّ وَرَقٍ، وَكُلُّ غُصْنٍ إِلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّجَرَةِ؛ لِإِنْدِمَاجِ الْكُّلِّ فِي جُزْءٍ جُزْءٍ * فَانْظُرْ مَا تَرَى مَا بَيْنَ الشِّقَّيْنِ, كَمَا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْاِمْتِنَاعِ * إِذْ سُهُولَةُ الْأَوَّلِ بِدَرَجَةٍ جَازَ أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ أَن يَكُونَ هكَذَا * وَصعُوبَةُ الثَّانِي بِدَرَجةٍ تَضْطَّرُّنَا أَنْ نَقُولَ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَذَا * اَلْحَاصِلُ: إِنْ أَعْطَيْتَ التَّصْرِيفَ( ) لِغَيْرِهِ تَعَالَى لَزِمَكَ إِمَّا أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ حُجَيْرَةٍ مِنْ حُجَيْرَاتِ أَجْزَائِكَ مُحِيطَةً بِصِفَاتِهَا بِالْكَائِنَاتِ إِنْ أَسْنَدْتَهَا إِلَى نَفْسِهَا؛ وَإِمَّا أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ حُجَيْرَةٍ كَحُجْرَةٍ تَجْتَمِعُ فِيهَا مَجْمُوعُ أَسْبَابِ الْعَالَمِ الْعَامِلَةِ فِيهَا, إِنْ أَسْنَدْتَّهَا إِلَى الْأَسْبَابِ * لِأَنَّ وَحْدَةَ الْحُجَيْرَةِ إِلَى أَنْ تَصِلَ إِلَى وَحْدَةِ الْعَالَمِ تَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ الصَّانِعِ’* إِذِ الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنِ الْوَاحِدِ, لَاسِيَّمَا الْحُجَيْرَةُ الَّتِي لَا تَسَعُ أُصْبُعَيْنِ لِبَعُوضَتَيْنِ؛ فَكَيْفَ تَسَعُ مَا لَا يَسَعُهُ كُلُّ الْكَوْنِ مِنْ تَصَرُّفِ إِلَهَيْنِ؟! فَدَلِيلُ الْوَحْدَةِ, هُوَ الْوَحْدَةُ * وَزُجَيْجَةٌ كَخَرْدَلَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ فيِهَا الشَّمْسُ بِضِيَائِهَا وَأَلْوَاِنهَا وَحَرَارَتِهَا بِالتَّجَلِّي بِكَمَالِ السُّهُولَةِ؛ وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ خَرْدَلَتَيْنِ فِي خَرْدَلَةٍ بِمَصْدَرَيَّتِهَا لَهُمَا * فَكَمَا أَنَّ الْوُجُودَ الْخَارِجِيَّ أَثْبَتُ وَأَثْقَلُ وَأَحْكَمُ مِنَ الْوُجُودِ الْمِثَالِيِّ؛ فَتَسَعُ ذَرَّةُ ذَاكَ جَبَلُ هَذَا, وَشَمْسُ هَذِهِ تَدْخُلُ فِي لَمْعَةِ ذَاكَ * كَذَلِكَ الْوُجُودُ الْوُجُوبِيُّ أَثْبَتُ وأَرْسَخُ وَأَرْزَنُ وَأَرْصَنُ (بَلْ هُوَ الْوُجُودُ الْحَقِيقِيُّ وَالْخَارِجِيُّ الْبَحْتُ) وَأَحَقُّ بِمَا لَا يُحَدُّ مِنَ الْوُجُودِ الْإِمْكَانِيِّ * فَالْمَوْجُودَاتُ الْإِمْكَانِيَّةُ بِحَذَافِيرِهَا الْمُتَمَثِّلَةُ فِي مِرْآةِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ الْمُحِيطِ تَصِيرُ كَالْمَرَايَا لِتَجَلِّيَاتِ أَنْوَارِ الْوُجُودِ الْوُجُوبِيِّ * فَالْعِلْمُ مِرْآتُهَا, وَهِيَ مِرْآةُ الْوُجُودِ الْوُجُوبِيِّ؛ فَوُجُودُهَا خَرَجَ مِنْ مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ إِلَى الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ, وَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ( ) مَنْ تَأَمَّلَ فِي الْكَوْنِ يَتَحَدَّسُ مِنْهُ: إِنَّ الفَاعِلِيَّةَ وَالتَّأْثِيرَ مِنْ شَأْنِ اللَّطِيفِ وَالنُّورَانِيِّ وَالْمُجَرَّدِ * وَأَنَّ الْاِنْفِعَالَ وَالْقَابِلِيَّةَ وَالتَّأَثُّرَ مِنْ شَأْنِ الْمَادِّيِّ وَالْكَثِيفِ وَالْجِسْمَانِيّ * فَإِنْ شِئْتَ اُنْظُرْ إِلَى النُّورِ وَإِلَى الْجَبَلِ! فَالْأَوَّلُ: يَقُومُ فِي السَّمَاءِ وَيَدُهُ الرَّقِيقَةُ الدَّقِيقَةُ اللَّطِيفَةُ فِي الْأَرْضِ فَعَّالَةٌ جَوَّالَةٌ * وَالثَّانِي: بِعَظَمَتِهِ وَبِأَيَادِيهِ الْغَلِيظَةِ لَا يَقْتَدِرُ عَلَى فِعْلٍ وَتَأْثِيرٍ حَتَّى فِي لَصِيقِهِ وَجَارِهِ * وَكَذَا نَرَى فِي تَفَاعُلِ الْأَشْيَاءِ فِي الظَّاهِرِ: أَنَّ بِدَرَجَةِ لُطْفِ الشَّيْءِ وَنُورَانِيَّتِهِ تَظْهَرُ مَرْتَبَةُ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ, وَبِالْكَثَافَةِ يَتَقرَّبُ إِلَى دَرَجَةِ الْمُسَبَّبِ * فَيُعْلَمُ مِنْ هُنَا أَنَّ خَالِقَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرِيَّةِ وَمُوجِدَ الْمُسَبَّبَاتِ هُوَ نُورُ الْأَنْوَارِ, الَّذِي { ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ} {ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ} لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ التَّفَكُّرَ نُورٌ يُذِيبُ الْغَفْلَةَ الْبَارِدَةَ الْجَامِدَةَ, وَالدِّقَّةَ نَارٌ تَحْرُقُ الْأَوْهَامَ الْمُظْلِمَةَ الْيَابِسَةَ * لَكِنْ إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي نَفْسِكَ فَدَقِّقْ وَتَمَهَّلْ وَتَغَلْغَلْ وَفَصِّلْهُ تَفْصِيلًا؛ بِمُقْتَضَى الْاِسْمِ الْبَاطِنِ الْمُتَعَمِّقِ * إِذْ كَمَالُ الصَّنْعَةِ أَتَمُّ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَفْصِيلِهِ * وَإِذَا تَفَكَّرْتَ فِي الْآَفَاقِ فَأَجْمِلْ وَأَسْرَعْ وَلَا تَغُصّْ وَلَا تَخُـضّْ إِلَّا لِحَاجَةِ إِيضَاحِ الْقَاعِدَةِ, وَلَا تُحَدِّدِ النَّظَرَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْاِسْمِ الظَّاهِرِ الْوَاسِعِ * إِذْ شَعْشَعَةُ الصَّنْعَةِ أَجْلَى وَأَبْهَرُ وَأَجْمَلُ فِي إِجْمَالِهِ وَمَجْمُوعِهِ؛ وَلِئَلَّا تَغْرَقَ فِيمَا لَا سَاحِلَ لَهُ * فَإِذَا فَصَّلْتَ هُنَاكَ >يَعْنِي فِي نَفْسِكَ<، وَأَجْمَلْتَ هُنَا تَقَرَّبْتَ إِلَى الْوَحْدَةِ’* فَصَارَتِ الْجُزْئِيَّاتُ أَجْزَاءً, وَالْأَنْوَاعُ كُلًّا, والْمُخْتَلِطُ مُمْتَزِجًا، وَالْمُمْتَزِجُ مُتَّحِدًا؛ فَيَفُورُ مِنْهُ نُورُ الْيَقِينِ * وَإِذَا عَكَسْتَ بَأَنْ أَجْمَلْتَ فِيكَ, وَفَصَّلْتَ فِي الْآفَاقِ؛ تَتَشَتَّتُ بِكَ الْكَثْرَةُ وَتَسْتَهْوِي بِكَ الْأَوْهَامُ * وَتَسْتَغْلِظُ أَنَانِيَّتُكَ وَتَتَصَلَّبُ غَفْلَتُكَ فَتَنْقَلِبُ طَبِيعَةً( ) * فَهَذَا طَرِيقُ الْكَثْرَةِ الْمُنْجَرَّةِ إِلَى الضَّلَالَةِ *

    • اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الضَّالِّينَ آمِيْنَ **
    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ قَد رُوِيَ >أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَحَرَّكَ سَكَنَ رِزْقُهُ, وَإِذَا سَكَنَ تَحَرَّكَ رِزْقُهُ< * اَلْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ لَمَعَاتِ حَقِيقَةٍ وَاسِعَةٍ * فَانْظُرْ إِلَى الْأَشْجَارِ لَمَّا سَكَنَتْ مُتَوَكِّلَةً، تَحَرَّكَتْ إِلَيْهَا أَرْزَاقُهَا؛ وَإِلَى الْحَيَوَانَاتِ لَمَّا تَحَرَّكَتْ حَرِيصَاتٍ, سَكَنَتْ مِنْهَا أَرْزَاقُهَا ثَابِتَةً فِي مَقَامِهَا, نَابِتَةً عَلَى عُرُوقِهَا’* تَدْعُو بِأَلْوَانِهَا وَرَوَائِحِهَا إِلَى أَنْفُسِهَا ـ مَنْ جَاعَ وَاحْتَاجَ ـ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَحَرِّكَةِ بِأَهْوَائِهَا, وَالدَّائِرَةِ بِهَوَسَاتِهَا *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّهُ مَا أَجْهَلَ الْإِنْسَانُ الْغَافِلُ وَمَا أَضَلَّهُ وَمَا أَضَرَّهُ لِنَفْسِهِ؛ يَتْرُكُ خَيْرًا عَظِيمًا لِوُجُودِ اِحْتِمَالٍ عَائِقٍ بَيْنَ تِسْعَةِ اِحْتِمَالَاتٍ سَائِقَةٍ * وَيَرْتَكِبُ شَرًّا جَسِيمًا لِاِحْتِمَالٍ سَائِقٍ بَيْنَ تِسْعَةِ اِحْتِمَالَاتٍ عَائِقَةٍ * مَثَلًا: يَتْرُكَ الصَّلَاةَ لِوَهْمٍ شَيْطَانِيٍّ مَعَ أُلُوفِ أَسْبَابٍ وَسَوَائِقَ تُشَوِّقُهُ عَلَى فِعْلِهِ * وَيَرْتَكِبُ الضَّلَالَةَ بِتَرْكِ الْهِدَايَةِ( ) لِشُبْهَةٍ سُوفِسْطَائِيَّةٍ, مَعَ وُجُودِ أُلُوفِ بَرَاهِينِ الْهِدَايَةِ * وَالْحَالُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ وَهَّامٌ ذُو اِحْتِيَاطٍ وَحَزْمٍ يَتَجَنَّبُ مِنَ الْمَضَارِّ الْعَاجِلَةِ بِاحْتِمَالٍ وَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ اِحْتِمَالَاتٍ؛ فَكَيْفَ لَا يَتَجَنَّبُ مِنْ أَضَرِّ الْمُضِرَّاتِ بِتِسْعَةِ اِحْتِمَالَاتٍ, بَلْ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ؟! *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ فِي رُوحِ الْإِنْسَانِ اِحْتِيَاجَاتٍ لَا تَتَنَاهَى، وَقَابِلِيَّةً لِتَأَلُّمَاتٍ لَا تَتَنَاهَى, وَاسْتِعدَادًا لِتَلَذُّذَاتٍ لَا تَتَنَاهَى، وَمُهَيَّأٌ لِآلَامٍ وَآمَالٍ لَا تَتَنَاهَى * حَتَّى أَنَّ الشَّفَقَةَ مَعَ ضَلَالَةِ الْقَلْبِ تَتَضَمَّنُ آلَامًا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، (كَمَا ذُكِرَ فِي قَطْرة, المطبوعة عام 1921م. صحيفة 35) فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقُولَ: مَا أَنَا, وَمَنْ أَنَا, وَأَيُّ شَيْءٍ أَنَا؛ حَتَّى تَقُومَ لِيَ الْقِيَامَةُ, وَيُوضَعَ لِيَ الْمِيزَانُ, وَيَجْرِيَ عَلَيَّ الْحِسَابُ * فَيَا أَيُّهَا الضَّالُّ الشَّاكُّ! لَا تَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ, فَإِنَّ لَذَّتَهَا مُعَلَّقَةً بِمَغْلَطَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِالشَّكِّ لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ؛ فَيَفِرُّ الضَّالُّ الشَّاكُّ مِنْ دَهْشَةِ أَلَمِ الزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ إِلَى اِحْتِمَالِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ’* وَيَفِرُّ أَيْضًا مِن تَكَلُّفِ تَحَمُّلِ التَّكَالِيفِ الدِّينِيَّةِ إِلَى اِحْتِمَالِ عَدَمِ الْآخِرَةِ؛ فَيَتَخَلَّصُ بِهَذِهِ الْمَغْلَطَةِ مِنَ الْأَلَمَيْنِ مُؤَقَّتًا * فَفِي قَرِيبٍ مِنَ الزَّمَانِ تَنْحَلُّ عَلَيْهِ الْعُقْدَةُ, وَتَنْكَشِفَ الْحَقِيقَةُ؛ فَلَا الْاِحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يُهَوِّنُ أَلَمَهُ, بَلْ يُحِسُّهُ كُلَّ الْأَلَمِ دَفْعَةً * وَلَا الثَّانِي يُخَفِّفُ حَمْلَهُ, بَلْ يُضَاعَفُ عَلَيْهِ آلَامٌ جَهَنَّمِيَّةٌ * وَكَذَا يَقُولُ: (لَكِنْ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ) فَالْمُصِيبَةُ عَمَّتْ فَطَابَتْ, فَلَا عَلَيَّ أَنِّي كَأَمْثَالِي فَلَا أُبَالِي * لَكِنْ يَجِيءُ زَمَانٌ عَنْ قَرِيبٍ تَتَضَاعَفُ عَلَيْهِ الْمُصِيبَةُ بِدَرَجَةِ عُمُومِهَا؛ كَإِصَابَةِ الشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ, ثُمَّ أَقَارِبِهِ وَأَحْبَابِهِ * لِأَنَّ فِي رُوحِ الْمَرْءِ عَلَاقَاتٌ لِأَبْنَاءِ جِنْسِهِ؛ فَمَهْمَا عَمَّتِ الْمُصِيبَةُ تَضَاعَفَتِ الْبَلِيَّةُ * أَيُّهَا الشَّاكُّ الْغَافِلُ! لَا تَحْسَبْ أَنَّ مَا تَذُوقُهُ بِيَدَيِ الْغَفْلَةِ وَالشَّكِّ لَذَّةٌ لَذِيذَةٌ, بَلْ فِيهِ اِدِّخَارُ آلَامٍ أَلِيمَةٍ؛ سَتَهْجِمُ عَلَيْكَ دَفْعَةً وَتَنْقَلِبُ آلَامٌ جَهَنَّمِيَّةٌ * فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَتَبَدَّلَ َلَكَ هَذِهِ الْآلَامُ الْمُتَرَصِّدَةُ لَذَائِذَ مُتَجَدِّدَةً وَتَنْقَلِبَ هَذِهِ النَّارُ نُورًا؛ فَقَوِّسْ أَنْفَ غُرُورِكَ بِالرُّكُوعِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ, وَوَسِّعْ رَأْسَهُ لِنُزُولِ ضَيْفِ الْفُرْقَانِ مَعَ فَيْضِ الْإِيْمَانِ’* فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُدَاوَاةِ بِتَفَكُّرِ( ) الْآيَاتِ وَمُلَازَمَةِ الطَّاعَاتِ كَيْ يَخْرِقَ حِجَابُ الشُّكُوكِ وَالْغَفَلَاتِ, وَتَتَّضِحَ حَلَاوَةُ النَّجَاةِ مِنْ مَرَارَةِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ, وَتَنْكَشِفَ لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ! *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ التَّسْلِيمَ دُونَ الْاِخْتِبَارِ وَالتَّجْرُبَةِ وَالْاِمْتِحَانِ * إِذْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَخْتَبِرَ عَبْدَهُ, وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَبِرَ رَبَّهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

أَنَّ دَائِرَةَ الْاِسْمِ الْبَاطِن ِوَدَائِرَةَ الْاِسْمِ الظَّاهِرِ مُتَدَاخِلَتَانِ وَمُتَقَابِلتَانِ’* فَأَهْلُ الْأُولَى يَقُولُون: قُدْرَتُهُ - مَثَلاً- كَالْبَحْرِ * وَأَهْلُ الثَّانِيَةِ يَقُولُونَ: كَالشَّمْسِ * فَالْبَحْرُ كَالكُلِّ ذِي الْأَجْزَاءِ * وَالشَّمْسُ كَالْكُلِّيِّ ذِي الْجُزْئِيَّاتِ؛ تَمَاثِيلُهَا كَجُزْئِيَّاتِهَا * وَالْبَاطِنِيُّ الْمَحْضُ الْمُفْرِطُ لَا يَخْلُصُ مِنْ شَائِبَةِ التَّجَزُّئِ وَالْاِتِّحَادِ * وَالظَّاهِرِيُّ السَّطْحِيُّ الْمُخَالِفُ لِلسُّنَّةِ لَا يَخْلُصُ مِنْ شَوْبِ شِرْكِ الْأَسْبَابِ * فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْقُرْآنُ * فَيَا مُنْزِلَ الْقُرْآنِ بِحَقِّ الْقُرْآنِ اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * آمِينَ آمِينَ آمِينَ’*

    • ** ** 


زَهْــــرَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ

كُلُّ حَيٍّ فِي الدُّنْيَا كَعَسْكَرٍِ مُوَظَّفٍ, إِنَّمَا يَعْمَلُ بِحِسَابِ الْمَلِكِ وَبِاسْمِهِ * فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَالِكٌ فَهُوَ هَالِكٌ * إِنَّ هَذَا النِّظَامَ وَالْمِيزَانَ الْمَشْهُودَيْنِ عُنْوَانَانِ لِقَبْضَتَيِ الرَّحْمَنِ وَبَابَانِ مِنَ الْكِتَابِ الْمُبِينِ, وَمِنْ كِتَابِ الْكَائِنَاتِ * وَالْقُرْآنُ تَرْجُمَانُ الْكِتَابَيْنِ, وَفِهْرِسْتَةُ الْبَابَيْنِ, وَفَذْلَكَةُ الْقَبْضَتَيْنِ * ــ بديع الزّمان ــ  بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَاكِمِ الْحَكَمِ الْحَكِيمِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي نَظَّمَ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ بِقَوَانِينِ عَادَتِهِ وَسُنَّتِهِ * وَعَيَّنَهَا بِدَسَاتِيرِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ * وَأَسَّسَ بُنْيَانَهَا بِأُصُولِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ, وَزَيَّنَهَا بِنَوَامِيسِ عِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ, وَنَوَّرَهَا بِجَلَوَاتِ أَسْمَائِهِ وَبِتَجَلِّيَاتِ صِفَاتِهِ؛ وَهُوَ الْقَادِرُ الْقَيُّومُ السَّرْمَدِيُّ الَّذِي مَا هَذِهِ الْكَائِنَاتُ بِمَاهِيَاتِهَا وَهُوِيَّاتِهَا وَتَمَيُّزَاتِهَا وَتَزَيُّنَاتِهَا وَمَوَازِينِهَا وَمَحَاسِنِهَا إِلَّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ * وَنُقُوشُ بَرْكَارِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ * وَتَزْيِينَاتُ يَدِ بَيْضَآءِ صُنْعِهِ وَعِنَايَتِهِ * وَأَزَاهِيرُ رِيَاضِ لُطْفِهِ وَكَرَمِهِ * وَثَمَرَاتُ فَيَّاضِ رَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ * وَلَمَعَاتُ تَجَلِّيَاتِ جَمَالِهِ وَكَمَالِهِ جَلَّ جَلَالُهُ؛ حَمْدًا يَزِيدُ عَلَى ضَرْبِ جَمِيعِ الذَّرَّاتِ فِي الذَّرَّاتِ’* فَيَا مَنْ بِتَلَئْلُإِ لَمَعَاتِ بُرُوقِ شُرُوقِ أَسْمَآئِهِ ظَهَرَ عَجَائِبُ الْمَخْلُوقَاتِ, وَيَا مَنْ تَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ الذَّرَّاتُ وَالسَّيَّارَاتُ, وَيَا مَنْ كَتَبَ عَلَى مِسْطَرِ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ـ اَلْمَصْدَرِ لِلنِّظَامِ وَالْمِيزَانِ ـ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ الْمُتَزَيِّنَاتِ! إِنَّا نُقَدِّمُ إِلَيْكَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ سُكُونٍ وَحَرَكَةٍ تَتَحَرَّكُ بِهَا ذَرَّاتُ الْعَالَمِ وَمُرَكَّبَاتُهَا شَهَادَةً: نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ * وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ’* اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ بِعَدَدِ جَمِيعِ الْحُرُوفَاتِ المُتَشَكِّلَةِ فِي الْكَلِمَاتِ الْمُتَمَثِّلَةِ بِإِذْنِكَ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الْهَوَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ, مِنْ كُلِّ قَارِئٍ مِنْ حِينِ النُّزُولِ إِلَى يَوْمِ النُّشُورِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا سَعِيدُ الشَّقِيُّ!( ) أَنَّ مَا يُوصِلُ إِلَيْكَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ مِنَ الوَسَائِلِ إِمَّا لَهُ اِخْتِيَارٌ أَوْ لَا * وَمَا لَا اِخْتِيَارَ لَهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ يُعطِيكَ مَا يُعْطِيكَ بِحِسَابِ اللهِ وَبِاسْمِهِ * فَخُذْ وَكُلْ أَنْتَ بِاسْمِ اللهِ, وَتَوَجَّهْ بِتَمَامِ شُكْرِكَ إِلَيْهِ * وَإِمَّا مَاَلَهُ اِخْتِيَارٌ مَّا, فَلَا تَأْخُذْ وَلَا تَأكُلْ مِنْهُ مَا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيهِ, أَيْ بِإِخْطَارِ صَاحِبِهِ الْحَقِيقِيِّ, وَبِتَوْجِيْهِ نَظَرِكَ إِلَيْهِ؛ كَمَا تَرْمُزُ إِلَيْهِ الْآيَةُ( ) {ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ} فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ هُوَ فَاذْكُرْ أَنْتَ, وَانْظُرْ مِنْ فَوْقِهِ إِلَى مَنْ أَنْعَمَ إِلَيْهِ وَإِلَيْكَ * فَانْظُرْ فِي النِّعْمَةِ إِلَى الْإِنْعَامِ, وَمِنْهُ إِلَى الْمُنْعِمِ الْحَقِيقِيِّ؛ فَاشْكُرْهُ بِهَذَا النَّظَرِ, فَإِنَّ هَذَا النَّظَرَ شُكْرٌ * ثُمَّ ارْجِعْ إِنْ شِئْتَ وَانْظُرْ إِلَى الْوَسِيلَةِ وَادْعُ لَهُ( ) مُثْنِيًا عَلَيْهِ بِسَبَبِ إِرْسَالِ النِّعْمَةِ عَلَى يَدِهِ * وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ يَا قَلْبِي أَنْ تَنْظُرَ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ إِلَى الْمُنْعِمِ الظَّاهِرِيِّ * الْحَاصِلُ: لَا بُدَّ مِنْ بِسْمِ اللهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْمُخْتَارِ, وَمَرَّةً فِي غَيْرِهِ’* وَإِيَّاكَ يَا نَفْسِي أَنْ تَظُنَّ الْاِقْتِرَانَ عِلِّيَّةً؛ فَقَدْ يُقَارِنُ وُصُولَ نِعْمَةٍ فِعْلُ أَحَدٍ, فَيَظُنُّ قَاصِرُ النَّظَرِ أَنَّ فِعْلَهُ عِلَّتَهَا, كَلَّا! وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ عَدَمَ نِعْمَةٍ عِنْدَ عَدَمِ شَيْءٍ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيْءِ( ) عِلَّةُ وُجُودِهَا * فَقَدْ تَرَتَّبَتِ النَّتِيجَةُ عَلَى أُلُوفِ أُمُورٍ؛ فَلَا تُوجَدُ -بِسُنَّةِ اللهِ- تِلْكَ النِّعْمَةُ لِفَقْدِ أَيِّ جُزْءٍ كَانَ, وَلَوْ أَضْعَفَ الْأُمُورِ * فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ فَتَحَ قَنْطَرَةَ جَدْوَلٍ فَسَالَ الْمَاءُ عَلَى نَوَاةٍ وَبَذْرٍ فَانْشَجَرَتْ( ) وَتَسَنبَلَتْ، أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الشَّجَرَةَ صُنْعُهُ وَمُلْكُهُ وَمَالُهُ حَقِيقَةً * فَهِذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِيزَانٌ تُعْرَفُ بِهِ( ) دَرَجَاتُ الْغَفْلَةِ وَالشِّرْكِ الْخَفِيِّ * وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ يَا قَلْبِي أَنْ تُسْنِدَ مَا يُفَاضُ عَلَى الْجَمَاعَةِ أوْ يَتَظَاهَرُ مِنْهَا, أَوْ يَتَحَصَّلُ مِن مَسَاعِيهَا إِلَيْكَ وِإِلَى غَيْرِكَ مِنْ مُمَثِّلِ الْجَمَاعَةِ أَوْ أُسْتَاذِهَا أَوْ مُرْشِدِهَا * إِذْ مَعَ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ وَالتَّصَوُّرَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ يُوقِعُ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ الْمُسْتَتِرَ فِيهِ "أنَا" فِي غُرُورٍ عَظِيمٍ وَأَنَانِيَّةٍ غَلِيظَةٍ * وَيَفْتَحُ لِمَنْ يُسْنَدُ مَنَافِذَ إِلَى نَوْعِ شِرْكٍ خَفِيٍّ, فَتَأْخُذَ الْوَسِيلَةُ حُكْمَ الْمَقْصُودِ, وَيَلْبَسُ الْبَوَّابُ زِيَّ السَّلْطَانِ * وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ إِذَا رَأَيْتَ مِنْ أَحَدٍ فُيُوضَاتٍ تَرِدُ عَلَيْكَ، أَنْ تَظُنَّ أَنَّهُ مَصْدَرُهَا أَو مَنْبَعُهَا * بَلْ مَا هُوَ إِلَّا مَظْهَرُهَا وَمَعْكِسُهَا * بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَا مَصْدَرًا وَلَا مَظْهرًا؛ بَلْ لِأَجْلِ حَصْرِ نَظَرِكَ عَلَيْهِ تَتَخَيَّلُ مَا يُفَاضُ عَلَيْكَ مِن مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ إِلَى قَلْبِكَ؛ كَأَنَّهُ تَمَثَّلَ أَوَّلًا فِي مُرْشِدِكَ, ثُمَّ انْعَكَسَ عَلَيْكَ * كَمَثَلِ مَنْ يُمْعِنُ النَّظَرَ فِي زُجَاجَةٍ فَيَتَجَرَّدُ ذِهْنُهُ فَيَجُولُ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ؛ فَيُشَاهِدُ غَرَائِبَ فَيَزْعَمُهَا مُتَمَثِّلَةً فِي الزُّجَاجَةِ * كَلَّا!..

    • {اِعْلَمْ} **

يَا مَنْ يَسْتَمِدُّ مِنَ الْأَسْبَابِ؛ تَنْفُخُ مِنْ غَيْرِ ضَرَمٍ وَتَسْتَسْمِنُ ذَا وَرَمٍ! * مَثَلًا: إِذَا شَاهَدْتَ قَصْرًا عَجِيبًا يُبْنَى مِنْ جَوَاهِرَ غَرِيبَةٍ؛ لَا يُوجَدُ وَقْتَ الْبِنَاءِ بَعْضُ تِلْكَ الْجَوَاهِرِ إِلَّا فِي الصِّينِ, وَبَعْضُهَا إِلَّا فِي فَاسَ, وَبَعْضُهَا إِلَّا فِي الْيَمَنِ, وَبَعْضُهَا إِلَّا فِي سِيبِيرْيَا وَهَكَذَا! أَفَلَا تَشْهَدُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَصْرَ بِنَاءٌ يَبْنِيهِ مَنْ يَحْكُمُ عَلَى كُرَةِ الْأَرْضِ, وَيَجْلِبُ مِنْ أَطْرَافِهَا مَا يُرِيدُ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ * فَهَكَذَا: كُلُّ حَيٍّ بِنَاءٌ, وَكُلُّ حَيَوَانٍ قَصْرٌ إَِلَهِيٌّ * لَا سِيَّمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ أَحْسَنِ تِلْكَ الْقُصُورِ وَمِنْ أَعْجَبِهَا؛ لِأَنَّهُ إمْتَدَّتْ حَاجَاتُهُ إِلَى الْأَبَدِ, وَانْتَشَرَتْ آمَالُهُ فِي أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ, وَشَرَعَتْ رَوَابِطُهُ فِي مَا بَيْنَ أَدْوَارِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ’* فَيَا هَذَا الْإِنْسَانُ! لَا يَلِيقُ بِكَ وَلَا يَحِقُّ لَكَ وَأَنْتَ تَحْسِبُكَ إِنْسَانًا أَنْ تَدْعُوَ وَتَعْبُدَ إِلَّا مَنْ يَحْكُمُ عَلَى الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَيَمْلِكُ أَزِمَّةَ الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا قَلْبِي! أَنَّ الْأَبْلَهَ الَّذِي لاَ يَعْرِفُ الشَّمْسَ إِذَا رَأَى فِي مِرْآةٍ تِمْثَالَ شَمْسٍ, لَا يُحِبُّ إِلَّا الْمِرْآةَ وَيُحَافِظُ عَلَيْهَا بِحِرْصٍ شَدِيدٍ لِاِسْتِبْقَاءِ الشَّمْسِ * وإِذَا تَفَطَّنَ أَنَّ الشَّمْسَ لاَ تَمُوتُ بِمَوْتِ الْمِرْآَةِ ولَا تَفْنَى بِاِنْكِسَارِهَا تَوَجَّهَ بِتَمَامِ مَحَبَّتِهِ إِلَى الشَّمْسِ * إِذْ مَا يُشَاهَدُ فِي الْمِرْآةِ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِهَا, بَلْ هُوَ قَيُّومُهَا * وَبَقَاؤُهُ لَيْسَ بِهَا, بَلْ بِنَفسِهِ * بَلْ بَقَاءُ حَيَوِيَّةِ الْمِرْآةِ وَتَلَئْلُؤِهَا إِنَّمَا هُوَ بِبَقَاءِ تَجَلِّيَاتِ الشَّمْسِ وَمُقَابَلَتِهَا، إِذْ هِيَ قَيُّومُهَا * يَا هَذَا! قَلْبُكَ وَهُوِيَّتُكَ مِرْآةٌ, فَمَا ِفي فِطْرَتِكَ مِن حُبِّ الْبَقَاءِ لَيْسَ لِأَجْلِهَا, بَلْ لِأَجْلِ مَا فِيهَا * فَقُلْ: >يَا بَاقِي أَنْتَ الْبَاقِي<! فَإِذْ أَنْتَ بَاقٍ, فَلْيَفْعَلِ الْفَنَاءُ بِنَا مَا شَاءَ فَلَا نُبَالِي بِمَا نُلَاقِي *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ!أَنَّ مِنْ غَرَائِبِ مَا أَوْدَعَ الْفَاطِرُ الْحَكِيمُ فِي مَاهِيَّتِكَ أَنَّهُ قَدْ لاَ تَسَعُكَ الدُّنْيَا فَتقُولُ: >أُوفْ!<( ) كَالمَسْجُونِ الْمَخْنُوقِ * مَعَ أَنَّكَ تَسَعُكَ خَرْدَلةٌ وحُجَيْرَةٌ وخَاطِرَةٌ ودَقِيقَةٌ حَتَّى تَفَنْى فِيهَا, وتَسْتَعْمِلُ أَشَدَّ حِسِّيَّاتِكَ لَهَا * وأَعْطَاكَ لَطَائِفَ بَعْضُهَا يَبْلُعُ الدُّنْيَا فَلاَ يَشْبَعُ, وبَعْضُهَا يَضِيقُ عَنْ ذَرَّةٍ ولَا يَتَحَمَّلُ شَعِيرَةً( )؛ كمَا أَنَّ الْعَيْنَ لاَ تَتَحَمَّلُ شَعْرَةً * فَاحْذَرْ وخَفِّفِ الْوَطْأَ؛ وخَفْ أَنْ تَغْرَقَ ويَغْرَقَ مَعَكَ أَلْطَفُ لَطَائِفِكَ في أَكْلَةٍ, أوْ كَلِمَةٍ, أوْ شَعْرَةٍ, أَوْ شَعِيرَةٍ, أَوْ لَمْعَةٍ, أَوْ لَحْمَةٍ, أَوْ بَقْلَةٍ, أَوْ قُبْلَةٍ * فَإِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ جِهَةً مِنْ عَدَمِ التَّنَاهِي يُطِيقُ أَنْ يُغْرِقَكَ وَلاَ يَضِيقُ عَنْ بَلْعِكَ * فَانْظُرْ إِلى مِرْآتِكَ كَيْفَ يَغْرَقُ فِيهَا السَّمَآءُ بِنُجُومِهَا, وإِلَى خَرْدَلَةِ حَافِظَتِكَ كَيْفَ كَتَبَ الْحَقُّ فِيهَا أَكْثَرَ مَا فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِكَ وَأَغْلَبِ مَا فِي صَحَائِفِ أَعْمَارِكَ * فَسُبْحَانَهُ مِنْ قَادِرٍ قَيُّومٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

إِنَّ دُنْيَاكَ كَمَنْزِلٍ ضَيِّقٍ كَالْقَبْرِ * لَكِنْ لِأَجْلِ أَنَّ جُدْرَانَهُ مِنَ الزُّجَاجَةِ تَتَعَاكَسُ, تَرَاهُ وَاسِعًا مِقْدَارَ مَدِّ الْبَصَرِ * إِذِ الْمَاضِي الْمَعْدُومُ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا, وَالْآَتِي الْمَفْقُودُ مِرْآتَانِ مُتَقَابِلَتَانِ تَصِلاَنِ جَنَاحَ حَالِكَ وَتَتَّصِلاَنِ بِزَمَانِكَ؛ فَلاَ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمِثَالِ, فَيَصِيرُ خَطُّ آنِكَ سَطْحًا * حَتَّى إِذَا تَحَرَّكْتَ بِتَحْرِيكِ الْمَصَائِبِ ضَرَبَتِ الْجُدْرَانُ رَأْسَكَ, فَيَطِيرُ خَيَالُكَ وَيُطْرَدُ نَوْمُكَ * فَتَرَى دُنْيَاكَ أَضْيَقَ مِنَ الْقَبْرِ والْجِسْرِ, وَزَمَانَكَ أَسْرَعَ مِنَ الْبَرْقِ وَالنَّهْرِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَرَى شَوَاهِدَ تَجَلِّيَاتِ اِسْمِهِ "الْحَفِيظِ" الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِـ: {ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ} وَبِـ {ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ} فِي صَحَائِفِ كِتَابِ اَلْكَائِنَاتِ, اَلْمَكْتُوبِ ذَلِكَ اَلْكِتَابُ عَلَى مِسْطَرِ اَلْكِتَابِ اَلْمُبِينِ! اُنْظُرْ إِلَى غَرْفَةٍ تَأْخُذُهَا بِقَبْضَتِكَ مِنْ أَشْتَاتِ بُذُورِ الْأَزْهَارِ وَالْأَشْجَارِ؛ قَدْ اِخْتَلَطَتْ تِلْكَ الْبُذُورُ وَالْحَبَّاتُ اَلْمُخْتَلِفَةِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ, الْمُتَشَاِبهَةِ الْأَشْكَالِ وَالْأَجْرَامِ بِحَيْثُ لَا يُمَيَّزُ بَيْنَهَا * ثُمَّ اِدْفَنْهَا مَعَاً فِي الْظُّلْمَةِ فِي ظُلُمَاتِ تُرَابٍ بَسِيطٍ جَامِدٍ مَحْدُودٍ * ثُمَّ اسْقِهِ بِالْمَاءِ الَّذِي لَا مِيزَانَ لَهُ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ, فَأَيْنَ مَا تُوَجِّهْهُ يَذْهَبُ’* ثُمَّ اُنْظُرْ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَشْرِ الْسَّنَوِيِّ وَقَدْ حُشِرَ( ) بِنَفْخِ الْرَّعْدِ فِي الْصُّورِ فِي الْرَّبِيعِ؛ حَتَّى تَرَى تِلْكَ الْبُذُورَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَشَابِهَةَ كَيْفَ اِمْتَثَلَتْ بِلَا خَطَأٍ اَلْأَوَامِرَ( ) الْتَّكْوِينِيَّةَ مِنْ فَاطِرِهَا الْحَكِيمِ بَصُورَةٍ تَتَلَمَّعُ مِنْهَا كَمَالُ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ واْلإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ وَالْبَصِيرَةِ وَالْشُّعُورِ * أَلَا تَرَى تِلْكَ الْمُتَمَاثِلَاتِ كَيْفَ تَمَايَزَتْ؛ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ شَجَرَةَ التِّينِ تَنْشُرُ وَتَنْثُرُ عَلَى رُؤُوسِكُمْ نِعَمَ رَبِّهَا * وَصَارَتْ هَذِهِ أَزَاهِيرَ تَزَيَّنَتْ لِأَجْلِكَ وَتَضْحَكُ فِي وَجْهِكَ وَتَتَوَدَّدُ لَكَ * وَصَارَتْ هَاتِيكَ فَوَاكِهَ مِمَّا تَشْتَهُونَ؛ تَدْعُوكَ إِلَى أَنْفُسِهَا وَتَفْدِيهَا لَكَ * حَتَّى صَارَتْ تِلْكَ الْغَرْفَةُ بِإِذْنِ خَالِقِهَا جَنَّةً مَشْحُونَةً مِنَ الْأَزْهَارِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأَشْجَارِ * اُنْظُرْ هَلْ تَرَى فِيهَا غَلَطاً أَوْ قُصُورَاً؟ {ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ}، بَلْ( ) قَدْ أَعْطَى الْحَفِيظُ لِكُلٍّ مِنْهَا مَا وَرِثَهُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَأَصْلِهِ بِلَا نُقْصَانٍ وَبِلَا اِلْتِبَاسٍ * فَمَنْ يَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ إِلَّا مَنْ يَقْتَدِرُ عَلَى أَنْ يُقِيمَ الْقِيَامَةَ * فَمَنْ يَفْعَلُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ تِلْكَ * فَإِظْهَارُ كَمَالِ الْحِفْظِ هَاهُنَا مِنَ الْأُمُورِ الْتَّافِهَةِ الْزَّائِلَةِ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ عَلَى مُحَافَظَةِ مَا لَهُ أَهَمِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَتَأْثِيرٌ أَبَدِيٌّ كَأَفْعَالِ خُلَفَاءِ الْأَرْضِ وَآثَارِهِمْ, وَأَعْمَالِ حَمَلَةِ الْأَمَانَةِ وَأَقْوَالِهِمْ, وَحَسَنَاتِ عَبَدَةِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ وَسَيِّئَاتِهِمْ * {ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ} كَلَّا! بَلَى إِنَّهُ لَمَبْعُوثٌ إِلَى الْأَبَدِ فَيُحَاسَبُ عَلَى الْسَّبَدِ وَاللَّبَدِ * فَهَذَا الْمِثَالُ الَّذِي تَنْسِجُ أَنْتَ عَلَى مِنْوَالِهِ لَيْسَ قَبْضَةٌ مِنْ صُبْرَةٍ أَوْ غَرْفَةٌ مِنْ بَحْرٍ, بَلْ حَبَّةٌ مِنْ رِمَالِ الدَّهْنَاءِ وَنُقْطَةٌ مِنْ تِلَالٍ الْفَيْفَاءِ، وَقَطْرَةٌ مِنْ زُلَالِ السَّمَاءِ * فَسُبْحَانَهُ مِنْ حَفِيظٍ رَقِيبٍ, وَشَهِيدٍ حَسِيبٍ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا أَيُّهَا الْسَّعِيدُ الْغَافِلُ! أَنَّ مَالَا يُرَافِقُكَ بَعْدَ فَنَاءِ هَذَا الْعَالَمِ, بَلْ يُفَارِقُكَ بِخَرَابِ الدُّنْيَا لَا يَلِيقُ أَنْ تُلْزِقَ قَلْبَكَ بِهِ * فَكَيْفَ بِمَا يَتْرُكُكَ بِاِنْقِرَاضِ عَصْرِكَ, بَلْ فَكَيْفَ بِمَا لَا يُصَاحِبُكَ فِي سَفَرِ الْبَرْزَخِ, بَلْ فَكَيْفَ بِمَا لَا يُشِيعُكَ إِلَى بَابِ الْقَبْرِ, بَلْ فَكَيْفَ بِمَا يُفَارِقُكَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ فِرَاقاً أَبَدِيَّاً مَوْرُوثاً إِثْمُهُ فِي ذِمَّتِكَ, بَلْ فَكَيْفَ بِمَا يَتْرُكُكَ عَلَى رَغْمِكَ فِي آنِ سُرُورِكَ بِحُصُولِهِ * فَإِنْ كُنْتَ عَاقِلَاً لَا تَهْتَمُّ وَلَا تَغْتَمُّ, وَاتْرُكْ مَا لَا يَقْتَدِرُ أَنْ يُرَافِقَكَ فِي سَفَرِ الْأَبَدِ * بَلْ يَضْمَحِلُّ وَيفْنَى تَحْتَ مُصَادَمَاتِ الْاِنْقِلَابَاتِ وَالتَّطَوُّرَاتِ الْبَرْزَخِيَّةِ وَالْاِنْفِلَاقَاتِ الأُخْرَوِيَّةِ! * ألَا تَرَى أَنَّ فِيكَ شَيْئاً لَا يَرْضَى إِلَّا بِالْأَبَدِ وَالْأَبَدِيِّ، وَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا إِلَيْهِ, وَلَا يَتَنَزَّلُ لِمَا دُونَهُ؛ وَذَلِكَ الشَّيْءُ سُلْطَانُ لَطَائِفِكَ * فَأَطِعْ سُلْطَانَكَ الْمُطِيعَ لِأَمْرِ فَاطِرِهِ الْحَكِيمِ جَلَّ جَلَالُهُ *

    • {اِعْلَمْ} **

إِنِّي رَأَيْتُنِي فِي الْمَنَامِ وَأَنَا أَقُولُ لِلْنَّاسِ: >يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّ مِنْ دَسَاتِيرِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا تَحْسَبَنَّ شَيْئاً مِمَّا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ مِنْكَ بِحَيْثُ تَتَعَبَّدُ لَهُ * وَأَنْ لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّكَ أَعْظَمُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِحَيْثُ تَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ * إِذْ يَتَسَاوَى مَا سِوَاهُ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْمَعْبُودِيَّةِ وَفِي نِسْبَةِ الْمَخْلُوقِيَّةِ<’*

** {اِعْلَمْ} **

يَاأَيُّهَا الْسَّعِيدُ الْغَافِلُ! تَنْظُرُ إِلَى أَطْرَافِكَ الْآفَاقِيِّةِ فَتَرَاهَا ثَابِتَةً مُسْتَمِرَّةً فِي الْجُمْلَةِ وَبِالنَّوْعِ؛ فَتَظُنُّ نَفْسَكَ أَيْضًا ثَابِتَةً دَائِمَةً حَتَّى لَا تَتَدَهَّشُ إِلَّا مِنَ الْقِيَامَةِ, كَأَنَّكَ تَدُومُ إِلَى أَنْ تَقُومَ هِيَ * كَلَّا! إِنَّكَ وَدُنْيَاكَ فِي مَعْرَضِ الْزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ فِي كُلِّ آنٍ * فَمَثَلُكَ فِي هَذَا الْغَلَطِ كَمَثَلِ مَنْ فِي يَدِهِ مِرْآةٌ مُتَقَابِلَةٌ( ) لِمَنْزِلٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ حَدِيقَةٍ اِرْتَسَمَتْ هِيَ فِيهَا؛ فَفِي أَدْنَي حَرَكَةٍِ لِلْمِرْآةِ وَتَغَيُّرِهَا يَحْصُلُ الْهَرْجُ وَالْمَرْجُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي اِطْمَأْنَنْتَ بِهَا * وَأَمَّا بَقَاؤُهَا فِي أَنْفُسِهَا فَلَا يُفِيدُكَ, إِذْ لَيْسَ لَكَ مِنْهَا إِلَّا مَا تُعْطِيكَ مِرْآتُكَ بِمِقْيَاسِهَا وَمِيزَانِهَا * فَتَأَمَّلْ فِي مِرْآتِكَ وَإِمْكَانِ مَوْتِهَا وَخَرَابِ مَا فِيهَا فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ؛ فَلَا تُحَمِّلْ عَلَيْهَا مَالَا طَاقَةَ لَهَا بِهِ *

** {اِعْلَمْ} **

إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْفَاطِرِ الْحَكِيمِ فِي الْأَكْثَرِ وَمِنْ عَادَتِهِ؛ إِعَادَةُ مَالَهُ أَهَمِّيَّةٌ وَقِيمَةٌ غَالِيَةٌ بِعَيْنِهِ, لَا بِمِثْلِهِ فِي الْأَدْوَارِ وَالْفُصُولِ الْمُتَكَرِّرَةِ بِتَجَدُّدِ الْأَمْثَالِ فِي أَكْثَرِ الْأَشْياءِ * فَانْظُرْ إِلَى الْحَشْرِ الْعَصْرِيِّ وَالسَّنَوِيِّ وَاليَوْمِيِّ تَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُطَّرِدَةً * وَقَدْ اِتَّفَقَتِ الْفُنُونُ وَشَهِدَتِ الْعُلُومُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ أَكْمَلُ ثَمَرَاتِ شَجَرَةِ الْخِلْقَةِ, وَلَهُ أَهَمِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَقِيمَةٌ غَالِيَةٌ, وَفَرْدُهُ كَنَوْعِ غَيْرِهِ * فَبِالْحَدْسِ الْقَطْعِيِّ يُعَادُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ الْبَشَرِ فِي الْحَشْرِ وَالْنَّشْرِ بَعَيْنِهِ وَجِسْمِهِ وَاِسْمِهِ وَرَسْمِهِ *

    • {اِعْلَمْ} **

يَا نَفْسِي الْجَاهِلَةَ الْمَغْرُورَةَ! أَنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ وَمَرْتَبَةٍ ظِلٌّ بَلْ ظِلَالٌ مُتَرَتِّبَةٌ * وَأَيْنَ الْظِّلُّ مِنْ الْأَصْلِ؟! فَهَلْ يَلِيقُ بِمَنْ يَرَى عَكْسَ سَرِيرِ سُلْطَانٍ فِي الْمَاءِ تَ